← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.

стр. 5041

وأوضح ما في الشرك الكذب على الله تعالى بما ذكرنا وغيره، ولذا قال تعالى: (وَمنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا)، الاستفهام هنا إنكاري بمعنى النفي مع التوبيخ، بمعنى لَا أحد أظلم ممن افترى قاصدا الكذب على اللَّه تعالى، وهم قد ارتكبوا أشد الظلم إمعانا في الشر والكذب على اللَّه بأن يشركوا به غيره كما أشرنا، وبأن يخترعوا مفاسد وينسبوها إلى شريعة إبراهيم ﵇ كطوافهم عرايا وأن يحرِّموا على أنفسهم طيبات ما أحل اللَّه ويزعمون أن اللَّه حرمها وغير ذلك مما حرموه ناسبين التحريم إليه افتئاتا عليه، فلا أحد أعظم منهم بهتانا وكفرا. افترى الكذب معناه قصده وأراده، والكلمة نكرت لبيان أن الكذب على اللَّه تعالى قل أو كثر ظلم عظيم بل أعظم الظلم، وأن الشرك ظلم عظيم لأن من أشرك ضلل نفسه وضلل الناس ولأنه ارتكب بهتانا عظيما. ويقول سبحانه: (أُوْلَئِكَ يُعْرَضُون عَلَى رَبِّهِمْ) الإشارة إلى الذين افتروا الكذب، يعرضون على ربهم الذي خلقهم ورباهم وحفظهم وهو الحي القيوم. وهم يعرضون على ربهم ويلقونه سبحانه غير مختارين، وهو اللقاء الذي لا يتمنونه؛ لأنه لقاء الذين كفروا بربهم يعرضون عليه كما يعرض الجاني على شهوده ليشهدوا عليه، كما أنهم يرون ما أنكروا وكذبوا. وفى المحشر والحشد الجامع يقول المشاهدون من ملائكة وأنبياء وصديقين (هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبوا عَلَى رَبِّهِمْ) مشيرين إليهم استنكارا لفعلهم وبيانا لشناعة ما كانوا عليه وحسبهم ذلك سوءا وفحشا واستحقاقا للعذاب. وإن ذلك العرض وتلك الشهادة أبلغ عقاب معنوي، ومن بعد ذلك يكون العقاب المادي على ذلك الظلم الفاجر الآثم والشرك الضال المضل. والأشهاد جمع شاهد كأصحاب جمع صاحب، أو جمع شهيد كأشراف جمع شريف، والمعنى واحد، وقد ختم اللَّه تعالى الآية بقوله تعالى: (أَلا لَعْنَة اللَّه عَلَى الظَّالِمِينَ) (ألا) أداة تنبيه وفيها توكيد للحكم الذي يجيء بعدها، و (لَعْنَةَ اللَّهِ) مقته وعذابه والطرد من رحمته وقوله: (الظَّالِمِينَ) إظهار في موضع

стр. 5042

الإضمار، وذلك لتسجيل الظلم عليهم، ولبيان أن هذا الظلم الذي قد بلغ أقصى حدوده هو السبب في بُعدهم عن رحمة الله تعالى، ويعم الحكم بالعذاب على كل من عتى عن أمر ربه وأشاع الفساد في الأرض. إنه لَا يحب المفسدين. وقد ذكر اللَّه أفعال أولئك الظالمين فقال تعالت كلماته:

стр. 5043

(الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (١٩) يذكر اللَّه تعالى أحوال الذين يفترون على اللَّه الكذب، وقد ذكرنا كيف كانوا يفترون، وهذه الحال التي ذكرت هي الصد عن سبيل اللَّه تعالى بإيذاء المؤمنين وفتنهم ليقولوا كلمة الكفر وهم لها كارهون، وقد بالغوا في إعناتهم حتى مات منهم من مات تحت حر العذاب الذي ابتدعوا فيه طرائق تتنافى مع كل إنسانية بل ووحشية، حيث كانوا يحمون الحديد ويصبونه محميا في فرج المسلمة حتى لقد اضطر بعض المسلمين أن ينطق كلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان. وكان من صدهم أن النبي ﷺ عندما كان يذهب داعيا في الحج القبائل كان يذهب منهم من ينفرهم من الإسلام كأبي لهب، وأن الأوس والخزرج عندما استجابوا للنبي ﷺ كانوا يلتقون به على استخفاء منهم وفي سر لَا إعلان فيه، وهم يتبعونهم كلما علموا باجتماعهم به، ولذا قال تعالى في وصف هذه الحال: (الَّذِينَ يَصُدُّون عَن سَبيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا) وسبيل اللَّه هي سبيل الحق والإسلام كما قال تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صَرِاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ. . .). (يبْغُونَهَا عِوَجًا) أي يريدونها ملحفين في ذلك أن تكون معوجة بأن يلين معهم في عبادة الأوثان وتحريم ما أحل اللَّه ويرضى بما يرضون، أو يريدون ويبغون أن يكون أتباعه معوجين منحرفين عن الحق وأن يرتدوا عن دينهم الذي ارتضوا، وقد أشار سبحانه إلى السبب الذي جعلهم يوغلون في الكفر ذلك الإيغال ويمعنون فيه هذا الإمعان، فقال تعالى في حالهم التي أضلتهم: (وَهُم بِالآخِرَة هُمْ كَافِرُونَ).

