فمنهْم من جاء لتربية القوة والعزة كما هي شريعة التوراة التي نزلت على موسى، ومنهم من جاء لتربية الروح والنفس كما هي شريعة عيسى لبني إسرائيل الذين غلظت أكبادهم.
وقوله تعالى: (فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ) أي جاء في وسطهم يدعوهم إلى سواء السبيل، كان من أجاب منهم له ثوابه ومن أعرِض ونأى بجانبه حق عليه عقابه، وهذا معنى قوله تعالى: (قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ).
ونرى أنه لَا تعارض بين الاتجاهين، ويمكن الجمع بينهما، فيكون الرسول داعيا في الدنيا، ويكون في إجابته المهتدي والضال، ثم يكون يوم القيامة شاهدا على الفريقين، واللَّه أعلم.
стр. 4867
(وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨)
وإن المشركين في إنكارهم للبعث يستعجلونه إن الأساس في رد دعوات النبيين إلى الرسالة الإلهية وهو إنكارهم البعث والنشور وكفرهِم بما يغيب عنهم، ولذا يكون استغرابهم من دعوة الرسل وإجابتهم واحدة (مَتي هَذَا الْوَعْدُ) والخطاب في هذه الآية للرسل، والقائلون هم المشركون، فالضمير في كلمة (يَقولُونَ) للمشركين لأنهم الذين يجادلون النبي ﷺ .
(مَتَى هَذَا الْوَعْدُ) الاستفهام هنا للتعجب والاستهزاء، وللاستفهام عن الزمن البعيد عن الوعد الذي يكون وراء البعث، والوعد هو الإنذار الشديد بالعذاب الأليم فيقولون ساخرين: متى يكون ذلك الوعيد؛ ويكررون ذلك الاستفهام المستهزئ الذي ينم عن الاستهانة وعدم الاهتمام غرورا بأنفسهم وانغمارا في لذاتهم.
وأعقبوا الاستهانة والاستهتار بقولهم: (إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) أي أنهم يردفون الاستهزاء بتكذيب الرسل، ولابد من الإشارة إلى أن ذلك يتكرر في خطاب كل
стр. 4868
الرسل، وأن الكفر بلسان واحد في الاستنكار والاستهزاء؛ ولذا جاء الخطاب للرسل أجمعين لَا لمحمد ﷺ وحده، لأن دعوتهم واحدة، ورد المشركين واحد، وإن كان المتحدث عنهم مشركو العرب؛ لأنهم صورة منهم بل أوضح صورة عند محمد ﷺ طلبوا منكرين ومستهزئين، وكرروا الطلب متى هذا الوعد؛ وهو العذاب الذي أوعَدْت، فأمر اللَّه تعالى نبيه ﷺ أن يقول لهم:
стр. 4869
(قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩)
طلبوا مستهزئين غير مبالين أن يحل بهم ما وعد اللَّه من عذاب فأمر اللَّه نبيه ﷺ بأن يقول لهم إنه لَا يملك ذلك وإنما يملكه اللَّه تعالى وحده، ويقول لهم ﷺ إنه إنسان مثلهم لَا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، وبالأولى لَا يملك لغيره ثم بالأولى لَا يملك ضررا عاما يعم المشركين جميعا كما يطلبون.
(قُل لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) وقدم الضر على النفع؛ لأنهم يطلبون أن ينزل بهم ما يضرهم فكان الرد بنفيه أولا، فإذا كان لَا يملك أن يضر نفسه فلا يملك أن يضر غيره.
وقوله تعالى: (إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) استثناء يبين كمال سلطان اللَّه وأنه وحده الذي يشاء ويختار وينفذ في الوجود الكوني ما يشاء هو، لَا ما يشاء غيره، والمعنى هنا إن شاء فالذي يملك سبحانه وإن لم يشأ فلا أملك، والاستثناء بقوله: (إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) حيث الإرادة والاختيار المطلق للَّه تعالى وحده كقوله سبحانه: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ. . .)، فهي دالة على اختياره المطلق ومدلول هذا الاختيار أنه لو شاء لضَرَّ، فليس أمر هذا الكون أو الإنسان يقع بغير اختياره، وهذه إجابة فيها بيان أنه ﷺ ليس مغترا كاغترارهم وأن قوته محدودة ولا يدعي ما ليس له مثله، ومع هذه الإجابة إجابة أخرى هي قوله تعالى: (لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ) أي زمن محدود تنتهي عنده، والأمم السابقة كان أجلها
стр. 4870
بما ينزل عليها من عذاب ساحق مبيد للكافرين كالغرق لقوم نوح، والهلاك بسبب سماوي كما كان لقوم لوط وعاد وثمود.
لم يقدر لكم اللَّه تعالى الهلاك كهذه الأمم، بل إنه لَا يزال يرتجى الخير لبعضكم أو أن يكون من أصلابكم، وفي هذا ما يفيد أن الوعد في الآية السابقة ما كان مقصورا على الكافرين بعذاب الآخرة بل يشمل ما كان في الدنيا من إهلاك الكافرين المفسدين، كما تقص القصص الصادقة في القرآن.
(إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَئْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) أي إذا حل أجلهم في زمانه المعين الذي قدره اللَّه تعالى لَا يستطيعون طلب تأخيره أو تقديمه (السين، والتاء) للطلب أي أنهم ليس لهم تأخيره أو تقديمه كما يتوهم المشركون ويطلبونه مستهزئين أو جادّين.
وقد أشار سبحانه من بعد ذلك إلى أن عذابهم قد يقع في الدنيا كما وقع لغيرهم، فأمر رسوله ﷺ ليقول لهم:
стр. 4871
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠)
(أَرَأَيْتُمْ) استفهام داخل على رأيتم وهو لتصوير حالهم، والمعنى أرأيتم وتصورتم حالكم إذا أتاكم عذابه بياتا وأنتم نائمون بريح عاصف أو هدمت عليكم دياركم وجعل اللَّه عاليها سافلها وأنتم نائمون، أو جاءكم نهارا ورأيتم الهول الكاسح، كقوله تعالى: (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩).
