(فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢)
يراد بالأيام هنا الوقائع، وما نزل بالأمم قبلهم من خسف وريح وحاجب من السماء، و (الفاء) في كلمة (فَهَلْ) لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي أنه يترتب على استمرارها في غوايتهم وضلالهم أنهم لايتنظرون إلا قارعة مثل الذين مضوا قبلهم. والاستفهام إنكاري لإنكار الوقوع بمعنى النفي، أي لاينتظرون إلا أن يقع مثل ما وقع للذين مضوا من قبلهم ممن عاندوا في الحق وحاربوه وفتنوا أهله (قُلْ فَانتَظِروا إِنِّي مَعَكم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ) أمر اللَّه نبيه أن يخاطبهم منذرا مهددا.
إن كل نبي بعث في قومه، أما محمد ﷺ فقد بعث للناس كافة الأحمر والأسود، ومن عاصروه والأجيال من بعدهم وهو خاتم المرسلين. والنص في الآية الكريمة يستدل منه إلى أنه سينزل بهم مثل ما نزل بمن قبلهم كريح أو خسف أو غرق، ولكن الآية التي قرعت حسهم وأذهلتهم في باطلهم هي الحرب العادلة منعا للفتنة وفتحا للدعوة حتى صارت كلمة اللَّه هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى.
стр. 4972
(ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣)
فبعد أن أشار اللَّه تعالى إلى ما ينزل بالكافرين من نوازل الدنيا مثل الذين خلوا من قبلهم، ذكر أنه ينجو من ذلك الرسل ومن يؤمنون.
كلمة (ثُمَّ) للتراخي والبعد الزمني والمعنوي؛ لأن ما ينزل بهم يكون بعد إمهال يتمادون فيه ثم يكون الهلاك ثم تكون النجاة، والبعد الفارق بين أن ينزل البلاء وبين النجاة من عذاب يعم ولا يخص، وأضاف سبحانه الرسل إليه تشريفا لمكانتهم ولبيان أنهم ينطقون عن اللَّه تعالى ولا يأتون ببهتان يفترونه ثم كانت المفارقة بين الذين آمنوا والذين كفروا بنجاة المؤمنين وهلاك الكافرين.
وقوله تعالى: (ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا) فيه كلمة (ثُمَّ) عاطفة على محذوف دلت عليه الإشارة إلى أنهم ينتظرون إلى أن يهلكوا مثل الذين خلوا من قبلهم.
وقوله تعالى: (نُنَجِّي) بتشديد الجيم قرئت كذلك عند الأكثرين، وقرئت بالتخفيف، والتعدية بالهمزة والتضعيف، غير أنى أرى في التضعيف معنى تأكيد النجاة والسلامة، فقد قال شأنه: (كذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْج الْمُؤْمِنِينَ) تأكيد بعد تأكيد. وفي ذلك تبشير للنبي ﷺ بأن العاقبة للمتقين، وأن الظالمين مهما أرعدوا وأبرقوا فأمرهم إلى زوال، وأنه ﷺ ناج من كيدهم وتدبيرهم وغالب هو ومن معه في هذا الميدان الدنيوي بين الخير والشر والإيمان والكفر.
وقوله تعالى: (حَقًّا عَلَيْنَا) جملة معترضة بين متلازمين وهما (كَذَلِكَ) (ننْج الْمُؤْمِنِينَ)، وأن قوله تعالى (حَقًّا عَلَيْنَا) معترضة لتأكيد وعد اللَّه تعالى للمؤمنين وأنه لن يختلف فسماه سبحانه حقا عليه وهو الذي لَا واجب عليه ولا يسأل عما يفعل، و (حَقًّا عَلَيْنَا) مصدر لفعل محذوف، واللَّه ذو الفضل والمنة على عباده.
(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤)
стр. 4973
قد بين سبحانه أن المشركين في قبضته ثم أمر نبيه ﷺ أن يجعل نفسه أسوة في الإيمان.
الخطاب لأهل مكة ومن يكون مثلهم كافة، ولذا نادى سبحانه (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) والنداء للبعيد، لبعد نفوسهم عن نفسه ﷺ ومجافاتهم للحق وهو يتبعه.
(إِن كنتمْ فِي شَكٍّ من دِينِي) إن كنتم في ريب مع ما قدمت لكم من براهين وأدلة قاطعة على الدين الذي أؤمن به وأعتقده لأنه الحق في ذاته والعقول تتلقى ما فيه بالقبول.
إن كنتم كذلك فلا تطمعوا أن أكون مثلكم أحيد عن الحق وأجافيه، وأعبد مثلكم الذين تعبدون من دون اللَّه وهي الأوثان، وعبر عنها بما يدل على العقل بكلمة (الَّذِينَ) مجاراة لتفكيرهم إذ يعدونها من العقلاء ويعبدها كبراؤهم من المشركين والضالين.
وفى مجاراة الضال من غير اعتناق لما ضل به أفضل تنبيه، وحمل له على التفكير.
(تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ) في هذا دليل وبيان للسبب الذي دعاه ﷺ لئلا يعبدها وهي أنها غير اللَّه الذي لَا يعبد إلا هو وحده لَا شريك له.
ولقد صرح ﷺ بمن يعبده في قوله تعالى: (وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ) والاستدراك؛ لنفي أن أوثانهم تحيي أو تميت، وهو يتضمن إثبات عبادة اللَّه وحده لا شريك له متجاوزا عبادتهم مبتعدا عنها، وفي الكلمة القرآنية (الَّذِي يَتَوَفَاكُمْ) إشارة إلى استحقاقه للعبادة لأنه الذي يتوفى الأنفس حين موتها فهو يحيي ويميمت وهم يرون ذلك ويشاهدونه.
وقد ذكر سبحانه الوفاة ولم يذكر الإحياء؛ لأن الوفاة لَا تكون إلا للحي فذكرها يتضمن ذكر للإحياء، وإشارة إلى أنهم ليسوا مخلدين وأنهم ضعفاء يموتون، وذكر الموت يذهب بغرورهم وفي ذهابه تقريب لهم إلى الإيمان، كما أن آلهتهم التي لَا تضر ولا تنفع، لَا تميت ولا تحيي.
стр. 4974
(وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) جاء ذكر الأمر ولم يذكر الآمر الذي يعرفون أنه الخالق وحده؛ لأنه حاضر في النفس دائما؛ لأن الأمر من اللَّه يكون معه أمر العقل والإدراك المستقيم، والبرهان الصادق الذي لَا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فالأمر إذا جاء من اللَّه الخالق الواحد الأحد جاء من العقل المدرك وجاء من الآيات البينات.
