(فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٩)
وكلمة (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) في قوله تعالى لتحقيق العلم لأنه سيكون علم معانيه لَا علم إخبار.
(حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠)
стр. 5077
أمر اللَّه تعالى هو الأمر الكوني وهو الغرق، والنجاة لمن نجا عليها، (وَفَارَ التَّنُّورُ)، التنور مكان النار، وقالوا في تصوير ذلك إن كل جزء من الأرض صار فيه تنور يفور منه الماء وكانت العجزة أن يخرج الماء من التنور ويصير غرقا.
وعلى ذلك يكون التنور في الأرض ليكون منه الغرق، وليس التنور في السفينة أي أن التنور لما فار ووجدت أسباب الغرق أمر اللَّه نوحا وقد استعدت السفينة للسير أن يحمل فيها من كل حي زوجين اثنين ليكون التوالد في الحيوان والنبات بشكل عام.
وقد عرض لي خاطر أذكره وهو أن التنور في السفينة، وأنه فار وخرج منه بخار حرك السفينة للسير، فهي قد سارت بالبخار لَا بالتجديف أو الرياح، إذ لم يذكر هنا ولكن ذكر فقط التنور وفورانه. وقد يقال إن البخار لم يكن قد اخترع، وما اكتشف إلا في القرن التاسع عشر، حيث سارت به القطر والسفن.
نقول في الجواب على ذلك بأن صنع السفينة قال فيه اللَّه تعالى:
(وَاصْنعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا) فالسفينة كانت تصنع تحت رعايه اللَّه ووحيه فهل يعجز سبحانه عن تسييرها بالبخار الذي جعل سبحانه العقل البشري يتوصل إليه بعد ألوف السنين، إن هذا هو ظاهر الآية.
أولا: لأن ظاهر الآية يدل على أن ذلك كان عند تمام صنعها.
ثانيا: أنه جاء مقترنا للأمر بحمل زوجين اثنين من كل الأحياء.
ثالثا: أنه لم يكن ثمة ذكر للأرض ولكن ذكر للسفينة، فالتنور فيها، وليس معنى ذلك بالفعل أن السفينة فارت بالماء الغرق، إنما فارت بالماء المسير.
إن ذلك الخاطر استمر يطرق أبواب التفكير حتى آمنا به، واللَّه أعلم بالصواب. بعد أن أعدت السفينة تحت رعاية اللَّه وكلاءته، وصنعت بوحي في تركيبها جزءا جزءًا، وما كان نوح صانع سفن، ولكن كان نبيا مرسلا موحًى إليه،
стр. 5078
فكانت صناعتها معجزة، وإغراقهم معجزة، ونجاة من نجا معجزة وكل ذلك صار مرئيا للعيان.
حمل نوح ﵇. من كل زوجين اثنين وحمل أهله، إلا من سبق عليه القول منهم وهو ابنه، وحمل من آمن، وذكر سبحانه أن الذين آمنوا كانوا عددًا قليلًا.
وقد ذكر في الأخبار أن السفينة كانت ضخمة كأنها مدينة تسير في البحر، وروي أن طولها مائتا ذراع وألف، وعرضها ستمائة ذراع وارتفاعها ثلاثون، واللَّه أعلم، وبعد صنعها أمر نوح بتكليف من ربه بأن يركبوا.
стр. 5079
(وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢)
ركب نوح وما معه وأهله، ومن معه ممن آمن واتبعه، ومن بعد ركوبهم كان الغرق بالماء الذي جاءهم من حيث لَا يحسبون، جاءهم الماء من السماء والأرض، جاءهم من السماء فانهمر المطر، وجاء منِ عيون الأرض كما ذكر سبحانه في سورة القمر: (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤).
وهكذا نجد مجموع آيات القرآن الكريم فيها القصة كاملة، لكن كل جزء ذكر في موضع عبرته، ولا تكاد نجد تكرارًا، إنه كلام العزيز الحميد الذي أحاط بكل شيء علما.
