← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.

стр. 5146

(وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) ناداهم ﵇ نداء المودة والرغبة في نفعهم فقال: (وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ) أي أعطوهما لأصحابهما وافيين غير منقوصين، (وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) أي لَا تنقصوهم حقوقهم فإن نقص الحقوق ظلم في ذاته، وهنا انتقال من الخاص إلى العام، فالنهي عن نقص المكيال والميزان نهي عن نقص في الكيل والوزن، أما النهي عن بخس الناس أشياءهم نهي عن كل معاملة فيها أكل مال الغير بالباطل، كالربا والغش والتدليس والخيانة والرشوة والسرقة والاغتصاب وغير ذلك من نقص لأموال الناس وأكل لها بالباطل. وإن التعامل الآثم واستحلال أخذ الأموال بالباطل، وسيادة الفسوق في المعاملات يؤدي إلى التناحر وتقطيع أواصر المجتمع، ولذا قال معقبا: (وَلا تَعْثَوْا

стр. 5147

فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) والعثو تنقيص الحقوق واغتصابها، وكل معاملة فاسدة، وقوله تعالى: (مُفْسِدِينَ) حال من (الواو) والمعنى أنكم في حال هذه المعاملات الفاسقة تكونون قد تلبس بكم الإفساد لأنه مترتب عليها لَا محالة. ثم يقول لهم إن الكسب الحلال الذي يعود لكم من التجارة الرابحة هو أثمن وأبقى فيقول:

стр. 5148

(بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦) أي البقية القليلة الحلال التي تفضل لكم من متاجركم ومعاملاتكم هي خير لكم وأثمن لأرزاقكم وأكثر وفرا (إِن كنتُم مُّؤْمِنِينَ)، فإن الإيمان يولد القناعة ويقطع الطمع، ومصارع الرجال تحت بروق المطامع، ولذا قال: (وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) حفيظ يحفظهم من غضب اللَّه وظلمهم أنفسهم. هذه دعوة شعيب تنزيه للنفس عن الشرك وتنزيه من البخس والظلم والطمع فماذا كانت إجابة قومه؟!

стр. 5149

(قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧) استنكروا دعوته في العبادة وفي إصلاح المعاملات، ولما كان كثير الصلاة والضرعة (قالوا أَصَلاتُكَ تَأمُرُكَ) أي تدفعك لأن تدعونا إلى عبادة اللَّه تعالى وحده وترك عبادة الأوثان، كما يستنكرون دعوته لإصلاح معاملاتهم، وذلك من مبادئ الأخلاق الكريمة. ثم يقولون: (إِنَّكَ لأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشيدُ)، قال بعض المفسرين إن قولهم هذا كان تهكما عليه، كأنهم يقولون أتحسب نفسك العاقل الرشيد المدرك وحدك وما أنت كذلك. وإني أرى أنهم قالوا ذلك قاصدين معناه على إدراكهم، ولذا أكدوه بـ (إن) بأن، وباللام، وأنت، و (الْحَلِيمُ): العاقل المدرك، و (الرَّشِيدُ) الذي يدبر أموره على حكم العقل.

стр. 5150

وكأنهم يقولون إن مقتضى ما أنت عايه من العقل والرشد والإدراك كان يوجب عليك ألا تنهانا عن أن نترك ما كان يعبد آباؤنا وأن تتركنا على ما ألفنا، وألا تصادر أموالنا أو تنهانا عن طرقنا التي تدار علينا الربح الوفير والخير الكثير، وذلك أشد ما تقع فيه النفس من فساد والعقل من الأهواء، إذ يحسبون الدعوة إلى الخير مما لَا يليق، ويعاود نبي اللَّه إرشادهم.