وقوله تعالى: (أَنْ أَكونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) فيه (أَنْ) مصدرية، والأمر بالكينونة بهذه الصفة يفيد أن يكون مندمجا بها في المؤمنين في جمعهم الطاهر البعيد عن الوثنية.
стр. 4975
(وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥)
بعد أمر الاندماج وتضافر صفوف المؤمنين، أمر نفسي في قوله تعالى: (وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ).
قوله تعالى: (وَأَنْ أَقِمْ) معطوف على قوله: (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) الذي جاء في الآية السابقة، وجاء بصيغة الأمر من الله تعالى ومن آياته البينات الدالة على وحدانيته واستحقاقه للعبادة وحده، وكلمة (وَأَنْ) مصدرية هي وما بعدها مصدر، أي أمرت بالقيام للَّه وحده، وفي قوله تعالى: (وَجْهَكَ) إشارة إلى الاتجاه إلى اللَّه تعالى بنفسه كلها لَا يكون فيه شيء لغير اللَّه، فالوجه كناية عن الذات كلها، فيكون حبه وبغضه للَّه تعالى، كما قال ﷺ : " لا يؤمن أحدكم حتى يحب الشيء لَا يحبه إلا للَّه تعالى " (١).
وقوله تعالى: (حَنِيفًا) معناه مستقيما في اتجاهه بلا انحراف ولا اعوجاج ولا ميل لباطل أبدا.
ثم صرح سبحانه ببطلان الشرك وأنه منهي عنه في قوله تعالى: (وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) فإنك إذ أمرت بأن نكون من المؤمنين فقد نهيت عن أن
стр. 4976
تكون من المشركين، وقوله تعالى: (وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكينَ) معطوف على قوله تعالى: (وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا).
وهكذا كان النهي عن الشرك بعد الأمر بالإيمان وإقامة الوجه لله بلا ميل، ذلك لأن الشرك يدخل إلى النفس من مسارب شيطانية كثيرة يحسبها الناس صغائر وهي كبائر، فالمراآة في العبادات شرك، والخضوع للحكام والأمراء في معاصيهم شرك، وقد قال ﷺ : " من تصدق يرائي فقد أشرك، ومن صلى يرائي فقد أشرك " (١).
وقال تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧).
وقد كان تأكيد النهي عن الشرك بنون التوكيد الثقيلة وقد عطف على ذلك قوله تعالى:
стр. 4977
(وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)
(تَدْعُ) الدعاء هنا العبادة والضراعة وهذا معطوف على (وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا)، (مِن دُونِ اللَّهِ)، أي غير الله تعالى وهي الأوثان التي جعلتموها أندادا لله مستحقة للعبادة، وقد وصفها سبحانه بحقيقتها الثابتة فقال: (مَا لا يَنفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ) أي أنها في ذاتها لَا تنفعه ولا تضره، وجعل الخطاب بالنفع والضرر لمن يدعوها إشارة إلى أنهم تركوا ما ينفع ويضر إلى ما لَا ينفع ولا يضر، وذكر هذه الحقيقة فيه تعليل للنهي عن عبادتها، لأنه إنما يعبد الجدير بالعبادة ويوفي الشكر لمن ينفع ويخشى عذابه، أما الأوثان فلا نفع فيها يرتجى ولا ضرر منها يُتقى.
стр. 4978
إن عبادة الأوثان واتخاذها أندادا للَّه تعالى والشرك به سبحانه، ظلم بين، ولذا قال تعالى: (فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ)، (الفاء) في مقام التعليل للنهي، أي أن عبادة ما لَا ينفع ولا يضر - ظلم، وقد جاء ذلك بصيغة الشرط والجزاء ليبين ارتباط الفعل بوصف الظلم، أي أن هذا الفعل مترتب عليه وصف الظلم لَا محالة. وقد ذكر ذلك بالشرط الدال على الارتباط أولا، والإيماء إلى الارتباط بقوله: (إِذًا)، أي أنه إذا كان الأمر كذلك فإنك من الظالمين لَا محالة، و (الفاء) الثانية للدلالة على الجزاء.
стр. 4979
(وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)
بين اللَّه تعالى أن من الإثم البالغ والضلال البعيد عبادة ما لَا يضر ولا ينفع من جماد وغيره، ثم يبين سبحانه في هذه الآية أنه هو الذي ينفع ويضر والنفع يشاؤه لعباده والضرر يكتبه عليهم.
(وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضرُّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ). المس إصابة الإحساس بالألم والانزعاج، وأنه لَا كاشف له إلا اللَّه، أي رافعه ومزيله، وقد عبَّر سبحانه عن إزالته بالكشف؛ لأنه يكون كالغمة تصيب النفس وتستولي عليها ولا تنحسر إلا بأمر من اللَّه تعالى. والضمير (هُوَ) يعود على اللَّه ذي الجلال والإكرام وهو يجب أن يكون مذكورًا في النفس حاضرًا في القلب دائمًا، فالضمير يعود إلى معلوم في النفوس والقلوب.
ويقول سبحانه: (وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ)، وهنا نجد إشارتين بيانيتين:
الإشارة الأولى - التعبير باسم الفاعل في قوله تعالى: (فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ) وهذا يفيد أنه لَا يوجد من يستطيع رده فليس الكلام لمجرد الرد، بل هو نفي لوجود من يستطيع الرد ويقدر عليه.
стр. 4980
والإشارة الثانية - قوله تعالى: (لِفَضْلِهِ)، فيها إظهار في موضع الإضمار، ذلك لبيان أنه لفضل من الله ورحمة منه سبحانه وأنه واجب الشكر على هذه النعمة، وجاء التعبير هنا بقوله تعالى: (وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ) للإشارة إلى أن الخير مراد لله تعالى مقصود إنزاله بالشخص، وفي التعبير إبهام ثم بيان للتوكيد قال تعالى: (وَإِن يُرِدْكَ) ثم قال سبحانه: (بِخَيْرٍ) فكان الأخير بيانا لإرادة الله تعالى بالعبد، ثم قال تعالى: (يُصِيبُ بِهِ من يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) أي يصيب بهذا الفضل من تتعلق به مشيئة الله من عباده.