стр. 5044

أي أن الكفر بالبعث جعلهم لَا يؤمنون إلا بالدنيا وزينتها وظنوا أنها وحدها هي الحياة مما أدى بهم إلى هذا الغباء وهذه اللجاجة فيه. وقد أكد سبحانه كفرهم بالبعث واليوم الآخر وأنه لَا حساب ولا عقاب، أكده أولا بالضمير وهو قوله تعالى: (وَهُم) وتكراره في قوله تعالى: (هُمْ كَافِرُونَ) وأكده بالجملة الاسمية. وذلك ضلالهم وهو الضلال البعيد، وأنهم بغوا وطغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد وحسبوا أنهم الغالبون وأنه لَا يعجزهم أحد وذلك سر طغيان الطغاة. لذا قال تعالى ما يفيد أنهم أعجزوا العباد فلن يعجزوا رب العباد.

стр. 5045

(أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) الإشارة إلى الذين يصدون عن سبيل اللَّه تعالى ويبغونها عوجا ويريدون أهلها معوجين غير سائرين في الجادة، والإشارة إلى الموصوفين بصفات تدل على أن هذه الصفات سبب لما يقومون به من تحد للَّه تعالى، ولذا قال سبحانه: (لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ)، أي لم يكونوا معجزين للَّه عن أن ينزل بهم ما أنزل بمن سبقهم بجوائح ماحقة كخسف في الأرض أو رجفة أو ريح صرصر عاتية أو حرب مجلية مخزية، والمعنى أنهم لم يكونوا بحالهم وكينونتهم معجزين اللَّه في الدنيا، فاللَّه هو القهار والغالب على كل شيء فلا ولي لهم يقاوم إرادة اللَّه تعالى فيهم، ولذا قال تعالى: (وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن أَوْلِيَاءَ) أي ما كان لهم أولياء يعاندون اللَّه تعالى فيما يريد فيهم ويقاومون إرادته، وهذا ما يدل عليه قوله تعالى: (مِّن دُونِ اللَّهِ) فإنها تدل على المضادة لما يريد اللَّه فهم لا يستطيعون نصرتهم ولا منع العذاب عنهم، قالوا بمعنى النصر المانع وكلمة (مِّن) في قوله تعالى: (مِنْ أَوْلِيَاءَ) لتعميم النفي أي ما كان لهم أي ولي من الأولياء.

стр. 5046

هذا في الدنيا إذ حسبوا أنه لَا رقيب عليهم ولا دافع يدفعهم وهم مسلطون، فيبين الله تعالى أنه قاهر فوقهم. أما في الآخرة فقال اللَّه تعالى عن حالهم فيها (يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ) أي يكرر العذاب عليهم فيكون ضعفين أو أضعافا؛ لأنهم أشركوا باللَّه عبادة الأوثان، ولأنهم آذوا المؤمنين وحاولوا صدهم عن سبيل اللَّه، ولأنهم طغوا وبغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد، ولأنهم ظلموا الناس وفتنوهم في دينهم. وما بعثهم على تلك الآثام التي ضاعفت لهم العذاب إلا أنهم لم يستمعوا إلى الحق ولم يبصروا الآيات، ولذا قال تعالى: (مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ) ذكر اللَّه تعالى في هذا النص الكريم السبب في هذه المآثم فذكر أنه أمران: الأمر الأول: أنهم لَا يستطيعون السمع، وليس المراد أنهم صُمٌّ حقيقة، بل شبهت حالهم بحال الأصم الذي لَا يستطيع السمع؛ ذلك لأنهم لَا يتدبرون ما يسمعون من دعوة إلى الحق وآيات تتلى فيها الإعجاز فكانوا كأنهم لايسمعون، وقد ذكرهم اللَّه في مواضع أخرى (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩). الأمر الثاني: قوله تعالى: (وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ) أي ينظرون نظرة تأمل للكون ويدركون أسراره، والجمع بين الماضي والمستقبل في قوله تعالى: (وَمَا كَانُوا يُبصِرُونَ) للدلالة على استمرار غفلتهم عن الآيات وتجددها وقتا بعد آخر، فكلمة " كان " تدل على الماضي وكلمة (يُبصِرُونَ) تدل على المستقبل، كذلك قوله تعالى: (مَا كَانوا يَسْتَطِيعُون السَّمْعَ) واللَّه أعلم بمراده في كتابه. ولقد حكم سبحانه بعد ذكر عذابهم في الدنيا والآخره فقال تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢١)