стр. 5151

(قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨) بعد أن قالوا للنبي كما فهمنا، إن ما أنت عليه من عقل ورشد يمنعك من دعوتنا إلى ترك ما عليه آباؤنا، وإلى منع متاجرنا، ومكاسبنا، يقول لهم مؤكدا أمورا ثلاثة: الأمر الأول: أنه على بينة من ربه، وإنه مبعوث لهذه الدعوة، ولذا يقول منبها: (أَرَأَيْتُمْ إِن كنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ من رَّبِّي) وفي قوله: (أَرَأَيْتُمْ) تنبيه الاستفهام فيه للتقرير وإثارة الانتباه الشديد، وقوله: (إِن كنتُ عَلَى بَيّنَةٍ من رَّبِّي) (إنْ) مخففة من نون التوكيد، أي أنه الأمر، والثاني (كنتُ عَلَى بَينَةٍ) أي بيان برسالتي من ربي الذي خلقني ورباني وقام على شئون الوجود. الأمر الثاني: أن اللَّه رزقه رزقا حسنا طيبا لَا ظلم ولا تطفيف ولا تدليس ولا بخسا للناس بغير حق وأريد منكم رزقا، ولكن أريده رزقا حلالا طيبا، وفي ذلك دعوة إلى القدوة به. الأمر الثالث: إنه يطبق على نفسه ما يدعوهم إليه فيقول: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ)، أي أن أقصد ما نهيتكم عنه وأنتم مولون، أي إني أبتدئ بالأخذ بالنهي في الأمور التي نهيتكم فلا أنهاكم وأفعل ما أنهاكم عنه، وذلك ليتخذوا منه قدوة طيبة، ولا أخالفكم أي لَا أقصد خلفكم إلى ما نهيتكم،

стр. 5152

ثم بين أن ما يدعوهم إليه هو الخير الذي فيه صلاحهم في دنياهم وآخرتهم وإصلاح نفوسهم وجماعتهم، فقال: (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) " إن " هنا هي النافية أي ما أريد إلا إصلاحكم في نفوسكم على قدر استطاعتي (مَا اسْتَطَعْتُ)، و (ما) هنا شرطية، أريد الإصلاح إذا استطعته، وما دمت أستطيعه، أو مصدرية منسبكة مع ما بعدها في مصدر أي: إني أريد الإصلاح استطاعتي (وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ)، أي اللَّه وحده هو الذي يوصلني إلى الغاية، ويحققها (علَيْهِ تَوَكَّلْتُ) أي توكلت عليه وحده، ولا أتوكل وأعتمد إلا عليه، (وَإلَيْهِ أُنيبُ) أي إليه وحده أرجع، وهو الذي يجزيني على الخير، وفي هذه العبارات الثلاث، تأكيد إرادة إصلاح النفس والجماعة، وتأكيد الاعتماد على اللَّه في النتائج، وتأكيد الرجوع إليه سبحانه. وقد رأى نبي اللَّه شعيب أنهم شاقوه وصاروا في جانب، وهو في جانب، فقدر أن هذه المجانبة إلى العصيان، وأن يصيبهم نتيجة شقاقهم أن ينزل بهم من العذاب ما نزل بقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، ولوط، ولذا قال شفيقا عليهم رفيقا بهم،

стр. 5153

(وَيَا قَوْمِ) ناداهم المحب الرفيق، (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) وهذا الكلام فيه تنبيه إلى سوء العاقبة، وبين أيديهم العبر من غيرهم، وهي تستقبلهم في عاقبة أمرهم (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ) لَا يحملنكم المُشاقة والمعاندة على استمراركم في العصيان فيصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح من غرق، وما أصاب قوم هود من ريح صرصر عاتية، وما أصاب قوم صالح من صيحة تتبعها رجفة، وما أصاب قوم لوط، وقال في هذا (وَمَا قَوْم لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ)، بل إن أرضهم تصاقب أرضكم. وإن شعيبا نبي اللَّه تعالى رفيق بقومه، ينذرهم، ثم يفتح باب التوبة ليدنوا منه، ولا يجافوه، فيقول:

стр. 5154

(وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠) يطلب إليهم أن يستغفروا ربهم، بأن يطلبوا مغفرته عما ارتكبوا ويرتكبون من شرك، وسوء في المعاملات، وعسى الله أن يغفر لهم، ثم يتوبوا إليه، أي يرجعوا إليه بعد أن بعدوا، وكانت التوبة بعيدة عن الاستغفار، وكذا عطف بـ (ثُمَّ) للدلالة على عظم ما ارتكبوا، وقبح ما فعلوا، ولكن اللَّه تعالى يغفر، وقد كلل قبوله التوبة، ومغفرته بقوله تعالى: (إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) أي إنه بسبب رحمته بخلقه، وقربه منهم بالمودة يغفر لهم، ويقبل توبتهم، فبين شعيب الرفيق باب الرجوع إليه، ويعرفهم أنه قريب من عباده، قيل أن ينزل بهم عقاب يوم شديد. * * * لم تنفع العظات، ولم يبق إلا العقاب (قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢) وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥) * * *

стр. 5155

بعد هذه العبارات القوية في معناها ومرماها، الرقيقة في مبناها قالوا متحدين شعيبا

стр. 5156

(قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ) أي ما ندرك كثيرا من قولك إدراك فهم، وما ذكروا ذلك ليزدادوا فهما، بل ذكروه مستنكرين لما يريد مستهينين به، وهو يتضمن رفضا لقوله، وإنكارًا لدعوته إلى التوحيد، وحسن المعاملة، والقيام بالعدل فيها وإعطاء كل ذي حق حقه، وكأن المعاملة بالبخس حق لهم، ولذا قالوا متحدين أيضا مهددين: (وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ) أكدوا أنهم يرونه ضعيفا لَا يمتنع عليهم إذا أرادوه بسوء، ولولا جماعتك، أو عصبتك الذين يوالوننا، ولا نريد أن نغاضبهم لرجمناك، أي لقتلناك شر قتلة، وهي القتل رميا بالحجارة حتى تموت: (وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ) أي بمتنع علينا، إن أردناك بسوء، أو أردنا رجمك، ونفوا أنه عزيز عليهم أشد النفي، فأكدوه، بالخطاب وتكراره، وبالباء، وبتقديم (عَلَيْنَا)، وذلك اغترار بقوتهم، وسطوتهم، وتأكيد بأنه في قبضة أيديهم. ويرد الحليم الرشيد شعيب غير عابئ بتهديدهم معتمدا على ربه، معتزا بعزته:

стр. 5157

(أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢) الاستفهام إنكاري لإنكار الواقع، وفيه تهكم بهم وبغرورهم، والمعنى ليس رهطي أعز عليكم من اللَّه، وإن زعمتم ذلك فأنتم في غرور، وانخداع بأنفسكم، وقوله تعالى: (وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا) أي نسيتم اللَّه ذا العزة والجلال، وحسبتم أن رهطي أعز عليكم من اللَّه، وجعلتم رب العزة والجلالة وراءكم ظهريا وهذا تعبير لمن يطرح الأمر الجدير بالاعتبار وراء تفكيره، فشبه فعله بفعل من يرمي الأمر وراء ظهره، بحيث لَا يراه، وقد هددهم بأن الله مانعه بقوله: (إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) أي عالم علم إحاطة وشمول لَا يخفى عليه شيء من أفعالكم، وما تريدون برسوله إليكم، وإنه لمحيط بكم، وعبر بـ ربي للإشارة بأنه حاميه منهم، لأنه هو الذي أنشأه وربَّه ويحميه ويحرسه.

стр. 5158

ويسترسل النبي الهادي في إرشادهم، فيقول:

стр. 5159

(وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ ... (٩٣) على ما تتمكنون من عمله، لتكون نتيجته لكم أو عليكم وإني عامل ما يمكنني الله تعالى منه، وما أرسلني به، (سَوْفَ تَعْلَمُونَ) (سوف) لتأكيد الوقوع (مَن يَأْتيهِ عذَابٌ) في الدنيا (يخزِيهِ) ينزل به، فيجعله في أسفل السافلين، (وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ) في قوله، وفي دعوته، فتبين حينذاك خزيكم وكذبكم، كما يتبين صدق قولي فيما دعوتكم إليه، وفي إنذاركم. (وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) ارتقبوا ما يستقبلكم، وإني معكم رقيب متتبع متوقع صدق ما أنذر الله ربِّي وربكم نزل العذاب، بهم بأمر الله تعالى في ميقاته، ولذا قال تعالى:

стр. 5160

(وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا ... (٩٤) أي ما قدرناه لهم عقابا في الدنيا، وكانوا يستعجلون به ثم ذكر أمره بعد أن نجى شعيبا والذين آمنوا برحمة من الله، وكانت رحمته في أن هداهم إلى الإيمان وأن أبعدهم عن العذاب، وفي أنه يستقبلهم النعيم المقيم يوم القيامة. (وَأَخَذَت الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) وأظهر في موضع الإضمار لبيان أن ما أنزل بهم من العذاب سببه الظلم بالشرك والظلم بنقص المكيال والميزان، والظلم بمنع الناس حقوقهم، وبخسهم حظوظهم. والصيحة تبعتها رجفة في الأرض ماتوا بها، ولذا قال (فَأَصْبَحوا فِي دِيَارِهِم جَاثِمِينَ)، أي ميتين. وجاثمون ملازمون أماكنهم لَا يستطيعون حراكا؛ لأن الموت الداهم أفقدهم الحركة.