وتتعلق مشيئة الله بمن يسير في طريق الخير كما كتبه الله تعالى فيوصله إلى غايته، والخير المذكور في الآية هو النفع والهداية والاتجاه إلى الله ورجاء رحمته، ثم يختم الله تعالى هذه الآية بقوله: (وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) أي أن مغفرته تعالى وقبوله التوبة هو الخير الذي يشاؤه لعباده، ومغفرته من رحمته، لأنه سبحانه يريد لهم الخير برحمته وفضله، والشيطان يسول لهم الشر، فالذين مكنوا الشيطان من نفوسهم حرموا من الخير، ومن أبعدوا وساوسه فقد اتجهوا إلى الله، وكل شيء بعلمه وتقديره سبحانه، كل شيء عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال.
وقد أوضح الله الحق وبيَّنه فقال تعالى:
стр. 4981
(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨)
أمر الله تعالى نبيه ﷺ وقد بشر وأنذر أن يبين لهم أن الحق قد جاءهم بدلائله وقامت أعلامه، وقد علموا طريق الغواية وما فيه من اعوجاج، وطريق الهداية وما فيه من استقامة، فمن شاء سلك طريق الهداية وأصاب فيه الخير، ومن شاء سار في طريق الضلال، أصابه الشر، ويكون في ضلاله عائدا بالضرر على نفسه.
стр. 4982
ولذا قال سبحانه: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ)، أي جاءكم الأمر الثابت في ذاته وبأدلته وبراهينه من رسول منذر ومبشر وقرآن مبين فيه تكليفات اللَّه تعالى الهادية إلى سواء السبيل والداعية إلى الخير المبينة لطريقه والتي هي في ذاتها رشاد لمن أرادها طريقا مستقيما لاعوج فيه، فمن اهتدى بهدى هذا الحق فسمع وأطاع فإنما يهتدي لنفسه، أي نفع بالهداية نفسه إذ هي الخير كله، واللَّه غني عن عباده، ومحمد ﷺ لَا عمل عليه إلا أن يبشر، ومن ضل فإنما يضل على نفسه بسلكه الغواية وتركه طريق الهداية بعد أن بدت الأعلام واضحة هادية، وعاقبة الضلال تعود عليه إذ يسير في متاهة الباطل والفساد ومغبة ذلك عليه وحده.
ويقول ﷺ بأمر ربه: (وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ) فينفي أنه وكيل وقد وكل إليه أمر المحافظة عليهم.
والباء في قوله: (بِوَكِيلٍ) لاستغراق النفي، أي لست عليكم حفيظا قد وكل إلى أمركم - بأي حال من الأحوال - إنما أنا مرشد.
كما قال تعالى: (. . . إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ. . .)، وقد بلغت، وكما قال تعالى: (. . . إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ).
стр. 4983
(وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (١٠٩)
جعله اللَّه قدوة في اتباع الوحي وهو له ابتداء ولمن تبعه من المؤمنين، ولقد أمرهم بأمرين هما: خلاصة الحكمة، والدعوة المحمدية، ونوه سبحانه بأمر ثالث هو الخضوع لحكم اللَّه تعالى وإليه المآل.
الأمر في قوله تعالى: (وَاتَّبعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ) هو التكليفات الشرعية كلها والإيمان باللَّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
стр. 4984
ومن التكليفات قيامه ﷺ بالتبليغ وهو لَا يقصر، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧).
إن الدعوة ليست أمرا هينا لينا ولكن يكتنفها المشاق والصعاب، فعلاج النفوس ليس أمرا قريب المنال، وإنما يتعرض لما يتعرض له أهل الحق من سفاهة السفهاء وأذى الأقوياء وغطرسة العتاة الظالمين.
ولذا جاء الله تعالى بالأمر الثاني وهو الصبر فقال تعالى: (وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ) أي اصبر على ذات ما يوحى إليك من تكليف، هو في ذاته شاق على النفوس، واصبر على أذى من تدعوهم، واصبر على الدعوة وجهاد الظالمين، الذين يفتنون الناس عن دينهم، وإن لذلك منتهى، هو حكم اللهْ وإن الله تعالى ناصر الحق وهو الهادي المرشد، (وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ).
* * *
стр. 4985
(سُورَةُ هُودٍ)
تمهيد:
عدد آياتها ثلاث وعشرون ومائة، كلها مكية إلا ثلاث، الآية الثانية عشرة، والسابعة عشرة، والرابعة عشرة بعد المائة.
ابتدئت السورة بالحروف المعجمة، التي ذكرنا من قبل أنها من المشتبهات التي لا يعلم علمها إلا اللَّه تعالى، وذكرنا ما نظنه حكمة في ابتداء السور بها، وأنها في أكثر أحوالها يكون ذكر الكتاب والتنويه بأمره مما جعل بعض العلماء يقول:
إنها أسماء للكتاب ننسحه، وقد قال اللَّه تعالى من بعد الحروف (. . . كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ). ومن بعد ذكر القرآن وأحكامه ذكر القصد الأسمى من الدين وهو عبادة اللَّه (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ)، ثم طلب الاستغفار والتوبة وهي سبيل اللَّه تعالى وسبيل الاستجابة، وأن الإيمان باللَّه وصدق الإخلاص يأتي بخيري الدنيا والآخرة، وأن الإقامة في الدنيا إلى أجلٍ مسمى عند اللَّه (. . . وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ إِلَى اللَّهِ مرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) لكنهم يكفرون بالرجوع إلى اللَّه تعالى ويصرفون صدورهم عنه ويستخفون منه، واللَّه تعالى يعلم ما يسرون وما يعلنون ويعلم كل ما في الوجود (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)؛ وذلك لأنه الخالق لكل شيء (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا. . .). ومع أشه الخالق المبدع فإنه يذكر بالبعث (. . . وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا
стр. 4986
سِحرٌ مبِينٌ (٧) وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٨).
ولقد ذكر سبحانه أن منِ طبيعة الإنسان الفرح عند النعماء واليأس في الضراء (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١).
ويبين اللَّه تعالى رغبة النبي ﷺ في أن يؤمنوا جميعا، وأنه يضيق صدره بكفرهم فيقول سبحانه: (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢).
ولقد أشار إلى إفراطهم في طلب المعجزات ومكانة القرآن في الإعجاز بقوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤).
وبعد ذلك بين سبحانه منزلة الذين يريدون العاجلة وزينتها وأنه يوفِّى إليهم أعمالهم فيها ولا يبخسون ثم تكون عاقبتهم السوءى (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦). ثم يوازن بين المؤمن الذي يكون على بينة من ربه الذي هو شاهد بيَّن على خلقه وتكوينه وما نزل من قبله على موسى، أيتساوى مع من يكفر بالله ويتحزب في الكفر فالنار موعده (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧).
