وقد سجل الله تعالى خلودهم فيها، فقال تعالت كلماته:
стр. 5182
(خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ... (١٠٧)
وقوله تعالى: (مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ) جريا على استعمال العرب في تأكيد دوام الحكم بأمر من الأمور، فيقولون في بيان دوام العقد: ما بلَّ بحر صوفة، كما قالوا في عقد حلف الفضول، ومقتضى هذا التعبير أنه يجب أن تبقى السماوات والأرض لكي تدوم النار، وإن قيل في هذا الدليل على فنائها مع فناء ما يكون فيها.
ولا دليل على أن النار فانية، ولها نهاية، وكذلك الجنة لوجود هذا التعبير؛ لأن التعبير بقول (خَالِدِينَ فِيهَا) جاء في آيات الكتاب الحكيم مطلقا غير مقيد ببقاء السماوات والأرض، ويعرف ذلك ما يفهم بطريق مفهوم المخالفة لَا يعارض النص بإجماع علماء الأصول، وإن الخلود في النار ثابت ثبوت الخلود في الجنة ونحن في جميع الأحوال خاضعون لإرادة اللَّه تعالى ومشيئته في الدنيا والآخرة.
ولذا قال تعالى: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) وقد ذكر هذا النص الكريم هنا، في أهل الجنة، وقد جاءت آثار في معناه نختار بالذكر منها ثلاثة:
القول الأول: ما ذكره بعض التابعين، وحكاه الزمخشري من أن الاستثناء هو من الخلود في النار، أو من أصل دخولها، والمستثنون هم فسقة أمة محمد، وغيرهم ممن يؤمنون باللَّه، وكان منهم عصيان، فإنهم يدخلون النار على مقدار معاصيهم، ويشاء اللَّه أن يخرجوا فيخرجون، أو أن تنفعهم شفاعة الشافعين، على رأي جمهور العلماء.
وإن هذا القول قد يستقيم بالنسبة للذين شقوا، ولكنه لَا يستقيم في الذين سعدوا.
والقول الثاني: أن قوله تعالى: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) فيها بيان أن العذاب والعقاب متعلق بمشيئته فهو الفاعل المختار، والأمر في ذلك متعلق بمشيئته هو في العدل والرحمة، فليس بحتم عليه: (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ)
стр. 5183
فإذا كان قد أدخل الكفار النار فبمشيئته، وإذا كان قد أعطى المؤمنين الأتقياء جنة، فبرحمته ومشيئته، وعطائه، ولذا قال بعد ذلك (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ): وهذا القول مستقيم نختاره، ونذكر القول الثالث، ونراه معقولا في الجملة ولا نرده:
القول الثالث: أن هذا ذكر للاستثناء في مقام الفعل، أخذ به اللَّه في حقه ليندب خلقه إليه، كما قال تعالى: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ. . .).
وإذا كنا لم نختر هذا القول، بل اخترنا الثاني فإنا لَا نقول: إنه قول باطل، وإنما اختيارنا للثاني لأنه صحيح في ذاته، ويرشح له قوله تعالى بعد ذلك: (إِن رَبَّكَ فَعَّالٌ لمَا يُرِيدُ) فهذا النص السامي يثبت أن إرادة الله مطلقة في كل ما يعطي، وكل ما يمنع.
وقوله تعالى إلا ما شاء الله: التعبير بـ (مَا) دون (مَن) لأن معناها أنه إلا أن يشاء اللَّه هذا ما ينال الذين شقوا من عذاب، أما ما يناله الذين سعدوا، فقد بينه بقوله تعالى:
стр. 5184
(وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)
(سُعِدُوا) بالبناء للمفعول، لأن الفاعل معلوم، وهو اللَّه تعالى، فالمعنى سعدهم اللَّه، فسعدوا، وقد سعدوا، لأنهم اهتدوا إلى الإيمان والعمل الصالح في الدنيا، وسعدوا لأنهم دخلوا الجنة على وجه الدوام في الآخرة، وسعدوا لأن نالوا رضوان اللَّه، في الدنيا والآخرة، ولأنهم يوم القيامة، يتجلى عليهم ربهم فتنضر وجوههم وتنظر أعينهم، كما قال تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣).
وذكر سبحانه نيلهم الجنة، فيقول: (فَفِي الْجَنًةِ خَالِدِينَ) مقيمون على وجه الخلود، (مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ)، وقد ذكرنا أن هذا ليس تقييدًا لإرادة اللَّه
стр. 5185
ببقاء السماوات والأرض، وإنما إرادته مطلقة وإنما كان هذا التعبير تأكيدًا لمعنى الخلود، على مجرى عبارات العرب في تأكيدهم للبقاء بأمر ظاهر البقاء عادة.
وقوله: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) ذكرنا ما قيل فيه، وقلنا إن المختار عندنا إنه بيان لمشيئة اللَّه التي لَا يقيدها شيء فلا حتم عليه، وإذا كان قوله في أهل النار: (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لما يُرِيدُ) يؤيد معنى المشيئة، فقوله تعالى: (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ)، يؤيد المشيئة المطلقة هنا؛ لأن العطاء لَا إلزام فيه، وقوله تعالى: (غَيْرَ مَجْذُوذٍ) ومعناه مخير مقطوع بل هو دائم، والله أعلم.
