← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.

стр. 5006

ومستودعها هو مكان إيداعها في قبورها إن كانت في الأحياء التي تدفن، وإن الذي يعلم مكان استقرارها ومكان إيداعها هو يعلم مقدار حاجتها في الرزق فلا يمكن أن يفوت الرزق أحدا. ثم يؤكد سبحانه كل هذا بقوله: (كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) أي أن كل دابة ورزقها ومقامها واستيداعها في باطن الأرض وديعة مستردة بعد حين، كل ذلك مكتوب في كتاب واضح هو اللوح المحفوظ والعلم المكنون. وإن من ألفاظ القرآن أنه (. . . لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) وإن وعده سبحانه الحق لا يقبل إخلافا ولا تخلفا، ولكن ناسا لَا يؤمنون بالخالق الرازق ذي القوة المتين يحسبون أنهم يرزقون أنفسهم، ويريدون أن يفعلوا فعل أهل الموءودة ويظنون أنهم إن قضوا على نسلهم ضمنوا رزقهم، ولقد نسوا قول اللَّه تعالى: (. . . وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُم مِّنْ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ. . .). وقوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاق نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ. . .). ولقد قال بعض الذين يتخذون الأسباب: وكيف أخشى الفقر والله رازقي ... ورازق هذا الخلق في العسر واليسر تكفل بالأرزاق للخلق كلهم ... وللضب في البيداء والحوت في البحر ئم بَيَن سبحانه كمال سلطانه في خلقه وتدبيره لأمورهم فيقول:

стр. 5007

(وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) الضمير (هُوَ) يعود إلى اللَّه ﷻ ، وهو في نفس كل إنسان وعقله وقلبه إذا كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر، والآية تؤكد تدبير اللَّه تعالى لخلقه وإمداده

стр. 5008

بالرزق وإمساكه لملكوته كله. والأيام الستة ليست هي أيامنا فلا يقال ابتدأ بالأحد وانتهى بالجمعة؛ لأن أيامنا نشأت بعد خلق السماوات وألارض، وارتباط الأرض بالشمس والقمر والنسبة بينهما وكل يدور في فلكه، والشمس والقمر بحسبان. إنما يراد بالستة أيام الأدوار الكونية، وقد أشار اللَّه تعالى إلى هذه الأدوار فيِ سورة فصلت: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢). فالأيام هي أدوار الخلق والتكوين كما تشير الآيات. (وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) يصح أن نقول - واللَّه سبحانه أعلم يمراده - إن العرش كناية عن السلطان الكامل، وفي ذلك تصوير لتدبير ملكه وخلقه في أرزاقهم وأقواتهم وبقائهم والتماسك بين أجزاء السماء والأرض وكيف ينزل الغيث ومنبت الأرض بعد موتها وكيف يمسك السماوات والأرض أن تزولا، وكيف يحفظ الوجود كله وهو الحي القيوم الذي لَا تأخذه سنة ولا نوم. وهذا قد يكون معنى العرش فيما أحسب، والله لَا إله إلا هو وحده عنده العلم الكامل. وذكر سبحانه أنه على الماء للإشارة إلى أنه سبحانه هو الذي يدبر أمر الأحياء كلها، وأن رزق الذي يسبح في الماء في كفالة اللَّه كرزق الذي يدب على الأرض. ثم يقول سبحانه: (لِيبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ) أي ليعاملهم معاملة المختبر، إذ إن لهم إرادة تتجه إلى الخير وتتجه إلى الشر، وهو سبحانه خلقكم ومكَّن لكم في الأرزاق والأقوات والاستقرار في الأرض، ليظهر المؤمن فيشكر ويظهر الكافر فيكفر، و (أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) فيها (أَحْسَنُ) بمعنى أخلص والمخلص الذي بلغ إخلاصه أعلى الدرجات.

стр. 5009

ويلاحظ هنا ذكر الذين يظهر خيرهم ولم يذكر الذين يظهر شرهم، وكأنهمِ همل لَا يعدون في الأحياء، فالحياة حياة الروح، ولقد قال تعالى: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢). فالذي ظهر شره يعد ميتا وإن لم يمت، وإن المشركين مع هذا الخلق وذلك الإبداع منكرِون اليوم الآخر، وأن اللَّه يعيدهم كما بدأهم أول مرة، ولذلك قال تعالى: (وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ)، (اللام) الموطئة للقسم، أي إن قلت لهم مؤكدا القول بعد هذه الآيات البينات في دلالتها وكمال وضوحها في قدرة الحكيم العليم الخالق لكل شيء، لئن قلت لهم يا محمد إنكم لمبعوثون من بعد الموت، لَا يكون الجواب بالإيجاب بل يكون بالسلب؛ لأن موضع استغرابهم أنه بعد الموت. وقد أكد اللَّه تعالى قول النبي بالقسم وبالجملة الاسمية وإن المؤكدة (إِنَّكُم مبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ)، كما أكد إجابتهم باللام وبنون التوكيد الثقيلة (لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) وقد كانت إجابتهم سلبا مع استغراب وجحود (إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِين) أي إن إجابتهم، إن هذا أمر باطل كما أن السحر أمر باطل، وأن ذكره خيالات وأوهام كما أن السحر خيالات وأوهام، وإن الإخبار بهذا لَا دليل عليه إلا القرآن وإنه لسحر وقول ساحر وما هم بمصدقين لساحر أو مجنون.

стр. 5010

(وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٨) في قوله تعالى: (وَلَئِنْ) اللام موطئة للقسم، ولئن أخرنا عنهم العذاب الذي نال مثله الذين من قبلهم إلى أمة أي مدة معدودة من السنين المحدودة القليلة؛ لأن التعبير بمعدودة يومئ إلى أنها قليلة، كما قال تعالى عن قول اليهود (وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً. . .)، فالأمة هنا بمعنى مدة.