стр. 5161

(كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥) كأن لم يقيموا فيها إقامة مستمتعين بمغانيها، وهذا يشير إلى أن متعة الدنيا إلى وقتنا هذا لَا بقاء منها لشيء، ويقول سيحانه: (أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ) أي ألا بعدا وطردا من رحمة الله تعالى، وهلاكا لمدين، كما بعدت ثمود. وهلكت. * * *

стр. 5162

موجز قصة موسى وفرعون قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩) * * * قلنا إن قصص القرآن لَا مكرر فيه، وإن كان يبدو ظاهر الأمر أن فيه تكرار؛ لأن الذكر يكون على قدر العبرة. وهنا في هذا الموضع يذكر أحوال الأمم الذين يبعث النبيون إليهم، ولذا ذكر قوم فرعون، وما حل بهم من اتباعهم فرعون، ولم يفصل الآيات المتوالية التي كانت تجري على يدي موسى آية بعد آية، وهم لم يرتدعوا حتى أهلكهم اللَّه تعالى بالغرق كما ذكر سبحانه ذلك في سورة الأعراف، وكما ذكر حال فرعون وقد أصابه الغرق، وآمن في آخر رمق في حياته إيمانا لَا يقبله اللَّه تعالى. قال تعالى:

стр. 5163

(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ) وأكد اللَّه تعالى إرسال موسى وأكد إرساله بالآيات البينات بحجة ظاهرة قاهرة، وسماها سلطانا مبينا، أي بينا، وتسمية الحجة سلطانا؛ لأنها تجعل لصاحبها سلطانا غالبا من الاحتجاج

стр. 5164

(إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ... (٩٧) أي من يحيطون به، ويشاركونه فيما يفعل، ثم وصف سبحانه حال ملأ فرعون، وهو وصف عميق لآل فرعون، ولأهل مصر،

стр. 5165

فقال: (فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) أي اتبعوه مطلقا، وكذلك حال مصر تتبع من يحكمها دائما سواء أكان عدلا أم كان ظلما، وسواء أكان رشدا أم ضلالا، فهم أتباع لَا استقلال لهم، ولذا وصفهم العربي عمرو بن العاص: " هم لمن غلب " ولأنهم له تبع يكونون يوم القيامة وراءه، فكما اتبعوه في الدنيا عن غير إدراك، بل لأنه فرعون - قال فيهم يوم القيامة

стр. 5166

(يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) والوِرد هو الذي يرده الناس لتبريد أجسامهم، ونقع غلتهم وترطيب أكبادهم، وسميت النار به تهكما بحالهم، إذ يردونها، فيجدون النار المتأججة بدل الماء الفرات. وأنهم بهذه التبعية للطاغوت:

стр. 5167

(وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩) وألحقوا في هذه الدنيا لعنة طردوا فيها من العزة والكرامة ونزل بهم الهوان والذل والمقت، (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ) أي العون الذي يعين به الرافد من يعينه، (الْمَرْفُودُ) أي المعان، أي أن فرعون ومن اتبعه، وكل المصريين الذين اتبعوه، يتعاونون في تبادل إرفاد النار، يعين كل منهم الآخر، فهو يعينهم، وهم يعينونه، وهذا تصوير لحالهم، إذ تعاونوا على الظلم والذل والإذلال في الحياة، فتعاونوا على المقت وإرفاد النار بعد الوفاة. * * * العبرة فيما قص الله تعالى هنا قال تعالى: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١) وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ

стр. 5168

أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨) فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩) * * * بعد أن ساق القرآن الكريم ذلك القصص الصادق الواعظ أو ذكر بعض ما فيه من عبر، فقال تعالى:

стр. 5169

(ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ) الإشارة إلى السابق من قصة نوح وقومه، وعاد وهود وثمود، وصالح، ومدين وشعيب، وطغيان فرعون، أي هذا القصص الحكيم (مِنْ أَنبَاءِ) أخبار القرى، أي المدن التي يتحرك إليها الناس، ويجتمعون فيها، كقريتك التي تدعو إلى التوحيد في وسط الشرك فيها، وإن هذه القرى عرفناك أنباءها، كيف أشركت وعاندت وكابرت، ثم أخذها الله أخذ عزيز مقتدر يجدون آثار ما أنزل الله بها، ورسوم بعضها تنادي ببيان ما حل بها. (مِنْهَا قَائِمٌ وحَصِيدٌ) قائم مثله كمثل العود من الزرع إذا صار حطاما، وجف ماء الحياة فيه، ومنها ما هو محصود كالزرع المحصود الذي قطع قائمه، وبقى بعض جذوره، وهذا يدل على ما نزل بهؤلاء.

стр. 5170

وفى ذلك عبرة للذين يطغون، ويعاندون، ويؤذونك وصحبك ويستهزئون بكم ويسخرون من آيات اللَّه فيهم، ومعجزته التي تتلى عليهم. إن ما نزل بهم هو بسبب ظلمهم، ولذا قال تعالى:

стр. 5171

(وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ... (١٠١) أي أن ما نزل بهم لم يكن ظلما، بل كان عدلا؛ لأنه لَا يستوي المحسن والمسيء، والأعمى والبصير، ولا الظلمات والنور، ولا الظل والحرور، فهو جزاء عمل، وجزاء العمل من جنسه، ولكن ظلموا أنفسهم بإضلالهم بالشرك، وانسياقهم في طريق الفساد، ومعاندتها للحق واضطهادها لأهلهم، وإشاعتها للضلال، وخضوعها للأوهام بدل العقل المدرك المستقيم. وإنهم إذا تردوا في هذا الهلاك الذي نزل بهم منعا لاستمرار فسادهم، وطغيانهم، ومحاربتهم - بدا لهم عيانا بيانا أن الآلهة التي اتخذوها من الحجارة أو غيرها، لَا تدفع عنهم ضرا، ولا تجلب لهم نفعًا، ولا تحميهم مما نزل بهم، ولذا قال تعالت حكمته: (فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ)، (مِن) هنا لاستغراق النفي، أي ما أغنت عنهم الآلهة التي زعموها مضادة للَّه تعالى أي شيء من الغَناء. وأضاف كلمة آلهة إليهم، لبيان أنها ليست آلهة في ذاتها، وهي عاجزة كل العجز، إنما هي آلهة في زعمهم، وأوهامهم التي أضلتهم، وسارت في ضلال بعيد. إن هذه الآلهة أخزتهم، ولم تُفدهم؛ لأنهم ساروا في الضلال إلى أقصى الغاية بل إنهم (لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ) بالإهلاك، وهو خالقكم والقائم على وجودكم لم يستطسعوا دفعا للضرر، ولا جلبا لنفع (وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) التباب الهلاك والتتبيب الإهلاك الشديد الذي يتضاعف في ذاته، أي ما زادوكم إلا هلاكا متضاعفا، والهلاك ليس زيادة في ذاته وإنما الزيادة هي زيادة الضرر.

стр. 5172

والتعبير بضمير جمع العقلاء، وليست الحجارة عاقلة إنما هو تهكم بهم، وبنظرهم الذي يعبد حجارة، ويرجو نفعها، وقوله تعالى: (غَيْرَ تَتْبِيب) أي هلاك متضاعف متكرر. وإن الله تعالى قدر العذاب وأنزله فكيف تزيد الحجارة فيما قدر الله وهي لا تملك من الأمر شيئا؟ والجواب عن ذلك أنه تصوير لحالهم مع هذه الحجارة، إذ إنهم استمروا في عبادتها لَا ينون بل يجادلون، ويعاندون حتى جاءهم العذاب الأليم، وكلما زادوا عنادا كان العذاب على قدره، وعنادهم المتزايد، وعقابهم عليه المتضاعف، كله في تقدير الله العزيز الحكيم، والله حكيم عليم. وإن هذا سنة الله تعالى في خلقه العصاة، ولذا قال تعالت كلماته:

стр. 5173

(وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢) التشبيه في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ) هو تشبيه حال القرى القائمة الظالمة في توقع عذاب الله لها بحال الذين أخذوا من قبل كغرق قوم نوح، وكالرجفة التي أخذت ثمود ومدين، وكالريح الصرصر الذي أخذ من قبل عاد كهذا الأخذ الذي أخذ به السابقون، يؤخذ القائمون في عصر النبي ﷺ ، وإن ذلك الماضي إنذار للحاضرين من القرى الظالمين كالمشركين في مكة الذي يتحدّون الله ورسوله، ويحسبون أنهم الغالبون، والله تعالى غالب على أمره، وقد قرر بعد ذلك شدة عذابه في أخذه لهم من حيث لَا يحتسبون، فقال عز من قائل: (إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) أي إن أخذه المفاجئ الذي لَا يرتقبونه فوق ما فيه من ألم المفاجأة، وهم يرتعون ويلعبون هو في ذاته مؤلم موجع، وشديد في إيلامه وفي حاله، وحالهم معه، كانوا ينتظرون مطرا يمطرهم، فإذا هو ريح فيها عذاب أليم. وإن ذلك إنذار كما ذكرنا. للمشركين، حتى يرجعوا عن غيهم، وإن اللَّه إذا كان قد أخر عنهم العذاب، لأجل محدود، فإنهم ليسوا غالبين، وإنه سبحانه

стр. 5174

جاعل العذاب من نوع آخر، يستبقي الأطهار ولا يستأصل الأشرار لأنه يكون من أصلابهم من يعبد الله ويجاهد في سبيله، ألم يجعل من أصلابهم قادة مجاهدين، فكان من أصلابهم خالد بن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل، وغيرهما من القادة المجاهدين. ووصف أخذ القرى بأنه يأخذها وهي متلبسة بظلمها، تحمل في نفسها موجب عذابها. وإن هذه الإنذارات يتعظ بها وينزجر من يؤمن بالآخرة، ويخاف مقام اللَّه فيها، ولذا قال:

стр. 5175

(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) الإشارة في قوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً) للمذكور من أنباء قوم نوح، وهود، وصالح، وشعيب الآية، أي لدلالة واضحة على قدرة اللَّه تعالى، وإن خوارق العادات فيها دلالة على إرادة الخالق، وأنه فاعل مختار، وأنه قادر على الإعادة كما بدأ الخلق، وأن قدرته ليست بقدرة البشر، وإنها ليست مرتبطة بالأسباب والمسببات كالعباد بل فوق كل شيء، وأنه خالق الأسباب والمسببات، ولكن لَا يدرك هذه الآية إلا من سلمت نفسه من آفات الشك والشرك، وآمن باليوم الآخر، ولم تكن الحياة الدنيا خلب كبده (١)، وكل شيء في حياته، ولذا قال: (لمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ) ومن يخاف الآخرة يؤمن باليوم الآخر وأن بعد هذه الحياة الدنيا حياة آخرة هي الحياة الحقيقية التي يكون فيها البقاء، ويؤمن ثانيا بأن الحياة الآخرة فيها العذاب فيخافه، لأنه محاسب على ما قدمت يداه. وليس المراد أن هذه آية فقط لهؤلاء الذين يؤمنون باليوم الآخر، ويوم الحساب، ولكن المراد أن الذين يدركون هذه الآية من استقامت نفسه، وعقله وقلبه

стр. 5176

هم الذين امتلأت قلوبهم إيمانا باليوم الآخر، وأن الإنسان لم يخلق سدى، وأن عمله لَا يذهب هباء منثورا، بل يوم الحساب يترقبه، وهو يخاف، أما الذين ران على قلوبهم هذه المادية الغاشمة فليسوا من هذه الآية في شيء. وقد وصف اللَّه بعد ذلك اليوم، فذكر أنه يوم الحشر، وقال فيه: (ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لهُ النَّاسُ) أي أن الناس جميعا مجموعون له في أول خلق آدم إلى يوم القيامة، وذلك يوم مشهود يشهد فيه الناس جميعا، وهو مُعَلَّم معروف لأهل المعرفة، وهو مشهود بما فيه من أحداث وحساب وعقاب، وبما ينزل فيه الملائكة صفا، وبما يتجلى فيه رب البرية (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣). (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢). وإِن ذلك اليوم لآت لَا محالة وإن تأخر فلأجل معدود ولذا قال تعالى:

стр. 5177

(وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) أي أجل معدود في علم اللَّه لَا يتأخر، ولا يتقدم، بل معدود بالسنين والأشهر، والشيء المعدود لَا يقبل الزيادة ولا النقص، وإذا كان معدودا فإنه آت لَا محالة، فلا يتقدم لاستعجال أحد، ولا يتأخر لإرادة التأخير، لَا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. ثِم قال تعالى في يوم مجيئه فقال تعالى:

стр. 5178

(يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) هنا قراءدان: القراءة الأولى: أن الباء غير محذوفة وهو الأصل: (يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ). والقراءة الثانية: حذف اجتزاء بدلالة الكسرة عليها، كأنها مقدرة في الكلام، تخفيفا وتيسيرا، والقراءتان مشهورتان، وإن حذف الباء موجود في لغة هذيل، وهي من أفصح العرب، فيقال لَا أدرِ من غير عامل يجزم الفعل ويحذف الباء، ويقول الزجاج: إن هذه قراءة، والذي أراه اتباع المصحف، وإجماع القراء لأن القراءة سنة متبعة.

стр. 5179

ولا يقال ما قاله الجهلاء إن القرآن خالف النحو، وذلك لأمرين: الأمر الأول: إن الكسر إنباء عن وجود الباء وإن لم ينطق بها ليكون ذلك خفيفا على اللسان، ووافق لغة من لغات العرب الفصيحة. الأمر الثاني: أن النحو تشتق قوته من القرآن، والقرآن فوقه. وقوله تعالى: (لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) (تَكَلَّمُ) فعل مضارع حذفت فيه التاء، وأصله لَا تتكلم نفس إلا بإذنه. والضمير يعود على الله تعالى (إِلَّا بِإِذْنِهِ)، لأنه حاضر في العقول والنفوس والقلوب، ولقد قال تعالى في ذلك: (هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦). وكونهم لَا يتكلمون إلا بإذنه لكيلا يقولوا إلا صوابا كما قال تعالى: (. . . لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا). ففي هذا اليوم يكون الإقرار بالذنوب من غير مماراة، بل يقرون بالحق؛ لأن هذا يوم الصدق، وإن الكلام في هذا اليوم بالإقرار الصادق، أما أن يكون فيه شقيا لما ارتكب وإما أن يكون سعيدًا، ولذا قال تعالى: (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) فمن الجمع المجموع شقي بما ارتكب في النار، وإما سعيد لم يرتكب إثما، فيكون في الجنة، وقد فصل القول سبحانه:

стр. 5180

(فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) الشهيق النفس في الصدر، والزفير إخراجه وقيل العكس، (أما) ولتفضيل والبيان لما يئول إليه أمر الشقي، وما يئول إليه أمر السعيد، (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ) أي الذين شقوا بأعمالهم في الدنيا، وتسجيلها عليهم بإقرارهم في الآخرة، (فَفِي النَّارِ) أي أن مآلهم النار يدخلونها، (لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ)، أي يدخلونها في صدورهم بشهيقهم، ويخرجون منها نارا بزفيرهم، فالنار تكوي جلودهم، وتدخل إلى أحشائهم، يتلظون بها في أبدانهم ظاهرا وباطنا، داخلا وخارجا.

стр. 5181

وقد سجل الله تعالى خلودهم فيها، فقال تعالت كلماته:

стр. 5182

(خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ... (١٠٧) وقوله تعالى: (مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ) جريا على استعمال العرب في تأكيد دوام الحكم بأمر من الأمور، فيقولون في بيان دوام العقد: ما بلَّ بحر صوفة، كما قالوا في عقد حلف الفضول، ومقتضى هذا التعبير أنه يجب أن تبقى السماوات والأرض لكي تدوم النار، وإن قيل في هذا الدليل على فنائها مع فناء ما يكون فيها. ولا دليل على أن النار فانية، ولها نهاية، وكذلك الجنة لوجود هذا التعبير؛ لأن التعبير بقول (خَالِدِينَ فِيهَا) جاء في آيات الكتاب الحكيم مطلقا غير مقيد ببقاء السماوات والأرض، ويعرف ذلك ما يفهم بطريق مفهوم المخالفة لَا يعارض النص بإجماع علماء الأصول، وإن الخلود في النار ثابت ثبوت الخلود في الجنة ونحن في جميع الأحوال خاضعون لإرادة اللَّه تعالى ومشيئته في الدنيا والآخرة. ولذا قال تعالى: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) وقد ذكر هذا النص الكريم هنا، في أهل الجنة، وقد جاءت آثار في معناه نختار بالذكر منها ثلاثة: القول الأول: ما ذكره بعض التابعين، وحكاه الزمخشري من أن الاستثناء هو من الخلود في النار، أو من أصل دخولها، والمستثنون هم فسقة أمة محمد، وغيرهم ممن يؤمنون باللَّه، وكان منهم عصيان، فإنهم يدخلون النار على مقدار معاصيهم، ويشاء اللَّه أن يخرجوا فيخرجون، أو أن تنفعهم شفاعة الشافعين، على رأي جمهور العلماء. وإن هذا القول قد يستقيم بالنسبة للذين شقوا، ولكنه لَا يستقيم في الذين سعدوا. والقول الثاني: أن قوله تعالى: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) فيها بيان أن العذاب والعقاب متعلق بمشيئته فهو الفاعل المختار، والأمر في ذلك متعلق بمشيئته هو في العدل والرحمة، فليس بحتم عليه: (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ)