وإذا كانت هذه الأقوام الماضية قد نزل بها ما نزل، وإن المشركين لَا يترقبون مثلها، فتأس بالأنبياء من قبلك، واصبر كما صبروا، ولذا قال تعالى:
стр. 5186
(فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩)
(الفاء) تصل الكلام بما قبله، وهو مترتب على القصص السابقة والجزاء الذي أعده الله تعالى للأشقياء والسعداء، والفاء للإفصاح عن شرط مقدر مؤداه إذا كان ما علمت من قصص لعبدة الأوثان وأنبيائهم، وما نزل بالمشركين، فلا تك في شك من بطلان ما يعبد هؤلاء، وأصلها تَكُن، وحذفها كثير في القرآن الكريم، وهو يعطي اللفظ جمالا في النسق والنغم وحلاوة في اللفظ، وتلك خصائص القرآن الكريم، وقوله: (فِي مِرْيَةٍ) أي شك يدفع إلى الراء، والمجادلة، والنهي هنا والحال أن ذلك لَا يتصور منه، فهو بالنسبة له ﷺ أمر غير متصور الوقوع منه ﷺ وللنهي فائدتان:
الفائدة الأولى: أنه نهي لمن يقرءون القرآن، فهو نهي في ظاهره للنبي ﷺ ، وفى حقيقته لكل أتباع محمد، وكل من يخاطبون بالقرآن، وهو اقتلاع لجذور الشك من النفس.
стр. 5187
الفائدة الثانية: أن النهي لإفادة البطلان بدليله، فإن ما سبق فيه أدلة بطلان الشرك، وأنه معاقب عليه، وأن عاقبته العقاب الصارم الذي يجتث الأمم.
ومن أحسن ما قرأت في تأويل ذلك أن مؤدى النهي هو أمر النبي ﷺ بأن يقول لكل من يخاطبه (فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ) وإن كان اللفظ لَا يساعد في ظاهره ذلك، فهو منتهاه، يؤدي إليه قوله تعالى (مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ)، والإشارة إلى المشركين، أي قل لقومك لَا تكونوا في مراء مما يعبد هؤلاء من أوثان، فإنهم لم يفكروا فيه، ولم يتجهوا فيه إلى منطق عقلي أوصلهم إليه، ولكنهم ألغوا عقولهم اتباعا لآبائهم ولذا قال تعالى: (مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ) أي أنهم مقلدون، وليسوا بمفكرين ولا بمهتدين ولذا كانوا يقولون لأنبيائهم: (. . . أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا. . .) وكان مشركو مكة يقولون: (. . . وَإِنَّا عَلَى آتارِهِم مُّقْتَدُونَ)، وكانوا يقولون: (بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ).
ولهذا، وذكر سبحانه اتباعهم لآبائهم، بل لبيان أنهم لَا يفكرون، وهم مؤاخذون لكفرهم، ولإهمال الآيات الدالة على الوحدانية، وللمعجزة الدالة على رسالة محمد ﷺ ، وهي معجزة القرآن الكريم.
ولهذا قال تعالى في بيان جزائهم: (وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ).
ذكر بعض المفسرين أن المراد نصيبهم في الدنيا من رزق، ويكون المعنى لا يغرنك تقلبهم في البلاد وما أوتوا من ثروة، وجاه، فإنه لَا يدل على أنهم على حق، فإن رزق الدنيا منوط بأسبابه، وإن اللَّه يعطيهم أرزاق الدنيا غير منقوصة، فالنصيب هنا هو الرزق الدنيوي.
وأما الرأي الثاني أن المراد نصيبهم من العذاب، والقرينة تعينه، لأن الكلام عن عذاب الذين عاندوا النبيين، وصادموا دعواتهم، وسخروا منها. وقوله تعالى (غَيْرَ مَنْقُوصٍ) حال مؤكدة لمعنى الوفاء في كل الأقوال، ولعل خير الأقوال ما يشمل النصيبين، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 5188
الاختلاف في الحق
قال تعالى:
(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠) وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١) فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣) وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥)
* * *
كانت التسلية في قصص الأنبياء الذين بعثوا في أرض العرب، وللعرب، ولم تذكر لهم كتب، وقد ذكر بعد ذلك موسى وقد جاء بكتاب يصدقه القرآن، وفيه بشرى بمحمد ﷺ ، فأشار سبحانه إلى قصة موسى بطرف من القول فقال تعالت كلماته:
стр. 5189
(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضيِ بَيْنَهُمْ)، أكد اللَّه نزول الكتاب على موسى بـ (اللام) و (قد)، وأضاف سبحانه الإيتاء إليه، وكان فيه آيات بينات، وعظات، وأحكام زاجرة، ولم يترتب على
стр. 5190
إيتاء موسى ﵇ الإيمان به، وقد أنقذهم من ظلم فرعون الذي كان يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، ورأوا تسع آيات حسية ملزمة، ورأوا آيات اللَّه تعالى فيهم ونعمه ظاهرة وباطنة تفيض عليهم، مع كل هذا لم يذعنوا لما جاء به من شرائع بل اختلفوا فيه، فإذا كانوا قد اختلفوا في شأنه ما بين مذعن ومؤول ومخالف، فكيف تنتظر يا محمد من قوم أميين أن يذعنوا بمجرد النزول.
و (الفاء) في قوله: (فَاخْتُلِفَ فِيهِ) للعطف والترتيب من غير تراخ، وكأنه ترتب على إيتاء اللَّه تعالى موسى الكتاب الاختلاف، وهذا يدل على أن الاختلاف ليس ناشئا من ذلك الكتاب، بل هو ناشئ من فساد النفوس وإذا فسدت النفوس لا يقنعها الدليل، ولا يهديها البرهان مهما يكن حاسما.
وقد افترق اليهود على فرق شتى حول التوراة ما بين ربانيين وقراءين، وصدوقيين لَا يؤمنون باليوم الآخر.
ويبدو من فرقهم أن الاختلاف في شأن الكتاب كان في فهمه، حتى ضلوا وحرفوا الكلم عن موضعه، وأتوا بكتاب لم يُنزل على موسى، وقالوا إنه من الكتاب، واجس منه في شيء.
وقد قال تعالى: (وَلَوْلا كَلمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) ولولا أن اللَّه تعالى يمهل الظالمين إلى يوم يبعثون، ويتركهم يتجادلون، ليزيد ابتلاؤهم لقضى بينهم في هذا الاختلاف وبين الحق الذي لَا يحتار فيه أحد، ولكنه تركهم يتعرفونه؛ لأنه خلقهم ذوي مدارك، ومع كل نفس فجورها وتقواها.
