← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.

стр. 4901

لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ). وقبل أن نترك الكلام في معنى الولاية وقد عرَّفها سبحانه بأنها الإيمان الخالص والإحسان الكامل وامتلاء النفس بالتقوى، لابد أن نتكلم حول خوارق للعادات، يقولون أنها تجري على أيدي من يسمونهم أولياء، وبعض علماء الكلام يقولون: إنها تسمى كرامة، وذلك خلاف لما جاء على يد الرسل وسميت معجزات.

стр. 4902

ويذهب البعض إلى وجوب الإيمان بكرامة الأولياء، ونحن نقول: لَا نزيد على الدين ركنا من أركان الإيمان، فمن رأى خوارق جرت على يد رجل ليست سحرا فليُسَر بما رأى، ومن لم يرَ شيئا من ذلك فليس عليه أن يؤمن بما لم يكلفه اللَّه تعالى الإيمان به. وقد ذكر سبحانه ما ينال أولياء اللَّه تعالى من خير بقوله: (لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤) (لَهُمُ) الضمير يعود على أولياء الله، البشرى هي التبشير بما يلقي السرور في أنفسهم، وقد حكم الله تعالى لهم بالبشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وذلك وعد حق، ولذا قال سبحانه: (لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ) وهي ما قرره سبحانه من عذاب ونعيم وبعث ونشور فهي لَا خلاف فيها ولا تبديل لكلمات اللَّه الأزلية الباقية ومن ذا الذي يبدل أو يغير في كلمات اللَّه التي كتبها لعباده المتقين. والبشرى في الحياة الدنيا تكون بما ذكره اللَّه لعباده المتقين في كتابه الكريم وسنه نبيه ﷺ كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١). وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: " إن البشرى هي الرؤيا الصادقة تبشره بالخير " (١)، وروى أن البشرى تكون الثناء على عمله والرضا بما يفعل. روي عن

стр. 4903

أبي ذر - أنه قيل: يا رسول اللَّه إن الرجل يعمل العمل يحمده الناس ويثنون عليه، فقال ﷺ : " تلك عاجل بشرى المؤمن " (١). إن المؤمنين الصافية نفوسهم والذين أخلصوا وجوههم للَّه تعالى تميل إليهم قلوب المخلصين، وكان بعض الأعراب يؤمنون بمجرد رؤيتهم لوجه النبي ﷺ رآه مرة أعرابي فسأله: أأنت الذي تقول قريش أنك كذاب، ما هذا بوجه كذاب ثم أسلم. ذلك صفاء النفس المحمدية بدا نورا في وجهه فآمن الأعرابي. وأما بشرى الآخرة فهي لقاء الملائكة لهم بالبشرى، كما قال تعالى: (لا يَحْزنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ). كما يقول سبحانه: (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢). وإذا كان النبي ﷺ ولي اللَّه وهو أول الأولياء وهاديهم فلا يلتفت إلى قول الذين يناوئونه؛ لأنه ولي العزيز الحكيم؛ ولذلك قال سبحانه:

стр. 4904

(وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥) (وَلا يَحْرنكَ قَوْلُهُمْ) هذا نهي له ﷺ حتى لَا يبالى بهم ولا يأبه أو يحزن لما يقولون من تكذيب وتهديد ومن استهزاء وسخرية ومعاندة وإصرار على الكفر وطلبهم لعشيرته أن يسلموه لهم ليقتلوه، والنهي عن الحزن نهي عن الاستسلام له والانشغال به بل يستمر في دعوته، فاللَّه عاصمه من الناسِ، وقد علل ذلك النهي بما يبين أن الغلب في النهاية له، فقال (إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا)، وهذا استئناف في مقام التعليل للنهي السابق، والعزة هي الغلبة والسلطان وجميعها للَّه تعالى فلا عزة

стр. 4905

لهم وإن استكبروا واستعلوا بالباطل وحاولوا إيذاء النبي ومن معه، ولم يذكر عزة للنبي ﷺ ؛ لأن عزته هي عزة للنبي ﷺ إذ هو وليه واللَّه ناصره إذ يدعو؛ إلى سبيله ويناله ما يناله بسبب دعوته إلى اللَّه ووحدانيته وجَعْل كلمة اللَّه هي العليا وكلمة الكفر هي السفلى. وقد طمأن اللَّه نبيه، وهدد معانديه بقوله تعالى في ختام الآية: (هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ). والضمير يعود إلى لفظ الجلالة وهذان وصفان، يؤكدان أولا - عزة اللَّه تعالى وأنه وحده هو العزيز الغالب؛ لأنه سميع، أي عالم علم من يسمع، عليم بكل أحوالهم ما خفي منها وما ظهر ومن كان كذلك فهو العزيز وحده، ثانيا - إنذار لهؤلاء المستهزئين بعاقبة ما يقولون؛ لأنه يحاسبهم على ما يقولون ويستهزئون واللَّه هو الولي وهو الناصر القادر على كل شيء. * * * الله هو الخالق وحده يقول تعالى: (أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٦٦) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧) قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ

