← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.

стр. 5111

قال تعالى:

стр. 5112

(وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١) العطف في هذا الموضع على ما سبق في قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا. . .). فالمعنى أن اللَّه أرسل نوحا ومن بعده هودا وإن لم يتعاقبا، ومن بعدهما صالحا إلى ثمود. وكانت دعوته الأولى هي التوحيد، لب الرسالات السماوية ومجتمعها والمشترك فيها جميعا (قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ) حق عبادته لَا تشركوا معه أحدا ولا حجرا ولذا قال سبحانه في تفسير معنى عبادته (مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) ثم آخذ يجري على لسان نبيه أسباب الألوهية له ونفيها عن غيره فقال: (هُوَ أَنشَأَكم مِّنَ الأَرْضِ) أي خلقكم من الطين، (واسْتَعْمَرَكمْ فِيهَا) أي جعلكم تعمرونها فتنشئون فيها المباني والحدائق الغناء، والسين والتاء في كلمة (اسْتَعْمَرَكمْ) معناهما التكليف لعباده أن يعمروها فهو سبحانه مظهرهم على ما جعلهم يسخرون السماوات والأرض بما قدره تعالى لهم. ثم يقول صالح (فَاسْتَغْفِرُوهُ) أي اطلبوا غفرانه بأن يستر ما ارتكبتم من ذنوب وينشئكم نشأة طاهرة طيبة، وبعد الاستغفار توبوا إليه (ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) أي ارجعوا إليه بعد أن بعدتم عنه بالشرك، وعبر بكلمة (ثُمَّ) للدلالة على بعد حالهم في الانتقال من الاستغفار إلى الرجوع إلى اللَّه تعالى؛ لأن الاستغفار طلب محو الذنوب أو سترها، وتلك أول خطوة في ترك الكفر والشرك، وتعلوها مرتبة الاتصال باللَّه لقبول التوبة، ولذا قال تعالى على لسان نبيه بعد (إِنَ رَبِّي قَرِيبٌ مجِيبٌ) وهذا إدناء إلى التوبة وتقريب لها، أي أن اللَّه تعالى في عليائه قريب إلى النفوس التائبة محب للدعاء والرجوع إليه، وذلك رد على أوهامهم التي يقولون

стр. 5113

فيها أنهم شفعاؤنا عند اللَّه، وقولهم ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اللَّه زلفى، فصالح يقول لهم: (إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مجِيب) فلا حاجة إلى شفاعة الشافعين، إن كان يتصور أن يكون في هذه الحجارة شفاعة. وفي قوله تعالى: (إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيب) إشارات بيانية منها تأكيد القول بالجملة الاسمية وبكلمة " إن ". وفيها التعبير (رَبِّي) وذلك يفيد أنه مربيه ومُنشؤه، ومربيهم ومُنشؤهم فكيف لَا يكون قريبا منهم وهو الحي القيوم في السماوات والأرض. ومنها ذكر كلمة (مُّجِيبٌ) وفيه إشارة إلى أنه سبحانه هو الذي يدعى فيجيب لَا تلك الأحجار التي لَا تضر ولا تنفع فلا تجيب دعاء ولا تسمع نداء، وماذا كانت إجابة قومه إلى تلك الدعوة الحق.

стр. 5114

(قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) كان صالح معروفا قبل الرسالة بالكمال الإنساني، كما كان محمد ﷺ معروفا بأنه الصادق الأمين (مرْجُوًّا) مرجو خيره غير مذموم، وقولهم: (قَدْ كنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا) أي كنت فينا مرجو الخير محمود الخصال والفعال، وكأنهم يحسبون أنه ينبغي أن يفعل ما هو على هواهم ويردد مقالاتهم ويعبد ما يعبدون. ويثيرون العجب فيقولون: (أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) فهم يستنكرون دعوته، والاستفهام إنكاري لإنكار الواقع، وهو أنه فعلا ينهاهم أن يعبدوا ما يعبد آباؤهم، وليست عبادة آلهتهم حجة مسوغة لهم؛ فآباؤهم كانوا لَا يعقلون شيئا ولا يهتدون. (أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُد مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) فالشك هو عدم التصديق بما يقول والتظن في صدقه، فهم يشكون فيما يدعو إليه من التوحيد وهجر عبادة الأوثان لأنها أحجار لَا تضر ولا تنفع، وإن هذا الشك يوقعهم في الريب، أي أن شكهم في صدق ما يدعوهم إليه يوقعهم في حال الريب فلا يؤمنون بقوله ويكونون في حال من الاضطراب.