стр. 5047

الإشارة هنا إلى الذين هددوا بعذاب الدنيا وإنه لنازل بهم، وأنذروا بعذاب الآخرة، ومن قبل صدوا عن سبيل اللَّه، وأرادوها ملحفين في إرادتهم أن تكون معوجة، والإشارة إلى الموصوف بصفات تدل على أن هذه الصفات هي سبب الحكم، وهذا الحكم هو الخسران المبين. وأنهم خسروا بضلالا عقولهم، وخسروا أنفسهم بظلمهم، فالظلم خسارة للنفس، وخسروا أنفسهم بكفرهم باليوم الآخر وعدم رجاء ما عند اللَّه، وبعذاب الدنيا والآخرة، ثم قال تعالى: (وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانوا يَفْتَرونَ) أي غابت عنهم الأوثان التي كانوا يحسبونها شفعاء عند اللَّه، وتلفتوا فلم يجدوها والتعبير بـ (ضَلَّ) يفيد أنهم طلبوها فلم يجدوها، أو توهموا أنها تنفعهم فلم تجدهم، وفى تعبيره سبحانه عن الأوثان بقوله تعالى: (مَّا كَانوا يَفْتَرُونَ) إشارة إلى أنها لا وجود لها في ذاتها وإن وجودها كآلهة إنما هو في أوهامهم وافترائهم. ثم يؤكد سبحانه خسارتهم البالغة إلى أقصى حد.

стр. 5048

(لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢) قال الخليل وسيبويه إن (لا جَرَمَ) كلمة واحدة معناها حق ويكون المعنى: حق وثبت أنهم في الآخرة هم الأخسرون، فالنص يثبت أنهم خسروا وأنهم بلغوا في الآخرة أقصى درجات الخسارة، ولذا جاء جمع (الأَخْسَرُونَ)، وفعل التفضيل هنا يدل على أقصى درجات الخسارة، أي لَا خسارة فوقها أو مثلها بل هي فوق كل خسارة، وما ظنك بخسارة مؤداها البقاء في الجحيبم خالدين فيها إلى ما شاء اللَّه تعالى. وروي عن الخليل أيضا في (لا جَرَمَ) أن معناها لابد ولا محالة فهي تفيد التأكيد بأنهم في أعلى درجات الخسارة. والأصل في (لا جَرَمَ) أن لَا نافية، وهي رد لهم في أطماعهم، وبيان بطلانهم، وجرم معناها كسب، والمعنى لَا كسب ذلك الفعل لهم - أنهم الأخسرون. ومؤدى لَا جرم حق كما ذكرنا أولا.

стр. 5049

وهذا شأن الكافرين الجاحدين الذين يصدون عن سبيل الله تعالى ويبغونها عوجا، أما شأن المؤمنين فقد قال تعالى فيه:

стр. 5050

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٣) بعد أن بين حال الذين كفروا في الدنيا وفي الآخرة، وأنه في الدنيا غرور بها وزينتها، وفي الآخرة خسران مبين وشقاء وجحيم، بين سبحانه حال المؤمنين فقال: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ)، ذكر لهم أعمالا ثلاثة: أولها: الإيمان الذي يقذفه اللَّه في قلب المؤمن فيخضع للحق ويذعن له وإن القلب إذا أشرق بالإيمان واستضاء به كانت الحكمة والاستقامة في القول والعمل فلا يكون منه إلا الخير والإذعان للحق. والثانية: العمل الصالح وهو ثمرة الإيمان وأن الايمان إن لم يصاحبه العمل كان ذلك نقصا في الإذعان، فإن الإخلاص يتولد عنه الحكمة التي يتولد عنها القول الطيب والعمل الطيب. والحال الثالثة: هي الإخبات إلى اللَّه، والإخبات هو الاطمئنان، والكلمة مثل للأرض والخبت، وهي الأرض المصمتة (١) السهلة، والاطمئنان الى اللَّه يتضمن تصديق ما وعد، والخضوع لما أمر ونهى، وقال تعالى: (إِلَى رَبِّهِم) لما يفيده معنى الربوبية والخلق والقيام على حفظهم وتربيتهم وما يترتب على ذلك من الاطمئنان والخضوع وعدم التمرد علمِه سبحانه والخروج عن طاعته. وقد أكد سبحانه هذه الأحوال بـ (إنَّ) المؤكدة، وذكره بالاسم الموصول للدلالة على أنه سبب الجزاء الذي يعطيهم ربهم، والثناء الذي أضفاه عليهم خالقهم.

