الإشارة في (ذَلِكَ) إلى الحال التي آلوا إليها من استحسانهم للشر وسبيله، واستهجانهم للخير وطريقه (بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا)، أي بسبب أنهم كذبوا بآيات الله، سارعوا بتكذيب آيات الله، فاجتالهم الشيطان عنها، وساروا منحرفين عنها غافلين عن معانيها، ومن سار في طريق منحرفا عن الخط المستقيم أوغل في الانحراف حتى يضل ضلالا بعيدا، وكلما أمعن في السير أمعن في الضلال، حتى لا تكون هداية، أخذهم الكبر فكذبوا بآيات الله (وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ)، ففسدت نفوسهم وأذواقهم حتى صاروا يذوقون المر فيحسبونه حلوا، وفسدت مداركهم، فصاروا لَا يفرقون بين الخير والشر، ولا بين الحسن والقبيح، فإن رأوا سبيل الرشد لا يختاروه وإن رأوا سبيل الغي اختاروه وهكذا إيفت مشاعرهم، وضلت أفهامهم، وإنما يستقيم الفكر إذا استقامت النفس.
ولقد قال تعالى في جزاء الذين كذبوا بآيات الله، فقال عز من قائل:
стр. 3957
(وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧) هذا النص السامي وصف عام لكل المكذبين لآيات الله ولقائه وأخصّ من ينطبق عليهم المشركون الذين كفروا بمحمد ﷺ .
قوله تعالى؛ (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ).
أنكر هؤلاء أمرين وكذبوهما. أولهما - آيات الله تعالى أي معجزاته القاهرة الباهرة، فلم يؤمنوا بموجبها ولم يصدقوا ما تدعوا إليه من إيمان، وأهملوها، وافتاتوا عليها، فقالوا: سحر مبين، وكذبوا بدلائل الوحدانية فيها فغفلوا عن إدراك ما تهدي إليه.
وثانيهما - كذبوا بلقاء الآخرة، أي بلقاء الله تعالى في الآخرة، أو كذبوا بلقاء الآخرة بأن كذبوا بالبعث وما يعقبه، وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نلهو ونلعب، وما نحن بمبعوثين، وحسبوا أن الإنسان يترك سدى، ونزلوا به عن مكانته
стр. 3958
التي خلقه الله تعالى عليها، وجعل الملائكة يسجدون له خاضعين، وحسبوا أن الله خلقهم عبثا، وأنهم إليه لَا يرجعون.
وبسبب هذا التكذيب لهذين الأمرين أصدر الله تعالى الحكم، فقال: (حَبِطَتْ أَعمالهُمْ)، أي بطلت أعمالهم فلا ثواب لهم على عمل، ولو كان فيه نفع ظاهر أو ظاهره النفع؛ وذلك لأن الأعمال ثوابها بحسب القلوب، وما دامت القلوب ممتلئة بالشرك، مدرنة بتكذيب الحق فلا خير فيها، ولا خير منها، فإن إشراق الحكمة لَا يكون إلا من قلب سليم.
ومع أن أعمالهم تكون باطلة لَا ثواب فيها، إلا أن عليهم العقاب فيما يرتكبون، ولذا قال تعالى: (هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانوا يَعْمَلُونَ).
الاستفهام هنا إنكاري لإنكار الوقوع بمعنى النفي، وفيه معنى تأكيد النفي بمعنى أنه لَا يتصور إلا أن يجزون بعملهم، فهو نفي فيه معنى حصر العقاب فيهم.
وفى قوله تعالى: (يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا) فيه بيان عدل الله تعالى في جزائه، فالجزاء من العمل ذاته، فهو الذي يقرره، وكأن الجزاء هو ذات العمل لتساويهما وتلازمهما، إنه العليم العدل الحكيم.
* * *
عبادة العجل في بني إسرائيل
(وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (١٤٨) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (١٤٩)
стр. 3959
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١)
* * *
عاشر بنو إسرائيل أهل مصر زمانا فأثروا فيهم بأخلاقهم، وإن الضلال يعدى كما تعدى الأمراض البدنية، وقد سرت إليهم عدوى تقديس العجل، وعبادته، كما انحلت عقيدة الوحدانية منهم، وقد أكدها موسى - كليم الله ﵇ ولكنهم لما رأوا قوما عكفوا على أصنام لهم طلبوا من نبيهم موسى ﵇ إلها كما لهم آلهة.
وقد ذكر الله تعالى عبادتهم العجل في آيات كثيرة، وكان يذكرها في أكثر الأحيان بالإشارة العابرة، بيانا لضلالهم، وفي هذه يذكرها ببعض التفصيل، ويذكر وقتها وهو أنه كان، وقد غاب موسى لتلقي الألواح، ومناجاة ربه، فجاءهم، وقد اتخذوا العجل، صنعوه من حلي صناعة محكمة وعبدوه، صنعوه بحليهم، وجعلوه على صورة جسد عجل، ومهارتهم في الصناعة التي اشتهرت بها مصرفي ذلك الإبان، وضعوه في وضع إذا مرّت الريح في موضعه من الخلف صار له صوت يشبه خوار البقر وادّعوه إلهًا، ولنتلُ الآيات الكريمة في ذلك:
стр. 3960
(وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ).
(وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى)، أي فعل بعضهم ذلك وسكت عنه سائرهم، فنسب الفعل إلى كلهم، فقد كان فيهم هارون، وما كان ليرضى ولم يسكت، حتى استضعفوه وكادوا يقتلونه وفيهم صفوة من الفضلاء، كان منهم النقباء.
стр. 3961
وقوله: (مِنْ حُلِيِّهِمْ)، أي صنعوا من حليهم، جمعوها وصهروها، وصنعوها على شكل عجل، يعبدونه كما يعبده المصريون و (جَسَدًا) أي جسما، (لَهُ خُوَارٌ)، أي صوت كصوت خوار البقر، لما مهروا في صناعته وفي وضعه، والجسد لم يكن فيه حياة ككل الأجسام، وقد فهم بعض الناس من كلمة جسد أنه كان فيه حياة، والحقيقة أن كلمة جسد تكون بمعنى جسم في كل دلالاتها، وسواء أكان فيها حياة أم لم تكن، وإن استعمال جسد في التعبير عن الجسم كثير في القرآن، ولقد قال الأصفهاني في مفرداته: " والجسد كالجسم، ولكنه أخص، وقال الخليل: لَا يقال الجسد لغير الإنسان من خلق الأرض ونحوه، وأيضا فإن الجسد ما له لون، والجسم يقال لما لَا لون له كالماء والهواء، وقوله : (وَمَا جَعَلْنَاهُم جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ). . وقال: (. . . عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خوَار. . .)، وقال تعالى: (. . . وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ).