(بِسئم اللَّه مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) أي بسم الله تعالى من وقت جريها إلى وقت رسوها، وهناك قراءة (بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رحِيِمٌ) يغفر الذنوب لعباده المؤمنين برحمته، ثم وصف حال الفلك فقال تعالى:
стр. 5080
(وهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي
стр. 5081
مَوْجٍ كَالْجِبَالِ (٤٢)
أي إن الماء ارتفع وكثر حتى علا موجه واصطفق، وشبه الموج بالجبال لارتفاعه وصعوبة اختراقه.
وهنا تحركت عاطفة الأبوة الفطرية في نفس نوح، والفطرة السليمة تتحرك فيها العواطف الإنسانية، فنادى على ابنه خشية الغرق، وقد عزل نفسه عن أبيه الداعي إلى الحق وهذا معنى (فِي معْزِلٍ) أي مكان معزول عن أبيه لكفره، أو عن القوم فرارا بنفسه ولكن لَا فرار من قضاء اللَّه المحتوم، فقال مغرورا مخدوعا غير مقدر أن العذاب نازل لَا محالة.
стр. 5082
(قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣)
يعصمني من الماء أي يمنعني من الماء فلا يغرقني، قال نوح الذي يعلم من اللَّه أنه الهلاك المدمر (لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ) وهم الذين نجوا في السفينة مع أبيك وأهلك ومن تبعه.
وكان الموج الشديد الهائل كالجبال الذي حال بين نوح ﵇ وابنه، وكان من المغرقين لأنه رضي أن يكون مع الكافرين تناله مما نالهم مع أنه ابن نوح، فليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يُرى.
بعد أن غرقوا ولم يبق منهم ديَّار جزاء ما اقترفوا وأشركوا، رفع اللَّه الماء الذي كان إهلاكا لهم.
стр. 5083
(وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤)
في قوله تعالى: (وَقيلَ يَا أَرْضُ) القول تكويني، وكان الفعل بالنداء لغير المعلوم، لمعرفة من ينادى بالتكوين ﷻ ، ولأنه في المظهر غاض الماء من ذات نفسه، وهو يأمر اللَّه تعالى: (ابْلَعِي مَاءَكِ) فالأرض ابتلعت الماء الذي ملأها
стр. 5084
بعيونها، ومن المطر المنهمر، (وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي) وأقلعي أي أوقفي ماءك المنهمر، (وَغِيضَ الْمَاءُ) أي نقص بعد أن تمت المعجزة ونزلت آية اللَّه تعالى في القوم الكافرين وقُضي الأمر أي أنجز اللَّه وعده بإهلاكه، (وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ) الضمير يعود إلى سفينته، و (الْجُودِيِّ) جبل، (وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ) بمعنى استقرت بجوار ذلك الجبل وكأنه منع استمرار سيرها. (وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) أي إبعادا وطردا وهلاكا للقوم الظالمين الذين اجتمعوا على الظلم، وتناصروا فيه، وبعد أن انتهى الأمر عاود نوحًا ﵇ كشأن الآباء حنينُه وإشفاقُه على ابنه فنادى ربه مناجيا.
стр. 5085
(وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥)
إذ وعده اللَّه تعالى أنه ناج هو وأهله، فقال له ربه نافيًا دخول ابنه في أهله فلا يكون داخلا في الوعد بالنجاة.
стр. 5086
(قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧)
إنه في ذاته عمل غير صالح، فشاقك وترك صفَّك وكان في صف المشركين، وهناك قراءة بكسر الميم في كلمة (عَمَلٌ) على أنه فعَل وبفتح الراء في كلمة (غَيْر) فيكون اللفظ " عمِل غيرَ صالح " (١) ذلك بانضمامه إلى صفوف المعاندين، ويكون في التقدير على القراءة الأولى أنه ذاته صار كأنه عمل غير صالح، وهي أبلغ في الدلالة على فساده من القراءة الثانية، وقد عاتبه اللَّه تعالى: (فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ)، (الفاء) لترتيب ما قبلها على ما بعدها، فترتب على كونه عمل غير صالح وعَدَّه نوح من أهله - ذلك
стр. 5087
العتاب، وفي كلمة: (فَلَا تَسْأَلْنِ) النون نون التوكيد الخفيفة المؤكدة للطلب، ثم أكد العتب بذكر علته: (أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) أي أبصرك كراهة أن تكون من الجاهلين بأن الولاية مقطوعة بين المؤمن والكافر.