стр. 5051

ثم ذكر بعد ذلك جزاءهم فقال تعالت كلماته: (أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةٍ هُمْ فيها خَالِدُونَ)، وإن الإشارة إلى صفاتهم من إيمان وعمل صالح وإخبات إلى ربهم إيضاح إلى أنها سبب ذلك الجزاء العظيم، وقد أكد جزاءهم بأنهم ملازمون للجنة، وأنهم أصحابها الذين لهم اختصاص يشبه ملك المالك لما يملك وأكد أيضا بضمير الموصول فقال: (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). هذا مكان الذين آمنوا، وذلك مهوى الذين يصدون عن سبيل اللَّه، وقد وازن بين الفريقين فقال تعالت كلماته:

стр. 5052

(مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٤) المثل هو الحال والشأن، الفريقان فريق من ضل وغوى فكان في السعير، ومن آمن واهتدى وعمل صالحا واطمأن إلى حكم ربه فكان في الجنة، فجعل فريق الغواية كالأعمى الذي لَا يبصر والأصم الذي لَا يسمع، وفريق الهداية كالبصير الذي أوتي حدة في البصر حتى كان بصيرا يرى الأشياء والحقائق، والسميع الذي أرهف سمعه حتى صار يسمع دبيب النمل. (هَلْ يَسْتَوِيَانِ)؟ هذا استفهام إنكاري بمعنى إنكار الوقوع، أي لَا يستويان مثلا أي حالا وشأنا، بل يفترقان ويكونان بما يتفق مع حال كل منهما، فالأعمى الذي لَا يرى حتى يعرف الطريق، والأصم الذي لَا يسمع الهادي الذي يرشده فهو يتردى في المهاوي غير رشيد ولا مسترشد، والبصير الذي يرى أعلام سبيل الله تعالى وهو السميع الذي يسمع المرشد الهادي إلى سواء السبيل لَا بد أن يسلك الطريق الأقوم، فلا يستويان في الابتداء والانتهاء، ففريق في الجنة، وفريق في السعير. والتشبيه فيه تخريجان: التشبيه الأول: تشبيه الكافر بالأعمى الأصم الذي لَا يرى الطريق ولا يسمع من يهديه، والمؤمن بالبصير السميع الذي يهتدي ببصره وبإرشاده وقد وضحناه.

стр. 5053

والتشبيه الثاني: تشبيه الكافر بالأعمى في عدم إدراكه، وبالأصم في عدم الإصغاء للهداية والمؤدى فيهما واحد، ولقد قال تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢). ختم اللَّه الآية الكريمة موجها القول إلى الناس (أَفَلا تَذَكَّرُونَ)، (الفاء) لترتيب ما بعدها على ما قبلها وأخرت عن تقديم؛ لأن الاستفهام له الصدارة، والاستفهام للتنبيه والتحريض على التذكر والاعتبار وإن في ذلك لعبرة لأولى الأبصار. * * * القصص الحق قال تعالى. (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (٢٨) وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ

стр. 5054

قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣٠) وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١) * * *

стр. 5055

(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مبِينٌ). إن قصص القرآن ليس فيه تكرار إنما فيه بيان العبرة، وتساق القصة أو جزء منها في موضع العبرة فيها، وإذا كان فيه تكرار فهو ليس في الأخبار إنما هو في موضع الاعتبار. وموضع الاعتبار هنا أن قوم نوح يحاربونه بما حارب الملأ من قريش محمدا ﷺ ، ودعوة نوح هي دعوة محمد الخالدة، وهي دعوة النبيين من قبل، وهي الحقيقة الأزلية، هي عبادة اللَّه تعالى وحده لَا شريك له. (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ) الذين يألفهم ويألفونه ويعرفون مقامه فيهم، ونسبه منهم، وقد ناداه نداء الحدب عليهم المحب المنذر لهم، مبينا مغزى رسالته (إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبينٌ) وهذا معنى أرسلنا والغاية من الرسالة، وهذا مشابه لأمر النبي ﷺ عندما قال لقومه عندما أبلغهم برسالته: " أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم "، قالوا: ما عهدنا عليك كذبا، قال: " إني لنذير لكم بين يدي عذاب شديد " (١). (أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦)

стр. 5056

تضمن هذا النص الكريم لب الرسالة وهو الوحدانية في الذات وفي الصفات وفي العبادة، كما تضمن في ألطف مودة الإنذار بالعذاب الذي يكون في يوم مؤلم في أهواله وفي مآله، وإنه يوم المآل. وقد تبعه من تبعه من الضعفاء والفقراء الذين يزدريهم الكبراء في هذه الدنيا كما ازدرى كفار مكة أتباع النبي ﷺ من الفقراء والأرقاء واستهزءوا بهم، كذلك كان الذين كفروا بنوح ابتداء من اللأ والكبراء.