والخلاصة أن الجسد بمعنى الجسم، وأنه لَا يشترط في الجسد أن تكون فيه حياة، وأنه يطلق على الجماد. وقوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكلُونَ الطَّعَامَ. . .)، أي ما جعلناهم جمادا لَا يحتاج غذاء، بل جعلناهم أحياء يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق. ولقد بين الله تعالى بطلان عبادة العجل وبيان أنه ليس بحي فقال تعالت كلماته: (أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ)، وفي آية أخرى في غير هذه السورة، فقال تعالى في سورة طه: (أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩).
وإن ذلك دليل على أنه لَا حياة في هذا الجسد، وإنما هو جماد قد ذكر القرآن أصله وهو الحلي، (اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ) فقد ظلموا الحق بعملهم على خلاف التوحيد، وظلموا أنفسهم بعبادة ما صنعوه بأيديهم، وظلموا موسى الذي أنقذهم من طغيان فرعون، وكذبوا آيات الله تعالى الدالة على وحدانيته وأفسدوا تفكيرهم الذي هدى موسى إليه.
стр. 3962
ولقد كان من المفسرين أو أكثرهم من أخرجوا كل بيان للقرآن على أنه من خوارق العادة، فزعموا أن العجل كان جسدا حيا، وسرت إليه الحياة من أن السامري الذي صنعه، أخذ قبضة من أثر فرس جبريل، ووضعها في صناعته، فجعلته حيًّا له خوار، وزعموا أن ذلك يؤخذ من قول السامري الذي حكاه القرآن عنه إذ قال: (. . . فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (٩٥) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦)، فزعموا أن قول السامري فقبضت قبضة من أثر الرسول: أي جبريل. فبض السامري قبضة من أثر فرسه فوضعها في صناعته.
وهذا تأويل بعيد عن الحقيقة، وعن مدلول الألفاظ.
أولا - لأن الرسول، " أل " فيه للعهد، ولا بد من رسول مذكور في السياق أو معهود حاضر في الذهن وهو موسى، وأثره هو شرعه، ونبذه إهماله وتركه، وهو التوحيد.
ثانيا - أنه اعتبر ذلك مما سولت به نفسه الشيطانية.
ثالثا - أن جبريل ما كان طريق خطاب الله لموسى، إذ قال: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا. . .)، فكان كلام الله تعالى لموسى من وراء حجاب كما قال تعالى: (. . . وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا)، وإن قوله تعالى عن السامري أنه قال: (. . . بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ. . .)، أي في صناعة الحلي التي لم يكن غيره ذا بصر بها. وأخيرا إنه لَا حاجة إلى هذا التكلف والإغراب والتقدير.
وتخريج الآية على ما بينا ابتداء هو المعقول الذي لَا يحتاج إلى تأويل به، ولا إلى تقدير كلام مطوي بلا دليل.
стр. 3963
وخلاصته أن السامري اتخذ من الحلي شكل عجل، وبمهارة الصناعة وتمكين الرياح من أن تدخل منافذ فيه كان له صوت يشبه صوت البقر وهو الخوار، فعبدوه، وقبض قبضة من أثر موسى وهو التوحيد فنبذه وأهمله.
أدركوا أنهم ضلوا، ولقد حكى الله ذلك فقال:
стр. 3964
(وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (١٤٩)
وكلمة (سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ) تستعمل حال الندم، ومثله أسقط في أيديهم، والأفضل سُقِط، وخطأ بعضهم أسقط، وهو مردود لكونه استعمال قرآني، قيل: إن العرب لم تسبق إليه، ومعناه اللفظي سقط تفكيرهم من رءوسهم إلى أيديهم، وصار فيها وذلك أن من يقع في خطأ يندم عليه يضرب كف على كف، وأحيانا يعض على بنانه، وهذا الكلام يدل على أن في الكلام كناية عن الندم لأنه ذكر اللازم الحسي له.
وقد سجل الله تعالى ندمهم بذكر سببه، فقال: (وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلوا)، أي علموا علم اليقين أنهم ضلوا ووقعوا في الضلال، فقلدوا أتباع فرعون فيما صنعوا، وأحسوا بأنه لَا منجاة لهم إلا أن يرجعوا إلى ربهم، ويتضرعوا إليه، وقالوا: (لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا) رجوا الرحمة، والرحمة تكون بالغفران، فالغفران هو الرحمة وهي لازمة، وذكر الشيء ولازمه.
وجواب القسم (لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) والخسران خسران تفكيرهم بسبب ضلالهم، وخسران الحق، والخسران المبين بشركهم، ولا منجاة من ذلك إلا برحمته وغفرانه.
وهذا الندم أكان بعد حضور موسى من الميقات ولومهم وتأنيبهم، أم كان بعده؛ والظاهر هو الثاني. وقد قال في حال موسى ﵇ عندما رجع: (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ... (١٥٠)
стр. 3965
أخبر الله موسى أخبارهم، ولما رجع ظهر غضبه عليهم، فقال تعالى: (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ)، أي أنه غضب غضبا شديدا، لأن التعبير بغضبان تدل على امتلاء النفس بالغضب، لأن صيغة فعلان تدل على الامتلاء كسكران وشبعان، ونحوها، و (أَسِفًا) أي حزينا، أي أنه غضب لهذا الأمر الشاذ، ولما تفكر في الحال حزن حزنا شديدًا، فالأسف: الحزن. كقول يعقوب: (. . . يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ. . .)، أي أنه في حال الحزن الذي لَا حزن وراءه.
قال لهم: (بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي)، أي بئس ما صنعتم خلفي من بعدي وفي غيبتي أي خلفتموني بشر، وهو جدير بالذم، وكان ذلك في غيبتي، فكأنهم خانوه مرتين مرة بهذا العمل الفاسد الضال المشرك، ومرة بأنهم انتهزوا فرصة غيبته وفعلوا ما فعلوا، فكانوا آثمين، إثمين، إثم العمل، وإثم أنهم خانوه في غيبته، وقال: (أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ) أردتم العجلة في أمر ربكم وذلك خروج عن حدودكم.
(وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ)، التي تلقاها عن ربه مكتوبة مفروضة جانبا، لَا أنه رماها حتى تكسرت كما زعم بعض المفسرين. بل ألقاها جانبا ليفرغ لمناقشة الذين غيروا وبدلوا من بعده، ومن سكتوا عن تغييرهم، وأول مسئول سأله هو أخوه هارون، قال تعالى: (وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجرُّهُ إِلَيْهِ) أكثر المفسرين على أنه في غضبه، قد أخذ لحية أخيه وقبض قبضة من شعره يجره إليه، وقالوا: إن ذلك كان متعارفا عندهم، أو لأنه أراد مناجاته، أو أراد أن يسر إليه أمر الألواح، أو أراد نصحه، ونرى ذلك بعيدا عن روح النص، إنما الظاهر أنه أراد لومه لوما شديدا؛ بحسب أنه قصَّر عن مَقْدِرة بدليل رد هارون: (ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي). ويصح لنا أن نقول على هذا إنه يصح أن يكون أخذ اللحية وجر الرأس لَا يراد به حقيقته إنما يراد به لازمه، وهو إلقاؤه التبعة عليه لأنه خلفه عليهم، ونهاه عن أن يتبع القوم المفسدين، وأن ذلك كناية عن هذا، لأن ذلك يكون عند اللوم الشديد، وقد اعتذر
стр. 3966
لأخيه بأنهم استضعفوه، أي عدوه ضعيفا، أو طلبوا موضع الضعف فيه، وهو أنه ليس المسئول الأصلي، وإنما هو ردْءٌ لأخيه، وقد غاب الأصل، فاستضعفوا خليفته، وقال: (وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي) أي شدد النكير عليهم حتى كادوا يقتلونه، أي قاربوا أن يقتلوه، (فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) طلب من أخيه أمرين: أولهما، ألا يتمادى في مؤاخذته فيشمت الأعداء بهارون وهو المداوم على نصرته، وعرض نفسه معه لأذى فرعون الطاغية، الثاني: ألا يجعله في عداد الظالمين، بأن يعتبره ممن عبدوا العجل، أو تهاونوا في استنكاره، فإنه قد قام بحق الخلافة عن أخيه، ولكنهم وقعوا فيما وقعوا فيه بأمر لَا قبل له في دفعه، وهو له مُنْكِر.
