Полный текст (8 373 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.
стр. 4936
(وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ).
يثبت اللَّه الحق ويؤيده وينصره بكلماته وأمره الذي يكون بكلمة، وبآياته الآمرة والناهية المثبتة لحق المحكومين على الحاكمين والمبطلة لظلم الظالمين ولو كانوا من الفارعين، (وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) الذين أشركوا فأجرموا وطغوا وبغوا وغرَهم الغرور.
قال تعالى:
стр. 4937
(فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣)
مع هذه الدعوة الصادعة إلى الحق لم يستجب إلا القليل وفي كلمة (قَوْمِهِ) يعود الضمير إلى فرعون، وما آمن شيوخ كبار منهم بل آمنت ذرية، أي جيل جديد ممن لم يتمرسوا بذلِّ الفرعونية، والشباب إنما يكونون أكثر مسارعة إلى الحق وأقل تمسكًا من آبائهم بأهداب القديم، خاصة إذا كان ذليلا، ويقول قائل: إن الضمير في (قَوْمِهِ) يعود إلى موسى، وقوم موسى هم بنو إسرائيل وذكر الذرية دون عمومهم؛ لأن الذرية تطلب الحرية وتبتغيها، وشيوخهم غرست في نفوسهم العادات والعبادات المصرية القديمة ورضوا بالدون من الحياة كما يبدو ذلك
стр. 4938
في قصصهم مع موسى، وفي قولهم له: (. . . اجْعَل لَنَا إِلَهًا. . .)،
ومن عبادتهم العجل، ومن امتناعهم عن دخول الأرض المقدسة، وقد رأى ذلك ابن جرير ونحن نتبعه في رأيه. وقد كان إيمان هذه الذرية على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم، وكلمة (عَلَى) بمعنى (مع)، أي أنهم في إيمانهم كانوا وجلين خائفين من فرعون وملئهم، والضمير في كلمة (مَلَئِهِمْ) يعود إلى فرعون والمراد به فرعون وملئه، والذي رأى أن يعود الضمير على ملأ بني إسرائيل أن تلك الذرية المؤمنة كانت على خوف من قومهم الذين تأثروا بالعقائد المصرية من تقديس فرعون وعبادة العجل كما سيبدو من حالهم مع موسى بعد اجتيازهم البحر ورؤية المعجزات الباهرة ونعموا بها، أي إن أولئك الذرية الذين آمنوا بما جاء به موسى كانوا على وجل من فرعون وقومه وعلى وجل من قومهم أنفسهم ومنهم الشيوخ الذين تمرسوا بالخنوع و. الكفر.
(الفاء) في قوله تعالى: (فَمَا آمَنَ) للترتيب، أي بسبب أنهم عتاة في الضلالة ما آمن لموسى إلا ذرية من قومه، وقد وصف اللَّه تعالى فرعون بما يمنع إيمانه فقال تعالت كلماته: (وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّه لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ) وفي هذا وصفان كلاهما يمنع الاسسجابة لدعوة موسى ﵇:
الوصف الأول - أنه عال في الأرض ينظر إلى الناس كأنهم جميعا دونه وأنه ليس من طينتهم، ومن كان ذلك يغره الغرور فيقول للناس ما أريكم إلا ما أرى.
والوصف الثاني - أنه مسرف، أي مُغَالٍ في كل شيء، أسرف على نفسه وأسرف على الناس وأسرف في العتو والفساد.
أكد الله الوصفين بـ (إِنَّ) واللام، وبالجملة الاسمية، و (يَفْتِنَهُمْ) بمعنى يضطهدهم في دينهم، وذكر الضمير بالمفرد عودا على فرعون أولا وبالذات، فهو قطع أيدي المؤمنين وصلبهم في جذوع النخل فنسبت الفتنة إليه دون ملئهم.
(وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤)
стр. 4939
اتجه موسى ﵇ إلى قومه الذين جاء لإنقاذهم وقد رآهم يخافون فرعون ويخشونه فقال لهم: (إِن كنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ) حق الإيمان فلا تخشوا فرعون وطاغوته بل توكلوا على اللَّه، (فَعَلَيْهِ تَوَكلُوا)، (الفاء) واقعة في جواب الشرط، يليه الفعل للاختصاص، أي توكلوا عليه وحده. (إِن كنتُم مُّسْلِمِينَ) أي إن استمررتم على وضعكم وهو إسلام الوجه والإخلاص لِلَّهِ سبحانه. ولقد استجاب قوم موسى فتوكلوا على اللَّه لَا يرهبون فرعون وطاغوته.
стр. 4940
(فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦)
أي عليه وحده توكلنا، ومن يتوكل على اللَّه لَا ترهبه قوة في الأرض، ثم اتجهوا إليه سبحانه (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)، أي لَا تجعلنا موضع فتنة واضطهاد وإيذاء للقوم الذين تضافروا على الظلم واتباع الطاغية فرعون، أي ربنا اصرف عنَا أذاهم، ثم أردفوا دعاءهم بطلب الإنقاذ فقالوا:
стр. 4941
(وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦)
وهم فرعون وملئه.