هذا تصوير العذاب الذي يطلبونه فيقول سبحانه: (مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ الْمُجْرِمُونَ) هنا إضراب انتقالي في القول، والمعنى أرأيتم إن ينزل بكم العذاب بياتا أو نهارا، وتصوروه واقعا بكم، أم ماذا تريدون، أو ما الجزء الذي تريدونه، وهو لَا يتجزأ أو يتجزأ وجزؤه ككله، وفي النص القرآني بعض الألفاظ:
стр. 4872
أولا - قوله (أَرَأَيْتُمْ) هو استفهام عن الرؤية البصرية أو القلبية، وقد قلنا: إن الكلام يتضمن تصوير العذاب الذي يستهزئون به أنه لم يقع، والزمخشري يقول: (أَرَأَيْتُمْ) تدل على طلب الإخبار، أي أخبروني ما هي حالكم إذا نزل بكم العذاب بياتا أو نهارا.
ثانيا - عبَّر سبحانه عن نزوله ليلا بقوله: (بَيَاتًا) للدلالة على السكون والاطمئنان وأنه يجيئهم وقت اطمئنانهم وسكونهم فيكون أشد وقعا.
ثالثا - إن جواب الشرط في قوله تعالى: (إِنْ أَتَاكمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا) محذوف وهو الندم على الاستعجال والإحساس بالهول الشديد.
رابعا - قوله تعالى: (مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ) وصفهم بالإجرام، أولا والإشارة إلى سبب إنكار البعث وعذاب اللَّه الذي يستحقونه وهو إيغالهم في الجريمة وللتوبيخ على فعلتهم، وقد قال في ذلك الزمخشري: " إن في حق المجرم أن يخاف التعذيب على إجرامه وان أبطأ فضلا عن أن يستعجله ". فيشير بهذا إلى أنهم كان يجب عليهم أن يشعروا بالجريمة وأنها تستدعي عقابا لَا محالة؛ وذلك يوجب عليهم أن يتوقعوه لَا أن يستعجلوه.
إن وعد اللَّه على لسان نبيه ﷺ آت لَا محالة يوم لَا ينفع نفس إيمانها بعد أن كفرت، ولذا قال تعالى:
стр. 4873
(أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١)
(ثُمَّ) عاطفة وهي للترتيب والتراخي، والترتيب هو ترتيب الاستفهام بعد الاستفهام، والاستفهام السابق كان لتصور العذاب وحالهم عنده ليعتبروا ولا يستعجلوا، وجاء الاستفهام الذي يليه وقد وقع العذاب فعلا؛ فالأول كان لتصوير العذاب متوقعا، والثاني لوقوعه بهم والتفاوت بينهم كالتفاوت بين المتوقع والواقع والتصور والحقيقة، وفيه الإشارة إلى أنهم لماديتهم لَا يؤمنون إلا بما يرون.
стр. 4874
والتوقع هو ما يريد النبي ﷺ أن يتوقعوه ويتصوروه، وإلا فهم مكذبون مستهزئون.
و (ثُمَّ) متأخرة والتقديم للاستفهام؛ لأن له الصدارة وتقدير القول أنه إذا ما وقع ورأيتموه رأي العين في الآخرة آمنتم به وصدقتموه، وقد قضى زمن التكليف وانتهت دار الابتلاء وجاءت دار الجزاء، إنه إيمان لَا ينفع.
ثم أردف سبحانه ذلك بتوبيخهم على تأخرهم في الإيمان واستعجالهم العذاب فقال سبحانه: (آلآنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلونَ) أي تؤمنون به في هذا الوقت المتأخر وقد كنتم مكذبين وتستعجلون مُتحدين أو متهكمين أو ساخرين، فالاستفهام إنكاري توبيخي، والتوبيخ من نواح ثلاث:
أولاها - من ناحية إنكارهم البعث.
ثانيتهما - من ناحية تهكمهم على من ينذرهم.
ثالثتها - أنهم لَا يؤمنون إلا في الوقت الذي لَا ينفع النفس إيمانها.
وقوله تعالى: (وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ) يقول كثير من المفسرين التابعين للزمخشري: (تَسْتَعْجِلُونَ) معناها تكذبون، وإني أقول أنهم كانوا مكذبين حقيقة ولكن كانوا يستعجلون فعلا ولو بظاهر القول، ويكون ذكر الاستعجال تهكما بهم وتوبيخا لهم في قوله تعالى: (وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ) جمع بين الماضي والحاضر، وهو دليل على استمرار استعجالهم التهكمي وتكذيبهم باليوم الآخر ووعد اللَّه تعالى بالجزاء.
هذه حال المكذبين وإيمانهم بعدم وقوع العذاب وإنكارهم لتوقعه ثم إيمانهم به بعد أن يروه، ثم يبين سبحانه وقوع العذاب وتمكنه منهم فيقول تعالى:
(ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢)
стр. 4875
(ثُمَّ) للعطف والترتيب والتراخي، والعطف هنا يكون على الاستفهام السابق وما تضمن من توبيخ وتهكم بهم، كما تهكموا على أوامر اللَّه تعالى ونواهيه من قبل، ودعوتهم إلى الإيمان باليوم الآخر وما فيه من حساب وعقاب وثواب، والتراخي في الانتقال من مرتبة التوبيخ على الكفر إلى مرتبة العذاب العتيد الحاضر المهيأ.