стр. 5057

(فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧) وتتضمن إجابتهم ثلاثة أمور كلها لقيها النبي ﷺ من قومه والملأ هم الأشراف الأقوياء المستكبرون في الأرض بغير الحق، ووصفهم سبحانه بالموصول (الَّذِينَ كَفَرُوا) لبيان أن السبب هو كفرهم وليس ثمة باعث حقيقي مما تضمنه قولهم، إنما الباعث هو الكفر الذي سبق إليهم ابتداء، وكان ذلك القول مظهره وأول ما دل عليه، وهو استغرابهم أن يكون بشر منهم رسولا، وكذلك كان يقول مشركو مكة. الأمر الأول: (مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مّثْلَنَا) فأي ميزة جعلتك رسولا من بيننا، وهذا كقول المشركين في مكة: (. . . مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأكُلُ الطَّعَامَ وَيَمشِي فِي الأَسْوَاقِ. . .)، وهذا هو أول ما تضمنته إجابتهم. الأمر الثاني: أنهم قالوا: (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا) جمع أراذل، وهم الأخساء في نظرهم لأنهم يقيسون الخسة والرفعة بمقدار القوة المادية، فمن كان غنيا مستعليا بماله ونفره كان عاليا، ومن كان قليلا في ماله ونفره كان خسيسا في نظرهم ومعنى (بَاديَ الرأْيِ) أي ظاهر مت الرؤية لَا يحتاج إلى دليل. الأمر الثالث: ما نرى لكم يا نوح أنت ومن معك من فضل علينا حتى تستحقوا الثواب دوننا، ومن هذا البيان استغراق النفي، أي لَا نرى لكم علينا أي

стр. 5058

فضل حتى تكونوا مستحقين للثواب دوننا، وذلك لربطهم الرفعة في الدنحِا بالمادة ثم أكدوا بعد ذلك ما توهموا فقالوا: (بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ) وهو إضراب) عما يوهم كلامهم في فرض صدق الأخبار بأنهم يستحقون ثوابا، ويقول المفسرون إن الظن هنا هو العلم، وأنا أقول إنه الظن الحقيقي؛ لأن الكفار كل علمهم أوهام، والأوهام إذا كان منها اعتقاد لَا يمكن أن يكون إلا ظنا، وإن الظن لَا يغني من الحق شيئا. ولقد أجابهم نوح ﵇:

стр. 5059

(قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (٢٨) ابتدأ نوح ﵇ نداءهم بـ " يا قوم " تقريبا وتأليفا، (أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَبِّي) أي دليل وسلطان، (وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ) أي خفيت عليكم ولم تهدكم، (أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ) أي لَا نلزمكم إياها وأنتم كارهون لها، والرحمة من آثار الإيمان، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي جاءت البينة فلم تدركوها فخفيت عليكم، والخطاب أرفق ما يكون لقربهم إليه، ولم يقل كفرتم بل قال: " خفيت عليكم " وترك الأمر لاختيارهم، ووجه أنظارهم إلى أن الأمر ليس لفضل شخصي، ولكن لهدى إلهي، ولأن رسالات اللَّه بينات وهداية. ثم بين أن المسألة ليست أمرا دنيويا، حتى تتنافسوا عليه، إنما هو أغلى مما عندكم وما تتنافسون فيه. ثم ناداهم ﵇ بما يؤلفهم:

стр. 5060

(وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩) طمأنهم إلى أنه لَا يسألهم مالا، والمال عنصر حياتهم المادية التي بها يستعلون وهو زخرف الحياة وزينتها، ولكن يسألهم هداية، وأجره على اللَّه وحده

стр. 5061

(إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ) (إن) نافية، لَا أجر لي إلا عند اللَّه فلا تحاولوا أن تنكروا الرسالة ما دامت لَا تكلفكم مالا، بل تكلفكم إصغاء وإيمانا. ثم هم كانوا يطعنون في اتباعه ويغضون من مقامه عند اللَّه ولا يرضون أن يكونوا صفا واحدا مع هؤلاء الأراذل في زعمهم المادي الفاسد، فيقول لهم قولا قاطعا حازما حاسما فيه شدة وقوة (وَمَا أنا بطارِد الَّذِين آمَنوا) لأني جئت للهداية لَا للثروة والمال، وعبر بالموصول في كلمةَ (الًّذِينَ آمَنوا) لبيان سبب النفي، وهو كونهم آمنوا، فحققوا ما جئت به، فكيف أطردهم. وإن الاعتبار بحالهم وحالكم إنما يكون في الآخرة وليس في الدنيا، ولذا قال: (إِنَهُم مُّلاقُوا رَبِّهِمْ) وعند لقاء ربهم الذي خلقهم ورباهم على تقوى منهم، فستكونون معهم وستعلمون أنهم أهدى سبيلا. ويتجه نوح إلى أن يصدع بالحق فيهم بعد هذا الرفق الكريم ويقول: (وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ)، وهذا الاستدراك من القول اللين العطوف إلى القول الحق الذي لَا يخلو من عنف في لطف، أراكم قوما تجمعتم وتحزبتم وأنتم تجهلون الحقائق وتمارون بالباطل، انتقل من عذرهم بخفاء الأمور عليهم إلى رميهم بالجهل المستمر الذي يتجدد آنًا بعد آنٍ وقد استمروا عليه. ثم من بعد ذلك مستنكرا طردهم.