كان الذين آمنوا هم الذرية، ولكن القوم جميعا شعروا بأن موسى جاء لاستنقاذهم فأسلموا وسلموا له، وإن كان لَا يزال منهم من فيه بقية من ذل فرعون كامنة ستبدو بعد أن يطمئنوا لخروجهم من ذل فرعون.
كان بنو إسرائيل مختلطين بالمصريين الذين يسومونهم سوء العذاب، فأوحى اللَّه تعالى إلى نبيه موسى ﵇ أن يفصلهم عن المصريين، وأن يتحيزوا حيزا دونهم ليكون ذلك خطوة للنجاة.
стр. 4942
(وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧)
(تَبَوَّءَا)، من باء يبوء بمعنى رجع واطمأن، أي اختاروا بيوتا لقومكما يبوءون إليها وتكون نائية عن بيوت الفرعونيين، لأنكم ستتخذونها لعبادة اللَّه تعالى
стр. 4943
وحده وتقيمون فيها الصلاة، وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: (وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً) أي مصلًّى؛ ولذا قال سبحانه بعد ذلك: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ)، أما إلى أية جهة يتجهون، فلم تعرض الآية لذلك، وقيل: كانوا يتجهون إلى الكعبة وبعضهم قال: إلى بيت المقدس.
وإني أرى أن المراد بأن تكون بيوتهم قبلة هو أن يعلمها بقية بني إسرائيل فيتجهون إليها ويأرزون نحوها فيجتمعون فيها وتكون لهم حوزة يتحيزون إليها.
والجميع أمروا بإِقامة الصلاة، ثم قال تعالى: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)، أي أن من يؤمن منهم له البشرى في الدنيا والآخرة وأن الله ولي المؤمنين.
стр. 4944
(وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨)
علم نبي اللَّه موسى ﵇ أن بني إسرائيل تبهرهم المادة وتستهويهم زخارف الدنيا ووافقه على رأيه أخوه وردفه هارون، ورأيا أن طغيان فرعون كان سببه ما في يده من أموال وزخارف وما تحت سلطانه من كنوز الأرض، فقد كان ملكه يمتد إلى الحبشة وما فيها من جبال ووهاد قد ضمت في بطونها معادن وذهبا وفلزات الأرض، فقال موسى: (رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ) أعطيت فرعون وأشرافه الذين يعاونونه ويمالئونه في ظلمه وبغيه، زينة وأموالا في الحياة الدنيا (رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن لسَبِيلِكَ)، اللام هنا لام العاقبة، أي كانت عاقبة هذا الإيتاء وذلك التمكين في الأرض أن يضلوا عن سبيلك بالكفر والظلم والعتو والطغيان، وألا يراعوا حقا، وأن يدعى فرعون أن له ملك مصر، وأن هذه الأنهار تجري من تحته، ويرجو موسى ربه ضارعا أن يزول عنهم ما سبب طغيانهم. (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ) الطمس هو المحق، أي امحق أموالهم لَا تجعلها صالحة لأن ينتفعوا بها (وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ) أي اجعل قلوبهم تذوق الشدة المريرة فمن
стр. 4945
صخرة الشدة قد تنبع المعرفه فيعرفون ضعفهم أمام قوة اللَّه تعالى فيذهب طغيانهم. (فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) في ذهاب أموالهم وفراغ نفوسهم وذوق قلوبهم للقسوة الشديدة، و (الفاء) فاء السببية.
стр. 4946
(قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨٩)
وقد أنزل اللَّه تعالى بهم ما طلب موسى وأخوه، والدعوة هنا الدعاء وتطلق على كل طلب، والاستقامة هي الإيمان بالحق والإخلاص في القول والعمل وصدق الاتجاه إلى اللَّه تعالى، وأكد اللَّه تعالى طلب الاستقامة بقوله: (وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) فإن مسلكهم ليس فيه استقامة بل هو الاعوجاج والعدول عن الطريق المستقيم. ولقد قال تعالى في معنى الاستجابة لموسى: (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣١) وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٣٦).
* * *
نجاة بني إسرائيل وإغراق فرعون
قال تعالى:
(وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ
стр. 4947
وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (٩٢) وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٩٣)
* * *
ضاق فرعون ذرعا ببني إسرائيل، ومع أن الآيات توالت عليه حتى بلغت تسعا، ومع كل هذا أراد الفتك ببني إسرائيل، وكان موسى قد تبوأ لقومه مكانا يقيمون فيه شعائر دين التوحيد فأمر اللَّه نبيه ﵇ أن يضرب البحر بعصاه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، وكانت الفروق اثني عشر فرقا بقدر عدد أسباطهم فاجتازوه وأتبعهم أي أدركهم ولاحقهم وقد أعد العدة لإبادتهم، وحسب أنه ناج مثلهم من الغرق فانطبق البحر عليه فاغرقه ومن معه.
стр. 4948
(وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ) أي اجتازوه بأمر الله تعالى وعنايته بهم (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا) أي لاحقوهم بغيا من عند أنفسهم وعدوا (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ) ذهب عنه غروره ساعة أن أدركه الغرق وبانَ ضعفه وتكاثرت عليه آيات اللَّه التي جاءته على يد موسى وأخيه فآمن ساعة الموت حجث لَا يقبل الإيمان: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨).