قوله تعالى: (قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا) بني للمجهول للإشارة إلى أنه استخفاف منطقي يقال بحكم المنطق والوقوع لكفرهم، وعبر عنهم بالموصول (لِلَّذِينَ) للإشارة إلى سبب العقاب وهو ظلمهم بالشرك وقصد الضلال والإفساد في الأرض وأشاعه زور القول وبهتانه، وإفراطهم في الأخذ بالماديات التي سيطرت على أفهامهم وصاروا لَا يؤمنون إلا بها.
(ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ) فيه إضافة العذاب إلى بيان له هو أنه خالد دائم ما دامت السماوات والأرض، وفي قوله تعالى: (ذُوقُوا) تشبيه للعذاب بالشيء الذي يذاق فيصيب إحساسهم، حتى أنهم يذوقونه كما يذاق الشيء المؤلم المرير.
(هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ) فيه أن العذاب بسبب ما كنتم تكسبون من أعمال خبيثة فيها إيذاء للناس وإفساد لعقائدهم فهو جزاء وفاق، والجمع بين الماضي والمستقبل دليل على أنهم يكسبون الشر دائما لَا يناون عنه ولا يقصرون.
والاستفهام هنا إنكاري بمعنى إنكار الوقوع، والمعنى لَا تجزون إلا ما كنتم تكسبون، فجعل سبحانه الجزاء كأنه العمل الذي استوجبه أصلا، وذلك مبالغة في العدالة فالجزاء والعمل متساويان.
* * *
стр. 4876
الجزاء شديد
(وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣) وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٥٤) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٥) هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦)
* * *
ذكر لحالهم يوم القيامة عندما ينزل بهم ما كانوا يستعجلون به ويرونه حقا وصدقا وعيانا، وقد كانوا من قبل ينكرون وقوعه ويعجبون ويستهزئون ممن يذكرهم، وقد ذكر سبحانه صورة من القول الذي كان على ألسنتهم.
стр. 4877
(يَسْتَنْبِئُونَكَ) النبأ هو الخبر ذو الشأن، والسين والتاء للطلب وهي، هنا لطلب البيان، فالمعنى يستخبرونك عن النبأ العظيم وهو أن الناس يحيون بعد أن يموتوا، وتجمع أجسامهم بعد أن صارت رفاتا وعظاما، وقد أمر اللَّه تعالى أن يجيبهم بتأكيد الوقوع مقسما. فقال سبحانه: (قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ).
(إِي) معناها " نعم " إنه حق ثابت واقع لَا محالة، وقد قدر علماء البيان أن كلمة (إِي) التي تكون بمعنى نعم، لَا تكون إلا ومعها قسم، وقد قال النبي ﷺ كما أمره ربه: (وَرَبِّي) أي الذي خلقني فبرأني ورباني، وفيه إشارة إلى تقريب تحقق ذلك الأمر الذي عجبوا منه واستنكروه واستهزءوا به، والقسم عليه (إِنَّهُ لَحَقٌّ) أكد أنه حق بالجملة الاسمية وبـ " إنَّ " التي للتوكيد وباللام.
стр. 4878
أكد القسم أنه في قدرة الله وفي إمكانه ولا يخرج عن قدرة القاهر لكل شيء فقال سبحاده: (وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ) أي لستم معجزين لِلَّهِ تعالى عن إعادتكم وحسابكم على ما قدمتم وأخذ المجرم بما اكتسب وإعطاء المحسن ما استحق من ثواب، والاستفهام في (أَحَقٌّ هُوَ) حقيقي منهم لأنهم جاهلون باليوم الآخر غلبت عليهم الحياة الدنيا، وأنه قد يكون تعجبا واستغرابا واستنكارا، وتومئ إلى هذا صيغته (أَحَقٌّ هُوَ) وهو لعجبهم الذي بينه الله تعالى في قوله: (وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ. . .).
قال ابن كثير: " لم يأمر الله تعالى نبيه ﷺ بإجابة المشركينِ بالقسم إلا في ثلاث مواضع هذه أولها. والثانية: في قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِين كَفَرُوا لَا تَأتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأتِيَنَّكُمْ. . .)، والثالثة: في قوله تعالى: (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧).
كان أمر الله بالقسم في هذا المقام ليزيل غرابتهم أولا، وليؤكده في ذات نفسه ثانيا، وليحملهم على الاستعداد له ثالثا.
(وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) فيه بيان للإمكان ثم التحقق، وكيد لإزالة الاستغراب، وهو نفي مستغرق للإعجاز، فالله تعالى خالق كل شيء لَا يعجزه شيء وهو على كل شيء قدير.
إن ما يكون في يوم الجزاء من عقاب للآثمين يساوي كل ما في الدنيا بحذافيرها من متاع، ولذا قال تعالى:
стр. 4879
(وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٥٤)
إن الهول سيكون فوق ما تدركه عقول من كفروا بذلك اليوم واستهانوا واستهزءوا به، وأنه لو تحقق لكل نفس ظلمت بالشرك والعناد والاعتداء والشهوات
стр. 4880
وغير ذلك من الظلم وهو ظلمات يوم القيامة، لو ثبت أن لها ما في الأرض من معادن وزروع وحدائق وجنات ونعيم ثابت وعارض تملكه وما في الأرض جميعا لافتدت به وقدمته كله فداء، وهذا بيان لتضاؤل الدنيا بنعيمها وما فيها إلى جانب عذاب اللَّه تعالى، وأن على كل نفس أن تتوقاه في هذه الدنيا.
(وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ) عندما يرون هول يوم القيامة اعترتهم الندامة وأسروها لا يستطيعون إبداءها من ذهولهم بما رأوا، وقد قال في ذلك الزمخشري قولا حسنا: (أَسَرُّوا النَّدَامَةَ) لما رأوا العذاب؛ لأنهم بهتوا برؤية ما لم يحسبوا ولم يخطر ببالهم، وعاينوا من شدة الأمر وتفاقمه ما سلبهم قواهم وبهرهم فلم يطيقوا عنده بكاء ولا صراخا ولا ما يفعله الجازع سوى إسرارهم الندم والحسرة في القلوب، كما ترى المقدم للصلب فإنه من فظاعة الخطب لَا ينبس بكلمة ويبقى جامدا مبهوتا، وقيل أسرَّ رؤساؤهم وسفلتهم، أسروا الندامة حياءً منهم ومن فعلتهم وخوفا من توبيخهم. وقيل أسروها، أي أخلصوها إما لأن إخفاءها إخلاصها، وإما من قولهم أسر بالشيء لخالصه، وفيه تهكم بهم وبأخطائهم وقت إخلاص الندامة ".
وإن الآية الكريمة تشمل كل هذه المعاني مع أن أولها المتبادر، ولكنه كلام اللَّه يحمل المعاني التي ندركها وغيرها، واللَّه تعالى وحده أعلم.
(أَسَرُّوا النَّدَامَةَ) الضمير يعود على كل الظالمين الذين ظلمت نفوسهم وودوا أن يكون في ملكهم الأرض وما فيها، والضمير بلفظ الجمع يعني الجمع في قوله: (وَلَوْ أَنَّ لِكلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ).
وإن اللَّه يقضي بينهم بالقسط، أي بالحق الذي يوزن فيه بميزان دقيق لَا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وهم لَا يظلمون، أي لَا ينقصون شيئا لأنهم يحاكمون أمام الحكم العدل اللطيف الخبير.
إن البعث وما بعده من حساب هو في قدرة اللَّه، لأنه مالك الوجود بما فيه ومن فيه.
стр. 4881
(أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٥)
(أَلَا) للتنبهيه إلى عظم ما يجيء بعدها لدلالته على القدرة القاهرة والسلطان الظاهر.
(إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) من نجوم ذات أبراج، وأرض ذات جبال، ومعادن، وأحياء وغير ذلك، وأن من يملك شيئا يحكمه ويكون في قبضة يده ينظمه بحكمته وعدالته، وأنه يبدأ الخلق ثم يعيده وإن الحساب أمر ثابت، وإن اللَّه لا يخلف الميعاد، وإن موعده حق لَا يقبل التخلف. وفي الكلام إخبار مؤكد من اللَّه تعالى أن وعده حق، فقال سبحانه بعد بيان ملكيته المطلقة للكون وما فيه وقدرته: (إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) وهذا تأكيد من اللَّه تعالى مؤكد بإضافته إلى اللَّه تعالى العلي الأعلي.
(وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) الاستدراك هنا لمخالفة المخالفين بعد تأكد الخبر من فَمِ الأمين الصادق ومن اللَّه تعالى، وذلك يوجب التصديق والإذعان والإيمان وحكم على الكثرة لَا على الجميع؛ لأن الذين لَا يعلمون الحق وأخذوا بالمادة هم الأكثرون كقوله تعالى: (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضُلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ. . .).
ولقد قرب اللَّه تعالى البعث بأمر يرونه كل يوم، فقال تعالى:
стр. 4882
(هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦)
الضمير في كلمة (هُوَ) يعود إلى لفظ الجلالة مالك السماوات والأرض والمدبر لهما (يُحْيِي وَيُمِيتُ) يخلق من الميت حيا، ويخرج من النواة الجامدة حبا ناميا، يأتي بالزرع حبه متراكب ثم يصير غثاء أحوى فيكون في ذلك حطام، ويميت الإنسان فيصير ترابا، وهكذا المثل المستمر في الوجود بين إحياء وإفناء، وأن من يفعل ذلك قادر أن يعيد الأموات أحياء ويبعثهم.
стр. 4883
ثم يبين سبحانه النتيجة منذرا (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) أي أن الرجوع إليه وحده لا محالة، وإن جزاء الإحسان إحسانا، وأما الإساءة فعاقبتها عذاب يوم عظيم والله يتولى كل شيء.
* * *
شرع الله رحمة وشفاء
يقول تعالى:
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٦٠)
* * *
النداء للناس جميعا عربا كانوا أم عجما؛ لأن شريعة الله للناس كافة كما قال سبحانه: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا. . .).
ولذا كان النداء بالبعيد لقوله تعالى:
стр. 4884
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ).
تبين هذه الآية أن ما جاء به ﷺ قد اجتمعت فيه عناصر أربعة هي أقسام القرآن الكريم وهدايته:
стр. 4885
القسم الأول - الدعوة إلى كل خير والإبعاد عن الشر والزجر، وضرب الأمثال في القصص القرآني الحكيم، والتربية النفسية بالعظة والاعتبار، كما قال تعالى: (لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ. . .). ونسب سبحانه الموعظة إلى نفسه فقال: (مِّن رَّبِّكُمْ) وذكر الرب في هذا المقام إشعار بأنها في التربية الربانية الحكيمة لمن اتعظ واعتبر وأدرك وفقهت نفسه إلى الحقائق ووعاها.
القسم الثاني - أنه مما اشتمل عليه القرآن أنه شفاء لما في الصدور، كما قال تعالى: (وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُو) فإذا كانت الموعظة تقتضي واجبا إيجابيا هو تربية وتهذيب وإنشاء، فالشفاء كشف وإزالة لأدران الأمراض النفسية من حسد وحقد وتباغض وتنازع وخوف تبتدئ في الصدور وتنتهي إلى أن تكون أسقاما في المجتمع البشري تفسد بناءه وتقوضه، وكل هذا داء يحتاج إلى دواء، وفي القرآن الكريم ذلك الدواء الذي يكون به الشفاء.