ولقد كان موسى ﵇ شديد الغضب، لكنه كان سريع الفيئة؛ ولذا قال راجعا إلى الحق في أمر أخيه معلنا الرضا. فقال:
стр. 3967
(رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١)
طلب الغفران لنفسه لأنه يحس كما يحس الأبرار بقصور نفسي من تقصير حقيقي، ولأنه ألقى التبعة على أخيه، وما قصر أخوه، وأن يغفر لأخيه، إذا كان لم يحملهم على الجادة، ولم يمنعهم عن غيهم، ثم يقول: (وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ) التي كتبتها للمؤمنين، (وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ).
وهنا إشارة بيانية في القول فإن هارون قال (ابْنَ أُمَّ) وهو نداء استعطاف واسترحام، وخصت الأم بالذكر؛ لأنها مجتمع الحنان والرفق والمودة بين أولادها.
* * *
جزاء الذين اتخذوا العجل
غضب موسى، وغضب له ربه؛ ولذا قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ).
أكد أن الذين اتخذوا العجل بأن صنعوه بأيديهم، وعبدوه من دون الله فاتخذوه إلها تقليدا وعماية عن الحق، وعن الإيمان بالآيات البينات، حكم الله تعالى عليهم بسبب اتخاذهم العجل فقال: (سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا).
السين في سينالهم لتأكيد ما ينزل بهم و (غَضَبٌ) حال تقوم بالذات العلية، وهي غير غضبنا، وإن مظهره عذاب شديد، وبعد عن رحمته (. . . وَلا يُكَلِّمُهمُ اللَّهُ وَلا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ. . .)، وذلك إذا لم يتوبوا إليه، كما تدل على ذلك الآية التالية لهذه.
وينالهم مع الغضب ذلة، وهي ذلة المبطل إذا ظهر الحق، وتضرب عليهم الذلة إلى يوم القيامة إن لم يتوبوا إلى ربهم، ويرجعوا إليه.
وإن ذلك جزاء الجرمين؛ ولذا قال تعالى: (وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ)، أي كهذا الذي ينالهم حتما من غضب الله الذي يكون أثره العذاب الشديد، والبعد عنه، والذلة تكون جزاء المجرمين الذين مردوا على الإجرام والمخالفة والعصيان، أي صار الإجرام وصفا ملازما لهم، لَا يخرجون منا، ولا يتركهم؛ لأنهم لَا يتوبون، وقد فتح الله تعالى باب التوبة مما يدل على أن ذلك العقاب هو لغير الذين يتوبون ويعملون الصالحات.
стр. 3970
(وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣)
" الواو " عاطفة واصلة بين هذه الجصلة وما قبلها، و (السَّيِّئَاتِ) جمع سيئة، وهي ما يسوء الناس، وهو قبيح في ذاته (ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمنُوا) " ثم " هنا
стр. 3971
للترتيب والتراخي لبعد ما بين السيئة والتوبة؛ لأن السيئة فعل قبيح لَا يرضي الله والتوبة رجوع إلى الله، فالمنزلتان متباعدتان تباعد البعد من الله بالسيئات، والقرب منه بالتوبة، وقوله تعالى: (تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا) يوحي إلى أن التوبة لَا تكون بعيدة الزمن، كما قال تعالى: (إنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ. . .).
(آمَنُوا)، أي أذعنوا للحق، فكأن التوبة لها ثلاث خطوات هي الشعور بالذنب والندم، ثم التوبة، ثم الإذعان لحقائق الإيمان بحيث لَا يعودون لمثلها أبدا.
وقد وعدهم الله تعالى بقبول التوبة فقال: (إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ)، أي إن ربك الذي خلقك وكونك من بعد هذه التوبة النصوح (لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) إن هذا بيان لقبول التوبة ببيان وصف قابلها، وهو أنه غفور للذنوب قابل للتوب، وأنه رحيم بعباده يريد لهم التوبة، ولا يريد لهم العقاب إلا أن يصروا إصرارا.
وفى هذا النص تأكيد بقبول التوبة بالتأكيد بالجملة الاسمية، وبوصف الربوبية، وبوصف الغفران والرحمة، وبـ " إن " وباللام في قوله: (لَغَفُورٌ رحِيمٌ).
وإن الله تعالى في القرآن الكريم حيث يذكر العقاب يذكر التوبة وقبولها حتى لَا ييئس المذنب من غفرانه، فينساق في معاصيه وهو يقنط من غفران الله ورحمته، قال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣).
* * *
стр. 3972
موسى بعد الغضب ينظم الدعوة للإيمان
(وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤) وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥) وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦)
* * *
كان الغضب أمرا عارضا لموسى بسبب أن قومه انتهكوا حمى التوحيد، وأشركوا بالله، ولم يغب عنهم إلا أربعين ليلة، فاستطالوها وعجَّلوا به مخالفين أمر ربهم، وبعد أن هذا الغضب، إذ أقام أمر الله ونهيه، وقد كان سريع الفيئة كما روينا أي سريع الرضا، وكذلك شأن النبيين لَا يلج بهم الغضب؛ حتى لا يشغلوا عن الدعوة إلى الحق الذي بعثهم الله تعالى لإقامته.
وقوله تعالى:
стр. 3973
(وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ) يدل على أنه عارض زال فعاد الواجب قويا قائما، بعد زواله (أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا)، أي في المكتوب فيها، وهو الأصل الثابت الذي كتب بأمر الله تعالى، وكأنه هو الذي كتبه (هُدًى وَرَحْمَةٌ)، أي في نسختها الأصلية. . (هُدًى وَرَحْمَةٌ)، أي
стр. 3974
هداية إلى الحق في وسط دياجير الباطل والظلمات ورحمة بشريعتها التي اشتملت عليها، فالشريعة في التوراة بأخذها على أيدي الظالمين وإقامة العدل، يكون ذلك رحمة، فالعدل في ذاته رحمة، كما جاء في القرآن الكريم: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ. . .).