стр. 5011

وكلمة أمة وردت في القرآن بمعان مختلفة، فتجيء بمعنى المدة كهذه الآية، وتكون بمعنى الجماعة في قوله تعالى: (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ. . .)، وتطلق على الرجل المهيب الجامع لمكارم الأخلاق كقوله تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا. . .). وتطلق بمعنى الملة كقوله تعالى: (. . . إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ). وهذه معان مشتركة في لفظ واحد كإطلاق لفظ " القُرء " على الطهر وعلى الحيض، ومعنى الآية الكريمة أنه إذا أخر اللَّه تعالى العذاب الدنيوي الذي ينالهم بريح عاصف أو رجفة تجعل عالي الأرض سافلها أو بحرب مخزيه لهم ترد الحق إلى أصحابه وتقمع الباطل وتزهقه فإنهم يقولون متحدين النبي ﷺ (مَا يَحْبِسُهُ)، ما يمنعه، وكلامهم هذا يتضمن تحديا وإنكارا وتكذيبا مثل الذين سبقوهم إلى الكفر والجحود. إن سنة اللَّه في الذين خلوا من قبلهم أنه سبحانه يمهل الكافرين، يدارسهم رسولهم الحق يدعوهم إليه ويؤيدهم بالبرهان ويردده المرة بعد الأخرى حتى يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، كما أخذ قوم نوح وعاد وثمود وآل مدين وآل فرعون، وإذا كانت الدعوة خالدة كدعوة محمد ﷺ غالبهم الحق وغالبهم، فقد صابرهم، وحتى هاجر وكان الجهاد والمغالبة حتى وضع اللَّه الباطل وأزهقه إنه كان زهوقا. ولذلك لما جاء لم يكن مصروفا بل كان لونا آخر ليس من نوع ما نزل بمن سبقوهم. إنهم تحدوا اللَّه منكرين مستنكرين يقولون: (مَا يَحْبِسُهُ) فالاستفهام للاستنكار والإنكار والاستهزاء بما هددهم به القرآن، وإنهم إذ تحدوا محمدًا ذلك التحدي السافر المستهزئ فإن اللَّه تعالى يقول: (أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ) ألا للتنبيه الزاجر الموقظ لغفلتهم التي كانت من فرط الاغترار بقوتهم الظاهرة.

стр. 5012

(لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ) أي ساعة أن يجيئهم لَا يصرفه عنهم رجاء أو شفاعة شافعين، وإنهم إذ يندمون فقد فات وقت الندم، كذلك كان الأمر في ماضي الأمم مع الكافرين، وإن ما قدره اللَّه لكم معشر كفار قريش إذا جاء العذاب على أيدي المجاهدين بأمر من اللَّه تعالى لن يرفع عنكم حتى تستسلموا خاضعين، وحتى يتمكن الإيمان من الكفر والكافرين. (وَحَاقَ بِهِم مَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُون) (حاق) معناها أحاط وهي تتضمن معنى لإنزال الجزاء. جاء في تفسير معنى (حاق) في مفردات الراغب الأصفهاني: قوله تعالى: (وَحَاقَ بِهِم مَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُون) وقال : (. . . وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ. . .)، أي لَا ينزل ولا يصيب، وأصله " حَقَّ ". وخلاصة المعنى على هذا، أنه أحاط بهم ونزل الأمر الذي كانوا به يستهزئون، وهو حق عليهم استحقوه بأعمالهم واستهزائهم فكان جزاءً وفاقا لما فعلوا من قبل، وقوله تعالى: (مَا كانُوا بِهِ يَسْتهْزِءُونَ) يفيد أن استهزاءهم كان دائما ومستمرا، ولذا عبر بالماضي الدال على وقوعه في ماضيهم واستمراره في حاضرهم ومستقبلهم حتى نزل بهم ما تعجلوه. * * * الصبر خلق الإيمان قال تعالى: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١) فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ

стр. 5013

وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢) * * *

стр. 5014

(وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ). هذا نص كريم في بيان طبيعة النفس التي تخضع للحس دون العقل المدرك الذي يوازن بين الماضي والحاضر ويضبط نفسه ووجدانه، بل يكون هلوعًا عندما يصيبه ما يسوؤه وطموعا أشرا بطرا عندما ينال خيرا ويذهب عنه ما يسوؤه، فإذا أصابه خير بطر، وإذا أصابه سوء جزع. أما المؤمن المدرك صبور لَا تبطره النعمة، ولا توئسه النقمة، وهو يضبط نفسه، وضبط النفس والصبر متلازمان لَا يفترقان. (وَلَئِنْ) (اللام) هي الممهدة للقسم، إن حرف شرط ودخول اللام يؤكد فعل الشرط أي أن أذاق الإنسان منه سبحانه رحمة ثم نزعها إنه ليئوس كفور. وهنا ملاحظات بيانية موضحة ومقربة للنص الكريم: الملاحظة الأولى: قال سبحانه: (أَذَقْنَا الإِنسَانَ) أي جعله يذوق ويحس متنعما، وأضاف ذلك إليه لبيان عظمها وأنها منحة جليلة، وسماها سبحانه رحمة لوجوب شكرها وبيان أنه أعطاها لتكون مصدر خير للناس تعم ولا تخص، فهي ليست له خاصة ولكن ليكون شكرها نفعًا للناس. الملاحظة الثانية: قوله تعالى: (ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ) يشير إلى التفاوت بين العطاء الكريم والنزع الحكيم، وفيه تفاوت بين العطاء والنزع، وكل ذلك بتقدير العزيز العليم، وفيه بيان أن نعيم الدنيا ليس بدائم بل فيها العطاء والمنع، ونعيم الآخرة دائم غير مجذوذ. الملاحظة الثالثة: هي الانتقال إلى حال شديد مؤكد في قوله تعالى: (إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ) بصيغة المبالغة الدالة على الهلع والجزع واليأس من رحمة اللَّه التي

стр. 5015

لا ييأس منها إلا القوم الكافرون. وكان القول: (كَفُورٌ)؛ لأنه لَا يرجو اللَّه ولا يؤمن بما عنده. الملاحظة الرابعة: جواب القسم في قوله تعالى: (إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كفُورٌ) فيه تأكيد لعمق يأسه واستيلائه عليه وكفره، وكان التأكيد بصيغة المبالغة وباللام وبالجملة الاسمية وبـ " إن " المؤكدة. وكل ذلك لأنه مادي لَا يؤمن إلا بالمادة ولا يرجو ما عند اللَّه الذي يعطي ويمنع ويعز ويذل، وهذا حال الإنسان الذي لَا يؤمن إلا بالدنيا، إذا كان المنع بعد العطاء. أما حاله في النعماء بعد الضراء فقال تعالى فيه:

стр. 5016

(وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) (اللام) ممهدة للقسم وما قلناه في قوله تعالى: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً)، يقال هنا، والنعماء هي النعمة السابغة، والضراء ما يضر في الجسم أو المال ويصيب النفس فيوجد بأسا وضرا لَا يرجى زواله عند غير المؤمن. جواب القسم (لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي)، وكان جواب القسم لدخول اللام، والتأكيد بنون التوكيد الثقيلة، والقسم واللام ذاته تأكيد. والسيئات الأمور التي ساءته والتعبير بالماضي دليل على تأكيد الذهاب، وهو لا يسند ذلك لِلَّهِ، بل يذكره من غير إسناد للمنعم وكأنه جاء عفوا من غير مسبب الأسباب ومقدر الأقدار. ومن قوله تعالى، إنه يفرح بذلك ويفاخر به فقال: (إِنَّه لَفَرِحٌ فخُورٌ) أي إنه يغمره الفرح فينسيه ما كان فيه من ضراء وما أصابه من شقاء.