وقد بين اللَّه تعالى لفرعون أن إيمانه غير مقبول
стр. 4949
(آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) الاستفهام للتوبيخ على تأخره وقد آمن حيث لَا ينفع
стр. 4950
نفس إيمانها، والاستفهام منصب على (آلْآنَ (٩١)
والتوبيخ على تأخر الإيمان إلى وقت الغرق ولذا يقول سبحانه: (وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْل وَكنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)، وقد أشار سبحانه إلى أمرين:
الأمر الأول - يتعلق بفرعون نفسه وقد عصى من قبل وادعى الألوهية وكفر بالوحدانية واصطناعه العصاة مثله وخضوعه للسحر والكهانة.
الأمر الثاني - يتعلق بعمله (وَكنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) أرهقت الناس بظلمك وأضعفت إرادتهم وقتلت نخوتهم وجعلتهم عبيدا، ولا فساد في أمة أكثر من فناء آحادها حتى يكونوا كالآلات يحركها ويدفعها، ووصف سبحانه فساده بالاستمرار طول حياته وحياة أمثاله، فعبر بـ (كنتَ) التي تدل على الاستمرار، ووضعه في صف المفسدين في الأرض وقد كان أشدهم عتوا وطغيانا.
لقد نجاه اللَّه ببدنه ليكون آية دالة على قدرة اللَّه تعالى وليراه الناس مثلا واضحا لمن أرهق شعبه وظلم وطغى وبغى وأكثر الفساد، ونرى ذلك دائما فيمن يحاكونه وكأنه على مقربة منَا.
стр. 4951
(فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (٩٢)
(الفاء) للإفصاح عن شرط مقدر، تقديره إذا كنت قد غرقت وضعفت واستخذيت في آخر لحظة - اليوم ننجيك ببدنك، وذكر اليوم للإشارة إلى أنه ينجو ببدنه في ذلك اليوم، وأضاف الإنجاء إليه سبحانه وجعله واقعا على فرعون باعتبار أنه صاحب البدن؛ ولذا قال تعالى: (بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً)، أي دلالة أولا على عظيم قدرة اللَّه تعالى التي قهر بها طاغوت عصره، وثانيا للاعتبار لأن مآل الطغاة هو الفناء، وثالثا يبان أن اللَّه تعالى القادر على بقاء الأبدان، هو قادر على إعادة الأموات، ورابعا بيان أن العدالة هي الخير الباقي وأن الظلم هو الشر الذي يذكر الطغاة بسببه بأنهم مفسدون.
стр. 4952
ولقد بقي ببدنه وهو آية القدرة الإلهية، يتخذه المفسدون لنشر الفساد والإتجار به في العالم.
(وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ) غافلون عن آيات اللَّه تعالى في الكون والناس ولولا أنهم غافلون لأقاموا العدل واعتبروا بفرعون ولأبعدوا الغرور عن أنفسهم وما استبدوا بمن يماثلونهم في الخلق والتكوين من الناس وقد يزيدون عليهم في المواهب التي أنعم الله بها على بعض عباده الأبرار، ولو لم يكونوا غافلين لامنوا بقدرة اللَّه تعالى على البعث والنشور.
وقد أكد اللَّه غفلة الكثيرين من الناس بكلمة (إن) وبالجمله الاسمية وباللام في قوله تعالى: (لَغَافِلُونَ).
هذا أمر فرعون ونهايته، أما أمر بني إسرائيل فقد ذكره اللَّه تعالى في قوله:
стр. 4953
(وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٩٣)
كان بنو إسرائيل في أرض فرعون في منزل دون ومكان هون، فكانوا في ذلة ومهانة فخرجوا وجاوزوا البحر في عزة ورأوا فرعون وملئه يغرقون (وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ) أي مكنَّا لهم مكانا يطمئنون فيه ويبوءون مستريحين أعزة فيما بينهم مستقلين عن التبعية والذل.
وقوله: (مُبَوَّأَ صِدْقٍ) أي مقاما مطمئنا فاضلا يبعد عن السحر والكهانة وغيرها من أوهام فرعون. وقد حاء في مفردات الراغب الأصفهاني أنه يضاف إلى الصدق الفعل الذي يوصف به نحو قوله: (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ. . .)، و (. . . قَدَمَ صِدْقٍ. . .) فالصدق هو عنوان الفضائل؛ لأنه يتضمن صدق القول وصدق النفس والضمير، وهو عنوان لكل عمل فاضل ومكان طيب.
وفى هذه الإقامة الطيبة الفاضلة الكريمة العزيزة رزقهم اللَّه تعالى المن والسلوى، وقد سجل اللَّه اختلافهم بعد أن جاءهم العلم بالحق، ورأوا المبينات
стр. 4954
الواضحة الدلالة القاطعة في إثبات الوحدانية والرسالات الإلهية، ومع ذلك لمّا اختلفوا، كانت الذلة جامعة بينهم موحدة مؤلفة، كما جاءهم العلم ومعه العزة اختلفوا على فرق واللَّه سبحانه يحكم بينهم يوم القيامة.