стр. 4906

إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠) * * *

стр. 4907

(أَلَا) للتنبيه إلى ما يقوله سبحانه وما يمكن أن يكون دليلا على قدرته القاهرة الموجبة لعبادته وحده، والأمر الجدير بالتنبيه أنه له من في السماوات ومن في الأرض، وكلمة (مَن) للعقلاء، أي أن اللَّه تعالى يملك العقلاء في السماوات والأرض من ملائكة وجن وإنس، وإن كان يملكهم فهم عبيده، كما قال تعالى: (لَن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيح أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ. . .)، وكقوله تعالى: (إِن كلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا)، وإذا كان هؤلاء لحكم الملكية عبيدا فغير العقلاء مثل الأحجار والأبقار أولى بأن يكونوا عبيدا؛ إذ للعقلاء حرية وإرادة واختيار وعقول وفكر ومع ذلك هم عبيد اللَّه بحكم أنه خلقهم وملكهم فليس بجائز أن يكون معبود غير اللَّه تعالى؛ ولذلك قال سبحانه: (وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ) ومؤدى النص الكريم أن الذين يدعونهم، أي يعبدونهم على أنهم شركاء لِلَّهِ تعالى ليسوا شركاء للَّه تعالى في شيء من الشركة التي تقتضي أن للشريك ملكا وأن الشريك نظير لشريكه، وكيف تتحقق هذه الشركة بين خالق كل شيء وبين حجر لَا يضر ولا ينفع، أو بين عبد من عباده هو سبحانه خالقه ومالكه، وكلمة (مَا) نافية، أي لَا يتبع الذين يعبدون غير اللَّه شركاء للَّه تعالى، وكلمة (مِن) بمعنى بدل، وذلك إذ إنهم أشركوا عبادة غير اللَّه مع اللَّه فقد كفروا باللَّه ولم يعبدوه.

стр. 4908

فالشركة منفية بلا ريب، ولا حقيقة لها، فإذا كانت غير موجودة فلا يصح أن يقولها من يعرف أن اللَّه وحده هو خالق السماوات والأرض. أشار سبحانه إلى أن أوهامهم وظنونهم هي التي زينت لهم أن يجعلوا شركاء، ولذا قال تعالى: (إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إلَّا يخْرُصُونَ)، (إِن) هنا نافية، فهم لَا يتبعون إلا الظن وليس الظن هو العلم الراجح وإنما هو الأوهام والهواجس تتوهمها عقولهم ثم تلج فيها وتستولي عليها بحكم التزيين، حتى تكون كالظن بل حتى تكون كالعلم في عقولهم التي عششت فيها الأوهام وأيقنت بها، فيقول سبحانه: (وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصونَ)، أي يتوهمون ثم يظنون ثم يعتقدون وما لهم من حجة ولا دليل، ثم أكد سبحانه عموم خلقه فهو لم يخلق العقلاء وحدهم بل خلق الوجود كله. يقول تعالى:

стр. 4909

(هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧) أنعم اللَّه تعالى على خلقه العقلاء بنعمتي الليل والنهار، ليل ليسكنوا فيه ويقروا مع أهليهم وذرياتهم قرة أعينهم وليطمئنوا، وجعل النهار مبصرا ليعملوا في الأرض يعمروها ويصلحوها، وفي قوله تعالى: (وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا) مجاز لأن المُبصر هو الحي الذي رزق نعمة البصر ووصف به الزمان للمبالغة في وصف نوره وضياه، وفي هذا إشارة إلى أصل خلق الكون؛ فاختلاف الليل والنهار حال موقع الشمس من الأرض، وذكر هذا فيه دلالة بالاقتضاء على نعمة اللَّه في خلق الكون كله من السماء ببروجها والأرض برواسيها ومهادها وآكامها وطبقات معادنها وأطيارها وأسماكها وكل ما فيها من نعم، (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا. . .)، وأن الكون كله وما فيه من آيات تدل على أنه الواحد الأحد وأنه لَا معبود سواه؛ لأنه الإله وحده، وأن ما يسمونه لهم عبادة ليس بعبادة إنما هي أوهام سيطرت عليهم خضعوا لها ولأهوائهم، ولذلك قال تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْم يَسْمَعُونَ) إشارة إلى الدلائل البينة الواضحة لخلق الليل والنهار

стр. 4910

لقوم يسمعون الحي ويستجيبون له ويهتدون به، وكأن اللَّه تعالى ينفي السماع عمن يسمعون ولا يفقهون، كقوله تعالى: (. . . وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا. . .). ولكن في هذه الآية ذكر سبحانه السمع دون البصر؛ لأن القرآن يتلى عليهم والآيات تقرع حسهم فلا يعتبرون، فهم لَا يسمعون دعاء القرآن لهم بعبادة اللَّه تعالى وحده ولو كانوا يعتبرون بالآيات لسمعوا القرآن واعتبروا به.