стр. 5017

هكذا المادي لَا يؤمن إلا بما هو فيه ناسيا ما كان معتبرا به، فله الساعات التي هو فيها لَا يفكر فيما سواها، وفي وصفه يقول اللَّه تعالى: (فَخُورٌ) أنه يتطاول على غيره مغترا بما آلت إليه حاله، والفخر فيه أمران مفسدان للنفس: الأمر الأول: المطاولة على الغير وغمط الناس حقوقهم. الأمر الثاني: إنكار نعمة المنعم معتقدا أنه مجهوده وعمله وليس بعطاء من اللَّه وإن التفاخر يوهم صاحبه أنه في حال لم يصل إليها غيره فيتخيل ما ليس عنده، وقد نهى النبي ﷺ عن هذا حين قال، " كلوا واشربوا والبسوا من غير سرف ولا مخيلة " وقال تعالى: (. . . إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا). وهذا شأن الإنسان الذي لم يؤته اللَّه تعالى صبر المؤمنين ولا ضبط نفوسهم، ولذلك استثنى الذين صبروا وآمنوا وعملوا الصالحات من عموم الإنسان فقال تعالى:

стр. 5018

(إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١) إن الصبر وضبط النفس كريمان متلازمان، بل إن ضبط النفس شعبة من شعب الصبر الثلاث: الشعبة الأولى: تحمل المشاق النفسية والبدنية، ومن المشاق النفسية المحن والنعم، ويكون تحمل المحن بتلقيها من غير تململ ولا تزلزل، أما النعم فيتلقاها بالشكر والصبر على القيام بحقها. الشعبة الثانية: تكون بعدم الأنين أو الشكوى والضجر، وهذا هو الصبر الجميل الذي التزمه يعقوب ﵇. الشعبه الثالثة: هي رجاء زوال ما يمتحنه به اللَّه تعالى، فلا ييأس من رحمة اللَّه ولا يكفر بنعمه وألا تغريه نعمة اللَّه بالكبر والبطر.

стр. 5019

وإن ضبط النفس يكون في مطوي هذه الشعب، فلا تكون نفس الصابر رعناء تبئسها الشدة وتقرها النعمة فيكون في اضطراب مستمر، وهوج في النعم والنقم. وقد استثنى اللَّه تعالى الصابرين، وذكر في أوصافهم العمل الصالح (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، أي عملوا كل شيء فيه صلاح أنفسهم وجماعتهم، وصلاح دينهم الذي هو عصمة أمرهم، وإن اقتران العمل الصالح بالصبر يدل: أولا: على أن العمل الصالح يقتضي صبرا على الاستمرار فلا بد أن يكون مستمرا دائما، ولذلك قال ﷺ : " أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل " (١)، كما أنه قال: " إن الله يحب الديمة في الأعمال " (٢)، ثانيا: يدل اقتران العمل الصالح بالصبر على أن العمل الصالح يحتاج إلى تحمل بعض المشاق، كما قال رسول اللَّه ﷺ : " والذي نفسي بيده لَا يقضى الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته سراء فشكر كان خيرا له، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له، وليس ذلك لأحد غير المؤمن " (٣). وقد بين جزاء الصابرين العاملين فقال: (أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَة وَأَجْرٌ كَبِير) الإشارة إلى أن الجزاء مغفرة، إذ إن اللَّه يستر ما لهم من أعمال غير مقبولة بغفرانه، لأن الصبر والعمل الصالح يستران بذاتهما العمل غير الصالح بأمر اللَّه تعالى: (. . . إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ. . .)، وبعد هذه المغفرة الساترة يكون الأجر الكبير الذي هو عظيم في ذاته وبلغ قدرا لَا يدرك كنهه إلا اللَّه معطيه.

стр. 5020

وإذا كان للصبر هذه المنزلة، فأولى أوصاف النبيين الصبر، الصبر في سبيل الدعوة والاستمرار في التبليغ، والصبر على الأذى والتحديات الآفنة (١) والمطالب الجائرة والحائرة، ولذلك قال تعالى:

стр. 5021

(فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢) (الفاء) فاء الإفصاح لأنها تفصح عن شرط مقدر، والشرط تحريض على الصبر وتقديره، إذا لم تصبر فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك. أي أنه لَا مناص من الصبر على الأذى والتأني لهم حتى يكون النصر المبين، وإلا فإنك تنزل عند رغباتهم الآثمة. (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ). (لعل) هنا فيها إشارة إلى ما يرجون، فلعلك أنت يا رسول اللَّه إلى خلقه أجمعين تجاريهم في ترك بعض ما يوحى إليك من شرع مرضاة لهم، فتحرم ما يحرمون وتبيح ما يبيحون. تحرم ما يحرمون من طيبات، وتجيز طواف العرايا ثم تنزل في مرضاتهم حتى تسيغ لهم عبادة الأوثان أو يكون السكوت عنهم فيها. (وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) الضمير في (بِهِ) يعود إلى (مَا يُوحَى)، (ضَائِق) أي يعرض أمر غريب على نفسك وهو أن يضيق صدرك ببعض ما أنزل عليك وبعثت من أجله وبه اهتديت وبه تهدي. ليس المعنى أن النبي ﷺ قد ضاق صدره أو يضيق، إنما المعنى أنهم يرجون أن تترك بعض ما أوحى إليك وأن يضيق صدرك بإيذائهم فتتركه مضطرا. والنبي ﷺ لم يكن منه شيء من ذلك ولا يفكر في شيء منه ولكن يحرضه اللَّه تعالى على البقاء على الدعوة وتبليغ الرسالة غير ملتفت إلى أحد منهم، ثم قال تعالى: (أَن يَقُولُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ) وهذا متعلق بمحذوف " كراهة أن يقولوا لولا " أو نقول إنه متعلق بـ (ضَائِقٌ) ويكون المعنى على هذا:

стр. 5022

لعلك تارك بعض ما يوحى إليك بسبب إيذائهم المتوالي وسفاهتهم معك، أو يضيق صدرك في عدم خضوعهم للمعجزة الكبرى وقد تحديتهم فعجزوا، ثم طلبوا معجزات أخرى. وهذا هو الذي نختاره. وقد أنكروا على النبي ﷺ أنه فقير (وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ منَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ). وأنكروا أن يكون بشرا منهم رسولا (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ. . .). أنكروا الأمرين وطلبوا معجزة واقعة لأحدهما وقالوا: (لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ) أي مال مكنوز يفعل فيه مثل الذين يكنزون الذهب والفضة. والمعجزة أن ينزل عليه إنزالا من غير أي سبب من أسباب الكسب فيكون له جبل من ذهب وآخر من فضة، وبذلك يدفع فقره ويكون اتباعه لثروته ولإنزال هذه الثروة والإعجاز بها، أما الأمر الثاني فيدفع بأن يكون معه مَلَك، وتكون الرسالة برسول سماوي لَا برجل يمشي في الأسواق مثلهم، وقد بين اللَّه استحالة ذلك بقوله تعالى: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكَا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ). ولقد كان النبي ﷺ حريصا على إيمانهم راغبا فيه، ولذا قال تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦). ولذا قال تعالى: (إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ)، أي إنك مقصور على الإنذار بمقتضى الرسالة وليس عملك الهداية، بل التوجيه والتخويف لمن عصى، والتبشير لمن اهتدى، وَوَضع العلامات على الطريق لكيلا يضل أحد (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ وَكيلٌ)، أي إنه ﷻ حفيظ على كل شيء، فتوكل عليه في دعوتك ولا تأبه لهم، فاللَّه سبحانه حافظك منهم ومن طغواهم وهو سبحانه عالم بكل ما يصنعون، ومعاقبهم عليه، وهم راجعون إليه ، ولن يفلتوا من جزاء ما يفعلون، فتوكل على اللَّه الحي القيوم، وامض فيما أمرك به؛ إنه عليم بذات الصدور. * * *

стр. 5023

القرآن هو المعجزة الكبرى قال تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦) * * *

стр. 5024

(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) (أَمْ) هنا بمعنى (بل)، فهي منقطعة وسياق القول أنهم بطلبهم أن ينزل على النبي ﷺ كنز من السماء أو يكون معه ملك ينكرون المعجزة القرآنية، فواجههم اللَّه تعالى بالتحدي المتجدد المستمر، والإضراب هنا فيه انتقال إلى هذا التحدي. لقد تحداهم القرآن الكريم أن يأتوا بعشر سور مثله فعجزوا فتحداهم بسورة فعجزوا، وقد صور الزمخشري أن الانتقال من العشر إلى الواحدة تَنَزُّل في التحدي كمن يقول لمن يتعلم الكتابة، اكتب عشرة أسطر فلا يستطيع، فيقول له اكتب سطرا فإذا لم يكتب كان ذلك دليلًا على العجز المطلق، ولقد ادعوا على النبي ﷺ أنه افتراه، فتحداهم أن يأتوا بعشر سِوَرٍ مثله مفتريات، مثله في حسن

стр. 5025

بلاغته وانسجام عباراته وتوافق فواصله من غير سجع مرهق للمعاني، ولا جفوة في الألفاظ. لقد تضمن اعتراضهم أمرين، إنكار أن يكون القرآن معجزة، والثاني أنه مفترى وليس نازلا من اللَّه تعالى، ولقد اتجه الرد عليهم إلى إعجازهم وعجزهم، لأنه الأمر الذي أنكروه ابتداء. فقل لهم يا محمد أن يأتوا بعشر مفتريات، واختلقوها اختلاقا لتكون على النهج الذي جاء به القرآن فإنكم أرباب البيان وأهل الفصاحة واللسان، واجعلوا الحكام في هذا الأمر منكم ممن يلغون لغوكم وينكرون الإعجاز مثلكم، وقوله من دون الله تعالى يعني غير اللَّه من أمثالكم ممن يضادون الله تعالى ويعادونه ولا تتقيدوا بواحد أو اثنين بل ادعوا من استطعتم عددا وقوة وعلما بأساليب البيان إن كنتم صادقين في أنه ليس بمعجز وأنه ليس من عند اللَّه وإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فأنتم الكاذبون. (الفاء) في قوله تعال: (فَأْتُوا) تفصح عن شرط مقدر يناسب ما بعده، والتقدير، فإن كان افتراه كما ادعيتم فأتوا بعشر سور مثله مفتريات إن كنتم صادقين في ادعائكم افتراءه، وما هو بمفترى فلستم صادقين.

стр. 5026

(فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤) (الفاء) لترتيب ما بعدها على ما قبلها، تحداهم بأن يأتوا بمن يحكم في هذا الأمر بأن يأتوا بعشر مفتريات، ثم يوازنوا بين القرآن وما جاءوا به فإن لم تستجيبوا فقد قامت الحجة، والاستجابة طلب الإجابة، ويراد بها التحدي للإجابة، والإجابة بقوة، والضمير في قوله تعالى: (لَكُمْ) للنبي ﷺ ولمن اتبعه، وذكر المفسرون أنه قد يكون للنبي وحده مخاطبا بضمير الخطاب للجمع تضخيمًا وتعظيمًا لشأنه، ولكن لم يعهد ذلك في القرآن كثيرا، وإن كان ﷺ في المقام الأعلى عند الله فهو صفيه وحبيبه وخاتم النبيين. ويتضح هنا أمران:

стр. 5027

الأمر الأول: كان خطاب اللَّه تعالى لمن مع النبي ﷺ لأن تحدي النبي ﷺ وتكذيبه تكذيب لمن اتبعه وآمن به، وللإشعار بالتعاون التام بينه ﷺ وبين صحبه الأولين الذين هم كالحواريين أنصار عيسى ﵇ إلى اللَّه تعالى، ولأن عليهم التبليغ بعد أن آمنوا؛ إذ هو جهاد، وهم المجاهدون الأولون الذين خوطبوا بالجهاد ابتداء، وهم حملة الرسالة المحمدية من بعده وحاملوها معه ﷺ . وإذا كانوا لم يستجيبوا ويأتوا بعشر سور مثله فقد لزمتهم المحجة، فوجب عليهم أن يؤمنوا ووجب عليكم معشر المؤمنين أن توثقوا علمكم بأنه من عند الله تعالى، ولذا قال تعالى مخاطبا المؤمنين: (فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَن لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) (الفاء) واقعة في جواب الشرط، واعلموا بالبرهان القاطع الحاسم أنه ما أنزل إلا بعلم اللَّه تعالى. وكلمة (أَنَّمَا) أداة حصر تنفي وتثبت، فهي تنفي أن يكون مفترى وأثبتت أنه أنزل بعلم اللَّه فليس مفترى عليه سبحانه. وهذا يدل على أن الله تعالى بعث محمدا ﷺ به ليكون معجزته الكبرى ودليله على رسالة ربه، وإن اللَّه تعالى معلمكم صدقه ولو كان من غيره ما كان معلمه. الأمر الثاني: هو أن لَا إله إلا هو، لأنه إذا ثبت أن القرآن من عند اللَّه وبعلمه نزل، فيكون ما اشتمل عليه حقا وصدقا، ومما اشتمل عليه الوحدانية فلا معبود إلا اللَّه تعالى وهو العزيز الحكيم. ولقد قال بعد ذلك، والخطاب للمسلمين (فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ) (الفاء) لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي إذا قامت الحجة على أنه من عند اللَّه، فبايعوا محمدا ﷺ على الإسلام وأخلصوا وجوهكم للَّه وأحسنوا، والاستفهام هنا يتضمن معنى الطلب، وقال علماء البلاغة: إن أبلغ صيغة تدل على الطلب المؤكد هي الصيغة التي تصدر بالاستفهام مثل: (. . . فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهونَ)، ومثل (فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)

стр. 5028

هذا على أن الخطاب للنبي ﷺ ويصح أن يكون الخطاب للمشركين، ويكون الضمير الذي للغائب في قوله تعالى: (فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا) يعود على قوله تعالى (مَنِ اسْتَطَعْتُم) في الآية السابقة ويكون المعنى أنهم إذا لم يستجيبوا لكم معشر المشركين بألا يحضروا هذه الموازنة أو يحضروها ولا يستجيبوا لرغباتكم بأن يحكموا بأنه ليس مفترى - فاعلموا معشر المشركين أنه قد بطلت دعواكم بأنه ﷺ قد افتراه وقامت الحجة عليكم، وأنه نزل بعلم اللَّه ومنه ، وأنه لا إله إلا هو فانتهوا عن الشرك وبايعوا على الإسلام وكونوا مؤمنين. والتخريجان محتملان وإنى أميل إلى التخريج الأول فهو أقرب؛ ولأنه لا تقدير فيه، وإن أولئك الذين أنكروا القرآن بعد قيام الدليل بعجزهم عند التحدي إنما يؤمنون بالحسيات فطلبوا أن يكون لمحمد كنز أو يكون معه مَلك، وزين لهم ضلالهم أنه لَا يمكن أن يكون الرسول من عند اللَّه فقيرا، ولابد أن يكون عظيما (وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ). ثم بين اللَّه لهم أن الدنيا يعطيها للبر والفاجر، والآخرة لَا يعطيها إلا لمن أحب، وأن التمتع في الدنيا لَا يلزم أن يكون متمتعا في الآخرة، فهما مفترقان وليسا متلازمين، ولكن التلازم في الإيمان والآخرة، ولذا قال تعالى:

стр. 5029

(مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) وفى هذه الآية يبين سبحانه أن الحياة الدنيا وزينتها تسير على سنة اللَّه في الوجود مربوطة بالأسباب والمسببات وليسر لها صلة بالفضل في الآخرة، فالحياة وزينتها تكون للمؤمن والكافر إذا أخذ كل منهما بأسبابها، ومتعة الدنيا ليست دليلًا على متعة الآخرة بلِ قد يكون اختيارا شديدا بعده العذاب، كما قال تعالى: (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥).

стр. 5030

وقوله تعالى: (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا) إرادة الحياة الدنيا لمتاعها وما يتصل بها من رغائب مثل البنين والقناطر المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، وغير ذلك من متع الدنيا وشهواتها وزينتها وزخرفها والتفاخر بثيابها وأثاثها ومباهجها ومناظرها وما فيها من محاسن وزينة مما يتفاخرون به ويزدهون. وقوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا) شرط جوابه دوله تعالى (نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا) ومعنى وفاء الأعمال أي إعطاء نتائجها، فإذا زرع كان زرعه موفورا، وإذا صنع كانت ثمرات صناعته كاملة غير منقوصة، وكذلك إذا تاجر لَا يحرم من شيء من نتائج عمله إلا أن يشاء اللَّه تعالى: (وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسونَ)؛ لأنهم في الدنيا لَا يبخسون ثمرة عمل من أعمالهم. وقوله تعالى: (نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا) فيه إشارة إلى سنة اللَّه تعالى في هذه الدنيا أن الأمور تربط بأسبابها، والأعمال تربط بنتائجها فمن أجاد عملا في الدنيا أخذ حظا فيه سواء أكان مؤمنًا أم كافرًا. وهذا قوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١). هذا أمر الدنيا ومتاعها وزينتها، أما الآخرة فقد قال تعالى فيها وفيمن اقتصر سعيهم على طلبها:

стр. 5031

(أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦) أولئك غرضهم الزينة والتفاخر كما قال تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفارَ نَبَاتُهُ. . .).

стр. 5032

هؤلاء نالوا متعتهم ولم يعملوا لآخرتهم فليس لهم فيها إلا النار يصطلونها؛ لأن طالب الدنيا وحدها لَا يناله إلا الشر فهو يعتدي ولا يعرف حق غيره، ويكفر باللَّه ويعبد الأوثان، فهو لَا يؤمن إلا بما يلمسه بين يديه وكل ذلك إلى النار، وإن طلب المتعة الدنيوية ذاتها أو طلب زينتها لَا يؤدي إلى النار، إنما الذي يؤدي إلى النار هو ما يقترن بطلب الدنيا وزخارفها من عدم الوقوف عند حد المباح من الطيبات، بل يكون الاعتداء والتطاول والشرك وإن هذا مآله النار، وقد قال تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ)، وفي قوله تعالى: (وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا) أي فسد ما صنعوا. والحَبْطُ أن يكون فساد العمل أو الشيء من ذاته وليس من أمر خارج عنه، ويقول الراغب الأصفهاني في مفرداته، أصل الحَبْط من الحَبَط وهو أن تأكل الدابة حتى تنتفخ بطنها. والحبط فساد الأمر من ذاته لَا من أثر خارج عنه كما أشرنا، وقد قال الراغب ﵁ في المفردات أيضا: " حبط العمل عن ثلاثة أضرب: أحدها: أن تكون الأعمال دنيوية لَا تغني في القيامة عنا كما قال تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣). والثاني: أن تكون أعمالا أخروية في ظاهرها لكن لم يقصد بها صاحبها وجه اللَّه تعالى، فإنه يؤتى بصاحبها يوم القيامة فيؤمر به إلى النار. والثالث: أن تكون أعمالا صالحة ولكن بإزائها سيئات وهو ما يشار إليه بخفة الميزان. وإن أولئك الذين قال فيهم سبحانه: (وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا) هم الذين مما نظروا إلا إلى الدنيا وزينتها ولم يفكروا في الآخرة؛ لأنهم لَا يؤمنون بالبعث ولقاء اللَّه تعالى، وما كانوا يصنعون المعروف إلا للرياء والسمعة فكانوا مشركين.