стр. 5115

ثم قال لهم صالح:

стр. 5116

(قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣) التخسير مصدر كلمة " خسَّر " أي تضعيف الخسارة، وذلك أنهم بردهم لدعوته ومحاولة أن يكون معهم ويتبع ما كان عليه آباؤهم، يجعلون الخسارة مضاعفة له بردهم دعوته وعصيانه للَّه تعالى إن لم يبلغ دعوته. وهو سبحانه ينقل قوله لهم فيقول تعالى عنه: (أَرَأَيْتمْ) الاستفهام للتنبيه والتقرير، والمعنى لقد رأيتم وعلمتم هذه الحال التي أكون عليها، (إِن كنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي) أي بصيرة وإدراك وحجة بينة واضحة بعبادته وحده، (وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً) وهي الرسالة التي كان اصطفائي بها رحمة بي ورحمة بكم، فإذا عصيته بعدم تبليغها واتباع أهوائكم (فَمَن يَنصُرنِي) أي يعصمنِي من اللَّه إن عصيته بالامتناع عن التبليغ واتباع ما تدعونني إليه، (فَمَا تَزِيدُوننِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ) أي فإنكم بهذا لَا تزيدوني غير خسارة مضاعفة بكفركم وعدم استجابتكم، وبامتناعي عن التبليغ ثم باتباعي أهوائكم، وتلك خسارة مضاعفة، بعد هذا ذكر لهم المعجزة، وقد كانوا في الصحراء وسفينتهم فيها الناقة تقطع الفيافي والقفار في صبر ووداعة وأناة فكانت المعجزة من جنسها، ناقة لها خواص ليست لكل صواحبها تجعلها غير مشابهة لهم، وهي آية لهم ونذير، إن اعتدوا عليها، وجعل لها شِرب أي ماء، غير شِرب سائر النوق، فقال لهم ﵇ فيما قصَّ اللَّه تعالى:

стр. 5117

(وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (٦٤) نسب صالح الناقة إلى اللَّه مع أن كل شيء من المخلوقات منسوب إلى اللَّه، ولكن اللَّه تعالى اختارها لتكون معجزة صالح ﵇، كان ذلك له فضل اختصاص في النسبة إلى اللَّه تعالى.

стр. 5118

وقوله (آيةً) فهو أي معجزة دالة على رسالة صالح، (فَذَرُوهَا تَأْكل فِي أَرضِ اللَّهِ) (الفاء) للإفصاح عن شرط مقدر دلت عليه الجملة قبلها، أي إذا كانت آية الله لنبيه فاتركوها تأكل في الكلأ المباح في أرض الله تعالى، ولا تمسوها بأي أمر يسوء في ذاته وعاقبته، وبسببه يأخذكم عذاب واقع لَا محالة، ولذا قال لهم (وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ)، (الفاء) للسببية، ووصف العذاب بالقريب للدلالة على وقوعه لَا محالة وأنه يجيئكم في أقرب وقت، وفي التعبير (فَيَأْخُذَكُمْ) إشارة إلى أنه يأخذهم من مأمنهم إلى حيث الهلاك والدمار. ولكنهم لم يكترثوا لتحذير نبيهم فعقروها استهانة منهم بتحذيره

стр. 5119

(فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥) فقال لهم الرسول صالح ﵇: ابقوا متمتعين في داركم ثلاثة أيام، وهي لتطبيق القرب الذي أنذرهم به، وليعايشوا جريمتهم، ثم أكد نزوله بعد هذه المدة القصيرة فقال: ذلك وعد من الله تعالى صادق غير مكذوب، وهو متحقق لَا محالة. بعد ذلك نزلت آية الله تعالى بالعذاب المهلك الذي اختص الله به الذين كفروا فقال سبحانه:

стр. 5120

(فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) فلما جاء أمرنا أي بعد الأيام الثلاثة، وهو الهلاك المدمر نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا، أي برحمة أرادها الله تعالى وكانت هبة للذين آمنوا جزاء بما كانوا يعملون، نجوا بها من خزي يومئذ، أي هذا اليوم. (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (٦٨)