وإن هذه الهداية وتلك الرحمة إنما ينتفع بها الذين يرهبون الله تعالى ويخافونه، والذين يخافون الظلم ويجتنبونه، والذين في قلوبهم رأفة بالناس، ويخافون أن يؤذوهم ويتجنبؤن الأذى، ويخافون عذاب الله، ولذا قال تعالى: (لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ).
أي إن الهدى والرحمة للذين هم يخافون الله تعالى ويرهبون عذأبه، فإنه مع رهبة رب العالمين يكون الاتعاظ والازدجار، والانتفاع بالهداية، وتلقي الرحمة؛ واستحقاقها. وقوله تعالى: (لِلَّذينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبونَ) فيه تأكيد لرهبتهم لله بعدة مؤكدات: أولها ضمير الفصل (هُمْ) وثانيها: تقديم (لِرَبِّهِمْ)،، أنهم لا يرهبون إلا ربهم، ولا يخافون غيره، وثالثها: في قوله (لِرَبِّهِمْ) فاللام هنا تفيد زيادة الرهبة، إذ إن (يَرْهَبُونَ) تتعدى بنفسها دون اللام، فذكر اللام لتقوية التعدي أي لتقوية الرهبة، وهكذا لَا ينتفع بما اشتملت عليه من الهداية إلى الطريق، والرحمة بالانتفاع بنظمها إلا هؤلاء؛ لأن هذه الرحمة لَا ينتفع بها إلا الذين يخافون الله تعالى ويرجون ثوابه ويخافون عذابه فيكونون منه دائما على حذر، فينجون.
بعد أن ذكر الله تعالى الميقات الذي واعد الله موسى عليه، وما كان من عبادة العجل، ولوم موسى لأخيه على عبادة بني إسرائيل العجل، بين الله - سبحانه - اختيار موسى لسبعين من رجال بني إسرائيل يمثلونهم، وكأنه اختار بني إسرائيل كلهم، فقال تعالى: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا ... (١٥٥)
стр. 3975
اختار موسى سبعين رجلا لميقات الله تعالى الذي واعده موسى ﵇ وكأنهم صحبوه في هذا الميقات، ولكن انفرد بمكالمة الله موسى ﵇.
وقد طلبوا أن يروا الله تعالى جهرة، ويظهر أن موسى ﵇ طلب أن ينظر الله تعالى تمهيدا لأن يروه، فقال الله تعالى لن تراني، (. . . فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا. . .) وكانت رجفة في ِالأرض خر من أجلها موسى صعقا، وأخذتهم الرجفة.
وانتهى من هذا إلى أن الذهاب للميقات واحد، ذهب موسى ومعه سبعون رجلا اختارهم ممثلين لبني إسرائيل، وهذا ما يمكن أخذه من ظاهر السياق القرآني، وهو أن الميقات واحد.
ولكن يذكر محمد بن إسحاق أن هذا ميقات آخر، وهو أن موسى عندما رأى من عبادة العجل ما رأى، أخذ ميقاتا من ربه، ليذهب هؤِلاء السبعون معه، ويستغفروا ربهم، فقالوا: (. . . لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ. . .)، فصعقوا.
وإن هذا الكلام مقبول في ذاته، ولكن لَا نجد له سندا صحيحا من سنة وليس في الكتاب إشارة واضحة إليه ولعله يرشح لهذا النظر قوله تعالى:
(أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا) ولكنه لَا يقطع؛ لأنه ربما يشير إلى أن طلب الرؤية ذاته كان تعديا وسفها، ولذا استغفر عنه، على أن الاستفهام للإنكار، أي لإنكار الوقوع من الله تعالى أي أنت يا رب العالمين لَا تهلكنا بما فعل السفهاء منا، أي بما يكون بسبب خفة أو تسرع.
وهنا إشارات بيانية:
الأولى - أن الله تعالى يقول: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا) وسبعون بدل من (قَوْمَهُ) بدل بعض من كل، ولكنه يشير إلى أن اختيارهم هو اختيار لجميعهم، لأنهم يمثلونهم، وكأنهم هم أنفسهم
стр. 3976
الثانية - في قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ) نادى الله بعنوان الربوبية أنه لوشاء أهلكهم وأهلك موسى معهم، وذكر نفسه معهم؛ لأن السبب، وهو طلب رؤية الله تعالى، قد اشترك فيه موسى، وتلك مساواة منصفة من كليم الله تعالى موسى مع غيره.
الثالثة - أن الله تعالى هدى موسى لأن يستنكر بنفسه طلبه الرؤية، وظنه أن ذلك سفه أو تسرع، ولكنه ليس بذنب مقصود، وإنما دقة الحس بالإيمان جعل يظن أن ذلك سفه يدخله في جملة السفهاء؛ ولذا قال هذا، وقال من قبل: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي).
الرابعة - من الإشارات البيانية، قوله تعالى: (لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ)، أي من وقت الميقات وأنا معهم ثم قال موسى: (إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ)، الفتنة: الاختبار، وهي مضافة إلى الله تعالى، ومعناها إنك تعاملنا معاملة من يختبرنا في أنفسنا، تهدي بها من تشاء ممن يعتبرون بالعبر، ويؤمنون بقدرتك، ويطيعونك فيما تأمر به وتنهى عنه، ويضل في هذا الاختبار الحكيم، فلا يدرك عظمتك وجلالك، فيضل عن الطريق (أَنتَ وَلِيُّنَا) أي أنت ناصرنا ومعزنا، ومتولي أمورنا، والقريب منا العفو الغفور.
(فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ).
الفاء هنا للإفصاح عن شرط مقدر، أي إذا كنت ولينا وناصرنا، والقريب الداني منا برحمتك وعفرك، فاغفر لنا ذنوبنا وارحمنا وأنت خير الغافرين.
فإذا كان منا مخالفة فانت خير الغافرين، و (خَيْرُ) هنا للتفضيل، ولكنه في غير بابه، والمعنى أنت غفار بقدر لَا يتصور أن يكون فوقه قدرة، ولا يفاضل بينه وبين غيره.
* * *
стр. 3977
(وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ... (١٥٦)
هذه ضراعة إلى الله تعالى إلى أن يوفقهم للخير، وألا يجعلهم من الأشقياء، دعوا ربهم أن يكتب لهم في الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة، وحسنة الدنيا هي الحال الطيبة التقية النقية الطاهرة التي تكون غايتها إرضاء الله تعالى، والبعد عن معصيته وفي الآخرة، والدعوة إلى الكتابة في الدنيا، دعوة إلى العمل الطيب، فحسنة الدنيا عمل صالح ونفع وخير، وأن يكون مصدر خير دائم، وفي والآخرة تكون الحسنة جزاء يكون وفاقا للعمل.
ولقد ذكر الله تعالى حسنة الدنيا، وطوى في الذكر حسنة الآخرة؛ لأنها ليست عملا، بل هي جزاء على عمل في الدنيا ثمرة الأولى، فمن حسنت دنياه وكانت للخير، حسنت آخرته، وكانت نعيما مقيما (قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ. . .) وهو لمن اختار النفس والهوى، (وَرَحْمتي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) وذلك لمن اختار طريق الحق والهداية كما قال تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨).