بعد هذا التنبيه الرقيق العاتب أدرك نوح خطأ موقفه فقال مناجيا ربه (رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ... (٤٧)
أي إني ألجأ إليك سبحانك أن تعيننى ألا أسألك ما ليس لي به علم وأستعينك يا رب العالمين أن يقع منى في المستقبل سؤال لك فيما ليس لي به علم، وما هو من تقديرك وتدبيرك في أن الحق أولى من الآباء والأبناء وكان هذا عن المستقبل، أما عن الماضي فقال،
стр. 5088
(وإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ) أي إن كنت سبحانك لَا تغفر لي هذا الخطأ برحمة منك أكن من الذين خسروا، وليس معنى ذلك أن نوحا وقع في ذنب يحتاج إلى الغفران، إنما هو لإحساسه بجلال اللَّه، وقدره وعظم سمو أوامره ونواهيه، فقد ظن أنه ارتكب ذنبا، وما هو بذلك، أو أنه ارتكب في جنب اللَّه ما حسبه خطيئة، وما هو من ذلك في شيء، وهذا ما يسميه علماء الصوفية " حسنات الأبرار سيئات المقربين "، ولقد أقر اللَّه قلب نوح وأوحى إليه أن يهبط من السفينة بسلام ولذا قال تعالى:
стр. 5089
(قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٨)
القائل معلوم وإن بُني الفعل لغير المعلوم، (اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا) أنزل من السفينة مصحوبا بسلام وأمن من اللَّه، (وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ)، وجعل سبحانه منهم أمما مع أنهم عشرات أو على الأكثر مئات، ذلك لأنهم آباء لجماعات مؤمنة طاهرة أي ستكون منهم ذرية طاهرة، (وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَ يمسُّهم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ)، أي سيكون ممن معك أمم صالحة وأخرى ظالمة، والخلاصة أن الأمم الذين يجيئون ممن معك، على بعضهم بركات، ولبعضهم عذاب أليم.
* * *
стр. 5090
العبرة في القصة
قال تعالى:
стр. 5091
(تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)
* * *
الإشارة إلى القصص الحكيم من قصة نوح ﵇، وهي أنباء عظيمة أي أخبار ذات شأن وخطر، وقوله تعالى: (مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلا قَوْمُكَ مِن قبْلِ هَذَا) لأنهم كانوا أميين ليس عندهم من يدرس، ولا عندهم كتب تكتب، ولم يكونوا أهل كتاب نزل فيها كالتوراة والإنجيل يعلمون علم النبوات منه قبل هذا، وقد علمت ما في هذه الأنباء من عبر وكيف جاهد نوح في الدعوة إلى اللَّه، وكيف عانده قومه وكيف عابوا دعوته كما عاب قومك دعوتك، وأن الذين ابتدءوا بالاستجابة هم الضعفاء من عبيد وفقراء، وكيف كانت آية اللَّه بالفلك المشحون، وانهمار الماء من السماء، وتفجير الأرض عيونا، حتى كان الغرق وسارت السفينة في موج كالجبال وكذلك كان عاقبة المكذبين.
(فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) (الفاء) لترتيب ما بعدها على ما قبلها، إذ ترتب على القصص الحق وما فيه من معاندة الكافرين ونزول آية اللَّه فيهم بالإغراق - الأمر بالصبر حتى يرى آية اللَّه في المشركين من قريش، وإنها آتية لَا محالة، وإن كانت المجاهدة حتى صارت كلمة اللَّه هي العليا. وفي قوله تعالى: (الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) إشارة إلى أن التقوى هي السبب في حسن العاقبة، والنصر المبين لمن خاف واتقى، والخزي لمن ضل وشقي. وفي الآيات إشارة لأمرين:
الأمر الأول: الصبر وألا يأخذه ما هم عليه من مظاهر القوة والغرور.
стр. 5092
الأمر الثاني: ما في القرآن من إعجاز إذ يأتي من أخبار الغيب ما يجتاز مجاهل التاريخ حتى تتبين الحقيقة نيرة بينة يوافقها الصادق الباقي على صدقه مما جاء في التوراة.