وأنه لَا أحد أظلم ممن افترى على اللَّه كذبا (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا. . .) كما بين سبحانه أنهم ضعفاء أمام اللَّه تعالى وأنهم ليسوا بمعجزيه،
стр. 4987
وأنه يضاعف العذاب ويتحدى صاحب الجبروت والطواغيت، وأنهم يوم القيامة هم الأخسرون، وعلى عكسهم المؤمنون الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أي أنابوا واطمأنوا إليه. وأنهم أصحاب الجنة هم فيها خالدون. وقد لخص القرآن الكريم الموازنة بين الهدى والضلال بقوله تعالى: (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٤).
لقد كان المشركون في مكة يعبدون أوثانا ويعاندون ويجحدون ويؤذون، فناسب أن يذكر سبحانه قصص النبيين الذين جاءوا في بلاد العرب وجوبهوا بالعناد والجحود والاستهزاء والسخرية ليتأسى بهم النبي ﷺ وليعرفوا عاقبتهم إذا استمروا في عنادهم. وقد ابتدأ بذكر نوح أبي البشرية الثاني بعد آدم وقالوا: إن بعثه كان في البلاد العربية أو ببلاد تدانيها، وجاء في قصة نوح - وإنها لصادقة - أنه دعا قومه إلى عبادة اللَّه وحده، وكانت إجابة الملأ من قومه مماثلة لما أجاب به المشركون في مكة وأنهم كانوا يعيرونه كما عيروا محمدا ﷺ بأن الضعفاء والعبيد هم الذين قال الملأ من قوم نوح الذين سارعوا في الكفر وبادروه (. . . مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧).
وقد قالت قريش مثل هذا القول للنبي ﷺ (وَقَالُوا مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكل الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ. . .)، وقد قال نوح لقومه إنه على بينة من ربه الذي آتاه رحمة (. . . فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ)، كما أنه لَا يسألهم أجرًا، وطالبوه أن يطرد من معه لأجل أن يدخلوا في دعوته فيقول نوح ﵇: (وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣٠)، ثم عيره قومه أنه ليس غنيا مثل كبرائهم في
стр. 4988
الشرك فيقول لهم: (وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِين تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا. . .).
تململ الكافرون الذين أصموا آذانهم عن الحق فقالوا: (يَا نُوح قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)، فيرد قولهم بأن اللَّه تعالِى هو الذي يأتيهم به إن شاء، وييأس منهم نبي اللَّه ﵇ فيقول لهم (وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤).
وقد تشابه موقف مشركي مكة مع مشركي نوح الذين تشابه تحديهم مع حال مشركي قريش في إهمالهم المعجزة الكبرى وهي القرآن وادعائهم أنه ﷺ قد افتراه.
يئس نوح من إيمان أكثر قومه وأوحِي إليه أنه لن يؤمن منهم إلا من قد آمن، كما أمره تعالى بأن يصنع الفلك وسط سخرية قومه وهو يقول: (. . . إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٩)، والفلك يصنع ويسير ببخار الماء الذي يغلى ويفور كقوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠).
ثم نادى نوح ﵇ ابنه وكان في معزل (. . . يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣).
وينادي نوح ربَّه حزينا (. . . رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ).) فيجيبه سبحانه: (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦).
يتدارك نوح
стр. 4989
عليه السلام قائلا: (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧).
وإنه بعد غرق الكافرين برسالة نوح، ذهب الطوفان (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ. . .).
وهذه القصة ليست مكررة في مواضع أخرى بهذا السياف الذي جاء في هذا الموضع لبيان المشابهة فيما لقيه نوح من المشركين، وهو يتشابه تماما مع ما لقيه محمد ﷺ من قريش، وإن كانت النتيجة مختلفة، لأن رسول اللَّه ﷺ كان يرجو الإيمان من قومه فلم يطلب هلاكهم. ولقد قال تعالى بعد قصة نوح وبيان العبرة فيها: (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩).
بين الخبر الصادق عن عاد مع نبيهم هود ﵇، فنجد أن إجابتهم كإجابة مشركي مكة من العرب للنبي ﷺ -فيقول سبحانه: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (٥٠).
وأنه بين لهم التوحيد دين الحق وبيَّن أنه لَا يريد منهم أجرا، إن أجره إلا على اللَّه، ويقول لهم: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢).
ويردون بأنه لَا دليل على نبوته: (قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣).
نرى الإجابة واحدة، إجابة عاد وإجابة مشركي العرب، الذين قالوا عن محمد ﷺ (. . . رَجُلًا مَسْحوُرًا)، وأنه يعتريه الجِنَّة ويحسبون أنهم يستطيعون علاجه وكذلك قالت عاد لهود من قبل (إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤).
стр. 4990
ويندد بهلاكهم إذا لم يجيبوا دعوة التوحيد (. . . وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧).
ثم ينزل بهم أمر اللَّه تعالى بريح عاصف كما بين الله في سورة الأحقاف (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥).
كانت هذه عاد وعاقبة جحودها ولقد قال تعالى: (وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠).
ثم جاء ذكر صالح ﵇ وقد بعث في ثمود فقال تعالى: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١).
دعاهم إلى دين اللَّه تعالى وهو الوحدانية، وذكر معها دليلها الذي هو الإنشاء والخلق والتكوين، ولكنهم أجابوا بالكفر كما أجاب مشركو العرب (قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢).
آتاهم بالبينة وهي ناقة اللَّه (وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥).
ثم نجى الله تعالى صالحا ومن آمن معه وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في دارهم جاثمين.
стр. 4991
وقد جاء بعد هؤلاء ذكر إبراهيم أبي العرب وأبي الأنبياء، وابتدأ بذكر رسل الله تعالى من الملائكة إليه ﵇. (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩).
كان إبراهيم ﵇ جوادا فما لبث أن جاء بعجل حنيذ - أي مشوي (فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣).
كانت معجزة أن تلد، إذ لم تلد وهي شابة ثم وهي عَوانٌ (١)، فكيف تلد وقد صارت عجوزا.
علم إبراهيم خليل اللَّه أنهم جاءوا إلى قوم لوط منذرين مهلكين فأخذ يجادلهم لأنه أوَّاه عطوف حليم منيب إلى ربه فأجيب بقوله تعالى: (يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦).
ولقد ذهبت رسل الله من بعد ذلك إلى لوط فسيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب، ولما رأى قوم لوط الملائكة جاءوا طامعين فيهم، وقد كانوا قوم سوء يفعلون الفاحشة، ويأتون الذكران من العالمين، فقال لهم لوط:
(. . . يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨).