* * *
العبرة في القصص
يقول تعالى:
(فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٩٥) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧) فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨) وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠) قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)
стр. 4955
فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (١٠٩)
* * *
стр. 4956
(فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤)
الشك هو الضيق، ثم أطلق على التردد في الحكم بين اليقين والإنكار، لأنه يحدث في النفس ضيقا، وسياق القول في هذه الآيات وما قبلها هو بيان القرآن
стр. 4957
للنبي ﷺ أنه أصاب أولي العزم من الرسل ما أصابه من قومه ونزل بهم من الشدائد والإعراض والاستهزاء والسخرية ما نزل به ﷺ ، وأنه سبحانه ينبه نبيه ﷺ إلى صدق ما أخبره ويثبت فؤاده، وفي النهي عن الشك أمر بالتثبت واليقين والاطمئنان إلى أنه الحق. فقوله تعالى: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ) هو فرض غير واقع والغرض منه:
أولا - تثبيت النبي ﷺ .
ثانيا - بيان أن الكتب السابقة ثابت فيها هذا.
ثالثا - تذكير النبي ﷺ بما حدث للنبيين قبله.
رابعا - بيان أن القصص الصادق يربي اليقين.
والدليل على أن النص لَا يفيد أن النبي ﷺ لم يشك، أن أداة الشرط هي " إنْ " وهي تدل على أن فعل الشرط ليس بواقع ولا محقق.
والشك - كما قال الغزالي - هو طريق الوصول إلى الحق، وقد ذكر الله تعالى في القرآن أن المشركين يسارعون بالتكذيب ولا يتروُّون فيتفكروا ويصلوا إلى الحق البين، واللَّه يفرض الشك الذي لم يقع كأنه واقع ليسوق الأدلة المثبتة وهي شهادة الكتب السابقة لهذه الاخبار الصادقة؛ التي تزيل كل أوهام المشركين على أن الخطاب في قوله تعالى: (فَإِنْ كُنتَ فِي شَكّ) هو لأهل الخطاب الذين يعلمون القرآن أو يتلونه بأن يسالوا الذين أوتوا الكتاب من قبل.
وقوله تعالى: (مِّمَّا أَنزَلَ إِلَيْكَ) فيها ما يفيد نفي الشك لأنه من عند اللَّه تعالى الذي بعثك رحمة للعالمين فلا ريب ولا يمكن أن يكون ريبًا؛ لأنه عاين الوحي الذي خاطبه به الروح الأمين جبريل ﵇ نزل به على قلبك وأن (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ. . .)، (الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلا تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِينَ).
стр. 4958
الامتراء هو الشك بعد اليقين، فالنهي عن الامتراء هو للاستمرار على اليقين والإيمان، وألا يتزلزل ذلك اليقين بفعل المشركين، وأن مؤدى ذلك القول هو تأكيد الحق وتثبيته لأتباع محمد ﷺ ولتئبيت فؤاد النبي محمد ﷺ وإيمانه الراسخ كالجبال أو أشد، فكثرة الدلائل تثبت اليقين كقول إبراهيم ﵇: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي. . .).
وقوله تعالى: (لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ) نص يوجب اليقين، فالحق وحده نور يجلو اليقين قد أكده بكلمه " قد " وباللام قبلها، وقال: (مِن رَّبِّكَ) أي الذي خلقك وربَّاك، ولذا رتب عليه النهي عن الافتراء.
(الفاء) في قوله: (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) لترتيب ما بعدها على ما قبلها والنهي موجه في ظاهرة للنبي ﷺ ، وهو موجه للناس عامة وأهل مكة خاصة.
стр. 4959
(وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٩٥)
لقد جاء قوله تعالى بعد النهي عن الامتراء. وهذه الجملة القرآنية معطوفة على قوله تعالى: (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) والنهي كالنهي السابق مؤكد بنون التوكيد الثقيلة وهو موجه إلى النبي ﷺ بظاهر القول وموجه للناس كافة، ومع ذلك فيه إشارة إلى النبي ﷺ سواسية في الخطاب بالحق مثلهم، وفي قوله تعالى: (وَلا تَكونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ) نهى عن الامتراء، وأن الامتراء بعد الإيمان يؤدي إلى تكذيب آيات اللَّه تعالى، ولذا نهي عنه ﷺ بسياق القول وظاهر الخطاب، النهي للناس أجمعين، وجعل النبي ﷺ أسوة لهم في الخطاب كما هو أسوة لهم في الإيمان والنهي الموجه له يكون بالأولى نهي لغيره، ذلك ليفتشوا قلوبهم ويبعدوها عن الامتراء في الحق حتى لَا يؤدي ذلك إلى التكذيب بآيات اللَّه.
(وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّئوا بِآيَاتِ اللَّهِ) في قوله تعالى نهي مؤكد لأن يكون الرسول ﷺ في صفوف الكثرة الضالة التي خير منها القلة المؤمنة، فلا يقاس
стр. 4960
الحق بالعدد والكثرة ولكن بالإيمان وقوة الدليل، ونكرر أن الخطاب للناس فلا يصح أن ينساق أحد وراء الكثرة المبطلة تاركا القلة المحقة، وعبر سبحانه بقوله تعالى (كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ) لبيان أن صلة الموصول سبب لانغمارهم في الضلالة، إذ الآيات الكونية واضحة وآياته القرآنية تحدى بها الرب أن يأتوا بمثلها فعجزوا، وقد رتب اللَّه تعالى على تكذيب الآيات الكونية والقرآنية الخسارة (فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، (الفاء) لبيان أن ما بعدها مترتب على ما قبلها، أي أنه يترتب على تكذيب آيات اللَّه أن تكون في صفوف الخاسرين الذين خسروا الإيمان، وهذا أساس الخسران فخسروا الإيمان باليوم الآخر وما فيه من جزاء بعد الحساب، وخسروا فزعموا أن الحياة الدنيا وحدها هي الحياة وهذا هو الخسران المبين.