القسم الثالث - هو الهداية فقال سبحانه: (وَهُدًى) أي أن فيه الهداية إلى الطريق المستقيم، وهو صراط الذين أنعم اللَّه عليهم فسلكوا الطريق الأقوم وبعدوا عن الشرك والضلال والاعوجاج، وساروا على هدى من اللَّه استقامت به قلوبهم وألسنتهم وكان منهم المجتمع الكامل القويم لَا عوج فيه ولا التواء عن القصد السوي.
القسم الرابع - (وَرَحْمَةٌ للْمُؤْمِنِينَ) هو ما في القرآن الكريم من رحمة، والرحمة هنا هي الشريعة المنظمة لمجنمع المؤمنين الذي يأخذ بها كل ذي حق حقه، ويرتدع بها الظالم، ففي شرائعها الإيجابية رحمة بالناس وكل نظمها رحمة وفي شرائعها الناهية رحية؛ لأنها تنقية من الفساد ودفع لظلم الآحاد، وإذا كان الظلم شقاء فدفعه رحمة وسعادة، وإن العقوبات الزاجرة التي شرعها الكتاب الحكيم رحمة، وإنه من الرحمة أن يؤخذ المجرمون بجرائمهم، وقد قال ﷺ :
стр. 4886
" من لَا يَرْحم لَا يُرْحَم " (١) ودفع الظلم والقصاص رحمة، ولذا قال تعالى (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ. . .).
ودفع اعتداء المعتدين رحمة وذلك من قوله تعالى: (. . . وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضهُم بِبَعْضٍ لفَسَدَتِ الأَرْضُ. . .).
وإن الموعظة والشفاء والهدى والرحمة للمؤمنين، لأنهم يتعظون بمواعظه ويستشفون بشفائه ويهتدون بهدايته وتنالهم رحمته.
قال البيضاوي في مغزى هذه الآية: " قد جاء كتاب جامع للحكمة العملية الكاشفة عن محاسن الأعمال ومقابحها، المرغبة في المحاسن والزاجرة عن المقابح، والحكمة النظرية التي هي شفاء لما في الصدور من الشكوك وسوء الاعتقاد وهدى إلى الحق واليقين ورحمة للمؤمنين، حيث أنزلت عليهم، نجوا بها من ظلمات الضلال إلى نور الإيمان، وتبدلت مقاعدهم من طبقات النيران إلى مصاعد من درجات الجنان ".
إن من فضل اللَّه على عباده نزول القرآن الكريم المشتمل على هذا الفضل العظيم الذي يقول فيه سبحانه:
стр. 4887
(قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)
أمر اللَّه نبيه ﷺ أن يقول: (بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ) أي أن هذا القرآن الذي نزل جامعا للموعظة المبينة وشفاء القلوب وهدايتها، والشريعة هي من فضل اللَّه على خلقه الذي يختص بها من يشاء، وبرحمته على عباده الذين أنقذهم من الضلال، وفي هذا بيان بأن تنزيل القرآن وما فيه هو بفضل اللَّه ورحمته، وتكرار حرف الجر (الباء)، لبيان أن كليهما مراد اللَّه تعالى من تنزيل الكتاب، ثم يبين سبحانه أن هذا القرآن بما فيه هو أساس للسعادة والسرور والفرح لقوله تعالى:
стр. 4888
(فَبِذَلكَ فَلْيَفْرَحُوا) والفاء الثانية واقعة في جواب الشرط المقدر المطوي في قوله تعالى. (فَبِذَلِكَ) أي فإن ذلك النزول إذا كان من فضل اللَّه ورحمته فليفرحوا، وتكررت (الباء) لتأكيد أن ذلك الفضل وتلك الرحمة من أسباب الفرحة وهو يزيد على كل خير الدنيا؛ ولذلك قال تعالى: (هُوَ خَيْرٌ ممَّا يَجْمَعُونَ) الضمير في (هُوَ) يعود إلى القرآن بما فيه من موعظة وهداية وشفاء لأسقام القلوب، (خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) أي من أموال ورخاء في الدنيا وأسباب القوة وغير ذلك مما هم حريصون على جمعه راغبين فيه، فإنه إن كان يفرح زمنا فإنه يكون وبالا على صاحبه، والمفاضلة هنا هي بين منافع مادية عاجلة ومنافع روحية، وكلمة خير تدل على أنه بلغ أعلى الدرجات عن هذا الذي يجمعونه.
إن الشريعة الرحيمة التي تشمل الحلال والحرام يخرج الكافرون عن نطاقها ولهذا قال تعالى:
стр. 4889
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)
أمر اللَّه تعالى نبيه ﷺ أن يسألهم عن الرزق الذي أنزل إليهم إذ يجعلونه حراما وحلالا من غير أمر إلهي يحل لهم ويحرم. وقد بين اللَّه تعالى في الآية السابقة كيف هداهم وأرشدهم، وفي هذه الآية الكريمة كيف يتلقون رحمة اللَّه إذا انحرفت نفوسهم بالشرك.
(أَرَأَيْتُم) استفهام إنكاري والإنكار منصب على الرؤية وما بعدها من جعلهم بعضه حراما وبعضه حلالا، والاستفهام الإنكاري هنا إنكار للواقع، أي بمعنى التوبيخ فاللَّه تعالى يوبخهم على أن جعلوا منه حراما وحلالا.
وكلمة (أَنزَلَ) معناها خلق وأنشأ، وعبر بالنزول باعتبار أن الرزق رحمة نازلة من اللَّه تعالى، أنزل سبحانه من السماء مطرا أنبت به من ثمرات كل شيء مما يأكل الناس والأنعام وهو بمقتضى أصل الخلق والتكوين حلال بالإباحة الأصلية
стр. 4890
الثابتة، يقول تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا. . .)، إلا ما كان من الخبائث التي حرمها اللَّه تعالى، ويقول سبحانه: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا. .).