ولقد أحس لوط بالضعف وأنه لَا نصير له يشد أزره فأزال رسل اللَّه من الملائكة كربه وبينوا له (قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١).
стр. 4992
ثم جاء أمر اللَّه فجعل عاليها سافلها، وأمطر اللَّه تعالى عليهم حجارة من سجيل منضود أي متتابع مصفوف، (مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ. . .) أي معلمة عنده سبحانه، وما هي من الظالمين ببعيد.
جاء بعد ذلك خبر اللَّه تعالى عن شعيب ﵇ وقومه " مدين " فقال تعالى: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥).
وقد بيَّن لهم أن البيع الحلال خير وأبقى وأبرك، فأجابوه كما أجاب مشركو مكة كما جاء في قوله تعالى: (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧). قالوا الجزء الأخير متهكمين والجزء الأول منكرين مستغربين، وهذا ما أجاب به مشركو العرب.
لكن شعيبا عالج نفوسهم المتمردة على الحق فذكر لهم أنه يطيع اللَّه فيما يدعو إليه، وأنه لَا يدعوهم إلى أمر ويخالفه (. . . وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨).
وقد طلب إليهم أن يستغفروا ربهم ويتوبوا إليه بعد أن يقلعوا عن عبادة الأوثان، لكنهم انتقلوا من الإنكار إلى التهديد بعد تحذيرهم أن يصيبهم ما أصاب من كانوا قبلهم: (. . . وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ).
(قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١)، وهكذا كان يقول مشركو قريش لمحمد ﷺ كما أنهم هموا بقتله لولا خوفهم من بني هاشم. ثم يقول لهم شعيب ﵇.
стр. 4993
(قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا. . .).
لكن قومه عاندوا واستمروا في جحودهم فأنذرهم (. . . سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣)، ثم ينجى اللَّه تعالى شعيبا والذينِ آمنوا معه وتأخذ الصيحة الذين ظلموا وتلك عاقبة المكذبين (. . . أَلا بُعْدًا لِّمَدْيَن كَمَا بَعِدَتْ تمُودُ) ثم جاء ذكر موسِى ﵇ مع الطاغية فرعون في قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩).
العبرة من القصص الحكيم بيَّن سبحانه العبرة من هذا القصص وأنه كان غيبا على النبي ﷺ فقال تعالى: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ)، أي تقادم أثره كالزرع المحصود، وإن هؤلاء أخذوا بذنوبهم فما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، وأن آلهتهم التي عبدوها من دون اللَّه ما أغنت عنهم وما زادتهم إلا هلاكا.
(وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢).
وإن في ذلك عبرة لمن خاف عذاب الآخرة، ذلك اليوم المشهود الذي أخر لأجل محدود (يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥).
ثم بين سبحانه مال الذين كفروا وشقوا ففي النار، لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك.
كما بيَّن سبحانه الذين سعدوا وهم أهل الإيمان (فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) أي غير منقطع.
стр. 4994
هذه حقائق ذكرها الله تعالى لنبيه ﵊، وفيها أن الرسل من قبله قد نال منهم أقوامهم بمثل ما ينال قومك منك، وأن العاقبة للمؤمنين، أما هؤلاء فلا يصح أن تدفع أفعالهم إلى الشك في أن اللَّه سيوفيهم نتيجة كفرهم غير متقو) (فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩).
وأن الشرائع التي شملها كتاب اللَّه العزيز قد سبق فيها موسى بكتاب فاختلف فيه، وأنه لولا كلمة سبقت من ربك ببقائهم حتى يوم الجزاء لقضي بينهم فيما كانوا فيه يختلفون، وأن اليهود قوم موسى لفي شك منه مريب، وأنهم جميعا سيوفيهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير.
كما بيَّن اللَّه تعالى لنبيه ما يحب أن يسلك في دعوته فقال سبحانه:
(فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣) وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥) فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦).
هذه حكمة اللَّه لَا يهلك القرى إلا بظلم أهلها وغفلتهم عن إدراك العواقب التي تستقبلهم وليسوا مصلحين، ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولكنها إرادته. فجعل فيهم المفسد والمصلح (. . . وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩).
بيَن اللَّه تعالى أن العبرة يسوقها للناس وللنبي ليثبت فؤاده ويزيده تمسكا بالحق فيقول تعالت كلماته: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠) وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى
стр. 4995
مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣).
إن ما ذكر من القصص ليس تكرارًا لما ذكر في غير سورة هود، ولكن كلما كان هناك إشارة كان هنا بيان، فقصة الفلك مثلا ذكرت هنا مفصلة مبينة، وذكرت في غيرها مشارا إليها، وكذلك قصة لوط كان فيها إجمال وتفصيل، الإجمال كان في الفساد، وفصَّل الهلاك حيث إن تفصيل الفساد كان في سورة أخرى كما أشير إلى الهلاك.
* * *
معاني السون الكريمة
قال تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤) أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥)
* * *
إن ما نعلمه عن الابتداء بالحروف المفردة ذكرناه في أول سورة البقرة وآل عمران وأول سورة يونس، ولا يفيد هنا تكرار ما ذكرناه هناك، وإن التكرار بغير غرض مقصود لَا يجوز ممن يتكلم في القرآن لأنه المنزه عن اللغو، فلا نلغو في معانيه.
стр. 4996
(الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) .
جاء ذكر الكتاب بعد الحروف المفردة التي فهم بعض المفسرين أنها رمز للكتاب الكريم، وفي كلمة (كتَابٌ) التنكير للتعظيم، أي أنه كتاب عظيم لا يطاول ولا يأتي أحد بمثله، (أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ) أي نسقت ألفاظه فهي متآخية في نغمتها وتآلفها وهو نسق بياني مؤتلف غير مختلف، ومعانيه متساوقة فالخواطر تتسابق إلى النفس بإيماء من اللَّه يمهد كل معنى لما يليه كعقد من الجواهر تتبع كل حبة أختها، وأحكم مدلوله لَا يعروه تضليل ولا تبديل، ولا تناقض أو تضارب في معانيه، بل إنها متلاقية متعاونة مدعمة بالحجج والبراهين القاطعة الحاسمة تسير متهادية متصلة، ولكلمات الله المثل الأعلى.