* * *
هود وقومه
قال اللَّه تعالى:
(وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (٥٠) يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٥١) وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢) قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ
(وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (٥٠) يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٥١)
نجد الدعوة إلى التوحيد كما دعيت إليه قريش، وناوءوا هودا كما ناوءت قريش، وصابرهم كما يصابرهم، ولما أصروا على الشرك والإيذاء أنزل اللَّه عليهم ما دمرهم.
ناداهم هود بما يقربهم إليه (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهُ) أي اعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئا ووضح ذلك بقوله: (مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) أي ما لكم أيَّ إله غيره فكلمة (مِّنْ) لاستغراق النفي وشموله؛ لأن الألوهية تقتضي الانفراد بالخلق والتدبير، وأن يكون المعبود واحدا في ذاته وصفاته ليس كمثله شيء، وقد كانوا يعرفون ذلك، فكيف يكون غيره، ولكنهم فعلوا غير المعقول وغير ما يوجبه العقل السليم، ولذا قال: (إِن أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ) وكلمة (إِنْ) نافية ثم جاء بعدها الإثبات بكلمة (إِلَّا) أي أنتم مقصورون على الافتراء والكذب المقصود بعبادتكم أوثانا لَا تضر ولا تنفع ولا تتكلم ولا تتحرك.
стр. 5095
وإنه في هذه الدعوة لَا يريد مالا ولا سلطانا أو جاها يكون أجرا على دعوته ولذا قال تعالى عن هود:
стр. 5096
(يَا قَوْمِ لَا أَسْألُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا) أي عرض من أعراض الدنيا، ولا أجر لي إلا الجزاء من اللَّه على القيام بواجب إرشادكم وهدايتكم، وقال في ذلك: (إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذي فَطَرَنِي) أي خلقني على الفطرة السليمة المستقيمة غير الملتوية، (أَفَلا تَعْقِلُونَ) يدعوهم إلى التدبر و (الفاء) لترتيب ما بعدها على ما قبلها، وهو أن حالهم أوجبت تنبيههم إلى أن ما هم فيه يجب أن يتدبروه؛ لأنه غير معقول في ذاته إذ كيف يعبدون ما لَا ينفع ولا يضر وهو حجر لَا ينطق ولا يعقل، ويناديهم بعد ذلك نداء المحبة التي يريد بها النفع فيقول
стр. 5097
(وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢)
(اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ) أي اطلبوا الغفران، لأن تعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئا، وعبر بـ " ربكم " للإشارة إلى ما يبعثهم على عبادته، وهو أنه الذي خلقهم وربَّهُم ودبر أمورهم بحكمته وإرادته.
ويبين سبحانه ما يترتب على الاستغفار، وهو ذاته مما يوجب العبادة فقال تعالى: (يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا)، المراد المطر، وعبر عنه بمكان نزوله من قبيل (إطلاق المحل وإرادة الحالّ)، ومدرارا أي كثيرا، ينبت به زرعكم ويكون قوام حيازكم، وفي ذلك الخير فائدتان:
الفائدة الأولى: أن القرب إلى اللَّه وعبادته الخالصة يبسط اللَّه بهما الرزق، كما قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦). الفائدة الثانية: تذكيرهم بنعم اللَّه تعالى عليهم وهى توجب أن يؤمنوا بدل أن يشركوا ويقول سبحانه على لسان نبيه هود (ويزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ) أي يزيدكم قوة مضمومة إلى قوتكم، فشكر النعمة يزيدها (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ
стр. 5098
لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ). فالقوة نعمة فاشكروها تزدادوا قوة إلى قوتكم. وينهاهم عن الفساد والإجرام بهذه القوة التي إن لم تُشكر كانت سببًا للإجرام، ولذا قال لهم نبي الله ﷺ (وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ) أي لَا تتولوا حال كونكم بهذه القوة فتكونوا قوما مجرمين.
وقد أجابوا هذه الدعوة الرشيدة الحبيبة، الرقيقة القوية العميقة بالرفض القاطع فطالبوا بعد الرفض بالبينة، أي الدليل الملزم، وكان هذا غريبا بعد الرفض كالقاضي الذي يرفض الدعوى ثم يطالب بالدليل.