وقال تعالى: (وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ) الشك معناه التظن في الحق، وقد بدت دلالة، والريب هو نتيجة هذا التظنن، والضمير في قوله: (وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ) يعود إلى المشركين كما يقول أكثر المفسرين، والضمير في (مِّنهُ) يعود إلى القرآن.
стр. 5191
ولكن لم يكن ذكر للمشركين، ولم يكن ذكر هنا للقرآن، وإن إعادة الضمير إليهم، وإلى كتاب اللَّه تعالى لَا يأتي بفائدة جديدة، وأرى أن الضمير يعود إلى قوم موسى الذي أوتي التوراة، ويكون الريب بسبب اختلافهم، فإن الاختلاف يحدث الشك، والجدل ذريعة الريب، والضمير في (إِنهمْ) يعود حينئذ إلى مذكورين في القول غير مطويين، وكذلك الضمير في (منْهُ).
وإن في ذلك لعبرة من ناحيتين:
الأولى: تسلية النبي ﷺ .
والثانية: بيان أن الاختلاف والجدل تميع فيهما الحقائق، ويحل محلها الشك والريب، اللهم هبنا الوفاق، وجنبنا الشقاق، وقد أكد اللَّه تعالى شك القوم بإن وباللام وبالجملة الاسمية.
ويقول في جزاء السابقين واللاحقين:
стр. 5192
(وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١)
- هنا قراءتان إحداهما بـ (إِنَّ) الثقيلة، والثانية بـ (إنْ) الخفيفة (١)، والتنوين في (كُلًّا) نائب عن المضاف إليه، أي إنهم جميعا ليوفينهم ربك أعمالهم، وهذا يتضمن مآل الماضين والسابقين على محمد ﷺ وإنذار الذين يعادونه، ويؤذون أصحابه ويسخرون منهم، فالمعنى إذن، وإن كلا من الفريقين لما سيوفيهم ربك أعمالهم.
اللامان لتوكيد القول؛ الأولى واقعة في خبر (إن)، والثانية موطئة للقسم أو العكس، ولا تغيير في المعنى بأي التقديرين، وكانت (ما) فاصلة بينهما لكيلا يثقل النطق بلامين وهي مع ذلك دالة على تأكيد ما تدل عليه اللام الأولى.
стр. 5193
وقوله (لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) فيه توكيد للوفاء، وهو القسم فكأنه تأكد الكلام باللامين، وبالقسم وبنون التوكيد الثقيلة، وأكد أيضا بالتعبير بـ (رَبُّكَ) أي الذي خلقك، وخلقهم، وقام على هذا الوجود، وإذا كان هذا الخالق الحي القيوم هو الذي يعد بالتوقيه، فإنها واقعة لَا محالة.
وقو له (أَعْمَالَهُمْ)، أي جزاء أعمالهم، ولكنه سبحانه حذف الجزاء، وأضاف الجزاء إلى الأعمال للإشارة إلى أن الجزاء وفاق العمل، فكأنهما شيء واحد، إذ يكون عادلا تمام العدل، يوم تجد كل نفس عملها محضرا، وإن العدل الحقيقي يقتضي المساواة بين العمل والجزاء، ويقتضي العلم، وقد أشار إلى العدل بالمساواة دين الجزاء والعمل حتى كأنه هو، وصرح بالثاني في قوله (إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبيرٌ) الضمير يعود إلى اللَّه الذي تذكره القلوب، ولا تنساه، و (خَبِيرٌ) معناه، عالم علص ادقيقا لَا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، يعلم ما تكسبه الجوارح، وما يجول في الأفئدة. إنه سميع بصير.
стр. 5194
(فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)
(فاسْتَقِمْ) السين والتاء للطلب، أي اطلب إقامة الدين، وحفظ جوارحك الظاهرِة والباطنة في دائرة القيام به، وإدراك غاياته ومراميه، وقوله تعالى: (كَمَا أُمِرْت) الكاف للتشبيه والمعنى اجعل أعمالك ومرام نفسك وقلبك كما أمرت أي كما أنزل اللَّه تعالى، وبني للمفعول لأن الفاعل معلوم حاضر في الذهن دائما، ولأن الاستقامة توجب اتباع الأوامر في ذاتها (وَمَن تَابَ مَعَكَ)، فقوله تعالى: (وَمَن تَابَ مَعَكَ) معطوفة على الضمير في استقم، وإنما جاز النطق على الضمير المستتر في الخطاب من غير أن يؤكد بالضمير البارز للفصل بين المعطوف والمعطوف عليه، وهو بقوله تعالى: (كَمَا أُمِرْتَ)، فيكون عدم إبراز ضمير الخطاب مناسبا للنسق.
وإن الاستقامة هي غاية الكمال الديني؛ لأنها القصد إلى الهدف الأسمى، ولانها روح الإسلام وغايته، وقد قال بعض الصوفية: إن الاستقامة هي مطلب
стр. 5195
الصوفي الأمين على حقوق الإيمان، وروى مسلم في صحيحه عن سفيان بن عبد اللَّه الثقفي، قال قلت: يا رسول اللَّه قل لي في الإسلام قولا لَا أسأل عنه أحدا بعدك قال " قل آمنتُ باللَّه ثم استقم " (١)، وروي عن عبد اللَّه بن عباس أنه قال لمن استوصاه: " عليك بتقوى اللَّه والاستقامة ".
ولقد قال تعالى: في بيان الاستقامة أن أعلى درجات الإيمان: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ)، إلى آخر الآيات.
وقوله (ومَن تَابَ مَعَكَ) أي الذين معك من المسلمين، وعبر عنهم بأنهم تابوا للإشارة إلى أن إسلامهم لَا يكون كاملا إلا إذا كانوا مع اللَّه تعالى، وإلى أن الإسلام توبة عن الشرك، وإن الشرك انحراف في النفس، وتركه رجوع إلى اللَّه تعالى.