(ثُمَّ فُصِّلَتْ) (ثم) للترتيب والتراخي، والتراخي هو التراخي المعنوي، ذلك لأن الناس ألفوا أن الكلام المحكم في نغمه وألفاظه وكلماته وأسلوبه لَا يكون مفصلا في معانيه، أي لَا يكون مبينا واضحا، لأن النغم يشغل القارئين عن المعاني، ولكن هذا القرآن كتاب اللَّه الخالد في الوجود الإنساني، كان مع حلاوة نغمه وتواصله وعباراته وتساوق معانيه مبينا مفصلا لأبواب الحلال والحرام والعقائد والمواعظ. والترتيب ليس للترتيب الزمني، إنما هو للترتيب الفكري والترابط النفسي فكلمة (ثُمَّ) هنا للترتيب والتراخي.
ولقد أعطى اللَّه تعالى القرآن شرفا إضافيا بعد شرفه الحقيقي في إعجازه وأنه لا يزال يتحدى الخليقة عربا وعجما أن يأتوا بمثله وأنى يكون، فيقول تعالى: (مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) كلمة (مِن لَّدُنْ) معناها من عند، وقل أن تستعمل في القرآن الكريم في غير جانب اللَّه العليم القادر. ويقول الزمخشري في معنى الآية الكريمة: (أُحْكِمَتْ) دون الباطل (ثُمَّ فُصِّلَتْ) كما تفصل القلائد الفرائد من دلائل التوحيد والأحكام والمواعظ والقصص. إذ جعلت فصولا سورة سورة، وآية آية ووقَّت في التنزيل فلم تنزل جملة واحدة، فإن قلت ما معنى كلمة (ثُمَّ)؛ قلت: ليس معناها التراخي في الوقت بل في الحال، فتقول هي محكمة أحسن
стр. 4997
الإحكام ثم مفصلة أحسن التفصيل، وفيه طباق حسن لأن المعاني أحكمها حكيم، وفصَّلها، - أي بينها وشرحها خبير عالم أي قوله تعالى: (حَكِيمٍ خَبِيرٍ) فيه هذا الطباق بين أحكمت وفصلت ووصفها الله تعالى بأنها (مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ).
وقد بين بعد ذلك المقصد الأصلي من القرآن ألا وهو التوحيد وإثبات رسالة النبي ﷺ . لذا قال تعالى:
стр. 4998
(أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢)
النفي والإثبات دليل على قصر العبادة على اللَّه وحده لَا يعبدون غيره من أوثان أو أشخاص أو أي كائن من مخلوقاته . أي أن اللَّه تعالى أحكم القرآن وفصل آياته تفصيلا، وأقام فيه الدلائل القاطعة على أنه الخالق لتعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئا.
ثم يقول تعالى حاكيا عن قول نبيه ﷺ : (إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ) لمن عصى وأشرك أنذره بالسعير، (وَبَشِيرٌ) لمن آمن باللَّه تعالى وحده وكلل إيمانه بطاعة اللَّه فيما أمر به من طاعات فيها خير الدنيا والآخرة، وفيما نهى عنه من معاصٍ فيها فساد في الأرض وعذاب في الآخرة، والضمير في كلمة (مِنْهُ) يعود على الله تعالى.
ويأتي ذكر النذير البشير ﷺ بعد عبادة الله تعالى وحده، إيماء بأن القرآن الكريم قد أحكمت آياته وفصلت ليكون آية النبوة ومعجزة الرسالة المحمدية الخالدة إلى يوم الدين. فالقرآن الكريم هو البرهان لعبادة اللَّه وحده، وهو معجزة النبي ﷺ ، تلك المعجزة الكبرى التي لَا تدانيها في بقائها وثمراتها معجزة أخرى من معجزات النبيين قبله ﷺ .
بعد أن نهى سبحانه عن عبادة غير اللَّه وبين أن النبي ﷺ نذير وبشير أمر بالاستغفار والتوبة فقال:
стр. 4999
(وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣)
(الواو) عاطفة على قوله تعالى: (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ) ولتضمنيا معنى الأمر، وإن كانت للحكاية، ولكن لأنها غاية أحكام الآيات وتفصيلها، وكون النبي ﷺ له الإنذار المؤكد، والبشارة كانت في معنى الطلب بدليل الإنذار والتبشير، إذ لابد أن يسبقها الطلب، ولذا جاء عطف الطلب.
كلمة (وَأَنِ) في قوله تعالى: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ)، يصح أن نقول إنها تفسيرية، ويصح أن تكون مصدرية. والاستغفار طلب المغفرة، والخطاب لقوم مشركين فطلب إليهم أولا الإقلاع عن عبادة الأوثان، ثم الاستغفار، وطلب عفو الله فيما ارتكبوا من آثام في - حقه سبحانه، ثم يكون بعد ذلك الرجوع إلى اللَّه والعيش في رحابه، وذلك بالتوبة إليه. كأن الاستغفار هو الدخول إلى الوحدانية مع طلب عفو اللَّه ومغفرته، ولهذا قدم الاستغفار على التوبة؛ لأن الاستغفار كان عن الشرك وما اتصل به من جحود وعناد، والتوبة الرجوع إلى اللَّه وطاعته فيما أمر ونهى. والتعبير بكلمة (ثُمَّ) الدالة على الترتيب والتراخي للدلالة على البعد بين المقامين، مقام الاستغفار عن الشرك ومقام التوبة، فالتوبة ذاتها عبادة، ولا تراخي في الزمن بل الزمن واحد ولكن البعد في الرتبة. وفي قوله تعالى: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ) معنى قرب اللَّه تعالى من العبد لأنه ربه الذي برأه ورباه وقام على تدبير حياته وحياة ما حوله.
(ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) أي عودوا بالتوبة إليه سبحانه؛ لأن العبد بالشرك يبعد عن اللَّه بعد أن خلقه حنيفا، وبالتوبة عاد إلى ما ابتدأ وهو القرب من الله.
و (تُوبُوا) فعل أمر له جواب كجواب الشرط؛ وقوله تعالى: (يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) أي إن تتوبوا بعد أن تستغفروا يكن الجزاء أن يمتعكم متاعا حسنا، أي يمكنكم من أن تتمتعوا متاعا حسنا، والمتاع الحسن هو المتاع
стр. 5000
الحلال الذي يكون من كسب حلال وفي حلال كالرجل مع زوجه، والمتاع الحسن مادي كالذي أشرنا إليه، ومعنوي وهو الاطمئنان إلى الحق، والقرار، وعدم الظلم، والرضا والقناعة، والاستمساك بِالفضائل، والبعد عن الرذائل، والسكون إلى جانب اللَّه، ولقد قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً. . .). وأن هذه المتعة التي تعم المجتمع الفاضل هي إلى أجل مسمى وهو الحياة الدنيا.
(وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ) هذا الإيتاء في الدنيا والآخرة.
أما في الدنيا فإنه يتكون مجتمع فاضل كريم حيث يكون كل ذي فضل في مكانته، فيعطى حقه غير منقوص، ويتمتع الجميع بمتاع حسن وتكون الحقوق قائمة أدبية ومادية، فالمجتمعات التي لَا تظلها الفضيلة لَا تعرف فيها قيم الأفاضل وتضطرب الموازين اضطرابا شديدا بل تنقلب للرجال والأعمال معا.
وأما في الآخرة يؤتي ذو الفضل فضله بالنعيم المقيم والرضوان من رب العالمين وهو الجزاء الأكبر. وفي قوله تعالى: (وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ) معناه جزاء فضله ولم تذكر كلمة الجزاء، وإن قدرت في مطوي الكلام، للإشارة إلى أن الجزاء مساوٍ للفضل تماما حتى كأنه هو، فاللَّه تعالى عادل حكيم. وفي مقابل جزاء الذين يحسنون قال تعالى مهددا من يعرضون: (وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كبِيرٍ) تولوا أصلها تتولوا وحذفت التاء لتوالي التاءات وذلك كثير في العربية وفى القرآن الكريم، ويكون خطابا للمخاطبين في قوله تعالى: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) ولكن من الذي يخاطبهم، أهو اللَّه تعالى أم نبيه ﷺ ، واللَّه ﷻ لَا ينسب له الخوف (فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ) فيكون أليق بالنبي ﷺ على أساس بشارته وإنذاره. الكلمات إنذار للذين يعرضون وينصرفون عن كلام اللَّه وهو أنهم محل خوف ممن أرسله هاديا ومبشرا ونذيرا، وقد أكد اللَّه تعالى الخوف عليهم بالجملة الاسمية وبكلمة (إن)، وقوله تعالى: (عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ) الكِبَرُ
стр. 5001
ُوصف لليوم، وكبره؛ لأن فيه أهوالا شديدة؛ ولأنه يوم الشدة يحس الإنسان بطوله كما أنه في ذاته كبير فيه الحساب والثواب والعقاب.
стр. 5002
(إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤)
قدم الجار والمجرور للدلالة على القصر، أي إلى اللَّه وحده مرجعكم لَا إلى أحد سواه ولا شريك له في الحكم على أعمالكم وأقوالكم وما كسبتم واكتسبتم، ولذكر لفظ الجلالة تربية للمهابة في قلوبهم، وفي ذلك إنذار شديد للمشركين الذين أشركوا غيره باطلا، ثم يؤكد سبحانه الإنذار بقوله: (وَهُوَ عَلَى كلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ).
فعقابه عقاب القادر القاهر فوق عباده ويحكم يوم الحساب، إذ هو قادر على كل شيء في الوجود وليس على درجة الكمال سواه.
بعد أن بين اللَّه قدرته القاهرة بين علمه الذي يحاسب على مقتضاه فقال:
стр. 5003
(أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥)
(يَثْنُونَ) فعله ثنى بمعنى طوى. وكلمة (أَلَا) للتنبيه، والمعنى: ألا إنهم يطوون صدورهم على عداوة وبغضاء وكراهية شديدة، فأولئك الذين كانوا يعادون النبي ويزدرون عند سماع الحق وكأنه يكون منهم أمران: أولهما: العداوة والبغضاء يطوون قلوبهم عليها وتدفعهم إلى عمل ما لا يجوز ويفتنون المؤمنين عن دينهم.
ثانيهما: الازورار عن الحق ازورارهم عما لَا يحبون، وانصراف صدورهم عنه ويريدون أن يستخفوا عن النبي ﷺ وينسون أن اللَّه بكل شيء عليم.
ثم يبين سبحانه كمال إحاطة علمه فيقول: (أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ) ويريدون أن تكون غاشية لهم تلف إحساسهم، أي أنه سبحانه يعلم ما يطوون عليه
стр. 5004
صدورهم وما يستخفون به في حسهم وفي نومهم، ولذا قال تعالى موضحا مؤكدا (يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ).
وأنه سبحانه يجازيهم بذلك الذي يطوون. ثم يقول سبحانه في بيان صفة علمه (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) وهذا التعبير القرآني يبين دقة علم اللَّه تعالى، و (ذات) هي الحقائق التي تلازم الصدور من خواطر خير وغيره، ومن خلجات القلوب وما تخفي السرائر، وكلمة (ذات) بمعنى صاحبة أو متلازمة الصدور لا تخرج إلى الجهر والإعلان، ولا تكون كذلك إذا خرجت من مكنونها إلى موضع الإعلان.
وإن ذكر هذا العلم الشامل المحيط بكل صغيرة وكبيرة لبيان أنهم يتحملون جزاءه سبحانه، وهو جزاء ممن لَا تخفى عليه خافية في السماء ولا في الأرض الذي يعلم ما تكن الأفئدة وتكسب الجوارح ويجازي كلا بما يستحق، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وكل بما اكتسب رهين.
* * *
خالق الكون ومدبره
(وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٨)
* * *
стр. 5005
(وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)
(مَا) نافية، وكلمة (مِن) للدلالة على عموم الآحاد في كل الدواب، أي يعلم كل دابة علما دقيقا في مفردها وجماعتها، أي أن كل دابة على اللَّه رزقها، وكانت التعدية للدلالة على أن ذلك متحقق ثابث بمقتضى وعد اللَّه تعالى الذي لَا يخلفه، فعبر بـ (عَلَى) وهذا لأن اللَّه لَا يجب عليه شيء إلا ما كتبه سبحانه على نفسه، كما قال تعالى: (. . . كتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ. . .).
وليس هناك إلزام، ولكن هناك وعدًا والتزامًا، والدواب ما يدب على الأرض من أصغر الكائنات إلى الإنسان، وعلى الله رزق كل هؤلاء، والإنسان بكل ما يتخذه من أسباب ليس هو المنشئ للرزق فقد يتخذ كل الأسباب ولا يكون إلا الحرمان، فكل شيء من فضل الله، وعلى الإنسان أن يسعى ولابد من الأخذ بالأسباب بعد التوكل وتفويض الأمر للَّه، وليس لأحد أن يحسب أن أسبابه وحدها تموله وتمونه، بل لابد من التوكل على اللَّه والتفويض إليه.