стр. 5033

وقوله تعالى: (مَا صَنَعوا) يفيد صنائع المعروف التي حبطت لأنهم لم تكن لهم فيه نيات حسنة، والأعمال في ثوابها بالنيات ومقاصد الخير ولم تكن لهم نيات صالحة. وختم الآيه الكريمة بقوله تعالى: (وَبَاطِلٌ ما كَانوا يَعْمَلُونَ) أي كل عمل عملوا قد صار باطلا، كقوله تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا منْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنثُورًا)، ذلك أن قلوبهم قد فسدت بالشرك فلم يكن لهم خير يُحمدون عليه. * * * أهل الحق وأهل الباطل قال تعالى: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (١٩) أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ

стр. 5034

السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢١) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٣) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٤) * * *

стр. 5035

(أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧) هذه موازنة بين الذين يتبعون الحق والذين يطلبون الدنيا وزينتها وتكون وحدها مقصدهم ويشركون باللَّه تعالى، وبين الذين يؤمنون باللَّه. (أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ) (الفاء) هنا مؤخرة عن تقديم، وهي تفيد أن الاستفهام المتسائل مترتب على ما قبله من عمل غير فاضل، وكلمة (مِن) اسم موصول بمعنى الذي، والمعنى أمن كان على بينة من ربه كمن هو في عماية عن الحق ولا يدرك إلا الحياة الدنيا، وحذفت الموازنة الدالة على المفارقة الواضحة بينهما، إذ فرقٌ بين من يطلب الحق الباقي ومن يطلب العاجل الفاني. (البينة) الأمر البين الذي تدركه العقول السليمة في غير اعوجاج، ويصح أن يراد به الإسلام؛ لأنه بَيِّن لَا يأتي إلا بما تقبله العقول ولا ينهى إلا عن الأمر المنكر غير المعقول؛ ولأنه دين الفطرة السليمة. أسند اللَّه تعالى البينة إلى ربه، للدلالة على أنه الهادي إليها بمقتضى ما ركزه اللَّه تعالى في النفوس، وبمقتضى ما هدى إليه بالرسالات الإلهية، وقال تعالى:

стр. 5036

(بيِنةٍ مِن رَّبِهِ) بالتعدية بـ (على) للدلالة على تمكنه من المعرفة، وأنها ليست وهما يتوهم ولا ظنا يظن بل عقيدة متمكنة. ذكر اللَّه تعالى بعد البينة أن لها شاهدًا من اللَّه تعالى: (وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ)، أي يجيء شاهدا من اللَّه، فالضمير الأول في (يَتْلُوهُ) يعود إلى البينة، وعاد مذكرا لأن البينة البرهان القاطع الحاسم الذي تهدي إليه الفطرة، فعاد الضمير مذكرا للإشارة إلى أنها برهان بين واضح الدلالة على الوحدانية. والضمير الثاني في قوله (شَاهِدٌ) يعود على اللَّه ربك، أي أنه هداك وأيدك، والشاهد هو القرآن الكريم النازل من لدن عزيز حكيم. وإن القرآن الكريم جاء مع البينة، وقلنا إنها الإسلام، فكيف يقال إنه وليها ونقول في ذلك إن الإسلام يكون دفعة واحدة، لأن لبه شهادة أن لَا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه، والقرآن نزل منجما فهو كان يتلى بعده لَا قبله، وإن قلنا إن البينة هي برهان العقل المدرك فالقرآن جاء واليا، جاء به الحق. وقد نقول وبحق نقول: إن القرآن جاء مع البينة مؤيدا لها، والتعبير بأنه تلاها للإشارة إلى التلاوة فيه وهي الترتيل، كما قال تعالى: (. . . وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا)، وكما قال سبحانه: (. . . وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ. . .)، وللإشارة إلى أنه هناك مراتب في الإدراك، فالأولى أن تجيء البينة، والمرتبة الثانية هي التأييد من اللَّه بالقرآن ولا تراخ بين الرتبتين بل هما متصاحبتان، كما تقول: فَكِّر ثم اقرأ، أي اقرأ قراءة متفكر متدبر، وكأن القرآن شاهد؛ لأنه ببلاغته، وفصاحة كلمه، وعمق معانيه مع وضوحها، وعلمه وقصصه الحكيم كان المعجزة الخالدة، فهو شاهد دائم ناطق بالحق إلى يوم القيامة، وفيه الدلالة الواضحة على رسالة محمد ﷺ إلى يوم الدين. ثم أشار سبحانه إلى تصديقه للكتب السابقة وبشارتها به فقال تعالى: (وَمِن قَبلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً)، فدلت هذه العباره على أمرين.