стр. 5062

(وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣٠) ابتدأ أيضا بالنداء المقرب المؤلف (وَيَا قَوْمِ) إن كنتم تسترذلونهم وتستحقرونهم فهم عند الله أهل القربى فكيف أطردهم ومن ينصرني أمام اللَّه لدفع انتقامه مني وقد طردت عباده المقربين، وكلمة (من) في النص تدل على مجابهته للَّه، ومدافعته لإرادته، ومن ينصرني أمامه، ثم تختم الآية بقوله: (أَفَلَا تَذَكَّرُونَ)، أفلا تفكرون وتتدبرون لتعرفوا أن طردهم ليس بصواب ولا حسن العاقبة، وأنهم إذا كانوا فقراء فأنا أيضا فقير إلى اللَّه تعالى ولست أفاخر بمال، ولذا قال تعالى حاكيا عنه:

стр. 5063

(وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١) نفي أربعة أمور: الأمر الأول: أنه ليس عنده خزائن، فهو في الأموال دونهم، فاللَّه تعالى لم يبعث رسولا يعطيه خزائن الأرض، لكن يبعثه بما هو أعز وأغلى وهو إثراء الروح والنفس بمحبة اللَّه ورجاء ثوابه وتقوى اللَّه تعالى وخوف عقابه. الأمر الثاني: نفي أنه يعلم الغيب، فما جاء إلا هاديا للحق وداعيا إلى اللَّه تعالى، وذلك لَا يقتضي علم الغيب الذي اختص اللَّه تعالى به نفسه، وهو في هذا مثلكم. الأمر الثالث: أنه لَا يقول إنه ملك، وهو بشر مثلكم نشأ بينكم وعرفتم مولده، وأنه بشر كسائر البشر. الأمر الرابع: نفي أنه يقول للمؤمنين الذين يحتقرهم أغنياؤكم، مجاوبة لكم، لن يؤتيهم الله خيرا بل لهم الخير كل الخير، وعبر عنهم: (لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ) للدلالة على أنهم ليسوا مزدرين في ذات أنفسهم، بل أعينكم الغاشية هي التي ترى هذا الازدراء. ثم يشير إلى أن الاعتبار ليس للصورة ولكن إلى نور القلوب، ولذلك قال (اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفسِهِمْ) وهي الجملة المعترضة بين قوله: (وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا) وقوله تعالى: (إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ) أي إذا قلت لهم ذلك مطاوعة لرغباتكم، وأكد ظلمه باللام وكونه - إذن - في زمرة الظالمين الذين لَا يعرفون إلا بالظلم إذ اشتهروا به. * * *

стр. 5064

فى سياق القصة (قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥) * * * قال تعالى في المجاوبة بينهم:

стр. 5065

(قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) لم يئن نوح ﵇ عن دعوتهم وملاينتهم وأخذهم بالرفق حتى أعلنوا مجافاته وقالوا: (يَا نوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْت جِدَالَنَا) فسيوا دعوته إلى الحق جدالا يقصد به الغلب في البيان، وما هو إلا ناصح أمين يريد الهداية والإرشاد إلى الطريق الأقوم، ولكنهم لَا يريدون رشادا بل أرادوا تحديا، ولذا قالوا (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) لقد أنذرهم بعذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاستعجلوا العذاب ولم يستعجلوا العظة والاعتبار والهدى ورفع الضلال. وما كان العذاب في قبضة نوح، إنما هو بيد اللَّه ينزله في الوقت الذي يعلمه مناسبا، لذا قال: (قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣)

стр. 5066

(إِنَّمَا) أداة قصص، أي لَا يأتيكم به إلا الله، إن شاء يأتيكم به في زمانه الذي يشاء أن يكون فيه. (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) أي إنه لَا محالة نازل بكم في وقته الذي حدده الله تعالى في علمه، وأنكم لستم مع طاغوتكم بمعجزين لله ؛ ذلك أنهم ضعفاء لَا يقفون أمام إرادة القاهر الجبار. وإن عمل نوح ليس إنزال العذاب، إنما ذلك من عند الله، وعمله هو النصح، فإن لم ينفع النصح، فالله تعالى يريد أن تستمروا في طريقكم فتقعوا في العذاب بإرادتكم، إذا اخترتم طريقها وصرتم في مجرفها حتى انتهيتم إليها.

стр. 5067

(وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤) أي لَا تنفعكم نصيحتي الصادرة لكم في إخلاص وإيمان بالحق إن أردت أن أنصح لكم وأخلص لكم مرفقا بكم غير مغلظ، (إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يغْوِيَكُمْ) أي إن كانت إرادة الله تعالى أن تستمروا في طريق الغواية وهي الضلالة حتى تنتهوا إليها، فأنا أريد لكم النصح والله يريد لكم أن تستمروا في طريق الضلالة وإرادته سبحانه هي النافذة. ثم ذكر نوح أن الله تعالى هو الذي خلقكم ويعرف مآل أعمالكم وأنكم راجعون إليه ولذا قال: (هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْه تُرْجَعُونَ)، هو ربكم الذي خلقكم ويعلم ما تخفي صدوركم (وَإِلَيْهِ تُرْجَعونَ) إنذار لهم فالمرجع إليه وأنه لمحاسبكم على كل ما صنعتم محاسبة العليم الخبير السميع البصير، وقوله تعالى: (وَإِلَيْهِ ترْجَعُونَ) تدل بتقديم الجار والمجرور على أن المرجع إليه وحده، وإن في هذا القصص الحكيم الأمرين: الأمر الأول: التخفيف عن النبي ﷺ ، ولبيان أنه لاقى النبيون مما لاقى هو، والعاقبة كانت لهم وحادهم المشركون بما حادُّوا به النبي ﷺ ، وأن ذلك عبء يحتمل في سبيل أداء الرسالة الإلهية إلى خلق اللَّه تعالى، فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها.