والرزق بالنسبة للدواب والأحياء، هو ما يتمول به ويتغذى، فينمى جسده ونفسه ويكون بقاؤه، وذلك عام في الدواب جميعها، وبمقتضى إرادته الحكيمة يكون بعض الدواب رزقا للآخر، وكل ذلك بتقدير اللَّه تعالى وبفضله الذي أنشأ ودبر وحكم.
وأكد سبحانه أن كل دابة في ظل فضله وسلطانه يدبر أمرها ويحكم بتدبيره فقال: (وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا) المستقر هو الإقامة في الأرض، ويصح أن نعدها مصدرا ميميا، فيكون المعنى ويعلم استقرارها، كما يصح أن نعدها اسم مكان أو زمان، أي يعلم مقامها في الأرض وزمان إقامتها.
стр. 5006
ومستودعها هو مكان إيداعها في قبورها إن كانت في الأحياء التي تدفن، وإن الذي يعلم مكان استقرارها ومكان إيداعها هو يعلم مقدار حاجتها في الرزق فلا يمكن أن يفوت الرزق أحدا.
ثم يؤكد سبحانه كل هذا بقوله: (كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) أي أن كل دابة ورزقها ومقامها واستيداعها في باطن الأرض وديعة مستردة بعد حين، كل ذلك مكتوب في كتاب واضح هو اللوح المحفوظ والعلم المكنون.
وإن من ألفاظ القرآن أنه (. . . لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) وإن وعده سبحانه الحق لا يقبل إخلافا ولا تخلفا، ولكن ناسا لَا يؤمنون بالخالق الرازق ذي القوة المتين يحسبون أنهم يرزقون أنفسهم، ويريدون أن يفعلوا فعل أهل الموءودة ويظنون أنهم إن قضوا على نسلهم ضمنوا رزقهم، ولقد نسوا قول اللَّه تعالى: (. . . وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُم مِّنْ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ. . .).
وقوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاق نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ. . .).
ولقد قال بعض الذين يتخذون الأسباب:
وكيف أخشى الفقر والله رازقي ... ورازق هذا الخلق في العسر واليسر
تكفل بالأرزاق للخلق كلهم ... وللضب في البيداء والحوت في البحر
ئم بَيَن سبحانه كمال سلطانه في خلقه وتدبيره لأمورهم فيقول:
стр. 5007
(وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)
الضمير (هُوَ) يعود إلى اللَّه ﷻ ، وهو في نفس كل إنسان وعقله وقلبه إذا كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر، والآية تؤكد تدبير اللَّه تعالى لخلقه وإمداده
стр. 5008
بالرزق وإمساكه لملكوته كله. والأيام الستة ليست هي أيامنا فلا يقال ابتدأ بالأحد وانتهى بالجمعة؛ لأن أيامنا نشأت بعد خلق السماوات وألارض، وارتباط الأرض بالشمس والقمر والنسبة بينهما وكل يدور في فلكه، والشمس والقمر بحسبان.
إنما يراد بالستة أيام الأدوار الكونية، وقد أشار اللَّه تعالى إلى هذه الأدوار فيِ سورة فصلت: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢).
فالأيام هي أدوار الخلق والتكوين كما تشير الآيات.
(وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) يصح أن نقول - واللَّه سبحانه أعلم يمراده - إن العرش كناية عن السلطان الكامل، وفي ذلك تصوير لتدبير ملكه وخلقه في أرزاقهم وأقواتهم وبقائهم والتماسك بين أجزاء السماء والأرض وكيف ينزل الغيث ومنبت الأرض بعد موتها وكيف يمسك السماوات والأرض أن تزولا، وكيف يحفظ الوجود كله وهو الحي القيوم الذي لَا تأخذه سنة ولا نوم. وهذا قد يكون معنى العرش فيما أحسب، والله لَا إله إلا هو وحده عنده العلم الكامل.
وذكر سبحانه أنه على الماء للإشارة إلى أنه سبحانه هو الذي يدبر أمر الأحياء كلها، وأن رزق الذي يسبح في الماء في كفالة اللَّه كرزق الذي يدب على الأرض.
ثم يقول سبحانه: (لِيبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ) أي ليعاملهم معاملة المختبر، إذ إن لهم إرادة تتجه إلى الخير وتتجه إلى الشر، وهو سبحانه خلقكم ومكَّن لكم في الأرزاق والأقوات والاستقرار في الأرض، ليظهر المؤمن فيشكر ويظهر الكافر فيكفر، و (أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) فيها (أَحْسَنُ) بمعنى أخلص والمخلص الذي بلغ إخلاصه أعلى الدرجات.
стр. 5009
ويلاحظ هنا ذكر الذين يظهر خيرهم ولم يذكر الذين يظهر شرهم، وكأنهمِ همل لَا يعدون في الأحياء، فالحياة حياة الروح، ولقد قال تعالى: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢).
فالذي ظهر شره يعد ميتا وإن لم يمت، وإن المشركين مع هذا الخلق وذلك الإبداع منكرِون اليوم الآخر، وأن اللَّه يعيدهم كما بدأهم أول مرة، ولذلك قال تعالى: (وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ)، (اللام) الموطئة للقسم، أي إن قلت لهم مؤكدا القول بعد هذه الآيات البينات في دلالتها وكمال وضوحها في قدرة الحكيم العليم الخالق لكل شيء، لئن قلت لهم يا محمد إنكم لمبعوثون من بعد الموت، لَا يكون الجواب بالإيجاب بل يكون بالسلب؛ لأن موضع استغرابهم أنه بعد الموت.
وقد أكد اللَّه تعالى قول النبي بالقسم وبالجملة الاسمية وإن المؤكدة (إِنَّكُم مبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ)، كما أكد إجابتهم باللام وبنون التوكيد الثقيلة (لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) وقد كانت إجابتهم سلبا مع استغراب وجحود (إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِين) أي إن إجابتهم، إن هذا أمر باطل كما أن السحر أمر باطل، وأن ذكره خيالات وأوهام كما أن السحر خيالات وأوهام، وإن الإخبار بهذا لَا دليل عليه إلا القرآن وإنه لسحر وقول ساحر وما هم بمصدقين لساحر أو مجنون.
стр. 5010
(وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٨)
في قوله تعالى: (وَلَئِنْ) اللام موطئة للقسم، ولئن أخرنا عنهم العذاب الذي نال مثله الذين من قبلهم إلى أمة أي مدة معدودة من السنين المحدودة القليلة؛ لأن التعبير بمعدودة يومئ إلى أنها قليلة، كما قال تعالى عن قول اليهود (وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً. . .)، فالأمة هنا بمعنى مدة.