стр. 5183

فإذا كان قد أدخل الكفار النار فبمشيئته، وإذا كان قد أعطى المؤمنين الأتقياء جنة، فبرحمته ومشيئته، وعطائه، ولذا قال بعد ذلك (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ): وهذا القول مستقيم نختاره، ونذكر القول الثالث، ونراه معقولا في الجملة ولا نرده: القول الثالث: أن هذا ذكر للاستثناء في مقام الفعل، أخذ به اللَّه في حقه ليندب خلقه إليه، كما قال تعالى: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ. . .). وإذا كنا لم نختر هذا القول، بل اخترنا الثاني فإنا لَا نقول: إنه قول باطل، وإنما اختيارنا للثاني لأنه صحيح في ذاته، ويرشح له قوله تعالى بعد ذلك: (إِن رَبَّكَ فَعَّالٌ لمَا يُرِيدُ) فهذا النص السامي يثبت أن إرادة الله مطلقة في كل ما يعطي، وكل ما يمنع. وقوله تعالى إلا ما شاء الله: التعبير بـ (مَا) دون (مَن) لأن معناها أنه إلا أن يشاء اللَّه هذا ما ينال الذين شقوا من عذاب، أما ما يناله الذين سعدوا، فقد بينه بقوله تعالى:

стр. 5184

(وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨) (سُعِدُوا) بالبناء للمفعول، لأن الفاعل معلوم، وهو اللَّه تعالى، فالمعنى سعدهم اللَّه، فسعدوا، وقد سعدوا، لأنهم اهتدوا إلى الإيمان والعمل الصالح في الدنيا، وسعدوا لأنهم دخلوا الجنة على وجه الدوام في الآخرة، وسعدوا لأن نالوا رضوان اللَّه، في الدنيا والآخرة، ولأنهم يوم القيامة، يتجلى عليهم ربهم فتنضر وجوههم وتنظر أعينهم، كما قال تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣). وذكر سبحانه نيلهم الجنة، فيقول: (فَفِي الْجَنًةِ خَالِدِينَ) مقيمون على وجه الخلود، (مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ)، وقد ذكرنا أن هذا ليس تقييدًا لإرادة اللَّه

стр. 5185

ببقاء السماوات والأرض، وإنما إرادته مطلقة وإنما كان هذا التعبير تأكيدًا لمعنى الخلود، على مجرى عبارات العرب في تأكيدهم للبقاء بأمر ظاهر البقاء عادة. وقوله: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) ذكرنا ما قيل فيه، وقلنا إن المختار عندنا إنه بيان لمشيئة اللَّه التي لَا يقيدها شيء فلا حتم عليه، وإذا كان قوله في أهل النار: (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لما يُرِيدُ) يؤيد معنى المشيئة، فقوله تعالى: (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ)، يؤيد المشيئة المطلقة هنا؛ لأن العطاء لَا إلزام فيه، وقوله تعالى: (غَيْرَ مَجْذُوذٍ) ومعناه مخير مقطوع بل هو دائم، والله أعلم. وإذا كانت هذه الأقوام الماضية قد نزل بها ما نزل، وإن المشركين لَا يترقبون مثلها، فتأس بالأنبياء من قبلك، واصبر كما صبروا، ولذا قال تعالى:
следующие страницы →