وقال تعالى: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ)، أي نجد الخير، ونجد الشر وقد أسند العذاب إليه وإلى مشيئته سبحانه لعظم العقاب، ولبيان أنه حق، وأنه من عند الله، وقد كتب العدل على نفسه كما جاء في الحديث القدسي (١)،
стр. 3978
فهو العدل وهو خير الفاصلين، وقدم الله تعالى ذكر العذاب على الثواب، لأنه يكون لمخالفي الفطرة وللتحذير قبل التبشير، ليختار المكلف نجد الخير.
وقوله تعالى: (وَرَحْمَتِي وَلسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) العموم فيها عموم كامل صادق، وقال : (كُلَّ شَيْءٍ) ولم يقل كل شخص، للإشارة إلى أن الرحمة شاملة عامة للأشياء والأشخاص، فشريعته عدل ورحمة وإرساله الرسل عدل ورحمة وخلقه الكون وما فيه من شمس مشرقة مضيئة للكون، وقمر منير، ونجوم ذات بروج، وسحاب ورياح مرسلات رحمة، وهكذا كل ما سخره الله تعالى للإنسان، وما مكنه منه رحمة به.
هذه إشارة إلى معنى العموم الذي اشتمل عليه ذلك النص السامي، وما ترمي إليه رحمته، وإن نعيم الجنة رحمة من الله، وقد كتبها الله تعالى للذين يؤمنون بالله وبالآخرة، ولذا قال تعالى: (فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ).
الفاء هنا لتفصيل بعض العام، والسين لتأكيد المستقبل، و " أكتبها "، أي أسجلها غير قابلة للمحو، وذكر أعمال أو أوصاف من يستحقونها، فكانت خصالا ثلاثا:
الأولى - التقوى واستشعار مخافة الله، وأن يتخذوا وقاية بينهم وبين الشر، وذلك بتهذيب أنفسهم بالعبادات المهذبة للنفس، التي يستشعر فيها المؤمن خشية الله تعالى، وابتدأ بها لأنها أساس قوة الخير، وهي روح التدين، وعمران القلب بذكر الله تعالى.
الثانية - الائتلاف مع المجتمع الإسلامي بالمعونة والبر، وأشار بذلك إلى إيتاء الزكاة، فهي أساس التعاون الاجتماعي، وهو سبحانه يذكرها بجوار التقوى، وهي
стр. 3979
الكلمة الشاملة لاكثر العبادات تقريبا لله وإن التعاون الإنساني قرين العبادات، بل هو منها، وأقربها عند الله .
الثالثة - أنهم يؤمنون بآيات الله تعالى وحدها، يؤمنون بالمعجزات ولا يؤمنون بما يحيط به المشركون أنفسهم مما يثيرونه من أهواء ومفاسد وجحود، ولذا قال تعالى: (وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنونَ) وقد قدم فيه الجار والمجرور على كلمة يؤمنون للدلالة على أنه لَا يصح أن يؤمن بغيرها، والإيمان بآيات الله إيمان بما دلت عليه، وهدت إليه من إيمان بالوحدانية، وحدانية الله تعالى بألا يشرك به شيئا، وأكد سبحانه وجوب هذه الخصلة بثلاثة مؤكدات أولها - أنه كرر الموصول، فإن التكرار تأكيد، فقال: (وَالَّذينَ).
وثانيها - التعبير بالجملة الاسمية.
وثالثها - بضمير الفصل، وأخيرا بذكر كلمة (يُؤْمِنُونَ)، فإن التعبير بالمضارع يفيد استمرار الإيمان وتجديده بالزيادة آنًا بعد آنٍ. جعلنا الله تعالى ممن كتب له رحمته برحمته وغفوانه.
* * *
(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)
стр. 3980
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)
* * *
إن ذلك القصص القرآني فيه تسلية للنبي ﷺ ، وشد لعزيمته، وعزاء للنبي ﷺ بكفر الأقوام الذين كفروا بالأنبياء قبله كقوم نوح وصالح وهود، وموسى من بعد هؤلاء، وفي هذه الآيات الكريمات مع العزاء الرباني وشد العزم المحمدي، بيان أن النبي ﷺ -ومبشر به في التوراة والإنجيل، وأن اليهود الذين يعاندون محمدا ﷺ مخاطبون، وأنه إليهم جميعا، وأن اتباعه واجب عليهم، وأنهم ينحرفون عن دين موسى ﵇ إن لم يؤمنوا به، وبهديه الذي جاء إلى الخليقة الإنسانية كلها به.
ولذا قال تعالى:
стр. 3981
(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ).
قوله تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ) بدل اشتمال منْ قوله تعالى: (لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) أو تكون منصوبة على التخصيص، ويكون المعنى أن الذين كتب الله تعالى عليهم الرحمة، الذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم به يؤمنون، ويخص - سبحانه - الذين يتبعون النبي الأُميّ الذي يجدونه إلى آخر الآية الكريمة، وكان تخصيص الذين يتبعون النبي ﷺ ، لأنهم يؤمنون بكل الأنبياء، ولأنه خاتم النبيين، ولأن شريعته هي الشريعة الخالدة الباقية إلى يوم الدين، وهو خاتم النبيين، فكان أتباعه جديرين بالتخصيص، ولأنهم شهداء على الناس مكلفون تبليغهم والنبي ﷺ شهيد عليهم، وهو مبلغهم والشاهد عليهم
стр. 3982
بوجوب التبليغ، ونشر الإسلام، والدعوة إليه، من أجل هذا خصوا بالبيان بين الذين كتب الله تعالى لهم الرحمة.
وقوله تعالى: (الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ) نقول في الكلام في معناه: الرسول هو المرسل من قبل واحد إلى واحد أو جماعة، والرسول في القرآن الكريم هو المرسل من الله تعالى لخلقه لتبليغ شريعته وبيان التكليف الذي كلف الناس إياه، والنبي الذي أنبأه الله تعالى، وشرفه بتلقي وحيه، وإن وصف النبي ﷺ بالرسالة والنبوة فيه للملزوم واللازم، فإن الرسالة تلزمها النبوة في المعنى القرآني، لأنه لا يعد رسولا إلا إذا كان نبوة عن الله، وقد تلقى العلم عن الله ﷻ بوحي، أو يكلمه من وراء حجاب أو يرسل رسولا.
وذكرها - أي وصف الرسالة والنبوة - مع هذا التلازم فيه إشارة إلى التبليغ، وإلى أنه يُنبأ من الله تعالى، والأُميّ نسبة إلى الأم، أي أنه جاء في العلم والكتابة كما ولدته أمه، أو نسبة إلى أمه، ذلك أن العرب لم يكونوا أهل علم وكتاب، فلم تغلب عليهم العلوم والكتابة، وإن كان فيهم من يعرفون الكتابة وبعض العلوم، ولذا كان يطلق عليهم الأميون، وذكر القرآن الكريم ذلك الوصف لهم، فقال تعالى: (هُوَ الَّذِي بعثَ فِي الأُمِّيِّينَ رسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ. . .).