وإن الاستقامة تهذيب روحي، واتجاه نفسي، وقد نهى عما يؤدي إلى الانحراف عن الاتجاه المستقيم (ولا تطغوا) فيه، إن النفس تنحرف عن الجادة، والطريق الأقوم بالطغيان، وهو مجاوزة الحد، ومجاوزة الحد قسمان:
القسم الأول: التشدد في الدين الذي يؤدي إلى إرهاف النفس، وإن إرهاقها يؤدي إلى التقصير، ولذا أمر النبي ﷺ بالاعتدال، فقد قال ﵊:
" لن يشاد أحد هذا الدين إلا غلبه، ولكن سددوا وقاربوا "، وقال: " أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ " (٢).
والقسم الثاني من الطغيان: الظلم، ومجاوزة الحد مع غيره، وإن هذا المعنى مناسب دلآية بعد ذلك. ولقد بين اللَّه أنه مراقب العباد،
стр. 5196
ومجازيهم فقال: (إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصيرٌ) الضمير يعود على اللَّه تعالى أي أنه تعالى عليم بما يعملون علم من يبصر ويرى، وقدم الجار والمجرور (بِمَا تَعْمَلُونَ) على (بَصيرٌ) للاهتمام بالعمل، وإنه مناظر الجزاء، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وإن الاستقامة هي أقصى درجات الإحسان، ولقد قال النبي ﷺ في تعريف الإحسان: " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك " (١).
كان في هذه الآية النهي عن الظلم، ثم أردفها بالنهي عن الارتكان إلى ظالم، فقال:
стр. 5197
(وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣)
(وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا)، الواو عاطفة هذا النهي على النهي السابق، وهو قوله تعالى: (وَلا تَطْغَوْا) الركون الاستناد، فيقال ركن إلى الجدار أو الجبل أو الركن إذا استند إليه، ويتضمن ذلك النهي الاعتماد على الظالم، والإدهان إليه والميل إليه، والتودد له، والتقرب منه، ومعاونته في الأمر الذي يفعله، وقوله تعالى: (الَّذِينَ ظَلَمُوا) أي الذين وقع منهم الظلم، وإن لم يتصفوا بالظالمين، وإذا كان النهي عن مساندة الذين وقع منهم ظلم، فأولى بالنهي من يكون الظلم عادة وسياسة مستمرة لهم، ويلاحظ أن التعبير بالموصول فيه بيان بسبب النهي، وهو مرفوع الظلم منهم، ولقد قال الرسول ﷺ في معاونة الظالمين: " ومن سعى مع ظالم، فقد سعى إلى جهنم "؛ لأنه عاونه في ظلمه، ولو أن الذين يظلمون لا يجدون من يعاونهم، ويمانعهم، وينصرونهم على المظلومين ما استمروا يرعونها، حتى تكون فيها أشواك الأذى الممزقة.
ولقد وجدنا ناسا في عهد طاغوت رأيناه أشد من فرعون عتوا، يمالئونه على المسلمين، حتى قتل، وآذي وقطع أطراف الشباب، ووصل عدد قتلاه خمسة
стр. 5198
وثلاثين ألفا من المسلمين غير من قتلوا تحت حر السياط والتعذيب في سجونه التي فاقت سجن الحجاج طاغية العرب عددا، والحجاج كان عربيا، فلم يعذب، ولم يضرب بالسياط، لأن مروءة العربي تمنعه.
وقد كتب الزمخشري في هذا كتابة قيمة ننقلها من تفسيره، ﵁:
" والنهي متناول الانحطاط في هواهم والانقطاع إليهم ومصاحبتهم ومجالستهم، وزيارتهم ومداهنتهم، والرضا بأعمالهم، والتشبه بهم، والتزيي بزيهم، ومد العين إلى زهرتهم، وذكرهم بما فيه تعظيم لهم، وتأمل قوله تعالى: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) فإن الركون هو الميل اليسير، وقوله تعالى: (إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) أي الذين وقع منهم الظلم، ولم يقل الظالمين، فكيف بالظالم، وحُكي أن الموفق (أحد خلافاء العباسيين في عهد انحلال الحكم العباسي) صلى خلف الإمام فقرأ بهذه الآية، فغشي عليه، فلما آفاق قيل له، هذا فيمن ركن إلى من ظلم فكيف بالظالم. وعن الحسن (البصري) ﵀: " جعل الله الدين بين لائين (لا تَطْغَوْا)، و (لا تَرْكَنُوا). . . . . ".
ولما خالط الزهري السلاطين كتب إليه أخ له في الدين:
" عافانا الله وإياك أبا بكر من الفتن، قد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يدعو لك ويرحمك، أصبحت شيخا كبيرا، وقد أثقلتك نعم الله، بما فهمك الله من كتابه، وعلمك من سنة نبيه، وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء، قال الله سبحانه: (. . . لَتبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ. . .). واعلم أن أيسر ما ارتكبت، وأخف ما احتملت، أنك آنست وحدة الظالم وسهلت سبيل الغي بدنوك ممن لم يؤد حقا ولم يترك باطلا حين أدناك، اتخذوك قطبا تدور عليك رحى باطلهم، وجسرًا يعبرون عليك إلى بلائهم، وسلَّما يصعدون فيك إلى ضلالهم، يدخلون الك بك إلى العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهلاء، فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما خربوا عليك، وما أكثر ما أخذوا منك في جنب ما أفسدوا عليك من دينك، فما يؤمنك أن تكون ممن قال الله تعالى فيهم: (فَخَلَفَ
стр. 5199
مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا)، فإنك تعامل من لَا يجهل ويحفظ عليك من لَا يغفل، فداوِ دينك، فقد دخله سقم، وهيئ زادك فقد حضر السفر البعيد، وما يخفى على الله من شيء في الأرض، ولا في السماء والسلام " هذا كتاب واعظ، لتابع من أجل التابعين، وإن كان من أصغرهم سنا.