стр. 5121

(جَاثِمِينَ) أي ساقطين على وجوههم، والصيحة عبر عنها في سورة الأعراف بالرجفة، ويبدو أن هذه كانت من صاعقة رجت الأرض رجا فرجفت واهتزت بما أذهب ألبابهم ثم أجامهم فسقطوا منكسين جاثمين. كان ذلك بعد مرور أيام التمتع الثلاثة التي أنذروا بها، ثم بين سبحانه أنهم ذهبوا بغلوائهم وطغوائهم ونهجهم،

стр. 5122

(كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا) أي كأن لم يقيموا فيها غناء واستعلاء وكبرياء، ظانين أنهم استغنوا بأصنامهم عن كل شيء. (إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهم) أي أنكروه وجحدوه، ولذا عبر عن نفسه من غير الباء، وكأن العابد للصنم متذكر للَّه تعالى ولو ادعى أنه يؤمن بأنه الخالق وحده، وأنه واحد فى ذاته وصفاته، (أَلا بُعْدًا لِّثَمُودَ) (أَلَا) للتنبيه، و (بُعْدًا) معناها طردًا وإهلاكًا؛ لأن البعد عن رحمة اللَّه تعالى هلاك وإهلاك. * * * إبراهيم ولوط (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣) فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤)

стр. 5123

إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦) وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣) * * * قال تعالى: (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠)

стр. 5124

جمع اللَّه تعالى قصة إبراهيم ولوط في موضع واحد؛ لأنهما كانا في زمن واحد، ولا مانع من أن يوجد نبيان في زمن إذا تباعد الإقليمان، وقد يكونان في زمن وإقليم واحد كما في خطاب قوم إسرائيل، ومجادلة طاغية كفرعون، وإن كان أحدهما رسولاً والآخر ردئا له. وفى القصة التي جمعت بين إبراهيم ولوط عبر نذكر بعضها قبل التصدي لذكر ما جاء في هذا الوضع، منها إثبات أن الله هو الفاعل المختار المريد الذي لا يتقيد بالأسباب العادية كما نتقيد بها، بل إنه خالق هذه الأسباب يملك تغييرها، وأنه القادر المريد، فهذه عجوز تجاوزت سن الولادة تحمل وتلد، ومن هذه العبر أن الملائكة أراد اللَّه جعلهم كالأناسي ويلبس الأمر كما لبَّس على إبراهيم ﵇ إذ أنكرهم لما رأى أيديهم لَا تصل إلى الطعام وأوجس منهم خيفة. ومنها أن الفواحش تفتك بالجماعات وتذهب قوتها وتعدها للفناء، كما في شأن قوم لوط إذ إن فاحشتهم قطعت نسلهم وأسلمتهم إلى الدمار، ومنها أن كل امرئٍ بما كسب رهين ومعاقب بعمله، فلم يعف امرأة لوط من العذاب أنها امرأته، ولأنها كانت من المفسدين حق عليها ما نزل بهم من العذاب. ومنها أن آل لوط لم يكونوا عبدة أوثان فقط بل كانوا مع ذلك يأتون الفاحشة التي ما سبقهم بها أحد، يأتون الرجال شهوة - من دون النساء حتى أصبحوا لَا يخرجون من شر إلا إلى شر، فهم في دائرة الفساد المطلق والفاحشة الشنعاء التي هي كرءوس الشياطين من المخنثين ومن يتشبهون بالإناث في ملابسهم وشعورهم بل وفي أفعالهم، وَوُجدَت جماعة تنطلق انطلاقا إلى كل موبق باسم حرية الإرادة وما هي إلا الوقوع في أسر الشهوة ومن ورائها ذلها. ومنها أن الانطلاق إلى الهوى لَا يرده عقل ولا تدبير ولا حياء بل ولا أي مروءة إنسانية، حتى أنهم عندما رأوا الملائكة، جاءوا إلى لوط عليه السلام