ولقد كان النبي ﷺ أميا لَا يقرأ ولا يكتب لتكون الحجة عليهم قاطعة بنزول القرآن الذي فيه علم الأولين والآخرين، وهو لَا يمكن أن يكون من أمي قط، ولذا قال تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨).
ولقد حاول الذين لَا يرجون للإسلام وقارا أن يكذبوا فيدعوا أن النبي ﷺ كان يعرف القراءة والكتابة ليشككوا في القرآن، وقد حاول بعض المتحذلقين من المسلمين أن يقول في هذه المقالة الكاذبة فردهم القرآن الكريم ردا عنيفا؛ لأنهم يسايرون الكفار الكذابين.
стр. 3983
هذه أوصاف ثلاثة. ووصف رابع ذكره الله تعالى بقوله تعالى: (الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ)، وهذا الوصف يدل على أمر بالنص، وهو أنهم يجدون النبي ﷺ مذكورا مكتوبا في التوراة والإنجيل، ويدل على أمرين آخرين:
أولهما - وحدة الديانات السماوية فهي تدعو إلى دين واحد، قد تتغاير بعض الفروع، ولكن الأصل واحد. كما قال تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ. . .).
وإن اليهود والنصارى قد حرفوا القول عن مواضعه، وغيروا وبدلوا، ولا يزالون يغيرون، ويبدلون على حسب أهوائهم، وقد ظهرت في مصر طبعة لإنجيل متى فيها تغيير عن سوابقها، ولا تكاد تجد نسخة مكتوبة في مصر، تتلاقى في كل أجزائها مع التي جاءت من بعد، يغيرون لفظا بدل لفظ، ويزيدون قيدا أو شرطا، ولا يلمح ذلك القارئ العادي بادي ذي بدء حتى يخفى ذلك على عامتهم بل بعض خاصتهم.
لقد ذكر النبي ﷺ بالاسم وذكر بالوصف، فغيروا الاسم وأحاطوه بما يجعله مبهما مع ملاحظة اختلاف اللغة العربية على اللغة العبرية.
ولكن الأوصاف لم يستطيعوا تغيير كثير منها، وهم يحاولون التغيير، ولنأت بنصين أحدهما من التوراة، والثاني من الإنجيل، وهما لم تمتد إليهم أيدي التبديل والتحريف ونرجو ألا يغيرا من بعد.
ما في التوراة - جاء في الإصحاح الثالث والثلاثين من سفر التثنية: " جاء الرب من سيناء، وأشرق لنا من سعير، وتلألأ من جبل فاران، وأتى من ربوات القدس وعن يمينه نار شريعة لهم ".
وصريح أن إشراق الرب من سيناء هو إنزال التوراة، وإشراقه من سعير - وهي موضع بالناصرة - إنزال الإنجيل، وإشراقه من فاران، وهي مكة أو ما
стр. 3984
حولها، لأنها التي نزل بها إسماعيل، كما جاء في التوراة نفسها فقد جاء فيها: " أنجبت هاجر ابنا لإبراهيم وكان هذا الابن قرة عينها وبهجة قلبها ولكن سيدتها سارة حاولت إذلاها فاستجارت بزوجها إبراهيم لكنه تركها لسيدها بقوله لها: هو ذا جاريتك، فاشتدت بها إيلاما وإيذاء حتى هربت ترجو النجاة مما ألم بها، فقابلها ملاك الرب في الطريق فقال: ما لك يا هاجر، وقال لها شدى بابنك لأني سأجعله أمة عظيمة، وفتح عينيها، فأبصرت بئر ماء، فذهبت وملأت القربة، وسعت بالغلام فكان الله مع الغلام فكبر وسكن في برية فاران ".
وإشراق الرب في فاران إذن هو إنزال القرآن (راجع رسالة بشرى زخارى ميخائيل بعنوان: محمد رسول هكذا بشرت الأنانجيل).
وجاء في إنجيل يوحنا وهو بعض ما في الأناجيل - التبشير بلفظ " الفارقليط "، ففي الإصحاح الرابع عشر من هذا الإنجيل جاء النص التالي على لسان المسيح: " إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي وأنا أطلب من الآب، فيعطيكم فارقليط آخر، ليثبت معكم إلى الأبد، وهو روحُ الحق الذي لَا يطيق العالم أن يقبله لأنه ليس يراه، ولا يعرفه وأما أنتم فتعرفونه، لأنه مقيم عندكم، وهو ماكث فيكم ".
وجاء في الإصحاح السادس عشر من هذا الإنجيل " لكني أقول لكم الحق، إنه خير لكم أن أنطلق، لأنه إن لم أنطلق لَا يأتكم الفارقليط، فأما إذا انطلقت أرسلته إليكم، فأما إذا جاء فهو يبكتُ العالم على خطيئته وعلى بر، وعلى دينونة. أما على الخطيئة فلأنهم لايؤمنون بي ".
راجع المرجع السابق فهو يبين أن مجيء الفارقليط هو مجيء محمد ﷺ .
وصدق الله تعالى: (الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوراةِ وَالإنجِيلِ) وقد ذكر الله تعالى ما يقوم به الرسول النبي الأُميّ، دال: (يَأمرهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ).
стр. 3985
هذا أحد أمور أربعة خص الله تعالى رسالة محمد ﷺ بها، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصف عام للشريعة الإسلامية، فكل أمر تأمر به من الحلال، وتكلف الناس أن يقوموا به هو من الأمور التي تقرها العقول، وتعرفها، إذ المعروف الأمر الذي ترضاه العقول، وتراه صالحا مصلحا للناس، تقره وتعرفه بفطرتها، ودين الفطرة يأمر بكل ما يستقيم مع الفطرة، فالعبادات كلها، ومنها الزكاة تقرها الفطرة، والعقل المستقيم، والوفاء بالعهود، وجهاد الأشرار لحماية الفضيلة، وإقامة الحدود، والقصاص من المعتدين تقره الفطرة ويؤيده العقل.
وكل أمر نهى عنه الإسلام هو من الأمور التي لَا تقرها العقول، وتتجافاه، فالزنا والسُّكر، وقذف الأطهار، والاعتداء على الأنفس والمال، ومحاربة العدل، ونصرة الظالمين والرضا بظلمهم أمور تنكرها العقول السليمة وتجافيها. وقد سئل أعرابي أسلم: لماذا آمنت بمحمد؟ قال: ما رأيت محمدا يقول في أمر افعل والعقل يقول لَا تفعل، وما رأيت محمدا يقول في أمر لَا تفعل والعقل يقول افعل.