стр. 5099
(قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣)
هي أقوال ثلاثة رافضة:
أولها: ادعاؤهم أنه لم يأتهم ببينة أي بدليل يدل على رسالته، وهم بذلك يمضون في عنادهم غير معترفين بما جاءهم من معجزات هي علامة قاطعة.
ثانيها: أنهم ينفون إجابته نفيا لازما قاطعا لَا يترددون فيه قائلين: (وما نَحْن تارِكِي آلِهَتِنَا) عن قولك ويردون النفي بإضافة الآلهة إليهم كأنهم منها وهي ثالثها: أنهم لَا يؤمنون بالحق إذ جاء، ولذا قال كما حكى اللَّه تعالى عنهم:
(وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِين) أي وما نحن بمؤمنين استجابة لك، وقدم (لَكَ) للإشارة إلى اختصاص الكفر به وعدم التسليم، في مقابل إيمانهم بما آمن به آباؤهم وقد تأكد النفي بالباء في قوله (بِمُؤْمِنِينَ).
وقد اتهموه بأنه قد اعتراه بعض آلهتهم بسوء، أي اتهموا عقله وأن يكون به مس من الجن، كما قالت قريش للنبي ﷺ ، إذا كان هو رئيا قد جاءك التمسنا لك الطب، وقال أولئك:
стр. 5100
(إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ ... (٥٤)
أي إن الحال أن بعض آلهتنا أنزل بك سوءا فقلت ما قلت.
стр. 5101
(إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤).
ولكن هودا ﵇ يصابرهم، ويلين بالقول معهم، فلما طمعوا أن يمنعوه أو يجروه إليهم قال لهم قولا جازما: (إِنِّي أشْهِدُ اللَّهَ) أي أجعله شهيدًا على ما أقول أي إني بريء من شرككم، فكلمة (مِمَّا) وما بعدها من الفعل مصدر، وأكد براءته في الشرك بـ (أن) في كلمة (أَنِّي) وبالجملة الاسمية، والتعبير بالفعل لتصوير حالهم القبيحة وهم يشركون باللَّه تعالى رب العالمين.
إنه إذ يبرأ منهم ومن إشراكهم، يعتمد على اللَّه تعالى خالقهم فيقول:
стр. 5102
(فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥)
أي فكيدوني مجتمعين غير متفرقين، ودبروا لي ما هو إيذاء وكيد وتدبير خبيث لي: (ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ) أي لَا تؤجلون، والتعبير بـ (ثُمَّ) هنا يافيد أن يكيدوا غاية الكيد وأبعده، وأن يتدبروا أبعد التدبير ولا يؤجلونه.
ويفشل تدبيرهم لأن قوتهم لَا تقف أمام قوة اللَّه وتدبيره، وأكد هذا :
стр. 5103
(إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)
(إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ) أي اعتمدت عليه سبحانه فهو يحميني بحكمته وتقديره وتدبيره وهو ربِّي وربكم، يعرف طاقتكم وما عندكم من قوة وتدبير، وإنه بلا ريب ضعيف بجوار تدبيره، وقاض عليه سبحانه، وأكد ذلك قوله تعالى: (مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا) أي قادر عليها متمكن من أمرها، وفى قوله تعالى: (آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا) أي قادر عليها متمكن من أمرها، وفي قوله تعالى: (آخِذٌ) تمثيل لقوته تعالى وسيطرته وأنه آخذ بناصية خلقه لَا يتمكن أحد من البعد عن قبضته، ثم بين لهم أن طريق اللَّه هي الطريق فقال: (إنَّ رَبِّي عَلَى
стр. 5104
صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) أي إن ربي ممسك الطريق المستقيم متمكن به، وأم ما يدعو إليه هود هو الصراط المستقيم كقوله تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ. . .).