ويسترسل الزمخشري في نقل ما قاله العلماء في الظالمين، والذين يركنون إليهم كما نرى فيمن اتسموا بسِمة العلم، قال رضي الله تعالى عنه وقال سفيان (الثوري): في جهنم دار لَا يسكنه إلا القراء الزائرون للملوك. . . . .
وعن الأوزاعي " ما من شيء أبغض إلى الله من عالم يزور عاملا ".
وعن محمد بن مسلمة: الذباب على العذرة أحسن من قارئ على باب هؤلاء.
وقال رسول الله ﷺ : " من دعا لظالم بالبقاء، فقد أحب أن يعصى الله في أرضه ".
ولقد سئل سفيان الثوري، عن ظالم أشرف على الهلاك في برية هل يسقى شربة ماء، فقال: لَا. فقيل له يموت، فقال: " دعه يموت ".
رضي الله عن الزمخشري، وإن كنا لَا نرضى عن فتيا سفيان الثوري الأخيرة، فإنه صح عن النبي ﷺ أنه نهى عن القتل بالعطش، وهذا أمر بالإسعاف.
ولقد قال بعد النهي عن الركون إلى الظالم (وَمَا لَكم مِّن دُونِ اللهِ مِنْ أؤلياءَ)، (مِن) هنا لاستغراق النفي و (أَوْلِياءَ) النصراء أي ليس لهم من الذين
стр. 5200
يعادون اللَّه تعالى بظلمهم، وهذا ما يدل عليه قوله تعالى: (مِن دُونِ اللَّهِ) أي أولياء أحباء مناصرون.
(ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ) العطف بـ (ثُمَّ) هنا، وهي دالة على التراخي لبيان البعد بين الانتصار، وموالاة الظالمين، أو الركون إليهم بموادتهم، ومعاونتهم.
اللهم لَا تؤاخذنا بما كان منا للظالمين من سكوت، في كثير من الأحيان، اللهم هيئ نفوس حكامنا للعدل، فإنهم أضاعوا المسلمين بظلمهم، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه.
ولقد قال تعالى بعد النهي عن الفساد، آمرا بالصلاح، لأن التخلية قبل التحلية.
стр. 5201
(وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)
هذا معطوف على الأوامر والمنهيات قبله، وقلنا إنه سبحانه نهى عن الظلم والطغيان، والامتناع عن الظلم والطغيان فعل الخير، وإن الظاهر من هذه الآية، وآية الروم، وهي قوله تعالى: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)، فإن هاتين الآيتين تومئان إلى أوقات الصلوات الخمس، فكانت بعد فرضيتها في المعراج.
وإقامة الصلاة في الأمر (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ) الإتيان مقومة مستوفية أركانها الظاهرة والباطنة من خلوص المشيئة لله تعالى: واستشعار معاني الأركان النفسية، وألا يقصد بها المراءاة، فمن صلى يرائي فقد أشرك، وقال تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧).
وطرفا النهار ما هما؟، اختلفت الروايات في ذلك، وأقربها في اعتقادنا، وهو المأثور عن النبي ﷺ أن الطرفين الفجر أو الصبح، وما بعد الظهر، وزلفا من
стр. 5202
الليل والزلف الساعات المتقاربة، وفسرها النبي بأنها المغرب والعشاء، وسميت زلفما من الليل، لأن ساعاتهما متقاربة، فما بين المغرب والعشاء متقارب إلى حد اختلاط زمنهما، والاختلاف في حد ما بينهما، وهما بإجماع العلماء صلاة العشي.
وإن تعيين الآيات تقارب أو يتعين اتحادها فى هذه الآية، وآية الروم، ولا شك أن إقامة الصلوات الخمس مستوفيات أركانها الظاهرة والباطنة، والاستمرار عليها يطهر النفس من أرجاسها، ويمحو تلك المعاصي التي يغبر بها القلب، ولقد قال ﷺ فيما رواه مسلم: " الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر " (١).
وذكر شرط اجتناب الكبائر؛ لأنه لَا يمكن أداء هذه العبادات على وجهها، مجتمعا مع الكبائر قط، إذ لَا يجتمع في قلب مؤمن عبادة أديت على وجهها، وارتكاب كبيرة، ولقد أثر عن النبي ﷺ أنه قال: " لا يزنى الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن " (٢).
ولذا قال تعالى بعد الأمر بإقامة الصلاة في وقتها: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) لأن الحسنات نور يدخل القلب فيزيل غمته، وهي طهارة ترحض ما في النفس من أدران الشر، وأخباثه.
ولقد قال النبي ﷺ : " الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار " (٣).
وإن الصلوات الخمس - إن أقيمت على وجهها - أشد العبادات محاربة للمعاصي، ولذا قال تعالى: ر (. . . إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)، وإن توزيعها في أوقاتها جلاء
стр. 5203
النفوس، فإنه إذا أقبل الفجر، وأصبح الصباح أدى صلاة الصبح، فتجلو صدأ النفس ويستقبل الحياة بقلب سليم، فيعمل في الحياة طاهرًا حتى إذا ابتدأت النفس تصدأ بالاحتكاك بالناس جاءت صلاة الظهر، فأزالت ذلك الصدأ، ثم من بعد ذلك العصر، وزلف الليل المغرب والعشاء.
ولقد روى البخاري عن ابن مسعود أن رجلا أصاب من امرأة قبلة فأتى النبي ﷺ فأبره، فأنزل اللَّه تعالى قوله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يذهِبنَ السَّيِّئَاتِ) (١).