والأمر الثاني الذي ذكره القرآن مما يفعله النبي ﷺ ودعا إليه في رسالته ما ذكره الله تعالى بقوله: (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ)، والطيبات هي الأمور المستحسنة في ذاتها، من أطعمة طيبة مريئة، هنيئة، لَا تفسد الأجسام ولا تضر العقول، ولباس حسن من غير إسراف ولا مخيلة، ولذات طيبة في حدود الخُلق والمروءة، وتصرفات طيبة لَا اعتداء فيها، ولا نكث وخيانة، وغير ذلك مما هو طيب في ذاته، وحصل عليه بطريق طيب أحله الله تعالى ولا اعتداء فيه ولا اغتصاب.
(وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) وهي الأشياء الخبيثة في ذاتها التي تضر الأجسام، كالخنزير والميتة والدم المسفوح أو تضر العقول كالخمر، أو تلقي بالعداوة بين الناس كالميسر والبغضاء أو الاعتداء على حق غيره بالسرقة والاغتصاب أو القتل، فكل هذه خبائث تدخل في باب الفحشاء والمنكر والبغي، وكذلك أكل أموال الناس بالباطل كالربا ونحوه.
стр. 3986
والأمر الرابع ذكره في قص له: (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ) والإصر هو الثقل، والمراد ثقل التكليفات فلم تكن تكليفاتهم يسيرة، بل كان فيها شدة وكان فيهم غلظة في طباعهم، وقسوة في نفوسهم، فكان تشديد التكليف عليهم تهذيبا لهم، وكفا لشَّره في نفوِسهم، فكان لابد لفطمهم عن بعض الطيبات، كما قال تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ. . .)، أي هي في أصلها حلال.
وقال تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦).
ومما رفعه : (وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) والأغلال جمع غل، وهو ما يوضع في العنق في مخنقة ليثقل ويوضع كذلك تقييدا لحركته وإثقالا عليه، والمراد هنا ما وضع من قيود في الحلال عليهم تهذيبا كتحريم الصيد يوم السبت، ومنع بعض المحللات في ذاتها، ولكنها حرمت عليهم تربية لهم.
والأغلال مجاز عن هذه القيود التي شدد الله بها على نفوسهم لقمعها عن الإسراف في الشهوات، شبهت هذه القيود بالأغلال الحسية؛ لأنها ثقيلة على النفوس المستقيمة، ولكنها علاج للنفوس المريضة السقيمة، وإن شريعة النبي الأُميّ جاءت موائمة للفطرة السليمة جاءت لليسر، دون العسر، وكانت عزاءً للإنسانية كلها لَا فرق بين أحمر وأسود، وهي الباقية ما بقي الإنسان.
وإذا كان محمد ﷺ قد جاء برفع الآصار فإن الواجب تأييده ونصره؛ ولذا قال تعالى: (وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
الفاء هنا للإفصاح عن شرط مقدر يتضمن الكلام المتقدم فحواه، ومؤدى القول إذا كان هذا النبي الأُميّ ينعم الله على يده عليكم تلك النعم، وهو قد جاء بالحق في ذاته، ورفع عنكم الآصار والأغلال؛ فعزروه أي فوقروه وأيدوه،
стр. 3987
وانصروه على من يعادونه، فإن نصرته تأكيد للحق، وشكر للنعمة، وقيام بواجب الحق على أهله.
وكلا الأمرين واجبان بالنسبة للنبي الأُميّ، وهناك واجب أعظم، وهو جماع الإيمان، وفيه تنفيذ أحكام الرشاد، وهو ما قال الله تعالى: (وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ)، أي أنزل من عند الله تعالى ومصاحبا لدعوته، مؤيدا لرسالته وهو المعجزة الكبرى الخالدة، وهو القرآن، والتعبير عنه بالنور فيه استعارة فقد شبه بالنور؛ لأنه مبين للحقائق مزيل للجهالات، دافع للأوهام، كما أن النور يزيل غياهب الظلام.
واتباع القرآن اتباع لصراط الله المستقيم الذي لَا عوج فيه، وهو الخلاصة الإلهية للرسالة الإلهية، وهو سجل النبوات جميعا، فيه أحكامها، وأخبارها، ومعجزاتها.
وقد حكم الله على الذين قاموا بهذه الصفات بأنهم الفائزون في الدنيا باتباع الحق، وأن حياتهم كلها فاضلة وأن تكون حياتهم في الآخرة نعيما مقيما، ورضوانا من الله العزيز الحكيم، وهو أكبر الفوز العظيم، ولذا قال تعالى: (أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
والإشارة إلى الصفات، يفيد أنها علة الحكم وسببه، أي بسبب هذه الصفات ينالون الفلاح في الدنيا والآخرة، لأن الهداية والاستقامة فلاح لَا يدركه إلا من استقامت إلى الحق نفوسهم.
وقد أشار بالبعيد للدلالة على بعد الشرف، وعلو المنزلة، وقد قصر الله تعالى الفلاح عليهم، بتعريف الطرفين، وبضمير الفصل، أي أنهم المفلحون، ولا يفلح سواهم، والقصر قصر حقيقي، إذ إنهم سلكوا الصراط المستقيم، ومن لم يسلك سبيل الله فقد سلك مثارات الشيطان، وهذا فرق ما بين الهدى والضلال.
стр. 3988
وإذا كان ذلك طريق الفوز عند الله، وفي الحياة الدنيا والآخرة فإن الإنسانية كلها مخاطبة بها، ولذا قال تعالى آمرا نبيه بخطاب الناس كافة بهذه الشريعة السمحة البيضاء.
* * *
стр. 3989
(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)
* * *
إن شريعة النبي الأُميّ هي شريعة الناس جميعا لَا فرق بين أحمر وأسود وأصفر، ولذلك أمره الله تعالى أن يخاطب بها الناس جميعا؛ ولذلك كان الخطاب بقوله: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) لَا فرق بين قبيل وقبيل وجماعة وجماعة، فما كان ما اشتملت عليه رسالتي علاجا لجماعة ظهرت فيها أمراض نفسية واعتقادية ولكن لصلاح البشرية أينما كانوا، وكما قال تعالى على لسان نبيه: (. . . لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ. . .). ولذا نادى الناس، ولم يختص بندائه المؤمنين، بل عم بندائه الناس، وأكد هذا التعميم بقوله تعالى: (جَمِيعًا) وبأن الرسالة إليكم معشر الناس أجمعين.
وإن الرسالة السامية ذات خطر وشأن، وتجب طاعتها، والاستجابة لها، وذلك لأنها من الله تعالى: (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) فله ملك الكون والسلطان وهو مالك كل شيء دهذا الوصف، لإلقاء مهابة الرسالة في نفوس الناس، فهي رسالة من ملك السماوات والأرض، وله السلطان المطلق فيها، ولا يوجد سلطان مطلق في الوجود لغيره، وهو العزيز الرحيم.
وهو لَا يملك السماوات والأرض وما فيهما من أكوان فحسب، بل يملك كل حي فيها من نبات وحيوان وإنسان، وهو الذي يملك الحياة والموت؛ ولذا قال تعالى: (يُحْيِي وَيُمِيتُ).