стр. 5125

يهرعون، وإنه ليعرض بناته للزواج، فيقولون في تبجح لقد علمت ما لنا في بناتك من حق، وهكذا نرى ممن يشبهونهم في عصرنا. ولنبدأ بذكر القصة بعد هذا الذي أدركناه من عبر، قال تعالى: (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ)، حيوه بالسلام، وهو مصدر لفعل محذوف أي " نُسَلِّمُ سلامًا "، وقد كانت هذه تحية فردها بأحسن منها فقال (سَلامٌ) أي أمري كله سلام، وأتم التحية بكرم الضيافة الذي امتاز به أبو العرب إبراهيم بأن أعد الطعام الشهي المشوي (فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنيذٍ) (الفاء) للعطف الدال على الفورية أي ما أبطأ أن جاء بعجل مشوي: يقال حنذ الشاه أي شواها. ونلاحظ هنا أن اللَّه قد صدر القصة بقوله: (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا) وكلمة (قد) مؤكدة للخبر؛ وأكد الخبر لأن فيه غرابة وهي مجيء الملائكة إلى الأرض (رُسُلُنَا) تكريما وتشريفا وتعظيما. وقال (بِالْبُشْرَى) أن مصاحبة لهم البشرى بولد لإبراهيم ﵇ الذي قدم لهم من الطعام ما ينبئ عن الكرم وحسن اللقاء، ولم يجدهم يمدون أيديهم إليه وعبر عن ذلك بقوله تعالى:

стр. 5126

(فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ ... (٧٠) مبالغة في الامتناع عن الأكل إذ لم تتحرك أيديهم بل بقيت في مكانها لَا تمتد إليه، ولما رأى ذلك أحس أنهم غرباء عنه، وعن جملة أحاسيسه، إذ إنهم لم يمدوا أيديهم ولم يعتذروا، وعبر اللَّه عن ذلك بقوله تعالى: (نَكِرَهُمْ) وهو بمعنى أنكرهم واستنكر أمرهم، وإن كلمة (نَكِرَهُمْ) تدل على ما هو أبلغ من الإنكار والاستنكار، بل تدل مِع ذلك على الوحشة من لقائهم، ولذا قال تعالى بعد ذلك: (وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً)، والإيجاس هو الإدراك بالحس، والخيفة الخوف الشديد الذي يظهر في الهيئة؛ لأن خيفة اسم هيئة من الخوف، أي أدركوا سببا للخوف وظهر الخوف في هيئته ﵇، وخيفة في الإعراب تمييز محول من المفعول إلى التمييز، وقد أحس الرسل بهذا فقالوا: (لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ) عندئذ اطمأن وقر قراره،

стр. 5127

(وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ) ويقول المفسرون إنها قائمة وراء الستر (فَضَحِكَتْ)

стр. 5128

سرورا بزوال الخيفة التي اعترت زوجها؛ ولأنها استأنست بأن هؤلاء سيقضون على أهل الدعارة والفساد، ولأنها كانت خائفة على لوط من قومه أو إذا نزل عذاب يعم قومه. وبعض المفسرين قال إن (ضحكت) معناها حاضت، وعندي أنه إذا جاز ذلك لغويا فإن ظاهر الضحك هو ما يكون بسبب السرور، ولا يخرج اللفظ عن ظاهره إلا لقرينة فإن ادعوا أنها البشرى بغلام فإنها ليست قرينة تخرج اللفظ عن ظاهره وإن البشرى أقرب إلى أن يرجح أن الضحك للسرور وأنها لما ضحكت وسمعها الرسل كانت البشرى. (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١) وذكر يعقوب بعد إسحاق وهو ابنه للإشارة إلى أنه سيكون من ذريته النبيون فهو أبو الأنبياء من الأسباط وموسى وداود وسليمان وعيسى عليهم جميعا السلام وهي كانت عقيم، أما هاجر كان منها الولد فكانت البشرى داعية سرور وغرابة أما السرور فلهذه البشرى وقت زوال ألم العقم، وأما الغرابة فقد كشفت عنها بقولها:

стр. 5129

(قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) الاستفهام للعجب، والعجب كان يقوم على أمرين: الأمر الأول: أنها عجوز قد أدبرت سن الولادة والحمل. الأمر الثاني: أن زوجها شيخ هرم، وصرخت بالعجب فقالت: إن هذا لشيء عجيب. وقوله تعالى: (يَا وَيْلَتَى) هي للتعجب وتستعمل الكلمة غالبا في العجب من أمر متعجب شاق، وشاع استعماله في العجب، وعندي هنا أنه للأمر الشاق؛ لأن البشرى تحمل في نفسها آلام الحمل والوضع، كما أنها أحست في نفسها بما يتتبع من وهن كما قال سبحانه في ذلك الأمر (. . . حَمَلَتْهُ أمُّهُ وَهْنًا عَلَى وهْنٍ. . .)، رد الملائكة عجبها بقولهم لها.