ولقد قال تعالى: (ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) الإشارة إلى القيام بالفرائض الخمس، وقال المفسرون: إنه إشارة إلى القرآن، وكانت الإشارة إلى البعيد لعلو منزلته، ورفعة مكانته، وبعد شأوه، ولا مانع فيما نرى أنها للقيام إلى الصلوات الخمس، لهذه المعاني أيضا، والمشار إليه مذكورا.
والذكرى التذكر الدائم الباقي المستمر، ولا شك أن أداء الصلوات الخمس في مواقيتها على الوجه الكامل يجعل نفس المؤمن في ذكر دائم للَّه، ولذا ختم الله تعالى آية الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر بقوله تعالى: (. . . وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكبَرُ. . .).
وإن العبادات أداؤها على الوجه الأكمل الذي أشرنا إليه يحتاج إلى صبر وضبط النفس، ولذا قال تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشعِينَ)، ولذا قرن الأمر بإقامة الصلاة، بالأمر بالصبر، فقال تعالى:
стр. 5204
(وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥)
الأمر في هذه الآية وما قبلها للنبي ﷺ ابتداء، ولمن يتبعه من المؤمنين انتهاء، وهنا ملاحظة بيانية، تليق بالقرآن الكريم المعجزة الكبرى في بيانه، وكل شئونه.
стр. 5205
هذه الملاحظة هي أنه في الطالب الإيجابية يكون الخطاب في هذه الآيات للنبي ﷺ ابتداء، ويكون لأمته بالتبع، ولكن في هذه الآيات نجد النهي متجها ابتداء إلى الجماعة الإسلامية، فقال تعالى: (وَلا تَطْغوْا) وقال تعالى: (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا)؛ لأنه لَا نهي إلا حيث يتصور وقوع النهي عنه، ولا يمكن أن يتصور من النبي ﷺ طغيان، أو ركون إلى الظالمين.
والصبر ضبط النفس عند وقوع ما لَا يرغب، أو ما يرغب، فالصبر على النعمة، لَا يفرح بها فلا يبطرها بل يشكرها، والصبر على وقوع ما لَا يرغب بأن تنزل به شديدة فإنه يكون بألا يفزع ولا يهلع، فيضطرب تفكيره، ويطيش ولا يتدبر الأمر في رفق، وثبات جأش، واطمئنان قلب.
وبين الله تعالى أن الصبر من إحسان المحسنين فقال تعالت كلماته: (وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) أي الذين يعملون العمل الصالح، ويحسنونه،
ويداومون عليه بالصبر، ولا يجزعون لحرمان أو شدة، ولا يأشرون ويبطرون إن اختبرهم الله تعالى.
* * *
الفساد يعم بسكوت الاخيار
قال تعالى:
(فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)
стр. 5206
وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)
* * *
قال تعالى في بيان ما يصلح الأمة: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، إن الجماعة إذا كان فيها من يدعو إلى الخير، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر جعلها فضلاؤها، كلها فاضلة، ولقد بين أن سبب فساد السابقين الذين أصابهم الله تعالى بالهلاك هو أن أهل الفضل لم يدعو إليه ولو أنهم دعوا ما استجابوا لهم، فقال:
стр. 5207
(فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ)، (بَقِيَّةٍ) معناها العقل والفضل، والخلق المستقيم، و (لولا) إما أن نقول إنها شرطية حرف امتناع لوجود، وجوابها محذوف تقديره مثلا لاستقامت أمورهم ولاستجابوا لدعوة الحق إذا دعوا إليها.
أو نقول إن (لولا) بمعنى (هلا) للتحريض على أن يكون منهم فضلاء لنجاتهم، ولكن كيف يقال إن ثمة تحريضا، وقد مضوا بما كان منهم، والتحريض للحاضرين لَا للغابرين، والجواب عن ذلك أن القصة الصادقة تصورهم حاضرين ويكون التحريض لهم على التصوير، وللقائمين ليتعظوا ويعتبروا. وإطلاق كلمة البقية على الفضل إطلاق في اللغة العربية حلله الزمخشري بقوله ﵁: (أولُو بَقِيَّةٍ) أولو فضل وخير، وسمي الفضل، والجودة بقية؛ لأن الرجل يستبقى مما يخرجه أجوده وأفضله، فصار مثلا، في الجودة والفضل، ويقال فلان من بقية القوم، أي من خيارهم، وبه فسر بيت الحماسة:
" أن تزينوا ثم يأتيني بقيتكم. . . .
ومن قولهم في الزوايا حنايا، وفي الرجال بقايا ".
стр. 5208
وهكذا نجد الزمخشري اللغوي البليغ يرد أصل الاستعمال القرآن إلى معناه السليم الدقيق العميق، وإن الكلام الكريم فوق كل كلام.
وخلاصة ما يرمى إليه النص أن الأمم إنما تسير في طريق الهلاك، إذا سكت عقلاؤها عن النطق بالحق في إبانه، فما كفر مشركو قريش إلا لأنه لم يكن من رشدائهم من يقاوم أمثال أبي لهب وأبي جهل والوليد بن المغيرة وغيرهم في طغيانهم وظلمهم.
ولذا قال تعالى في عمل أولي البقية لو صلحوا: (يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ) من فشو الأراذل، كما فشا في قوم لوط، ومن تطفيف الكيل والميزان كما فشا في قوم شعيب، ومن الشرك فيهم جميعا، حتى لقد كانوا يعبدون الأحجار ولا يوجد فيهم من يبين أنها لَا تضر ولا تنفع، ولما جاءهم الرسل، سَكت أولو البقية، ولم يرشدوا، ولم ينادوا بالحق، منكر، نسكت من يُنتظر منهم قول فاضل، وتكلم المستهزءون من الحق والساخرون.
وقال تعالى: (إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ) (من) الأولى بيانية، و (من) في (مِنْهُمْ) تبعيضية، والاستثناء قال المفسرون البلاغيون: إن الاستثناء منقطع بمعنى لكن، أي لكن قليلا منهم ممن أنجيناهم منهم قد استقاموا على الطريقة، واتبعوا سبيل الرشاد.