стр. 4961
(إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)
بيَّن سبحانه أن الذين كفروا حقت عليهم كلمة ربك بالكفر فلا يؤمنون بأية آية مهما تكن واضحة.
تبين الآية حال المشركين فهم لَا يؤمنون لنقص في المعجزة الكبرى ولكن لأنهم سبقوا إلى الرد وأصروا عليه إصرارا ونفروا من الحق لَا يردهم إليه معجزة، هم يطلبون معجزات مادية ولو جاءتهم لأنكروها وتنكروا لها بعد فترة من الزمان، وقد كانت التجربة مصدقة في فرعون وملئه فمع الآيات التسع التي جاءت ما آمنوا.
(إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ) يؤكد سبحانه أن الذين ثبتت عليهم كلمة اللَّه تعالى أنهم في سجل الكافرين، لَا يؤمنون ولو جائتهم كل آية ولو كانت مما يطلبون، أي لو تضافرت الآيات معجزات كلها وجاءت مجتمعة لا يؤمنون، وأقرب القول أن يقولوا سحرت أعيننا فالجحود ملازم لهم لَا يزايلهم أبدا. كان التأكيد في هذا الحكم بـ (إِنَّ) المؤكدة بقوله تعالى: (لا يُؤْمِنُونَ)
стр. 4962
تعبيرا بالمضارع دليلا على أن الإيمان ليس من شأنهم، وأنهم لَا يذعنون وليس من طبعهم أن يؤمنوا بشيء بل الجحود شأنهم.
إن الكفر ينمي بعضه بعضا، فالكافر يبدأ جاحدا ثم يعاند ثم يؤذي المؤمنين ويحاربهم ثم يسير في طريق الفساد حتى يتمكن الكفر منه فلا يؤمن.
وإذا كانوا كذلك فلن يؤمنوا بآيات الله مهما وضحت وبهرت الأنظار، وتستمر لجاجتهم في الكفر حتى يروا العذاب الأليم في الدنيا والآخرة.
أما في الدنيا فقد كانت في الماضي بالآيات المدمرة، أما بعد رسالة محمد ﷺ فبالمقاومة لشركهم بالحرب، وجَنَّد له أبطالهم، ذلك لأن النفس الجاحدة تغريها النصرة بالمخالفة والفساد، والسيف قد ينبهها فيهتدي من يهتدي. وفي الآخرة فالعذاب في جهنم وبئس المصير.
стр. 4963
(فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)
عندما أدرك فرعون الغرق قال: (آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ) كان ذلك بعد أن سبقته الأحداث ولم تعد له توبة، وقد قص الله تعالى أمر قوم يونس وقد أجدى فيهم الإنذار وصدقوا رسولهم وهم على اختيار من أمرهم.
(فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ) كلمة (لولا) للحض على الإيمان مع ذكر أثره، والقرية هي المدينة العظيمة التي يجتمع فيها الناس، (فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا) طهر نفوسها ومنع أهلها من الظلم وقربهم من ربهم، وجواب (لولا) محذوف إذا قلنا إنها شرطية، كقوله تعالى: (. . . لوْلا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤمِنِين)، ودل عليه أو قام مقامه فنفعها إيمانها. وإذا قلنا إنها لمجرد الحض على الإيمان فإنها لَا تحتاج إلى جواب، ومهما يكن فالكلمات (فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا). بيان لأثر الإيمان وهو أن النفوس تتطهر وتقترب إلى الله تعالى ويكون لها الثواب والنعيم المقيم، ونفع الإيمان أيضا كان في سعة من الوقت وليس كإيمان فرعون.
стр. 4964
(إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) الاستثناء منقطع بمعنى لكن، وفيه بيان نفع الإيمان، والمعنى ألَا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها، لكن قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي، وجوَّز النحويون أن يكون الاستثناء متصلا، لأن كلمة (لولا) حرف امتناع تدل في مضمونها على النفي فيكون المضمون - ما قرية آمنت فنفعها إيمانها، إلا قوم يونس فإنهم آمنوا وقت السعة والاختيار فنفعهم إيمانهم، وذلك كقوله تعالى: (لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ) أي حين آمنوا مختارين أزلنا عنهم، وعبر بكلمة (كَشَفْنَا) إشارة إلى أن الخزي غمة وهلاك فإزالته كشف للغمة ومنع لها، وأبقيناهم ممتعين مرفهين في الحلال إلى حين قضاء أجلهم. وقد روي أن يونس ﵇ قد بعث نبيا في مدينة " نينوى " من الموصل وكانت مدينة عظيمة، وقصة الآشوريين في حكمهم - وهي مدينة قديمة دأب أهلها على تحصينها، وقويت شوكة حكامها حتى خضع لهم الكثير من ممالك آسيا، والملك الواسع يوصي بالتجبر كما كان من آل فرعون، وقد أغار قوم يونس كثيرا على من جاورهم، وكلما أغاروا أكثروا الفساد وسلبوا ونهبوا وارتكبوا الكثير من المظالم، أنذرهم يونس بالعذاب ينزل بهم لا محالة، وهم يعلمونه صادقا أمينا فيهم فلم يعبأوا ابتداء، ويروى أنه أخبرهم أن العذاب نازل بهم بعد أربعين ليلة فقالوا في أنفسهم لو بقي فينا فنحن في أمن وإن غادرنا لَا نكون آمنين، لكنه غاب عنهم فقذف الله في قلوبهم الرعب وفي قلب أميرهم الإيمان، ورأوا مقدمات العذاب تقترب منهم وتغشاهم وغامت السماء غيما أسود، فآمنوا واستغفروا وأنابوا إلى ربهم.