стр. 5130

(قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣) هذا استفهام لإنكار العجب لأن ذلك من خوارق العادات والعجب إنما يكون فيما هو من أمر العباد والأسباب الجارية، أما ما يكون من أمر اللَّه فإنه من خالق الأسباب والمسببات، وقوله تعالى: (أَهْلَ الْبَيْتِ) أي بيت النبوة فقد كان بيت إبراهيم ﵇ مهد الأنبياء الذي كان منه يعقوب والأسباط من بعده، ويوسف وموسى وداوود وسليمان وإل ياسين وعيسى. (إِنَّهُ حَمِيدٌ مجِيدٌ) الضمير يعود على لفظ الجلالة (حَمِيدٌ) وصف لذات اللَّه بمعنى أنه المحمود الذي يدوم حمده وإنعامه ويحمد لهذا الإنعام، و (مَّجِيدٌ) على وزن فعيل من ماجد لأنه العالي في ذاته وصفاته ومجده . كان الاتجاه إلى قوم لوط لينزل بهم ما استعجلوه من عذاب وليكون العقاب الصارم القاطع لفسادهم، المجتث لجمعهم، وإبراهيم الحليم أخذ يجادل في قوم لوط، ويظهر أن هذه المجادلة كانت لرجاء إمهالهم وألا يعجل اللَّه تعالى في أن ينزل بهم ما يستحقون، ولذا قال تعالى:

стр. 5131

(فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) أمران جليلان ألقيا في نفس إبراهيم بالاطمئنان أحدهما: أنه ذهب عنه الروع أي الخوف الذي راعه واسترهبه، والآخر أن جاءته البشرى بولد أخًا لإسماعيل الذي تركه في البرية، فلما كان هذان الأمران أخذ يجادل في إمهال قوم لوط. (يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ) والتعبير بالمضارع لإفادة الاستمرار في المجادلة وحدوثها متجددة وكانت المجادلة لربه، لأن في القوم لوطا النبي وله به قرابة نسب فهو حريص على نجاته شفيقا عليه. وعلل سبحانه تلك المجادلة بوصف إبراهيم

стр. 5132

عليه السلام:

стр. 5133

(إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) وهي صفات ثلاث من مكارم الأخلاق، ولكن المجرمين من قوم لوط فجروا فارتكبوا فاحشة لم يسبقهم بها أحد من العالمين. الصفة الأولى: لإبراهيم ﵇: الحلم فهو لَا يتعجل العقاب بل يريد للمجرم فرصة للانخلاع من ذنوبه فهو يؤثر السماحة على العقاب. الصفة الثانية: أنه مرهف الإحساس كثير التأوه من الشعور بالخطأ، وإن لم تكن خطيئة ولا ذنب، ومعاذ اللَّه أن يكون خليل اللَّه تعالى أثيما، وإنما هي قوة الإحساس والخشوع في جنب اللَّه تعالى. الصفة الثالثة: أنه منيب أي راجع إلى اللَّه تعالى فهو لَا يفترق عن ربه إلا في محبة مُدْنية مقربة. وإن اللَّه تعالى يأمره بالإعراض عن الدفاع عنهم فلا يصح أن يجادل عن المجرمين ويناديه اللَّه نداء الخليل.

стр. 5134

(يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦) ناداه ربه باسمه تقريبا له، أَعْرِض عن هذا الجدل فإنه لن يغير شيئا، لأنه قد مضت إرادة الله تعالى وأمره بالإهلاك. والتعبير بكلمة (رَبِّكَ) في هذا المقام للإشارة إلى أنه مقتضى الربوبية في أن يؤخذ الظالم بظلمه لأنه لَا يستوي السيئ والبريء، كما لَا يستوي الأعمى والبصير. وأكد سبحانه أن العذاب نازل بهم لَا محالة (وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) وقد أكد سبحانه نزول العذاب بعدة مؤكدات: أولها: وصفه بأنه غير مردود. ثانيها: بالجملة الاسمية.