стр. 5037

الأمر الأول: بشارة التوراة والإنجيل به كما قال تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧). الأمر الثاني: الذي دلت عليه الآية أنه مصدق لما بين يديه من الكتاب، وأن الإيمان به إيمان برسالة الرسل أجمعين كما صرح بذلك القرآن الكريم. وقوله تعالى: (إِمَامًا وَرَحْمَةً) وصف لكتاب موسى وهو التوراة التي نزلت عليه ولم ينس منها خط ولم يحرفوها أو يبدلوها، فلا يستدل بالمطبوع الذي يُغيَّر إلى الآن آنًا بعد آنٍ تقرأه تجد في ذاته دليل بطلانه وبرهان بهتانه. ومعنى قوله تعالى: (إِمَامًا) أنه يؤزم به في الدين، ومعنى (رَحْمَةً) أن ما اشتمل من شرائع في الزواج والطلاق والعقوبات هو الرحمة؛ لأن من رحمة اللَّه بعباده أن يؤخذ الجاني بشدة رادعة زاجرة فالشدة العادلة على الجاني رحمة بالمجني عليه، والرفق معه ظلم وقسوة على المجتمع، وهنا لابد من الإشارة إلى أمرين: الأمر الأول: كيف يكون ما جاء به موسى إماما يأتم به أتباع محمد ﷺ . الأمر الثاني: أشريعة موسى نسختها شريعة محمد ﷺ أم لم تنسخها؟ والجواب عن الأول أن شريعة موسى في ضمن شريعة محمد، ولو كان موسى حيا ما وسعه إلا أن يتبع ما جاء به محمد ﷺ ، فكتاب موسى إمام باعتباره مقدما في الزمن، والشريعتان في معناهما واحد والاختلاف في فروع جزئية تابعة للأزمنة. أما الإجابة على أن شريعة محمد ﷺ نسخت شريعة موسى ﵇ فهو أن شريعة محمد ﷺ نسخت من شريعة موسى فروعا ولم تنسخ أصولا، وما جاء به محمد ﷺ هو ما يجب اتباعه. ولقد روى سعيد بن جبير عن أبي موسى ﵄ -

стр. 5038

أن النبي ﷺ قال " والذي انفسي بيده لَا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم لَا يؤمن بي إلا دخل النار " (١). وقد قال تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى. . .). قال تعالى: (أُوْلَئِكَ يُؤْمِونَ بِهِ) إشارة إلى الذين على بينة ويؤمنون بموسى ﵇، فرسالة محمد ﷺ جامعة للرسالات كلها، كما قال تعالى: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦). (وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ) الأحزاب جمع حزب، وهو من يحزب لفكرة أو لقوم أو لعصبية غير مؤثر الحق في ذاته إنما يؤثر من يتعصب له حقا كان أو باطلا وإن التحزب كالتعصب يعمي عن الحق وهو يعمي ويصم، لا يطلب الحق في ذاته إنما يطلب على هوى من يتعصب لهم، والأحزاب يصح أن تفسر في موضوع الآية الكريمة بأنها القبائل التعصبة المتجمعة لمحاربة الحق وكانت القبائل كذلك، وسماهم القرآن الأحزاب لأنهم تجمعوا متحزبين ضد الدعوة الإسلامية وذهبوا في غزوة الأحزاب ليقتلعوا الإسلام من المدينة فخاب فألهم وطاش سهمهم وارتدوا خاسرين بريح كريح ثمود، والذين كفروا به من الأحزاب لا يؤمنون بمحمد ﷺ ولا يؤمنون بموسى ﵇ ويهددهم اللَّه تعالى بقوله: (فالنَّارُ مَوْعِدُهُ) فالنار مكان تنفيذ وعد اللَّه تعالى فيهم، وقوله تعالى هذا لَا يخلو من تهكم لاذع بهم؛ لأنهم كانوا يرجون رحمة، فإذا بهم يلقون عذابا وكأنهم عقدوا موعد اللقاء فخاب ظنهم وكانت النار موضعه.

стр. 5039

ثم انتقل قول العزيز الحكيم إلى خطاب النبي ﷺ فقال سبحانه: (فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ) من هذا البيان الذي بيَّن الحق وأزهق الباطل، والمرية هي الشك، والأمر يمتد لمن خاطبهم النبي ﷺ لأنه نهي على أبلغ الصور؛ لأنه إذا كان نهيا من اللَّه تعالى لنبيه المصطفى الذي لَا يزيغ قلبه ولا يرتاب فأولى بهذا النهي ثم أولى الذين ربما يعتريهم ذلك وهم من أُرسل إليهم. وأكد سبحانه النهي عن الريب بقوله تعالى: (إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ) والضمير يعود إلى البيان والقرآن، والحق هو الأمر الثابت الصادق الذي لَا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقد جاء من ربك الذي خلقك ودبر أمورك بحكمته. وقد أكد أنه الحق بـ (إنَّ) المؤكِّدة، وبأنه من ربك الذي خلق فقدر وهدى، فاجتمع له فضلان فضل ذاتي لأنه الحق في ذاته، وفضل إضافي يؤكد أنه الحق، وهو أنه من عند اللَّه. ثم قال تعالى: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ) الاستدراك هنا معناه، أن مقتضى الإسلام بينة وبرهان، وأنه حق ثابت أن يؤمن الناس جميعا ما دامت لهم عقول تدرك وقلوب تؤمن، ولكن أكثر الناس لَا يؤمنون، وكان التعبير بالمضارع للإشارة إلى أن أكثر الناس لهم قلوب ليس الإيمان من شأنها بل هم دائما متمردون على الحق وظلم الحقيقة، وهم مفترون على اللَّه تعالى ويكذبون عليه، ولذا قال تعالى:

стр. 5040

(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) إن الكفر مباءة للآثام، تعيش فيه وتفرخ، ويتبع الإثم إثم مثله، ويأخذ بعضه بحَجُزِ بعض في سلسلة متصلة تبدأ بالشرك باللَّه تعالى ثم بالكذب عليه بتحريم ما أحل اللَّه على أنه من عند اللَّه، والجحود بما أنرل سبحانه والافتراء عليه تعالى وفساد اعتقادهم بأن يعبدوا الأوثان ويقولوا إنهم شفعاؤنا. وهكذا يكون الشرك كالمعاطن التي تحوم حولها الحشرات والجراثيم وكل الموبقات.