ولا مانع أن يكون الاستثناء متصلا غير منقطع، ويكون المعنى فلولا كان من القرون أولو بقية، أي ما كان من القرون قبلكم أولو فضل إلا الذين قليلا أنجيناهم منهم، ويكون في النص قصر الفضل على الذين اتبعوا الأنبياء، وأرى أن هذا أقرب، وعليه يكون الذين بعث فيهم النبيون قسم تبعهم، وأنجاهم اللَّه، وهم عدد قليل، وقسم عصوا ربهم، وهم الظالمون، وقد بين سبحانه أمرهم فقال عز من قأل: (وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ).
стр. 5209
أى أن الفريق الظالم اتبع ما أترفوا فيه أي اتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه من الهوى والشهوات بكل أنواعها شهوة السلطان والجاه، وشهوة الاقتراب من الحكام، والازدلاف إليهم، وشهوة التحكم في الضعفاء، وشهوة الأثرة، وفي الجملة الترف كل ما يتنعم به من مادة، ومن أمور أخرى.
والترف والأثرة متلازمان، فحيثما كان الترف كانت الأثرة؛ لأن من يطلب النعم لَا يهمه إن كان من طيب أم كان من خبيث، وأكان باعتداء أم كان من غير اعتداء.
وإن المترفين الأثرين هم دعاة الشر دائما، ويقول تعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦).
وقوله تعالى: (وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ) فيه أمور ثلاثة:
الأمر الأول: اتبع أي طلبوه، وساروا وراء الترف لَا يلوون عنه.
الأمر الثاني: ذكر أنهم ظلموا، أي تجاوزوا الحد، واعتدوا، ودفعهم ظلمهم إلى هذا الاتباع.
الأمر الثالث: أنهم اتبعوا الترف وشهوات الترف، فهذا كقوله اتبعوا الشهوات.
ولقد وصفهم مسجلا عليهم الإجرام، والآثام، فقال: (وَكَانُوا مُجْرِمِينَ) أي استمروا في ماضيهم متجمعين على الإجرام، حتى صار الإجرام وصفا ملازما لهم.
وإن هذا الإجرام، والسكوت عن النهي على الفساد، وترك الأشرار يرتعون، وترك الظالمين يترفون يجعل الأمة كلها فاسدة وظالمة، وبذلك تهلك، ولذا قال تعالى:
стр. 5210
(وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)
الظلم ذكر بعض العلماء أنه الشرك لقوله تعالى حاكيا عن لقمان: (. . إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ). وإنه ظلم بلا ريب فيه، ويكون المعنى على هذا: وما كان الله يهلك القرى بشركها، وأهلها مصلحون فيما بينهم يتعاونون ويقيم الحق في معاملاتهم حتى لقد قال بعضهم إن الشرك مع إقامة العدل لا يهلك، والإيمان مع ظلم التعامل يهلك الأمم.
وقال بعض المفسرين: إن المراد والظاهر أنه مراد، أنه ما كان ربك ليهلك القرى ظالما لها، وأهلها مصلحون يعدلون فيما بينهم، ولا يشركون بالله ولا يكون منهم ظلم بل نصفة وعدل، فما كان الله ظالما لعباده.
وعندي قوله تعالى: (وَمَاكَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى) بظلمها، وأهلها متعاونون، صالحون للبقاء، والظلم أعم من الشرك، والاعتداء في المعاملات والفساد، والتخريب، وقطع ما أمر الله تعالى به أن يوصل.
و (مَا) هنا نافية، و (اللام) لتأكيد النفي، ولذا تسمى عند النحويين لام الجحود، والمعنى ما صح وما استقام لربك الذي خلقك وقام على تدبير أمرك أن يهلك القرى بظلم يقع فيها، وأهلها مصلحون، متعاونون فى الإصلاح أشرنا، وفاضلهم ينصح أرذلهم، والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر قائمو بواجبهم، قد ابتغوا الغاية السامية، وهي نشر الفضيلة، ومحاربة الرذيلة، قائمين بالقسط شهداء الله.
ولقد روى الترمذي حديثا في هذا المعنى: " إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه " (١).
стр. 5211
وإنه قد حق على المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها الهلاك الذي نزل بها، لأن الظالم يظلم، ويجد الكثرة الكاثرة تؤيده، وتنصره على المظلومين، وتصفه بالحكمة والعدل والعبقرية، حتى اختلطت على الناس الألفاظ والحقائق، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم.
وإن إرادة اللَّه تعالى تعلقت بتنازع الخير مع الشر، من وقت أن هبط آدم وإبليس إلى هذه الأرض وقال: (. . . اهْبطُوا بَعْضُكمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ. . .). يتنازع الخير والشر، في نفس كل إنسان، كما قال تعالى: (وَهدَيَناهُ النَّجْدَينِ)، حتى إن كف النفس عن الشر يعد جهادا، يثاب عليه، ويتنازع الآحاد بعضهم مع بعض، وتتنازع الجماعات وتتحارب الدول، وتلك إرادة اللَّه، ولو شاء لخلقهم على منزع واحد، ولا تكون الحياة معتركا للخير والشر يتنازعان.
ولذا قال تعالى:
стр. 5212
(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨)
(لَوْ) هنا حرف امتناع لامتناع. امتناع الجواب لامتناع الشر، أي لو شاء ربك الذي خلقك وذرأك وكونك على أحسن تقويم أن يجعل الناس أمة واحدة، جماعة واحدة متحدة في هدايتها وتقواها لجعلها كذلك، وما كان التنازع بين الخير والشر، والعدل والظلم، والفضيلة والرذيلة، والرزق والحرمان، والغنى والفقر إلا بإرادته؛ بين أن ذلك الاختلاف دائم مستمر، فقال تعالى: (وَلا يزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) فيما بينهم في نفوسهم، وفي آحادهم، وفي جماعاتهم، وفى أممهم.