أي للأحجار التي جعلوها بزعمهم شركاء للَّه.
وحرموا السائبة والوصيلة والحام وغير ذلك كفرا بالنعمة وشركا باللَّه وعبثا برحمته.
(فَجَعَلْتم مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالًا) أي صيَّرتم منه حراما على أنفسكم، ولم يكن كذلك بل كان حلالا بمقتضى أن اللَّه لم يحرمه. ثم أمر اللَّه تعالى نبيه ﷺ أن يسألهم (قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْترونَ)، وهنا الاستفهام داخل على لفظ الجلالة وموضوعه الإذن وهو فاعل لفعل محذوف دل عليه " أذن " بعد ذلك، كالشرط إذا دخل على الاسم كما في قوله: (إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ).
الاستفهام إنكاري لإنكار الوقوع مع التوبيخ لهذا التحريم، و (أَمْ) التالية للإضراب عن الاستفهام السابق؛ لأن المستفهم عنه منفي وقوعه، فهو انتقال من الاستفهام الإنكاري النافي إلى استفهام توبيخي نافٍ للواقع، فقد حكم سبحانه مع التعجب التوبيخي بنفي أن يكون ذلك بإذن اللَّه، والاستفهام ممحص للتوبيخ على ما وقع منهم، وهو الافتراء على اللَّه تعالى: (أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرونَ).
وقدم قوله تعالى: (عَلَى اللَّهِ) للتخصيص، أي أنتم بهذا تفترون على اللَّه لا على غيره، وأي فساد في التفكير أن يكون افتراؤهم على اللَّه خالقهم وخالق الوجود كله، وأنهم يعترفون بالخالق وأنه لَا شريك له في خلقه ولكن يعبدون الأحجار لتكون شافعة عنده، فكانوا سخفاء في شركهم وفي تبريره. تعالى اللَّه عما يشركون.
стр. 4891
بعد أن أكد سبحانه أنهم يفترون سألهم عما يتوقعه الذين يفترون على اللَّه الكذب يوم القيامة.
стр. 4892
(وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٦٠)
الظن هنا هو التوقع المبني على الظن الذي اختاروه لأنفسهم سبيلا بدل أن يتحروا مستيقنين، والاستفهام توبيخي إنكاري وطلب لأن يفكروا فيما يتوقعون يوم القيامة، هل يتوقعون مع افترائهم على اللَّه أن يدخلوا جنات النعيم؛ أم يتوقعون جزاء وفاقا لما صنعوا في جنب اللَّه تعالى من عصيان وتمرد على أوامره، بل إنهم ساروا في عصيانهم إلى أبعد أنواع الضلال فافتروا على اللَّه في الحلال والحرام، فحرموا على أنفسهم نعمه ونسبوا التحريم إليه، وحللوا ماحرم اللَّه وافتروا كما كانوا يفعلون من الطواف عرايا.
وقد بين سبحانه أنه أنعم عليهم، وهم الذين غيروا وبدلوا وحرموا طيبات أحلت لهم ولم يشكروا بالطاعة والحمد على ما تفضل به عليهم سبحانه، فقال تعالت كلماته: (إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ) في قوله تعالى تأكيد لفضله بـ (إِنَّ) المؤكدة وبالجملة الاسمية، وبأن الفضل يصحب كل تصريفه لأمور العباد تعالى، فقال سبحانه: (لَذُو فَضْلٍ) مؤكدا ذلك باللام.
(وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ) الاستدراك هنا معناه أنه كان حقا عليهم أن يشكروا فاستدرك سبحانه على هذه النتيجة المنطقية وقرر أن أكثرهم عدلوا عنها وانحرفوا عن مسلكها إلى الضلال فكانوا لَا يشكرون وجحدوا، وكان التعبير بالمضارع؛ لدوام عدم شكرهم وتكرر جحودهم وتجدده آنًا بعد آنٍ.
* * *
стр. 4893
الله تعالى رقيب على العباد
قال تعالى:
стр. 4894
(وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)
* * *
إن أكثر الناس لَا يشكرون نعمة الله ويكفرونها، وإذ يدعوهم النبي ﷺ يناله أذاهم واستهزاؤهم والتعذيب لبعض أتباعه ومقاومة الدعوة وفتنة من يتبعونها من الضعفاء وغيرهم، والله تعالى يبين علمه بذلك وإمهاله لهم رجاء إجابتهم.
(وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ) الشأن هو القصد والحال من قولهم شَأنْتُ شَأْنَهُ، أي قصدت قصده، والله تعالى يعلم أحوال النبي ﷺ ومقاصده وما يقوله من إرشاد وتوجيه وبيان لحججه، والله سبحانه عليم بجهاده في دعوته إلى ربه (وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ) أي ما تتلوه عليهم من أجل هذا الشأن، ولتحقيق الرسالة في القرآن فالضمير في قوله تعالى: (وَمَا تَتْلُو مِنْه) يعود على الشأن، أي ما تتلو من أجله عليهم في بيان هذا الشأن لتكذيبهم، فتتحداهم لإثبات الحق كالآيات التي يتحداهم فيها أن يأتوا بمثله.
(وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا) التفت الخطاب الكريم إلى الناس جميعا مؤمنهم وكافرهم، كما هو شأن الخطاب في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاس. . .)، وكان هذا الخطاب العام للناس لبيان علمه سبحانه بكل ما يعملون، وفي ذلك إنذار وتبشير (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا)، (مَا) نافية وكلمة (إِلَّا) للاستثناء من
стр. 4895
النفي، أي ما كان عمل النبي معهم ولا عملهم معه إلا كنا عليه شهودا، ضمير المتكلم للَّه سبحانه، وجاء بضمير الجماعة تعظيما وإجلالا، وجاء هكذا لمناسبة ضمير الجماعة في (كنَّا)؛ ولأن (شُهُودًا) تتضمن تعدد الشهادة بعدد حوادثها، فاللَّه تعالى يعلم علم المشاهدة والمعاينة لكل واقعة وكأنَّه شاهد عليها، وبتعدد الحوادث يتعدد العلم بالمشاهدة، وكان علمه سبحانه - وله المثل الأعلى - علم شهود.