стр. 5135

ثالثها: بإن الدالة على التوكيد. وهكذا كان العقاب نازلا لَا محالة، ذهب رسل اللَّه تعالى إلى لوط ولم يذكر أنه فوجئ بهم كما فوجئ إبراهيم ﵉، ويظهر أن المفاجأة وقعت ولكن استغني عن ذكرها هنا بذكرها هناك، أو أنه شغل عن المفاجأة برؤيتهم يحال قومه وفسادهم عند لقاء هؤلاء الأطهار، ولذا قال تعالى:

стр. 5136

(وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) جاء رسل الله الملائكة الأطهار في صورة أناسي مشرقة وجوههم متكاملة صورهم، فساء مجيئهم لوطا، إذ هو يعلم من قبل ما عليه قومه من فساد، ولذلك ساءه ذلك المجيء المفاجئ وعبر اللَّه تعالى عن ذلك بكلمة (سِيءَ) بالبناء للمجهول لبيان أنه داخل نفسه السوء من كل ناحية، ثم أردف ذلك بقوله تعالى: (وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا) وكلمة (ذَرْعًا) تمييز محول عن الفاعل، والمعنى ضاق بهم ذرعه أي باعه، وهذا التعبير تصوير لضيقه بصورة حسية كمن يضيق باعه فلا يستطيع أن يتحرك دافعا شرا داهما، (وَقالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ) أي شديد وقد قال الشاعر فيما يدل على الشدة في كلمة (عَصِيبٌ) يوم عصيب يوجب الإبطالا، ولقد جاء في معنى (وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا)، أصله أن يذرع البعير بيديه ذرعا في سيره على قدر سعة خطوه، فإذا حُمِّل أكثر من طوقه ضاق عن ذلك وضعف ومد عنقه فضيق الذرع، فضيق الذرع كناية عن ضيق الصدر، وهذا تخريج آخر، والقرآن الكريم حمال لكل وجوه القول البليغ. هذا ما كان من أمر نبي اللَّه لوط وقد توقع الشر من قومه، أما ما كان من قومه فقد قال تعالى فيهم: (وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨)

стр. 5137

الإهراع الإسراع في رعدة، وقد جاءوا بهذا الإسراع في رعدة الشهوة الجامحة الفاسدة، ولا يستعمل " يهرع " إلا بالبناء للمجهول، جاءوا مسرعين مهتزين مرتعدين من شدة الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين، وهم معروفون عند نبي اللَّه لوط ﵇ بهذه الفاحشة، ولذا قال تعالى: (وَمِن قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ) أي كانوا مستمرين من قبل على عمل السيئات التي تسيء الإنسانية في ذاتها، وتسيئهم وتسيء مجتمعهم، فأدرك لوط ماذا يريدون، وعرض بناته عليهم ليزوجوهن بدل الاسترسال في هذه الفاحشة التي لَا يرضاها الحيوان لفطرته، ويظهر أنه ألح في العرض وألحوا بالرد وتكاثروا بالفساد فقال (أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رشِيدٌ) بعد أن لجأ إلى مروءتهم إن كان عند مثل هذا الصنف من الناس مروءة أو بقية من إنسانية فقال: (وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي). قالوا مصرين على سوئهم وقبح فحشهم.

стр. 5138

(قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قالوا ما لنا في بناتك من حاجة، وعبروا عن هذه الحاجة بكلمة الحق، فقد توهموا لفرط غلبة الشهوة عليهم أن هذا الذي يفعلونه من إثم حق منحه اللَّه لهم، هم ومن يشبههم من جيل هذا الزمان.

стр. 5139

فضاق صدر نبي اللَّه وقد أحسَّ بضعفه أمام قوتهم وكثرتهم وقلة من معه فقال مستيئسًا (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ)، أي لو أن لي بدفعكم قوة أردكم بها أو آوي إلى قوي أمتنع به دونكم، وشبه ذلك القوي بالركن من الجبل، ويصح القول (أخرج من هذه الأرض الفاسدة وآوي إلى جبل يعصمني منكم ومن شركم)، وكلمة (لَوْ) للتمني، وفي هذا الاستضعاف الشديد يكون فرج اللَّه، فيجد أنه آوى إلى أعظم ركن وهو ركن اللَّه تعالى، وقد رأى ذلك الركن بجانبه وهم الملائكة.