стр. 5068

الأمر الثاني: إثبات الإعجاز وهو أنه أتى بهذه الأخبار الصادقة عن النبيين السابقين من غير أن يتعلم على معلم، ومن غير أن يقرأ في كتاب (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨). ولذلك كان هذا القصص الحق مع الأسلوب المعجز من دلائل الإعجاز، ولقد أشار سبحانه إلى ذلك فقال:

стр. 5069

(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥) (أَمْ) هنا للإضراب الانتقالي أي أنه سبحانه في الأسلوب القرآني الحكيم ينتقل من السير في القصة إلى نهايتها وإلى ما تشير إليه من دلائل الإعجاز، أي يقولون قصد الكذب في هذا الكلام الدال على صدق الرسالة، قد يقولون ذلك وهم يعلمون أنه الصادق الأمين الذي لم يعرفوا له كذبا قبل البعث وبعده، ويأمره اللَّه تعالى بأن يقول لهم: (قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ)، قل إن افتريته وكان قصصه كاذبا فإن إجرامه عليَّ، فعليَّ هذا الإجرام أي وباله وإثمه (وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ) فإجرامكم كثير، إشراك باللَّه وأوهام تسيطر عليكم فتحرِّمون ما أحل اللَّه وتحلون ما حرم اللَّه تعالى وتؤذون أهل الحق وتصدون عن سبيل اللَّه وتبغونها عوجا، وإن البراءة من إجرامكم خير لَا ريب فيه وهداية لَا شِيَة فيها. وفى قوله تعالى: (إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي) كان التعبير بقوله (إِنِ) لبطلان أصل الافتراء واستحالته؛ لأنه ﷺ لم يعرف عنه كذب قط، ولأنه يوافق كتب أهل الكتاب التي لم يتلوها من قبل، ولأنه من الله العليم بكل شيء وقوله: (فَعَلَيَّ إِجْرَامِي) يفيد أنه ﵇ يتحمل تبعة قوله وأن إجرامهم ثابت وهو بريء منه. * * *

стр. 5070

الفُلْك (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٩) حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠) وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣) وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤) وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ

стр. 5071

ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧) قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٨) * * *

стр. 5072

(وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) بذل أقصى جهده في التقريب والتأليف والنصيحة والإرشاد وتحمل سفه القول منهم حتى آمن من آمن، وما آمن معه إلا قليل، ومن بعد إيمانهم أوحى اللَّه تعالى إلى نوح ﵇ أنه لن يؤمن غيرهم. (فَلا تَبْتَئِسْ) أي لَا تحزن ولا تأسف بما كان يفعل من استكبروا في الأرض من سخرية وازدراء لأهل الإيمان، وأنما أنت نذير وقد أنذرت، ولم يبق إلا أن ينزل بهم ما كانوا يستعجلون ويقولون بتحد (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا)، وقد اشتبه حال نوح مهم بحال محمد ﷺ مع قريش قبيل الهجرة، إذ لم يؤمن منهم أحد، وإن كان منهم من يلقي بالمودة من غير إيمان، ثم كانت الهجرة وكانت الحرب وأنزل اللَّه بهم هزيمة بعد هزيمة ولم تكن إبادة كإبادة قوم نوح ﵇، لأن رسالة محمد خالدة فكان من أصلاب المشركين باللَّه والجاحدين لرسالة محمد ﷺ ، من يعبد اللَّه وحده ومن يدعو إلى اللَّه ويجاهد في سبيله كخالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل.

стр. 5073

أما رسالة نوح فلم تكن خالدة، ولذا كانت الإبادة لمن كفروا وبقيت من المؤمنين بقية صالحة، ولذا أمره اللَّه تعالى بأن يصنع الفلك لنجاة نوح ﵇ ومن معه من المؤمنين، وإغراق المشركين حتى لَا يذر منهم أحد، ولقد أمر سبحانه بصنع الفلك وهي السفينة، ويطلق على الجمع، فقال تعالى:

стр. 5074

(وَاصنعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)، أي رقابتنا ورعايتنا وحمايتنا، وعبر سبحانه عن ذلك بقوله (بِأَعْيُنِنَا) وذكرت العين لأنها أقوى إدراك الحس، وذكرت بالجمع " بأعيننا " جمع عين؛ للدلالة على كمال الرعاية والحفظ والكلاءة، وقوله تعالى: (وَوَحْيِنَا) أي بإرشاد منا إلى مواضع الإحكام فيها ودفع أي خلل في بنائها، ويبدو أن نوحا ﵇ كان مع غضبه من قومه ومن جحودهم كان يرجو أن يكون منهم مؤمنون، ولكن اللَّه تعالى ردَّه وقرر أنه لَا رجاء فيهم، وقد حقَّ عليهم العذاب فقال سبحانه: (. . . وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) ويصنع نبي اللَّه ومن معه الفلك بمقدار ما يسع نوحا وأهله إلا ابنه ومن آسف معه.