стр. 4911

(قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨) إذا كان كل من في الأرض ملكا للَّه تعالى وعبيدا له، فالمسيح مملوك للَّه تعالى؛ لأنه سبحانه خالقه، ومن يستنكف أن يكون عبدا للَّه تعالى، وإذا كان الوثنيون قد اتخذوا الأحجار آلهة، فإنه لَا يقل شركا عنهم من قال إن اللَّه اتخذ ولدا؛ ذلك أن كليهما أشرك، والوثنيون لم يمسوا الذات الإلهية وإن كانوا ضلوا ضلالا بعيدا، أما من قالوا اتخذ اللَّه ولدا فقد وافقوهم في الشرك ومسوا الذات العلية. (قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا) لم يبين سبحانه من قال هذا، والنصارى ليسوا وحدهم؛ ذلك لأن الذين قالوه كثيرون - غيرهم - قبلهم، فالبراهمة قالوا: أن كرشنة ابن اللَّه، والبوذيون قالوا: إن بوذا ابن الإله، وعنهم أخذت الأفلاطونية الحديثة، وعن الأخيرة أخذت النصرانية بعد أن بُدلت وحرفت عن مواضعها وكذبوا على المسيح ﵇. وكل هؤلاء مشركون والفرق بينهم وبين المشركين من العرب، أن مشركي العرب عبدوا الأوثان بعد أن قالوا: إن اللَّه خالق السماوات والأرض واحد في ذاته وصفاته، وإشراكهم كان في عبادة غيره معه، أما هؤلاء الذين ادعوا أن اللَّه اتخذ ولدا فإنهم لَا ينزِّهون ذات اللَّه تعالى وبشركون الولد كما أشرك غيرهم.

стр. 4912

وفى قوله تعالى: (قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا) تصوير صادق لقولهم فهم يقولون إن اللَّه تعالى أراد أن يكفر عن سيئة آدم التي لحقت الخليقة فأنزل ولده إلى الأرض ليكفر عن خطيئة الخليقة بصلبه فداء عنهم، وقوله تعالى يشير إلى ذلك إشارة بينة واضحة، وإنهم بذلك القول الأحمق الغريب يمسون الذات العلية فيحسبون أن اللَّه يحتاج إلى الولد كما يحتاج البشر، ولذا قال سبحانه ردا لقولهم: (سُبْحَانَهُ)، أي تنزهت ذاته العلية، (هُوَ الْغَنِيُّ) إشارة إلى بطلان أقوال هؤلاء الذين لم يقولوا إن اللَّه فاعل مختار، وقد بين سبحانه أن كلامهم ادعاء لَا دليل عليه وافتراضات فرضتها الوثنية الرومانية والفلسفة اليونانية، ولذا قال سبحانه: (إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَذَا) والسلطان هو الحجة، والقرآن الكريم يستعمل كلمة السلطان في معنى الحجة؛ لأن الحجة الباهرة توجد بسلطان من الحق على الباطل، وسلطة الحق أقوى وأبعد من سلطة الطغاة الظالمين وإن كان ذلك مجاز من أبلغ الكلام. وإذا كانوا لَا حجة لهم فقد قال تعالى في قولهم هذا (أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) والاستفهام للتوبيخ ورميهم بالجهل أولا، وبالكذب على اللَّه ثانيا، وبمخالفتهم لكل منطق وعقل ثالثا، وقد جاء في قوله تعالى في نفي الولد: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥). إنهم يقولون على اللَّه ما لَا يعلمون ويصفونه بما لَا يليق ويفترون على اللَّه تعالى الكذب، وقد ذكر سبحانه عاقبة ذلك فأمر نبيه ﷺ بالرد.

стр. 4913

(قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) أمر اللَّه تعالى نبيه ﷺ ليبين لهم مغبة من يفتري الكذب في قولهم اتخذ اللَّه ولدا، وأن الأصنام شفعاء للَّه بقولهم ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اللَّه زلفى،