стр. 5140

(قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١) فوجئ لوط، وقد كان في حال ضعف يتمنى النجاة، بقولهم إنا رسل ربك الذي خلقك ورباك وبعثك وهو القوام عليك وعلى الناس أجمعين، وقد أدرك من كونهم رسل اللَّه أنهم جاءوا لعذاب قومه وإنجائه وابتدءوا بذلك. (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ) والإسراء السير ليلا، " بقطع من الليل "، وهو الجزء الذي يكون في منتصف الليل أو قريبا من النصف الأخير حيث يهجعون ويكونون في نوم عميق. (وَلا يَلْتَفِتْ مِنكمْ أَحَدٌ) أي لَا ينظر وراءه ولا يتخلف لمتاع أو لنحوه مما يشغلكم عن أنفسكم، واستثنيت امرأته، ووصفها اللَّه تعالى في آية أخرى بقوله (. . . إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ)، وإن العذاب نازل بها، كما هو نازل بهم أي أن الحال والشأن يصيبها ما أصابهم، وعبر باسم الفاعل للدلالة على نزوله نزولا مؤكدا بها، وقوله تعالى: (مَا أَصَابَهُمْ) في التعبير بالماضي والعذاب لم يقع بعد لتأكيد الوقوع كقوله تعالى: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ. . .). وقد تعين موعد نزول العذاب وأنه قرب فقالوا: (إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) أي أن العذاب نازل بهم في الصباح وإنه لقريب، ومعنى الاستفهام التقرير، إذ هو للنفي وقد دخل على النفي إثبات، وجاء بهذه الصيغة لتأكيد الوقوع وقد أكد بالباء ثم كان العذاب الشديد المبيد، فقال تعالى: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)

стр. 5141

(جَاءَ أَمْرُنَا) أي أمرنا بالعذاب، (جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا) أي خسفت بهم الأرض فانهد العالي وصار سافلا، وكان العذاب المتلاحق بعد خسف الأرض بهم وابتلاعها لديارهم ما صوره بقوله: (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارةً مِّن سِجِّيلٍ) أي طين متحجر، ولذا عبر عن هذا المطر الحجاري بأنه حجارة من طين. و (مَنضُودٍ) أي متتابع لم ينقطع.

стр. 5142

(مُسَوَّمَةً) أي معلَّمة كل حجر مُعَلَّم عليه إشارة العذاب، ونرى أنه شبهت الحجارة التي نزلت متتابعة بالمطر الذي ظنوا فيه غيثا فإذا هو العذاب الأليم. وأشار سبحانه إلى أن ذلك قريب من مشركي مكة لشركهم وكفرهم وعنادهم للنبي ﷺ ، ولذا ختم اللَّه تعالى قصة صالح وثمود بقوله: (وَمَا هِيَ مِن الظَّالِمِينَ بِبَعيدٍ) أي أن ذلك ليس ببعيد عن كفار مكة، وأنه يترقبهم مثله إن لم يؤمنوا، وأن في قصص ثمود وعاد وقوم نوح لعبرة لأولي الأبصار. * * * مدين وشعيب (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦) قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ

стр. 5143

نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨) وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠) * * * قال تعالى:

стр. 5144

(وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) (وَإِلَى مَدْيَنَ) معطوف على ما قبله من قوم صالح، (أَخَاهُمْ شُعَيْبًا) ذكر أنه أخوهم لأن الرسول يكون من قومه، ومن ذؤابتهم، وفي كلمة (وَإِلَى مَدْيَنَ)، الجار والمجرور متعلق بفعل محذوف، أي أرسلنا إلى مدين، لأن عطف النسق يكون على نية تكرار الفاعل. وقد اتجه شعيب إلى قومه يناديهم بنداء الرابطة الواصلة بينه وبينهم الدالة على المحبة المتبادلة بقوله: (يَا قَوْمِ) ويطلب إليهم الإيمان بوحدانية اللَّه التي تتجلى في عبادته وحده: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) وكلمة (مِنْ)