وقد أبلغ هود رسالة ربه وحسبه ذلك، ولم يبق إلا أن ينزل بهم ما استعجلوه ولذا قال تعالى:
стр. 5105
(فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧)
أبلغ هود رسالته في بيان ورفق، ولم يكن رفقه ضعفا في جنب اللَّه، ولكنهم أصروا على الكفر والعصيان واستعجلوا العذاب الذي كان يذكرهم به أثناء تبليغ رسالة ربه، عندئذ ذكرهم بعاقبة أمرهم، فقال تعالى مخبرًا عنه: (فَإِن تَوَلًوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ)، (تَوَلَّوْا) فعل مضارع حذفت فيه تاء، أي فإن تتولوا بأن تعرضوا فقد أبلغتكم رسالة ربي الذي رباني وخلقني، ولم يبق بعد الرسالة إلا أن ينزل بكم ما أنذركم به وهو عذاب محيط مدمر، ولذا قال تعالى فيه:
(وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ) أي بعد إزالتكم من الأرض، ولا تضرونه شيئا بزوالكم وذهاب جمعكم لأنه لَا يحتاج إلى خلقه وهم يحتاجون إليه.
(إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ)، أي رقيب لَا تخفى عليه أعمالكم
ويجازيكم عليها حق الجزاء وهو حفيظ على كل شيء، لَا يمكن أن يضره شيء، وهو فوق كل شيء وعلى كل شيء قدير.
стр. 5106
(وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٨)
بين سبحانه نزول العقاب بالكافرين ونجاة المؤمنين برحمة كريمة منه، وحسبها شرفا أنها من رب العالين، وبين سبحانه أن النجاة كانت عظيمة؛ لأنها نجاة من عذاب شديد، كما بين سبحانه أن العذاب غليظ أي شديد لَا رفق فيه؛
стр. 5107
لأنه لَا رفق مع ظالم؛ لأن الرفق بالظالم عنف بالمظلوم، ولم يذكر في هذه الآية نوع العذاب، وقد ذكر في آيات أخرى أنه عذاب بريح السَّموم، وقد جاء ذكره في
سورة الأحقاف: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤).
стр. 5108
(وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩)
أشار اللَّه تعالى إلى العبرة من عاد، كانت أقوى للعرب في أزمانها، وكانت منهم آفات ثلاث، أنهم جحدوا بآيات ربهم أي أنكروا دلالتها، وعصوا الرسل، واتبعوا الجبابرة في غيهم وطغيانهم.
(وَتِلْكَ) الإشارة إلى الذين تضمنت الأخبار السابقة ذكرهم، وكانت الإشارة إلى عاد لقوتها وطاغوتها وتمردها ومآل أمرها ولما فيها من عبرة، وأنبأت أخبارهم عن موطن الاعتبار، وهو طغيانهم ثم نزول العقاب بهم من غير هوادة لإنكارمم الآيات وعصيانهم الرسل، وقد استهوتهم القوة الظاهرة للجبارين في الأرض الذين عاندوا في الحق وتحدوا اللَّه ورسوله المبعوث لهم رحمة بهم. وقال تعالى في عذابهم عند الهلاك الذي اجتثهم من الأرض:
стр. 5109
(وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠)
أي أنهم قد والاهم غضب اللَّه تعالى، ومعنى (أُتْبِعُوا) أي أتبعهم اللَّه، ولعنته سخطه وطردهم من رحمته في هذه الدنيا، وكان مظهر اللعنة ما نزل بهم من عقاب قطع دابرهم، وتسجيل إثمهم وطغيانهم وما أحسوا به في ذات أنفسهم، وخروجهم عن سنن الفطرة والاتجاه إلى الأذى والإيذاء، ولعنتهم في الآخرة العذاب في الجحيم، وأن الله لَا ينظر إليهم ولا يكلمهم (أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ) أي ألا طردا من رحمة اللَّه تعالى وهلاكا لهم مع هذا الطرد والإبعاد. وذكر سبحانه أنهم قوم للإشارة إلى مظهر كفرهم وعنادهم برسولهم الذي هو منهم وهم قومه وكان جديرا بهم أن يؤمنوا ولكنهم كفروا وطغوا.
* * *
(وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١)
العطف في هذا الموضع على ما سبق في قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا. . .).
فالمعنى أن اللَّه أرسل نوحا ومن بعده هودا وإن لم يتعاقبا، ومن بعدهما صالحا إلى ثمود.