стр. 4914

وهم في ذلك كاذبون، ومعنى يفترون الكذب، أي يقطعون من الكذب قطعا وينسبون إلى اللَّه ما لَا برهان به. وعد سبحانه بالموصول للدلالة على أنه السبب في الحكم عليهم بعدم الفوز وما يفوزون به في الدنيا إنما هو الأمد القصير، وليس بفوز ما تكون عاقبته عذابا شديدا وندما كبيرا. والافتراء يكبر ويكبر المفترى عليه، وهؤلاء افتروا على خالق الوجود وهو اللَّه ﷻ ، وأكد سبحانه عدم فلاحهم بكلمة (إِنَّ)، والتعبير بالمضارع في كلمة لَا يفلحون يدل على الاستمرار، وإن من شأن الكاذب على اللَّه تعالى ألا يفلح، ولذا قدمت كلمة (عَلَى اللَّهِ) على كلمة (الْكَذِبَ) لبيان شناعة الافتراء وأنه على رب الوجود ومنشئه وبارئه. وقد يقول قائل: إننا نرى هؤلاء المفترين الكاذبين ينالون متعا يفوزون بها، فبين اللَّه تعالى أن ذلك متاع الدنيا وأمدها القصير. يقول تعالى:

стр. 4915

(مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠) أي أن ما ينالونه في الدنيا ليس الفوز العظيم الذي يفوز به المتقون ولا الفلاح الذي يناله أهل الحق، وأن من يضحكون قليلا ويبكون كثيرا لَا يعدون فائزين، بل متعجلين لأدنى النفع طاردون للمنفعة الباقية بالمنفعة العاجلة، والتنكير في كلمة (مَتَاعٌ) للتحقير والتصغير، والتعبير بمتاع يومئ إلى أنه قليل غير جليل، وقد حدد بأنه في الدنيا، ويرتضيه من يقبل الدنيا بدل الآخرة، ومن يطلبها ويطرح وراءها الآخرة. ثم يقول سبحانه في عاقبة من يكذبون على اللَّه ويتحدون الأنبياء: (ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ). كلمة (ثُمَّ)، في موضعها من الترتيب والتراخي، والتراخي زمني ومعنوي، أما الزمني خلاف الرجوع إلى

стр. 4916

اللَّه بعد البعث والنشور وقيام الساعة، أما المعنوي فما بين متعة الدنيا الفانية وعذاب الآخرة الباقي (إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ) فيه تقديم كلمة (إِلَيْنَا) على مرجع وفي ذلك معنى الاختصاص ووراءه الإنذار الشديد، أي إلينا وحدنا رجوعكم وقد افتريتم الكذب وعبدتم غير اللَّه فلابد أن تنالوا الجزاء الوفاق على ما قدمتم من قول باطل وعقيدة فاسدة وشرك بيِّن، ولذا قال سبحانه: (ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ) وكلمة (ثُمَّ) على موضعها كأختها التي قبلها. وعبر اللَّه تعالى عن العذاب بقوله " نذيقهم " للإشارة إلى أنه يصيب مشاعرهم وأحاسيسهم، يشعرون به، وكلما نضجت جلودهم بدَّلهم اللَّه تعالى جلودا غيرها، ثم يبين سبحانه أن ذلك (بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ)، حيث يدل الفعل الماضي والمضارع على الاستمرار على كفرهم يجددونه آنًا بعد آنٍ. * * * نوح ﵇ وقومه قال تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (٧١) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ

стр. 4917

فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤) * * * تجيء القصة في القرآن للعبرة كما قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ. . .)، فكل قصة هي موضع عبرة وكل جزء من قصة هو لعبرة في هذا الجزء تناسب وضعه ولا تكاد تجيء قصة كاملة في موضع إلا قصة يوسف ﵇ فهي متكاملة في موضوعها وهي بيان لحال الأسرة المصرية في عهد فرعون أو عهد الفراعنة - كما سنبين عند الكلام في معانيها إن شاء اللَّه تعالى، إن امتد الأجل إليها في موضعها. نجد في قصة نوح ﵇ ومن يليه من الأنبياء مواقف مشابهة لتلك التي كانت تلقى بالحزن والألم الشديد في قلب النبي ﷺ من كبراء قريش وخصوصا من كانوا يقفون موقف الزعامة الوثنية فيها، حتى لقد قال اللَّه تعالى مخاطبا نبيه: (وَلا يحْزُنكَ قَولُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا. . .) فكان من المناسب ذكر جزء من قصة نوح ﵇ مع قومه وكيف صبر وصابرهم ثم بيان ما نزل بهم من غرق، وكذلك قصة موسى مع طاغية التاريخ الإنساني فرعون وما لقيه منه موسى ﵇ وما قاوم به ثم ما آل إليه أمره من الغرق في اليم بعد أن نجا بنو إسرائيل بعد أن انفلق البحر لهم اثني عشر فرقا، وكل فرق كالطود العظيم. فكان هلاك الظالمين من قوم نوح وقوم موسى بالغرق وإن اختلف نوعه، فهلاك قوم نوح كان بسيل منهمر وينابيع، أما هلاك فرعون وجيشه فكان بسيرهم في البحر الذي فتح لبني إسرائيل مع موسى ﵇ ثم انطبق على فرعون وجنوده.