стр. 5145

هنا لاستغراق النفي، أي ما لكم أيَّ إله غيره، أي لَا يوصف بالألوهية غيره؛ لأنه الخالق وحده ولأنه واحد في ذاته وفي صفاته ليس كمثله شيء. وإذا كان قوم لوط قد اشتهروا بالفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين، فقد اشتهر آل مدين بالفساد في البيان والمعاملات والتطفيف في المكيال والميزان، ولذا نهاهم عن التطفيف بعد الأمر بعبادة اللَّه وحده فقال تعالى: (وَلا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْميزَانَ). وعلل الرسول الكريم نهيه عن ذلك بقو له: (إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ)، أي أراكم في سعة من العيش وعندكم الرزق الوفير، فلستم في فقر يسوِّل لكم أخذ حق غيركم، بل أنتم في سعة من الحلال فلا تمدوا أيديكم إلى الحرام، لكن الطمع يغريكم بأخذ حقوق غيركم، وإنه لَا يردع من كانوا في هذه الحال إلا عذاب يوم القيامة الذي يحيط بكم إحاطة الدائرة تنتقلون فيها من عذاب إلى أشد منه هولا. وبعد أن نهى عن تطفيف الكيل أمر بالوفاء تأكيدا إليه من حسن التعامل.

стр. 5146

(وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) ناداهم ﵇ نداء المودة والرغبة في نفعهم فقال: (وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ) أي أعطوهما لأصحابهما وافيين غير منقوصين، (وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) أي لَا تنقصوهم حقوقهم فإن نقص الحقوق ظلم في ذاته، وهنا انتقال من الخاص إلى العام، فالنهي عن نقص المكيال والميزان نهي عن نقص في الكيل والوزن، أما النهي عن بخس الناس أشياءهم نهي عن كل معاملة فيها أكل مال الغير بالباطل، كالربا والغش والتدليس والخيانة والرشوة والسرقة والاغتصاب وغير ذلك من نقص لأموال الناس وأكل لها بالباطل. وإن التعامل الآثم واستحلال أخذ الأموال بالباطل، وسيادة الفسوق في المعاملات يؤدي إلى التناحر وتقطيع أواصر المجتمع، ولذا قال معقبا: (وَلا تَعْثَوْا

стр. 5147

فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) والعثو تنقيص الحقوق واغتصابها، وكل معاملة فاسدة، وقوله تعالى: (مُفْسِدِينَ) حال من (الواو) والمعنى أنكم في حال هذه المعاملات الفاسقة تكونون قد تلبس بكم الإفساد لأنه مترتب عليها لَا محالة. ثم يقول لهم إن الكسب الحلال الذي يعود لكم من التجارة الرابحة هو أثمن وأبقى فيقول:

стр. 5148

(بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦) أي البقية القليلة الحلال التي تفضل لكم من متاجركم ومعاملاتكم هي خير لكم وأثمن لأرزاقكم وأكثر وفرا (إِن كنتُم مُّؤْمِنِينَ)، فإن الإيمان يولد القناعة ويقطع الطمع، ومصارع الرجال تحت بروق المطامع، ولذا قال: (وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) حفيظ يحفظهم من غضب اللَّه وظلمهم أنفسهم. هذه دعوة شعيب تنزيه للنفس عن الشرك وتنزيه من البخس والظلم والطمع فماذا كانت إجابة قومه؟!

стр. 5149

(قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧) استنكروا دعوته في العبادة وفي إصلاح المعاملات، ولما كان كثير الصلاة والضرعة (قالوا أَصَلاتُكَ تَأمُرُكَ) أي تدفعك لأن تدعونا إلى عبادة اللَّه تعالى وحده وترك عبادة الأوثان، كما يستنكرون دعوته لإصلاح معاملاتهم، وذلك من مبادئ الأخلاق الكريمة. ثم يقولون: (إِنَّكَ لأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشيدُ)، قال بعض المفسرين إن قولهم هذا كان تهكما عليه، كأنهم يقولون أتحسب نفسك العاقل الرشيد المدرك وحدك وما أنت كذلك. وإني أرى أنهم قالوا ذلك قاصدين معناه على إدراكهم، ولذا أكدوه بـ (إن) بأن، وباللام، وأنت، و (الْحَلِيمُ): العاقل المدرك، و (الرَّشِيدُ) الذي يدبر أموره على حكم العقل.

стр. 5150

وكأنهم يقولون إن مقتضى ما أنت عايه من العقل والرشد والإدراك كان يوجب عليك ألا تنهانا عن أن نترك ما كان يعبد آباؤنا وأن تتركنا على ما ألفنا، وألا تصادر أموالنا أو تنهانا عن طرقنا التي تدار علينا الربح الوفير والخير الكثير، وذلك أشد ما تقع فيه النفس من فساد والعقل من الأهواء، إذ يحسبون الدعوة إلى الخير مما لَا يليق، ويعاود نبي اللَّه إرشادهم.
следующие страницы →