стр. 5041

وأوضح ما في الشرك الكذب على الله تعالى بما ذكرنا وغيره، ولذا قال تعالى: (وَمنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا)، الاستفهام هنا إنكاري بمعنى النفي مع التوبيخ، بمعنى لَا أحد أظلم ممن افترى قاصدا الكذب على اللَّه تعالى، وهم قد ارتكبوا أشد الظلم إمعانا في الشر والكذب على اللَّه بأن يشركوا به غيره كما أشرنا، وبأن يخترعوا مفاسد وينسبوها إلى شريعة إبراهيم ﵇ كطوافهم عرايا وأن يحرِّموا على أنفسهم طيبات ما أحل اللَّه ويزعمون أن اللَّه حرمها وغير ذلك مما حرموه ناسبين التحريم إليه افتئاتا عليه، فلا أحد أعظم منهم بهتانا وكفرا. افترى الكذب معناه قصده وأراده، والكلمة نكرت لبيان أن الكذب على اللَّه تعالى قل أو كثر ظلم عظيم بل أعظم الظلم، وأن الشرك ظلم عظيم لأن من أشرك ضلل نفسه وضلل الناس ولأنه ارتكب بهتانا عظيما. ويقول سبحانه: (أُوْلَئِكَ يُعْرَضُون عَلَى رَبِّهِمْ) الإشارة إلى الذين افتروا الكذب، يعرضون على ربهم الذي خلقهم ورباهم وحفظهم وهو الحي القيوم. وهم يعرضون على ربهم ويلقونه سبحانه غير مختارين، وهو اللقاء الذي لا يتمنونه؛ لأنه لقاء الذين كفروا بربهم يعرضون عليه كما يعرض الجاني على شهوده ليشهدوا عليه، كما أنهم يرون ما أنكروا وكذبوا. وفى المحشر والحشد الجامع يقول المشاهدون من ملائكة وأنبياء وصديقين (هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبوا عَلَى رَبِّهِمْ) مشيرين إليهم استنكارا لفعلهم وبيانا لشناعة ما كانوا عليه وحسبهم ذلك سوءا وفحشا واستحقاقا للعذاب. وإن ذلك العرض وتلك الشهادة أبلغ عقاب معنوي، ومن بعد ذلك يكون العقاب المادي على ذلك الظلم الفاجر الآثم والشرك الضال المضل. والأشهاد جمع شاهد كأصحاب جمع صاحب، أو جمع شهيد كأشراف جمع شريف، والمعنى واحد، وقد ختم اللَّه تعالى الآية بقوله تعالى: (أَلا لَعْنَة اللَّه عَلَى الظَّالِمِينَ) (ألا) أداة تنبيه وفيها توكيد للحكم الذي يجيء بعدها، و (لَعْنَةَ اللَّهِ) مقته وعذابه والطرد من رحمته وقوله: (الظَّالِمِينَ) إظهار في موضع

стр. 5042

الإضمار، وذلك لتسجيل الظلم عليهم، ولبيان أن هذا الظلم الذي قد بلغ أقصى حدوده هو السبب في بُعدهم عن رحمة الله تعالى، ويعم الحكم بالعذاب على كل من عتى عن أمر ربه وأشاع الفساد في الأرض. إنه لَا يحب المفسدين. وقد ذكر اللَّه أفعال أولئك الظالمين فقال تعالت كلماته:

стр. 5043

(الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (١٩) يذكر اللَّه تعالى أحوال الذين يفترون على اللَّه الكذب، وقد ذكرنا كيف كانوا يفترون، وهذه الحال التي ذكرت هي الصد عن سبيل اللَّه تعالى بإيذاء المؤمنين وفتنهم ليقولوا كلمة الكفر وهم لها كارهون، وقد بالغوا في إعناتهم حتى مات منهم من مات تحت حر العذاب الذي ابتدعوا فيه طرائق تتنافى مع كل إنسانية بل ووحشية، حيث كانوا يحمون الحديد ويصبونه محميا في فرج المسلمة حتى لقد اضطر بعض المسلمين أن ينطق كلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان. وكان من صدهم أن النبي ﷺ عندما كان يذهب داعيا في الحج القبائل كان يذهب منهم من ينفرهم من الإسلام كأبي لهب، وأن الأوس والخزرج عندما استجابوا للنبي ﷺ كانوا يلتقون به على استخفاء منهم وفي سر لَا إعلان فيه، وهم يتبعونهم كلما علموا باجتماعهم به، ولذا قال تعالى في وصف هذه الحال: (الَّذِينَ يَصُدُّون عَن سَبيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا) وسبيل اللَّه هي سبيل الحق والإسلام كما قال تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صَرِاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ. . .). (يبْغُونَهَا عِوَجًا) أي يريدونها ملحفين في ذلك أن تكون معوجة بأن يلين معهم في عبادة الأوثان وتحريم ما أحل اللَّه ويرضى بما يرضون، أو يريدون ويبغون أن يكون أتباعه معوجين منحرفين عن الحق وأن يرتدوا عن دينهم الذي ارتضوا، وقد أشار سبحانه إلى السبب الذي جعلهم يوغلون في الكفر ذلك الإيغال ويمعنون فيه هذا الإمعان، فقال تعالى في حالهم التي أضلتهم: (وَهُم بِالآخِرَة هُمْ كَافِرُونَ).

стр. 5044

أي أن الكفر بالبعث جعلهم لَا يؤمنون إلا بالدنيا وزينتها وظنوا أنها وحدها هي الحياة مما أدى بهم إلى هذا الغباء وهذه اللجاجة فيه. وقد أكد سبحانه كفرهم بالبعث واليوم الآخر وأنه لَا حساب ولا عقاب، أكده أولا بالضمير وهو قوله تعالى: (وَهُم) وتكراره في قوله تعالى: (هُمْ كَافِرُونَ) وأكده بالجملة الاسمية. وذلك ضلالهم وهو الضلال البعيد، وأنهم بغوا وطغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد وحسبوا أنهم الغالبون وأنه لَا يعجزهم أحد وذلك سر طغيان الطغاة. لذا قال تعالى ما يفيد أنهم أعجزوا العباد فلن يعجزوا رب العباد.

стр. 5045

(أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) الإشارة إلى الذين يصدون عن سبيل اللَّه تعالى ويبغونها عوجا ويريدون أهلها معوجين غير سائرين في الجادة، والإشارة إلى الموصوفين بصفات تدل على أن هذه الصفات سبب لما يقومون به من تحد للَّه تعالى، ولذا قال سبحانه: (لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ)، أي لم يكونوا معجزين للَّه عن أن ينزل بهم ما أنزل بمن سبقهم بجوائح ماحقة كخسف في الأرض أو رجفة أو ريح صرصر عاتية أو حرب مجلية مخزية، والمعنى أنهم لم يكونوا بحالهم وكينونتهم معجزين اللَّه في الدنيا، فاللَّه هو القهار والغالب على كل شيء فلا ولي لهم يقاوم إرادة اللَّه تعالى فيهم، ولذا قال تعالى: (وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن أَوْلِيَاءَ) أي ما كان لهم أولياء يعاندون اللَّه تعالى فيما يريد فيهم ويقاومون إرادته، وهذا ما يدل عليه قوله تعالى: (مِّن دُونِ اللَّهِ) فإنها تدل على المضادة لما يريد اللَّه فهم لا يستطيعون نصرتهم ولا منع العذاب عنهم، قالوا بمعنى النصر المانع وكلمة (مِّن) في قوله تعالى: (مِنْ أَوْلِيَاءَ) لتعميم النفي أي ما كان لهم أي ولي من الأولياء.
следующие страницы →