وإن هذا المثل يضرب بعد فرعون الذي آمن بعد فوات الأوان، وهو مثل لإدراك قوم يونس بعد أن غشيهم ما جعلهم يتوقعون ما أنذروا به فسارعوا بالنجاة وأزالوا آثار ما اقترفوا.
(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩)
стр. 4965
إن كفر من كفر وهداية من اهتدى يكون بتقدير اللَّه تعالى في كتابه المكنون.
كان النبي ﷺ حريصا على إيمان قومه ومن بعث إليهم جميعا؛ لأن الحجة قائمة والحق بين والهدى مرشد، فيبين اللَّه تعالى له أنه سبحانه لو شاء لهداهم أجمعين، ولكن تركهم يختارون عن بينة، فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فعليها.
فقد خلق فيهم العقل الذي يختار ووضع فيهم النفس الأمارة بالسوء والنفس اللوامة فكانت الإرادة حرة، وتم الاختبار ليكون الثواب والعقاب واللَّه أعدل الحاكمين.
(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا) (كُلُّهُمْ) تأكيد، و (جَمِيعًا) حال. لو شاء اللَّه أن يكون الناس كلهم مجتمعين على الهداية والإيمان لكانوا جميعا كذلك، ولكن لم يشأ ليكون الاختيار ويتميز المؤمن من الكافر، وقد قال تعالى: - (وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا. . .)، ولكنه سبحانه أودع النفوس القدرة على الاهتداء، وبعث الرسل لكيلا يكون للناس على اللَّه حجة وهدى الإنسان النجدين ليكون الاختيار (. . . وَنَبْلُوكم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةَ. . .)، ذلك ليكون التنازع بين الفضيلة والرذيلة وليكون من آمن عن بينة ومن كفر عن بينة، وكلمة (كُلُّهُمْ) تأكيد لفظي وجميعا حال، والمعنى مجتمعين على الإيمان لَا يشذ من بينهم أحد.
ولقد قال تعالى في تقرير الاختيار: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩).
وإذا كانت تلك مشيئة اللَّه تعالى وإرادته أن ترك لهم الاختيار، فليس لك أن تريد منهم ما لم يرده اللَّه لهم.
(أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) أيكون الإيمان بإكراههم واللَّه تعالى أراد لهم الاختيار في الاعتقاد والإيمان، و (الفاء) لترتيب ما بعدها على ما قبلها؛
стр. 4966
لأنه إذا كان اللَّه تعالى يريد لهم الاختيار فلا تكرههم، الاستفهام للإنكار بمعنى النفي، أي ليس لك أن تكره الناس على أن يكونوا مؤمنين، وقدم (أنت) على الفعل لأن موضع النفي أن تكون أنت أيها النبي مكرههم، وقد قرر اللَّه تعالى لهم الاختيار.
(حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) وهذا يفيد أن الإكراه موضع استنكار لأنه إيجاد للإيمان حيث لَا تكون إرادة وقوله تعالى: (حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) فيه ما يدل على أنه ينشئ مؤمنين، وليس له ذلك، إنما هو للَّه تعالى الذي يقول: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ. . .).
(إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ).
(فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢).
* * *
ثم يقول تعالى:
стр. 4967
(وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠)
* * *
أي ما استقام لنفس أن تؤمن باللَّه وباليوم الآخر والرسل الذين جاءوا بالأدلة الحاسمة إلا بإذن اللَّه تعالى توجيها وتصريفا وتوفيقا فهو الملهم خلق النفس فسواها ألهمها فجورها وتقواها، فمن سلك سبيل الهداية والرشاد واتبع ما جاء به الرسل واستمع إليهم أخذ اللَّه تعالى بيده إلى الإيمان، ومن سلك سبيل الغواية أمعن في طريق الضلال، وكلاهما بإذن اللَّه تعالى وإرادته.
(وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ) الرجس هو الأمر المستقذر في العقل والإدراك والحس، كقوله تعالى: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ. . .)، أي أنه قذر حسا، والكفر يعد قذارة معنوية يصيب الفكر
стр. 4968
كما يصيب لحم الخنزير المعدة بالقذارة، فإطلاقه على الكفر والتخاذل والبعد عن اللَّه تعالى من قبيل المجاز بالاستعارة. وفى قوله تعالى: أنه يجعل الرجس على الذين لَا يدركون بعقولهم الفرق بين الحق والباطل، ولا يعملون بعقولهم، بل يقولون نتبع ما وجدنا عليه آباءنا ولا يديرون الأمور بميزان العقل فهم في ضلال بعيد.