стр. 5075

(وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) لم يترك قومه غيهم وما هم فيه من ضلال (وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ) أي طائفة من أشرافهم وكبرائهم (سَخِرُوا مِنْهُ) كانوا يحسبون ذلك عملا لَا ثمرة له فيبني لهم نوح ﵇ نتيجة ما يفعلون ويقول لهم:

стр. 5076

(فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٩) وكلمة (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) في قوله تعالى لتحقيق العلم لأنه سيكون علم معانيه لَا علم إخبار. (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠)

стр. 5077

أمر اللَّه تعالى هو الأمر الكوني وهو الغرق، والنجاة لمن نجا عليها، (وَفَارَ التَّنُّورُ)، التنور مكان النار، وقالوا في تصوير ذلك إن كل جزء من الأرض صار فيه تنور يفور منه الماء وكانت العجزة أن يخرج الماء من التنور ويصير غرقا. وعلى ذلك يكون التنور في الأرض ليكون منه الغرق، وليس التنور في السفينة أي أن التنور لما فار ووجدت أسباب الغرق أمر اللَّه نوحا وقد استعدت السفينة للسير أن يحمل فيها من كل حي زوجين اثنين ليكون التوالد في الحيوان والنبات بشكل عام. وقد عرض لي خاطر أذكره وهو أن التنور في السفينة، وأنه فار وخرج منه بخار حرك السفينة للسير، فهي قد سارت بالبخار لَا بالتجديف أو الرياح، إذ لم يذكر هنا ولكن ذكر فقط التنور وفورانه. وقد يقال إن البخار لم يكن قد اخترع، وما اكتشف إلا في القرن التاسع عشر، حيث سارت به القطر والسفن. نقول في الجواب على ذلك بأن صنع السفينة قال فيه اللَّه تعالى: (وَاصْنعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا) فالسفينة كانت تصنع تحت رعايه اللَّه ووحيه فهل يعجز سبحانه عن تسييرها بالبخار الذي جعل سبحانه العقل البشري يتوصل إليه بعد ألوف السنين، إن هذا هو ظاهر الآية. أولا: لأن ظاهر الآية يدل على أن ذلك كان عند تمام صنعها. ثانيا: أنه جاء مقترنا للأمر بحمل زوجين اثنين من كل الأحياء. ثالثا: أنه لم يكن ثمة ذكر للأرض ولكن ذكر للسفينة، فالتنور فيها، وليس معنى ذلك بالفعل أن السفينة فارت بالماء الغرق، إنما فارت بالماء المسير. إن ذلك الخاطر استمر يطرق أبواب التفكير حتى آمنا به، واللَّه أعلم بالصواب. بعد أن أعدت السفينة تحت رعاية اللَّه وكلاءته، وصنعت بوحي في تركيبها جزءا جزءًا، وما كان نوح صانع سفن، ولكن كان نبيا مرسلا موحًى إليه،

стр. 5078

فكانت صناعتها معجزة، وإغراقهم معجزة، ونجاة من نجا معجزة وكل ذلك صار مرئيا للعيان. حمل نوح ﵇. من كل زوجين اثنين وحمل أهله، إلا من سبق عليه القول منهم وهو ابنه، وحمل من آمن، وذكر سبحانه أن الذين آمنوا كانوا عددًا قليلًا. وقد ذكر في الأخبار أن السفينة كانت ضخمة كأنها مدينة تسير في البحر، وروي أن طولها مائتا ذراع وألف، وعرضها ستمائة ذراع وارتفاعها ثلاثون، واللَّه أعلم، وبعد صنعها أمر نوح بتكليف من ربه بأن يركبوا.

стр. 5079

(وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢) ركب نوح وما معه وأهله، ومن معه ممن آمن واتبعه، ومن بعد ركوبهم كان الغرق بالماء الذي جاءهم من حيث لَا يحسبون، جاءهم الماء من السماء والأرض، جاءهم من السماء فانهمر المطر، وجاء منِ عيون الأرض كما ذكر سبحانه في سورة القمر: (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤). وهكذا نجد مجموع آيات القرآن الكريم فيها القصة كاملة، لكن كل جزء ذكر في موضع عبرته، ولا تكاد نجد تكرارًا، إنه كلام العزيز الحميد الذي أحاط بكل شيء علما. (بِسئم اللَّه مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) أي بسم الله تعالى من وقت جريها إلى وقت رسوها، وهناك قراءة (بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رحِيِمٌ) يغفر الذنوب لعباده المؤمنين برحمته، ثم وصف حال الفلك فقال تعالى:

стр. 5080

(وهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي
следующие страницы →