стр. 3990
وإذا كان له الملك هو مالك كل شيء، ومالك الحياة والموت لكل الأحياء، فإنه الجدير بالعبادة، وحده وهو الذي يكرم رسوله، فمكانة الرسول مستمدة من مكانة من أرسله، ولذا قال تعالى: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ) الفاء هنا لربط ما قبلها بما بعدها برابطة السببية، أي ما ذكر من كمال سلطانه في الكون جماده، والأحياء فيه.
والإيمان بالله تعالى هو الإيمان بوجوده، وأنه الخالق الفاعل المختار، وأنه صاحب السلطان في الأكوان والإنسان، وأنه المعبود وحده بحق، ولا معبود بحق سواه، وبعبارة أعم الإيمان بالله وبوحدانيته في الخلق والتكوين والذات والصفات والإيمان بالله تعالى إلها معبودا.
والإيمان بالرسول: التصديق به رسولا من رب العالمين، والإيمان بصدق ما يدعو إليه، وأنه من عند الله العليم الحكيم واتباعه في كل ما جاء به، والاقتداء به، واتخاذه أسوة في العمل الصالح الذي يهدي إليه، ووصفه سبحانه بثلاثة أوصاف تفيد كماله في رسالته.
الوصف الأول: أنه النبي أي الذي يخبر عن الله تعالى، وأن ما يدعو إليه هو ما كلفه الله إياه (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ. . .).
والوصف الثاني: أنه الأُميّ، الذي ينطق بالفطرة وبالوحي، وأن حاله تدل على صدق معجزته، وأنه لَا علم عنده إلا ما علمه الله تعالى رب العالمين، وإن ما معه من كتاب لَا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنه تنزيل من عزيز حميد.
والوصف الثالث: ما ذكره بقوله: (الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكلِمَاتِهِ) وإيمانه بالله هو ما ذكرنا، وإيمانه بكلماته هو الإيمان بالقرآن، فهو
стр. 3991
كلمات الله التامة الكاملة التي لَا يعادلها أو تقارب أي كلام من البشر، والذي تحدى الناس أن يأتوا بسورة منه فعجزوا فقامت عليهم الحجة.
ورجح بعض المفسرين أن كلمات الله تعالى لَا تخص القرآن وحده، وإن كان أكملها، وأبقاها، إنما يشمل الكتب التي نزلت على النبيين من قبل من التوراة والإنجيل والزبور، وغيرهما مما لم يذكره الله وإن هذا يدل على أن رسالة كل الأنبياء واحدة.
وذكر الإيمان بالله وبكلماته في هذا الموضع للدلالة على أنها رسالة واحدة، وهي الإيمان بالله وأنه الواحد الأحد الفرد الصمد الذي ليس بوالد ولا ولد.
وإذا كان النبي ﷺ على هذه الأوصاف السامية التي اختصه الله تعالى بها فإن الإيمان به واجب، واتباعه اتباع لأمر الله ونهيه؛ ولذا قال تعالى: (وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكمْ تَهْتَدُونَ)، الفاء لربط ما قبلها بما بعدها يالإفصاح عن سببيتها لرجاء الاهتداء، والرجاء من العباد لَا من الله تعالى؛ لأن الله تعالى لَا يرجو إنما يرجو عباده، يرجون بالإيمان بالنبي ﷺ واتباعه أن يهتدوا إلى الحق والبر، فيهتدوا إلى الجنة وهي نعم الجزاء الأوفى.
والآية دليل على عموم الرسالة المحمدية، وأنه ﵇ بعث للألوان كلها، وكما قال ﷺ : " كان كل نبي يبعث في قومه، وإنما بعثت في الأحمر والأسود " (١) وروى مسلم عن النبي ﷺ قال: " والذي نفسي بيده لَا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم لَا يؤمن بي إلا دخل النار " (٢).
* * *
стр. 3992
عود إلى بني إسرائيل
(وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩) وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢)
* * *
إن القرآن الكريم ينصف القلة من الكثرة، فإذا كانت الكثرة طاغية عاتية، وفيهم قلة هادية مرشدة؛ يذكر القرآن الكريم أهل الخير من بينهم، وإن طغى الشر في جمعهم، وصار الفساد هو المظهر فيهم.
ولذا قال تعالى في وسط بيان مآثم اليهود:
стр. 3993
(وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَق)، أي ومن هؤلاء الذين كانت فيهم عبادة العجل، وكان منهم من قالوا: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، من هؤلاء جماعة كأنهم أمة وحدها منفصلون
стр. 3994
بشعورهم وعقولهم عنها؛ ولذلك عبر بأمة من حيث إنهم قد اجممعوا على طاعة الله وطاعة رسوله موسى، وذكرهم منتسبين إلى موسى، إشارة إلى اتباعهم له، وأنهم قومه الحقيقيون الجديرون بنسبتهم إليه، وهم منه وهو منهم وذكر الله تعالى لهم وصفين هما كمال في كمال:
أولهما - أنهم يهدون بالحق، أي أنهم في وسط انحراف بني إسرائيل إخوانهم وبني جلدتهم ونسبهم يدعون بالحق، أي يعلنونه ويدعون إليه، ويؤمنون به غير محرفين، والهداية بالحق كلمة جامعة للدعوة بكل ما هو خير، يهدون إلى التوحيد، وهو الحق أو من الحق، ويدعون إلى طاعة موسى وهي حق، ويدعون إلى شكر نعمة الله التي أنعمها عليهم،، ويذكرون آلاء الله تعالى عليهم، ونجاتهم من فرعون، ويعبدون الله وحده.
الوصف الثاني - ذكره الله تعالى بقوله: (وَبِهِ يَعْدِلُونَ)، أي بالحق وحده يزنون كل شيء، فيزنون كل قول وفعل يكون في جماعتهم بميزان الحق وحده لا بميزان الهوى والشهوة، فإنها والحق نقيضان لَا يجتمعان. وقدم الجار والمجرور للدلالة على قصر الحكم على الحق وحده لَا يحكمون بغيره، ولا يتجهون لسواه، وهذا النص الكريم مثله قوله تعالى: (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)، وقوله تعالى: (. . . مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مقْتَصِدَةٌ وَكثِيرٌ منْهمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ).
وهكذا شأن الكتاب الحكيم لَا يدغم الخير في الشر، بل يخص الخير بالذكر، ويخرجه من وسط ظلمات الباطل.
وقد أخذ يعرض من بعد ذلك قصص الذين انحرفوا عن الحق من بني إسرائيل، ومنعوا وصول الحق إلى قلوبهم.
وقد ذكر بعض هذا القصص في آيات أخر، ولكنه سيق لَا لأجل التكرار، بل لأنه تكملة لعبرة جديدة تساق، ولا تذكر مقطوعة عن أصلها، ولأن الذي لم
стр. 3995
يذكر في الماضي لَا يتم بيانه إلا بربطه بما مضى من القول، ليكون الكلام بينا ولتكون العبرة واضحة بينة.
ابتدأ بذكر تقسيمهم إلى أسباط، وشعب بني إسرائيل فقال تعالت حكمته:
* * *