стр. 4969
(قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)
أمر اللَّه نبيه أنْ ينبههم إلى خلق السماوات والأرض، وما يدل عليه، وأن يذكرهم بالوجود وما فيه، وأن العالم المرئي هو السماوات والأرض وما فيهما من عجائب ونظم ونواميس يدبر أمرها ويقوم على وجودها ويسيرها بإرادته، لا تتحرك حركة عن حركة إلا بإذنه سبحانه بديع السماوات والأرض.
(قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، (مَاذَا) استفهام وتنبيه إلى عجائب السماوات وارتباط نجومها وأبراجها برباط محكم لَا يمكن أن يسير نجم في غير مساره، (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)، كل ما في الكون سخره اللَّه للإنسان من ثروات سائلة وجامدة، وما في البحار من كنوز وأحياء، وله الجواري تجري في البحر، بإذنه والرياح العظيمة والناقلة للماء واللقاح.
انظروا ماذا في الأرض والسماء، هل من إله غير اللَّه يسيرهما.
إن ذلك دليل على اللطيف الخبير المنشئ المبدع بإرادته السرمدية قائم على الكون ممسكا له من الزوال. كل ذلك أقره العرب ثم أشركوا، فتعالى اللَّه عما يشركون.
стр. 4970
(وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ)، (مَا) نافية، والآيات هي الدلائل التي أشرنا إلى بعضها، والنذر جمع نذير وهو الرسول (. . . وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ).
والمعنى أنه لَا تنفع الآيات والنذر نفعا فيه غناء عن قوم لَا يؤمنون، أي أن اللَّه سبحانه أقام الآيات كافية وأردفها بالرسل مبشرين ومنذرين ولا ينفع هذا كله قوما لَا يؤمنون، أي قوما ضلوا سواء السبيل وسلكوا طرائق الشيطان، (لَا يُؤْمِنُونَ) ليس من شأنهم الإيمان بل اضطربت عقولهم وقلوبهم ونفوسهم وأنهم لا يفقهم إلا قارعة تنزل بهم فهل ينتظرونها.
стр. 4971
(فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢)
يراد بالأيام هنا الوقائع، وما نزل بالأمم قبلهم من خسف وريح وحاجب من السماء، و (الفاء) في كلمة (فَهَلْ) لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي أنه يترتب على استمرارها في غوايتهم وضلالهم أنهم لايتنظرون إلا قارعة مثل الذين مضوا قبلهم. والاستفهام إنكاري لإنكار الوقوع بمعنى النفي، أي لاينتظرون إلا أن يقع مثل ما وقع للذين مضوا من قبلهم ممن عاندوا في الحق وحاربوه وفتنوا أهله (قُلْ فَانتَظِروا إِنِّي مَعَكم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ) أمر اللَّه نبيه أن يخاطبهم منذرا مهددا.
إن كل نبي بعث في قومه، أما محمد ﷺ فقد بعث للناس كافة الأحمر والأسود، ومن عاصروه والأجيال من بعدهم وهو خاتم المرسلين. والنص في الآية الكريمة يستدل منه إلى أنه سينزل بهم مثل ما نزل بمن قبلهم كريح أو خسف أو غرق، ولكن الآية التي قرعت حسهم وأذهلتهم في باطلهم هي الحرب العادلة منعا للفتنة وفتحا للدعوة حتى صارت كلمة اللَّه هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى.
стр. 4972
(ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣)
فبعد أن أشار اللَّه تعالى إلى ما ينزل بالكافرين من نوازل الدنيا مثل الذين خلوا من قبلهم، ذكر أنه ينجو من ذلك الرسل ومن يؤمنون.
كلمة (ثُمَّ) للتراخي والبعد الزمني والمعنوي؛ لأن ما ينزل بهم يكون بعد إمهال يتمادون فيه ثم يكون الهلاك ثم تكون النجاة، والبعد الفارق بين أن ينزل البلاء وبين النجاة من عذاب يعم ولا يخص، وأضاف سبحانه الرسل إليه تشريفا لمكانتهم ولبيان أنهم ينطقون عن اللَّه تعالى ولا يأتون ببهتان يفترونه ثم كانت المفارقة بين الذين آمنوا والذين كفروا بنجاة المؤمنين وهلاك الكافرين.
وقوله تعالى: (ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا) فيه كلمة (ثُمَّ) عاطفة على محذوف دلت عليه الإشارة إلى أنهم ينتظرون إلى أن يهلكوا مثل الذين خلوا من قبلهم.
وقوله تعالى: (نُنَجِّي) بتشديد الجيم قرئت كذلك عند الأكثرين، وقرئت بالتخفيف، والتعدية بالهمزة والتضعيف، غير أنى أرى في التضعيف معنى تأكيد النجاة والسلامة، فقد قال شأنه: (كذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْج الْمُؤْمِنِينَ) تأكيد بعد تأكيد. وفي ذلك تبشير للنبي ﷺ بأن العاقبة للمتقين، وأن الظالمين مهما أرعدوا وأبرقوا فأمرهم إلى زوال، وأنه ﷺ ناج من كيدهم وتدبيرهم وغالب هو ومن معه في هذا الميدان الدنيوي بين الخير والشر والإيمان والكفر.