والشهادة تتضمن هنا معنى المراقبة والإحصاء والتتبع والاستقراء، ولذا قال تعالى في بيان أنه يعلم كل شأن وكل عمل في وقت وقوعه (إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ) أفاض بمعنى اندفع واسترسل، والضمير في كلمة (فِيهِ) يعود إلى كلمة (عَمَلٍ) أي لَا تعملون عملا، ويشمل العمل القول، إلا يعلمه سبحانه وقت أن تندفعوا فيه مسترسلين سواء كان خيرا أم كان شرا، دقَّ أو جل؛ ولذا قال سبحانه في بيان علمه لكل شيء مهما صغر: (وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)، (يَعْزُبُ) أي يغيب فالمعنى أنه لَا يغيب ولا يبعد فهو حاضر دائما مهيأ عند الحساب، (مِّثْقَالِ ذَرَّة) أي وزن ذرة وهي أصغر جزء لفتات الأشياء، وقد أثبت العلم أن بالذرة نواة ذات ثقل واللَّه تعالى أعلم بما فيها، وقال العلماء: إن في قوتها مجتمعة ومنفردة دليل لقدرة المنشئ لكل شيء في الوجود الفاعل المريد المختار.
ثم يقول سبحانه في بيان عموم علمه: (وَلا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكبَرَ) كلمة (لا) هنا هي تأكيد للنفي في (مَا يَعْزُبُ) وكل هذا مكتوب في كتاب مبين، أي بيَّن واضح يبرز يوم القيامة منشورا معلما كل ما فيه، ولقد ذكر سبحانه عموم علمه بالأشياء (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩).
стр. 4896
ثم يقول سبحانه: (. . . لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ. . .). وقد تساءل الزمخشري عن تقديم السماوات على الأرض في هذه الآية؛ لأنه سبحانه قدم الأرض في الآية من سورة يونس، فقال الزمخشري: " من حق السماء أن تقدم على الأرض، ولكنه سبحانه لما ذكر شهادته على شئون أهل الأرض وأحوالهم وأعمالهم فلزم تقديم الأرض، وفوق ذلك أن التكليف والحساب والإنذار والتبشير على أهل الأرض ولا يعرف لأهل السماء إلا في علم التكليف، ولأن الأرض خلق منها الذين يحاسبون وإليها يعودون والله تعالى عليم بكل ما في الوجود ".
* * *
أولياء الله
(أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤) وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥)
* * *
ذكر أنه ناصر أولياءه، وأن مآلهم النعيم لَا يخافون ولا يحزنون:
стр. 4897
(أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣).
وليُّ الله هو المحب لله المطيع لأوامره المجتنب نواهيه، ويكون الله تعالى في قلبه دائما، لَا يتحرك إلا في حب الله رجاء رضاه أولا، ورحمته ثانيا، واتقاء
стр. 4898
عذابه ثالثا، وإن المشركين الكافرين كانوا يعادونهم ويستكبرون عليهم فبين اللَّه تعالى أنهم إذا كانوا فقدوا ولاء الكافرين فقد استبدلوه بأن اللَّه مولاهم، وأولياء اللَّه يتحابون فيما بينهم ولا يوادون من يحادد اللَّه ورسوله، كما جاء في قوله تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ. . .).
(لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) لَا خوف عليهم من عذاب يترقبونه ولا هم يحزنون لخير فاتهم، وأكد نفي الحزن عنهم؛ لأن قلوبهم عامرة باللَّه سبحانه
стр. 4899
(الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)
آمنوا باللَّه حق الإيمان يعبدونه كأنهم يرونه فإن لم يكونوا يرونه يحسون في عبادتهم كأنهم في حضرته العلية سبحانه، وهذا هو الإحسان، كما قال ﷺ : " اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " (١).
(وَكَانُوا يَتَّقُونَ) أي يخافون غضب اللَّه تعالى ويتقون عذابه.
وإنهم إذ يؤمنون ذلك الإيمان ويحسنون ويتقون اللَّه حق تقاته، تكون قلوبهم عامرة بذكر اللَّه تعالى فلا يخافون من مستقبلهم، وقد فوضوا أمورهم للَّه تعالى وتوكلوا عليه سبحانه حق توكله بعد أَخْذِهم بالأسباب، وتركوا للَّه تعالى مؤمنين أن يوفق ويربط الأسباب بمسبباتها.
وهنا عبارتان لهما مغزاهما:
العبارة الأولى - قوله تعالى: (لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) أي أنهم يرجون ما يرجوه المؤمن من ربه فاللَّه تعالى يُلقي في قلوبهم الاطمئنان إلى المستقبل، وفي قوله تعالى: (وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) تأكيد لعدم الحزن: أولا: بتكرار كلمة (لا) النافية، فإنها مؤكدة للنفي المذكور في (لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ).
стр. 4900
ثانيا: بذكر الضمير (هُمْ) فذلك مؤكد من مؤكدات الحكم.
ثالثا: في التعبير بالمضارع الذي يصور - الاستمرار فإنهم لَا يداخلهم الحزن؛ لأن قلوبهم عامرة دائما بذكر الله فامتلأت طمأنينة، والاطمئنان يطرد الحزن كقوله تعالى: (. . . أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ).