وكانت دعوته الأولى هي التوحيد، لب الرسالات السماوية ومجتمعها والمشترك فيها جميعا (قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ) حق عبادته لَا تشركوا معه أحدا ولا حجرا ولذا قال سبحانه في تفسير معنى عبادته (مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) ثم آخذ يجري على لسان نبيه أسباب الألوهية له ونفيها عن غيره فقال: (هُوَ أَنشَأَكم مِّنَ الأَرْضِ) أي خلقكم من الطين، (واسْتَعْمَرَكمْ فِيهَا) أي جعلكم تعمرونها فتنشئون فيها المباني والحدائق الغناء، والسين والتاء في كلمة (اسْتَعْمَرَكمْ) معناهما التكليف لعباده أن يعمروها فهو سبحانه مظهرهم على ما جعلهم يسخرون السماوات والأرض بما قدره تعالى لهم.
ثم يقول صالح (فَاسْتَغْفِرُوهُ) أي اطلبوا غفرانه بأن يستر ما ارتكبتم من ذنوب وينشئكم نشأة طاهرة طيبة، وبعد الاستغفار توبوا إليه (ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) أي ارجعوا إليه بعد أن بعدتم عنه بالشرك، وعبر بكلمة (ثُمَّ) للدلالة على بعد حالهم في الانتقال من الاستغفار إلى الرجوع إلى اللَّه تعالى؛ لأن الاستغفار طلب محو الذنوب أو سترها، وتلك أول خطوة في ترك الكفر والشرك، وتعلوها مرتبة الاتصال باللَّه لقبول التوبة، ولذا قال تعالى على لسان نبيه بعد (إِنَ رَبِّي قَرِيبٌ مجِيبٌ) وهذا إدناء إلى التوبة وتقريب لها، أي أن اللَّه تعالى في عليائه قريب إلى النفوس التائبة محب للدعاء والرجوع إليه، وذلك رد على أوهامهم التي يقولون
стр. 5113
فيها أنهم شفعاؤنا عند اللَّه، وقولهم ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اللَّه زلفى، فصالح يقول لهم: (إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مجِيب) فلا حاجة إلى شفاعة الشافعين، إن كان يتصور أن يكون في هذه الحجارة شفاعة. وفي قوله تعالى: (إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيب) إشارات بيانية منها تأكيد القول بالجملة الاسمية وبكلمة " إن ".
وفيها التعبير (رَبِّي) وذلك يفيد أنه مربيه ومُنشؤه، ومربيهم ومُنشؤهم فكيف لَا يكون قريبا منهم وهو الحي القيوم في السماوات والأرض.
ومنها ذكر كلمة (مُّجِيبٌ) وفيه إشارة إلى أنه سبحانه هو الذي يدعى فيجيب لَا تلك الأحجار التي لَا تضر ولا تنفع فلا تجيب دعاء ولا تسمع نداء، وماذا كانت إجابة قومه إلى تلك الدعوة الحق.
стр. 5114
(قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢)
كان صالح معروفا قبل الرسالة بالكمال الإنساني، كما كان محمد ﷺ معروفا بأنه الصادق الأمين (مرْجُوًّا) مرجو خيره غير مذموم، وقولهم: (قَدْ كنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا) أي كنت فينا مرجو الخير محمود الخصال والفعال، وكأنهم يحسبون أنه ينبغي أن يفعل ما هو على هواهم ويردد مقالاتهم ويعبد ما يعبدون.
ويثيرون العجب فيقولون: (أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) فهم يستنكرون دعوته، والاستفهام إنكاري لإنكار الواقع، وهو أنه فعلا ينهاهم أن يعبدوا ما يعبد آباؤهم، وليست عبادة آلهتهم حجة مسوغة لهم؛ فآباؤهم كانوا لَا يعقلون شيئا ولا يهتدون. (أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُد مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) فالشك هو عدم التصديق بما يقول والتظن في صدقه، فهم يشكون فيما يدعو إليه من التوحيد وهجر عبادة الأوثان لأنها أحجار لَا تضر ولا تنفع، وإن هذا الشك يوقعهم في الريب، أي أن شكهم في صدق ما يدعوهم إليه يوقعهم في حال الريب فلا يؤمنون بقوله ويكونون في حال من الاضطراب.