وقوله تعالى: (حَقًّا عَلَيْنَا) جملة معترضة بين متلازمين وهما (كَذَلِكَ) (ننْج الْمُؤْمِنِينَ)، وأن قوله تعالى (حَقًّا عَلَيْنَا) معترضة لتأكيد وعد اللَّه تعالى للمؤمنين وأنه لن يختلف فسماه سبحانه حقا عليه وهو الذي لَا واجب عليه ولا يسأل عما يفعل، و (حَقًّا عَلَيْنَا) مصدر لفعل محذوف، واللَّه ذو الفضل والمنة على عباده.
(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤)
стр. 4973
قد بين سبحانه أن المشركين في قبضته ثم أمر نبيه ﷺ أن يجعل نفسه أسوة في الإيمان.
الخطاب لأهل مكة ومن يكون مثلهم كافة، ولذا نادى سبحانه (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) والنداء للبعيد، لبعد نفوسهم عن نفسه ﷺ ومجافاتهم للحق وهو يتبعه.
(إِن كنتمْ فِي شَكٍّ من دِينِي) إن كنتم في ريب مع ما قدمت لكم من براهين وأدلة قاطعة على الدين الذي أؤمن به وأعتقده لأنه الحق في ذاته والعقول تتلقى ما فيه بالقبول.
إن كنتم كذلك فلا تطمعوا أن أكون مثلكم أحيد عن الحق وأجافيه، وأعبد مثلكم الذين تعبدون من دون اللَّه وهي الأوثان، وعبر عنها بما يدل على العقل بكلمة (الَّذِينَ) مجاراة لتفكيرهم إذ يعدونها من العقلاء ويعبدها كبراؤهم من المشركين والضالين.
وفى مجاراة الضال من غير اعتناق لما ضل به أفضل تنبيه، وحمل له على التفكير.
(تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ) في هذا دليل وبيان للسبب الذي دعاه ﷺ لئلا يعبدها وهي أنها غير اللَّه الذي لَا يعبد إلا هو وحده لَا شريك له.
ولقد صرح ﷺ بمن يعبده في قوله تعالى: (وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ) والاستدراك؛ لنفي أن أوثانهم تحيي أو تميت، وهو يتضمن إثبات عبادة اللَّه وحده لا شريك له متجاوزا عبادتهم مبتعدا عنها، وفي الكلمة القرآنية (الَّذِي يَتَوَفَاكُمْ) إشارة إلى استحقاقه للعبادة لأنه الذي يتوفى الأنفس حين موتها فهو يحيي ويميمت وهم يرون ذلك ويشاهدونه.
وقد ذكر سبحانه الوفاة ولم يذكر الإحياء؛ لأن الوفاة لَا تكون إلا للحي فذكرها يتضمن ذكر للإحياء، وإشارة إلى أنهم ليسوا مخلدين وأنهم ضعفاء يموتون، وذكر الموت يذهب بغرورهم وفي ذهابه تقريب لهم إلى الإيمان، كما أن آلهتهم التي لَا تضر ولا تنفع، لَا تميت ولا تحيي.
стр. 4974
(وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) جاء ذكر الأمر ولم يذكر الآمر الذي يعرفون أنه الخالق وحده؛ لأنه حاضر في النفس دائما؛ لأن الأمر من اللَّه يكون معه أمر العقل والإدراك المستقيم، والبرهان الصادق الذي لَا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فالأمر إذا جاء من اللَّه الخالق الواحد الأحد جاء من العقل المدرك وجاء من الآيات البينات.
وقوله تعالى: (أَنْ أَكونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) فيه (أَنْ) مصدرية، والأمر بالكينونة بهذه الصفة يفيد أن يكون مندمجا بها في المؤمنين في جمعهم الطاهر البعيد عن الوثنية.
стр. 4975
(وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥)
بعد أمر الاندماج وتضافر صفوف المؤمنين، أمر نفسي في قوله تعالى: (وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ).
قوله تعالى: (وَأَنْ أَقِمْ) معطوف على قوله: (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) الذي جاء في الآية السابقة، وجاء بصيغة الأمر من الله تعالى ومن آياته البينات الدالة على وحدانيته واستحقاقه للعبادة وحده، وكلمة (وَأَنْ) مصدرية هي وما بعدها مصدر، أي أمرت بالقيام للَّه وحده، وفي قوله تعالى: (وَجْهَكَ) إشارة إلى الاتجاه إلى اللَّه تعالى بنفسه كلها لَا يكون فيه شيء لغير اللَّه، فالوجه كناية عن الذات كلها، فيكون حبه وبغضه للَّه تعالى، كما قال ﷺ : " لا يؤمن أحدكم حتى يحب الشيء لَا يحبه إلا للَّه تعالى " (١).
وقوله تعالى: (حَنِيفًا) معناه مستقيما في اتجاهه بلا انحراف ولا اعوجاج ولا ميل لباطل أبدا.
ثم صرح سبحانه ببطلان الشرك وأنه منهي عنه في قوله تعالى: (وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) فإنك إذ أمرت بأن نكون من المؤمنين فقد نهيت عن أن следующие страницы →