العبارة الثانية - قوله تعالى: (وَكانُوا يَتَّقُونَ) وفيه جمع بين الماضي والمضارع، الماضي في (كَانُوا) والمضارع في (يَتَّقون)، وهذا يفيد استمرار التقوى، قلوبهم ممتلئة دائما بخشية الله تعالى، وهم بذلك يستصغرون أعمالهم بجوار حق الله ويشعرون أنهم لم يؤدوا حق الله فيرجون رحمته ويخافون عذابه، وذلك مقام الصديقين القريبين من الله دائما.
عن عمر ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: إن لِلَّهِ عبادا ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله، قيل: يا رسول الله أخبرنا من هم، وما أعمالهم؟ قال: هم قوم تحابوا في الله من غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور وإنهم لعلَى منابر من نور لَا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس (١)، ثم قرأ الآية: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)
стр. 4901
لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ).
وقبل أن نترك الكلام في معنى الولاية وقد عرَّفها سبحانه بأنها الإيمان الخالص والإحسان الكامل وامتلاء النفس بالتقوى، لابد أن نتكلم حول خوارق للعادات، يقولون أنها تجري على أيدي من يسمونهم أولياء، وبعض علماء الكلام يقولون: إنها تسمى كرامة، وذلك خلاف لما جاء على يد الرسل وسميت معجزات.
стр. 4902
ويذهب البعض إلى وجوب الإيمان بكرامة الأولياء، ونحن نقول: لَا نزيد على الدين ركنا من أركان الإيمان، فمن رأى خوارق جرت على يد رجل ليست سحرا فليُسَر بما رأى، ومن لم يرَ شيئا من ذلك فليس عليه أن يؤمن بما لم يكلفه اللَّه تعالى الإيمان به.
وقد ذكر سبحانه ما ينال أولياء اللَّه تعالى من خير بقوله:
(لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)
(لَهُمُ) الضمير يعود على أولياء الله، البشرى هي التبشير بما يلقي السرور في أنفسهم، وقد حكم الله تعالى لهم بالبشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وذلك وعد حق، ولذا قال سبحانه: (لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ) وهي ما قرره سبحانه من عذاب ونعيم وبعث ونشور فهي لَا خلاف فيها ولا تبديل لكلمات اللَّه الأزلية الباقية ومن ذا الذي يبدل أو يغير في كلمات اللَّه التي كتبها لعباده المتقين.
والبشرى في الحياة الدنيا تكون بما ذكره اللَّه لعباده المتقين في كتابه الكريم وسنه نبيه ﷺ كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١).
وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: " إن البشرى هي الرؤيا الصادقة تبشره بالخير " (١)، وروى أن البشرى تكون الثناء على عمله والرضا بما يفعل. روي عن
стр. 4903
أبي ذر - أنه قيل: يا رسول اللَّه إن الرجل يعمل العمل يحمده الناس ويثنون عليه، فقال ﷺ : " تلك عاجل بشرى المؤمن " (١).
إن المؤمنين الصافية نفوسهم والذين أخلصوا وجوههم للَّه تعالى تميل إليهم قلوب المخلصين، وكان بعض الأعراب يؤمنون بمجرد رؤيتهم لوجه النبي ﷺ رآه مرة أعرابي فسأله: أأنت الذي تقول قريش أنك كذاب، ما هذا بوجه كذاب ثم أسلم. ذلك صفاء النفس المحمدية بدا نورا في وجهه فآمن الأعرابي.
وأما بشرى الآخرة فهي لقاء الملائكة لهم بالبشرى، كما قال تعالى: (لا يَحْزنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ).
كما يقول سبحانه: (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢).
وإذا كان النبي ﷺ ولي اللَّه وهو أول الأولياء وهاديهم فلا يلتفت إلى قول الذين يناوئونه؛ لأنه ولي العزيز الحكيم؛ ولذلك قال سبحانه:
стр. 4904
(وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥)
(وَلا يَحْرنكَ قَوْلُهُمْ) هذا نهي له ﷺ حتى لَا يبالى بهم ولا يأبه أو يحزن لما يقولون من تكذيب وتهديد ومن استهزاء وسخرية ومعاندة وإصرار على الكفر وطلبهم لعشيرته أن يسلموه لهم ليقتلوه، والنهي عن الحزن نهي عن الاستسلام له والانشغال به بل يستمر في دعوته، فاللَّه عاصمه من الناسِ، وقد علل ذلك النهي بما يبين أن الغلب في النهاية له، فقال (إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا)، وهذا استئناف في مقام التعليل للنهي السابق، والعزة هي الغلبة والسلطان وجميعها للَّه تعالى فلا عزة
стр. 4905
لهم وإن استكبروا واستعلوا بالباطل وحاولوا إيذاء النبي ومن معه، ولم يذكر عزة للنبي ﷺ ؛ لأن عزته هي عزة للنبي ﷺ إذ هو وليه واللَّه ناصره إذ يدعو؛ إلى سبيله ويناله ما يناله بسبب دعوته إلى اللَّه ووحدانيته وجَعْل كلمة اللَّه هي العليا وكلمة الكفر هي السفلى.
وقد طمأن اللَّه نبيه، وهدد معانديه بقوله تعالى في ختام الآية: (هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).
والضمير يعود إلى لفظ الجلالة وهذان وصفان، يؤكدان أولا - عزة اللَّه تعالى وأنه وحده هو العزيز الغالب؛ لأنه سميع، أي عالم علم من يسمع، عليم بكل أحوالهم ما خفي منها وما ظهر ومن كان كذلك فهو العزيز وحده، ثانيا - إنذار لهؤلاء المستهزئين بعاقبة ما يقولون؛ لأنه يحاسبهم على ما يقولون ويستهزئون واللَّه هو الولي وهو الناصر القادر على كل شيء.
* * *
الله هو الخالق وحده
يقول تعالى:
(أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٦٦) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧) قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