стр. 4918

(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نوحٍ) أي الخبر العظيم الشأن الذي اتصل بنوح ﵇ ولم يبتدئ بقومه، بل ابتدأ به؛ لأنه الذي نزل به البلاء وكانت المحاربة بينه وبين قومه الذين عتوا وبغوا في الأرض وأصروا على عبادة الأوثان بإصرار.

стр. 4919

(يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ) ناداهم نوح ﵇ بما يقربه إليهم، وهو أنهم قومه الذي نشأ بينهم وتربى فيهم وكان الأولى بهم أن يستجيبوا له بدل أن يناوئوه ويكونوا حربا عليه، (إِن كَانَ كبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي) مؤيَّدا من اللَّه، والمقام هو مقام الرسالة الذي كرمه اللَّه تعالى به، وعظم عن أن تدرك عقولهم تذكيره بآيات اللَّه - فإنه بهم لَا يبالي فقد توكل على اللَّه تعالى ولم يعد يحزنه قولهم، وبلغ عدم الاهتمام بهم أن قال لهم (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ)، (الفاء) لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإنه يترتب على التوكل على اللَّه أن يواجههم معتزما إمضاء كلمة اللَّه تعالى، (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ)، أي اعتزموا ما اعتزمتم، يقال جمع أمره إذا عقد عزمه ووثقه، (وَشُرَكَاءَكُمْ)، الشركاء: هي الأوثان التي اتخذوها بزعمهم شركاء اللَّه تعالى في عبادته، سبحانه وتعالى عما يشركون، وهو بهذا يتحداهم معتمدا على اللَّه متوكلا عليه حق توكله. (ثُمُّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً) أي لَا يكن أمركم مستورا، وهذا معنى (غُمَّةً)، بل يكون ظاهرا مكشوفا بيِّنا، أي ائتوا بكل قوتكم ظاهرة. (ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ) أي افعلوا بي ذلك الأمر الذي تدبرون، من إهلاك أو طرد أو ما ترونه أنفسكم. (وَلا تُنظِرُونِ) أي عجلوا أمركم لَا تؤجلون، فإني مؤيد من اللَّه وهو معي ولن يضيرني ما اعتزمتم وقد اعتمدت عليه سبحانه.

стр. 4920

(فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢) (تَوَلَّيْتُمْ) أي أعرضتم عن الآيات وعن دعوة التوحيد التي أدعوكم إليها فإنكم ترضون عن قول رسول أمين وناصح رشيد لَا يريد منكم أجرا من مال أو جاه أو سلطان إنما يريد الحق لذاته. (إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ)، أي لَا أريد منكم أجرا فقد كفاني اللَّه أجري وهو شرف الرسالة لَا شرفكم ولا جاهكم ولا سلطانكم (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) الذين أسلموا وجوههم وهم مخلصون لا يريدون إلا ما عند اللَّه.

стр. 4921

هذه دعوة لينة إلى الحق بعد التحدي الذي قدمه وبعد أن بين لهم أنهم ضعفاء أمام الحق فإنه استمالهم إليه إلا أنهم عادوا فكذبوه.

стр. 4922

(فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) ذكر سبحانه نجاة المؤمنين مع نوح ﵇ ابتداء، وذكرت القصة تسرية للنبي ﷺ وذكرى للعالمين وبيان أن العاقبة ستكون له ﷺ ، وفي ذلك أمران: الأمر الأول - أنه سبحانه جعل نوحا ﵇ وأتباعه خلائف في الأرض، وخلائف جمع خليفة أي الذين يعيشون في الأرض خلفاء لأبناء آدم، أي انحصرت ذرية آدم حال ذلك في نوح ﵇ والذين آمنوا معه. والأمر الثاني - أنه سبحانه أغرق الآخرين، ثم قال سبحانه مبينا العبرة من قصة نوح ﵇ وقومه (فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ) الذين أنذرناهم فلم يفطنوا ولم يعتبروا، ولم يذكر سبحانه جزاء للمؤمنين؛ لأنه بين منجاتهم، أما الجزاء الأوفى يكون يوم الحساب وهو يوم الدين. وقد ذكر سبحانه الإغراق إذ قال تعالى: (وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) فعبر بالموصول دليل على أن الصلة هي السبب في الغرق، والصلة كانت التكذيب بآيات اللَّه تعالى التي ساقها لهم نوح ﵇ فلم يؤمنوا وأصروا واستكبروا استكبارا. قال تعالى:

стр. 4923

(ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤) أشار سبحانه إلى الأنبياء من بعد نوح مثل هود وصالح شعيب وإبراهيم ولوط ﵈ وغيرهم، وكلهم كذبوا مع ما جاءوا به من الآيات، وجاء ذكر الرسل بعد نوح ﵇ بالإجمال، فلم يذكرهم سبحانه نبيا نبيا، كما جاء في سور أخرى وكما سيجيء في سورة هود ولكن اللَّه تعالى أثبت أمرين:

стр. 4924

الأمر الأول - أن كل رسول جاء بالبينة الدالة على رسالته صارفا أنظارهم إلى الكون وما فيه، والضمير في قوله تعالى: (فَجَاءُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ) يعود على الكافرين بكل الرسل وكأنهم مع اختلاف أجيالهم قبيل واحد يجمعهم الجحود والعصيان والكفر بآيات اللَّه تعالى، فالناس أبناء الناس ويجمع الأخلاف صفات الأسلاف، ويجمع المؤمنين صفات الإذعان للدليل والتصديق للحق، ويجمع المكذبين صفات الجحود بالآيات ولو كانت بينة تستيقنها نفوسهم. الأمر الثاني - سبب الكفر الذي تتوارثه الأجيال التي كتب اللَّه عليها شقوتها فقال جلَّت كلماته: (فَمَا كانوا لِيُؤْمِنوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ) أي أن شأن الذين يكفرون أن يبادروا عند دعوة الحق الذي يجيء به نبي من الأنبياء بالتكذيب قبل أن يمنعوا في دعوته وقبل أن يستمعوا إلى الدليل ويتأملوه ويتعرفوه، فإذا سارعوا بالتكذيب نأوا عن الحق وجادلوا عن كفرهم وأمعنوا في الباطل إمعانا وضلوا ضلال بعيدا فلا يستقيم لهم إيمان بعد ذلك ويطبع الكفر على قلوبهم وتنغلق على الكفر، كما جاء في آيات أخرى مثل قوله تعالى: (. . . وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ)، وكقوله: (كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ) فهم يبادرون بالإنكار معتدين، ثم، يلج بهم العناد فيكرروا الاعتداء المرة بعد الأخرى حتى يصير والاعتداء وصفا ملازما لهم، لَا يقفون عند حد فيكون اعتداء على الحقائق وعلى آيات اللَّه وعلى العباد. * * * من قصة موسى وفرعون (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦) قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ

стр. 4925

السَّاحِرُونَ (٧٧) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (٧٨) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠) فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢) فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣) وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧) وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨٩) * * *

стр. 4926

بعد ذلك ذكر اللَّه تعالى قصة موسى وفرعون، وذكرها في هذا المقام: أولا - فرعون أكبر طاغية عرف في تاريخ الإنسانية وطغيان الكبراء من العرب دونه، وقد أعز اللَّه موسى وبني إسرائيل وأهلكه فكان حقا على النبي ﷺ أن يطمئن إلى عزة اللَّه تعالى إذ يقول: (إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا). ثانيا - أن فرعون كان مسيطرًا جبارًا على قومه يراهم ملكا له، وقد جاء محمد ﷺ بأنه لَا مالك إلا اللَّه وأن الناس جميعا عباد له سبحانه. ثالثا - كان فرعون يتحكم في عقول قومه ويقول لهم: (. . . مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ)، وجاء محمد ﷺ بحرية النفس والفكر والعقل.

стр. 4927

(ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم مُّوسى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ). جاء موسى بالبينة الدالة على رسالته، وجاء بالعصا التي ألقاها فإذا هي حية تسعى، وكان قومه على علم بالسحر، فإذا عرفوا أنها ليست سحرا قامت عليهم الحجة. وكلمة (ثُمَّ) للترتيب والتراخي، أي أنه بعد أزمان متعاقبة ومتطاولة بعث اللَّه موسى وهارون، ذلك أن موسى سأل اللَّه تعالى أن يرسل معه أخاه (اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي). أرسلهما اللَّه إلى فرعون وملئه، أي كبراء قومه والذين يحرضونه على الفسق في مصر، ويمالئونه على ما يدعيه ولم يذكر شعب مصر أي الكثرة الغالبة وكانوا مهملين لَا رأي لهم؛ كما وصفهم عمرو بن العاص في ذكره مصر " هى لمن غلب "، وقد بادروا بالتكذيب وعجلوا فيه دون أن يتفكروا ويتدبروا حقيقة الدعوة إلى الحق والبينات الشاهدة بأن موسى وهارون مبعوثان من اللَّه تعالى، ولذا قال سبحانه: (فَاسْتَكْبَرُوا) وكان العطف بالفاء للدلالة على المبادرة بالاستكبار، وفيه تكذيب وعلة للتكذيب، أي فكذبوا واستكبروا عن الاستماع إلى الحق وأصموا آذانهم ووصفهم اللَّه تعالى

стр. 4928

بقوله: (وَكَانوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ) وكلمة (وَكَانوا) تدل على أنهم كانوا كذلك في الماضي، والوصف بالإجرام (مُجْرِمِينَ) يدل على استمرارهم فلم تكن دعوة الحق فيهم مستجابة. لذا قال تعالى في شأنهم مع رسولهم:

стр. 4929

(فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦) الفاء للترتيب والتعقيب، والحق هو الدعوة إلى التوحيد وإلى اللَّه وحده، وقال سبحانه: (مِنْ عِنْدِنَا) تكبيرا لذلك الحق؛ لأنه من عند اللَّه تعالى مالك الملك ذي الجلال والإكرام فوصفه سبحانه بالحق، ووصفه بأنه الحق شرف ذاتي له وبكونه من عند اللَّه تعالى شرف إضافي له، وكلمة الحق تتضمن الدلالة على أنه حق لَا ريب فيه. وقد آتى اللَّه تعالى موسى تسع آيات بينات ويظهر أنه ابتدأ بتقديم العصا، ولذا قالوا: (إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ)، بادروا فأكدوا أنه سحر مبين، أي سحر واضح بين (إِنَّ) تدل على التوكيد وباللام وبالجملة الاسمية، ذلك من مسارعتهم بالتكذيب ثم الانغمار فيه إلى آخر مداه، ولقد تولى موسى ﵇ المجاوبة وتركه فرعون يدافع عن دعوته.

стр. 4930

(قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧) أي أتقولون للحق لما جاءكم إنه لسحر، جاهلين حقيقة الأمر فالاستفهام لإنكار قولهم وتوبيخهم عليه، وكرر الاستفهام فقال: (أَسِحْرٌ هَذَا) فكان الإنكار للجحود وقولهم الجاحد للحق والحقيقة، والاستفهام للتوبيخ على قولهم وهو لإنكار الوقوع، أي ليس بسحر، وقد أكد بقوله: (وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ) أي لَا يفوز الساحرون في معركة الاستدلال والمنازلة، وإذا لم يفلحوا فإنه يجب أن تؤمنوا ولكنهم لجوا في العناد وتمسكوا بما هم عليه. (قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (٧٨)

стр. 4931

ذكر اللَّه تعالى قولهم: (أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا)، أي لتصرفنا عما وجدنا عليه آباءنا من عبادة فرعون والآلهة التي يحل فيها، ومن عبادة الشمس وإله الزرع وعبادة البقر. (وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ) أي السلطان والسيطرة والحكم في الأرض وهي أرض مصر؛ وعبر عن الحكم والسلطان بالكبرياء؛ لأن المصريين كانوا لَا يفهمون في الحكم إلا الاستعلاء والتحكم والاستكبار، وأن تكون طبقة الحاكمين العالية وطبقة المحكومين المرذولين، وعبادة المحكوم للحاكم. ثم أكدوا كفرهم بالحق لما جاءهم فقالوا: (وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ) نفوا عن أنفسهم صفة الإيمان نفيا مؤكدا وكان ذلك: أولا - بذكر الضمير الدال على التعظيم. ثانيا - بالجملة الاسمية، وقوله: (لَكُمَا) لامتناع التسليم، بل إنهم مناوئون غير مستسلمين، بل هم منصرفون.

стр. 4932

(وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠) جاء فرعون وتولى المنازعة فقال ائتونى بكل ساحر عليم، أي عليم بالسحر وأفانينه، وكان للسحرة مكانة ومنزلة في مصر، وكانوا كثيرين مشهود لهِم بالسحر ولهم مكانة فيه،

стр. 4933

فلما جاء السحرة قال لهم موسى (أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ) وفي هذه الآية نجد موسى ﵇ عندما التقى بهم طلب إليهم أن يلقوا، وفي الآية التالية ما يدل على أنهم ألقوا وتشير إلى ابتدائهم، ولكن في سورة الأعراف ما يدل على أنه قد حدثت مجاوبة بينه وبين السحرة قالوا فيها: (. . . إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا وَجَاءُو بِسِحْرعَظِيمٍ). وأنه لَا تعارض بين الآيات بل توافق تام ولكن ما في سورة الأعراف يُفصِّل بعض التفصيل، وهنا يُجْمل كل الإجمال؛ إذ إن نتيجة المجاوبة كانت أن طلب موسى أن يلقوا هم، وأدرك موسى وهو المؤمن

стр. 4934

بحجته أن فعلهم سحر كقوله تعالى:

стр. 4935

(فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) (مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ) إنه هو السحر وحده، لَا ما سيقدمه، والاختصاص ثبت بتعريف الطرفين، وأكد أن اللَّه سيبطله وأنه فساد بين الناس، وقد جاء في سورة الأعراف: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأفِكُونَ). وختم الله أمر السحر ببطلانه حيث قال تعالى:

стр. 4936

(وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ). يثبت اللَّه الحق ويؤيده وينصره بكلماته وأمره الذي يكون بكلمة، وبآياته الآمرة والناهية المثبتة لحق المحكومين على الحاكمين والمبطلة لظلم الظالمين ولو كانوا من الفارعين، (وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) الذين أشركوا فأجرموا وطغوا وبغوا وغرَهم الغرور. قال تعالى:

стр. 4937

(فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣) مع هذه الدعوة الصادعة إلى الحق لم يستجب إلا القليل وفي كلمة (قَوْمِهِ) يعود الضمير إلى فرعون، وما آمن شيوخ كبار منهم بل آمنت ذرية، أي جيل جديد ممن لم يتمرسوا بذلِّ الفرعونية، والشباب إنما يكونون أكثر مسارعة إلى الحق وأقل تمسكًا من آبائهم بأهداب القديم، خاصة إذا كان ذليلا، ويقول قائل: إن الضمير في (قَوْمِهِ) يعود إلى موسى، وقوم موسى هم بنو إسرائيل وذكر الذرية دون عمومهم؛ لأن الذرية تطلب الحرية وتبتغيها، وشيوخهم غرست في نفوسهم العادات والعبادات المصرية القديمة ورضوا بالدون من الحياة كما يبدو ذلك

стр. 4938

في قصصهم مع موسى، وفي قولهم له: (. . . اجْعَل لَنَا إِلَهًا. . .)، ومن عبادتهم العجل، ومن امتناعهم عن دخول الأرض المقدسة، وقد رأى ذلك ابن جرير ونحن نتبعه في رأيه. وقد كان إيمان هذه الذرية على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم، وكلمة (عَلَى) بمعنى (مع)، أي أنهم في إيمانهم كانوا وجلين خائفين من فرعون وملئهم، والضمير في كلمة (مَلَئِهِمْ) يعود إلى فرعون والمراد به فرعون وملئه، والذي رأى أن يعود الضمير على ملأ بني إسرائيل أن تلك الذرية المؤمنة كانت على خوف من قومهم الذين تأثروا بالعقائد المصرية من تقديس فرعون وعبادة العجل كما سيبدو من حالهم مع موسى بعد اجتيازهم البحر ورؤية المعجزات الباهرة ونعموا بها، أي إن أولئك الذرية الذين آمنوا بما جاء به موسى كانوا على وجل من فرعون وقومه وعلى وجل من قومهم أنفسهم ومنهم الشيوخ الذين تمرسوا بالخنوع و. الكفر. (الفاء) في قوله تعالى: (فَمَا آمَنَ) للترتيب، أي بسبب أنهم عتاة في الضلالة ما آمن لموسى إلا ذرية من قومه، وقد وصف اللَّه تعالى فرعون بما يمنع إيمانه فقال تعالت كلماته: (وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّه لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ) وفي هذا وصفان كلاهما يمنع الاسسجابة لدعوة موسى ﵇: الوصف الأول - أنه عال في الأرض ينظر إلى الناس كأنهم جميعا دونه وأنه ليس من طينتهم، ومن كان ذلك يغره الغرور فيقول للناس ما أريكم إلا ما أرى. والوصف الثاني - أنه مسرف، أي مُغَالٍ في كل شيء، أسرف على نفسه وأسرف على الناس وأسرف في العتو والفساد. أكد الله الوصفين بـ (إِنَّ) واللام، وبالجملة الاسمية، و (يَفْتِنَهُمْ) بمعنى يضطهدهم في دينهم، وذكر الضمير بالمفرد عودا على فرعون أولا وبالذات، فهو قطع أيدي المؤمنين وصلبهم في جذوع النخل فنسبت الفتنة إليه دون ملئهم. (وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤)

стр. 4939

اتجه موسى ﵇ إلى قومه الذين جاء لإنقاذهم وقد رآهم يخافون فرعون ويخشونه فقال لهم: (إِن كنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ) حق الإيمان فلا تخشوا فرعون وطاغوته بل توكلوا على اللَّه، (فَعَلَيْهِ تَوَكلُوا)، (الفاء) واقعة في جواب الشرط، يليه الفعل للاختصاص، أي توكلوا عليه وحده. (إِن كنتُم مُّسْلِمِينَ) أي إن استمررتم على وضعكم وهو إسلام الوجه والإخلاص لِلَّهِ سبحانه. ولقد استجاب قوم موسى فتوكلوا على اللَّه لَا يرهبون فرعون وطاغوته.

стр. 4940

(فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦) أي عليه وحده توكلنا، ومن يتوكل على اللَّه لَا ترهبه قوة في الأرض، ثم اتجهوا إليه سبحانه (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)، أي لَا تجعلنا موضع فتنة واضطهاد وإيذاء للقوم الذين تضافروا على الظلم واتباع الطاغية فرعون، أي ربنا اصرف عنَا أذاهم، ثم أردفوا دعاءهم بطلب الإنقاذ فقالوا:
следующие страницы →