وإن الاختلاف على ذلك ابتلاء واختبار، ليبلو الناس فيما، فمن أراد الخير انتزعه من وسط الشر انتزاعا فيكون به الثواب الجزيل، ومن أراد الشر سار فيه، وأعلام الخير واضحة معلمة، تدعوه إلى سلوكه، فإن ضل فعن بينة، واللَّه من
стр. 5213
ورائه محيط، ويكون الجزاء لمن ضل عن سبيله جزاء وفاقا لما جنى على نفسه، وعلى الحق ثم يقول سبحانه:
стр. 5214
(إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ... (١١٩)
الضمير في (خَلَقَهُمْ) يصح أن يعود إلى الناس، ويكون الاستثناء في قوله: (إِلَّا مَنْ رَحِمَ) استثناء من الاختلاف ويكون المعنى ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة في الهداية والتقوى والفضيلة، ولكنه لم يشأ ذلك إلا في الذين رحمهم، وتكون (اللام) للتعليل، أي أن اللَّه تعالى خلق الناس متنازعين في الخير والشر، ولا يهتدي إلى الخير إلا الخلصاء الأطهار، ولذلك خلق الناس مختلفين لتبين الصفوة، ولتصل إلى الخير في وسط أشواك من الباطل فيكون لهم فضل الجهاد في الوصول إلى الحق.
ويصح أن يعود الضمير إلى قوده تعالى: (إِلَّا مَنْ رَحِمَ) أي المستثنى ويكون المعنى كالأول في نتيجته، وغايته أي أن اللَّه تعالى خلق الناس مختلفين متعاركين يخلص الصفوة المرضية، ولأجل تلك الصفوة، والمؤدى في التخريجين أن اللَّه تعالى خلق الناس كذلك ليميز اللَّه الخبيث من الطيب، كما قال تعالى: (مَا كانَ اللَّهُ ليَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى ما أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَميز الْخَبيثَ منَ الطَّيبِ. . .).
وإن القلة التي يرحمها اللَّه بالإيمان، والكثرة هي تكون في النار، ولذا قال تعالى:
(وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ).
أشار إلى الذين رحمهم اللَّه تعالى، وفي هذا النص يذكر الذين عصوا أمر ربهم، والرحمة بهم ليست من عدل اللَّه، لأنهم لم يرحموا أننسمهم، ومن لَا يَرحم لَا يُرحم، فقال تعالى: (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ).
стр. 5215
وتمام الكلمة إحكامها بحيث لَا تتغير، ولا تتبدل، ولا تتخلف، وكلمة اللَّه تعالى هي أمره الذي ظهر في قوله. وفي الكلام قسم مطوي دلت عليه اللام في (لأَمْلأَنَّ) فهي لام القسم، ونون التوكيد ملازمة للقسم فهي أيضا دالة عليه، وقوله تعالى: (مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ).
(مِنَ) هنا لبيان من يملأ منهم، و (الْجِنَّةِ) الكلام على تقدير العصاة أي من عصاة الجن، وعصاة الإنس، والجِن عبر عنهم بالجِنة، والإنس عبر عنهم بالناس كما في قوله تعالى: (مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ).
وقدر عصاة الأمرين:
الأمر الأول: أن الجزاء بجهنم كما في عرف القرآن، وكما هو العقل - يكون للعصاة.
الأمر الثاني: أن الناس مختلفون، فذكر اللَّه تعالى أهل الطاعة، وتفضل عليهم برحمته، فقال فيما سلف (إِلَّا مَن رَّحِمَ) والمخالفون لهم هم العصاة، وكان بمقتضى التقسيم أن تكون لهم جهنم، وقد تأكد أنهم يملأونها.
وعلى ذلك تكون كلمة (أَجْمَعِينَ) تأكيد، بأن العصاة كلهم سيدخلون جهنم، وتمتلئ بهم لَا يفر منها جبار، ولا نافخ نار.
وإذا أريد جنس الجنة، وجنس النار يكون الظاهر، أنه لَا ينجو من أحد الجنسين أحد، ويكون التأكيد لبيان أنه يستوي الجنسان، في ألا يغادرها أحد، كما تقول ملأنا الحقيبة من أوراق امتحان الشريعة، والمدني والجنائي، جميعا، أي فيها الأصناف جميعا غير متخلف بها صنف من هذه الأصناف.
ولا شك أن التقدير الأول أظهر وأبين، وسياق القول يقتضيه، ولقد روي في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ " تَحَاجَّتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ
(وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ) التنوين في (كُلًّا) عوض عن مضاف إليه محذوف يقدر بما يتناسب مع ما يجيء بعده، و (كُلًّا) منصوب بقوله تعالى: (نَّقصُّ) والتقدير على ذلك، وكل نبأ أو كل خبر، أو كل قصص، نقصه عليك متى نخبرك به متتبعين خفاياه، كما يتتبع قاص الأثر الآثار.
стр. 5218
وقوله تعالى: (مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ) أي أخبارهم ذات الشأن كدعوتهم إلى التوحيد، ورد أقوامهم، ومعاندتهم، ثم نزول الهلاك بهم، بعد أن استيئس الرسل، ووقع في نفوسهم أنهم كذبوا، ولا علاج في رشدهِم، وإقرار اللَّه تعالى لما آل إليه أمر هؤلاء المكذبين كقوله لنوح: (. . . أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ. . .) وذكر اللَّه تعالى، ثمرة هذا القصص الذى يقصه تعالى من أنباء المرسلين، فقال عز من قائل:
(مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ).
فكأن الثمرات لهذا القصص الصادق ثلاث:
الأولى. تثبيت فؤاد النبي ﷺ إزاء إنكار المشركين وإيذائهم للنبي ﵊ ومن معه من المؤمنين فإن أولئك الرسل أوذوا كما أوذي، وكانت الباقية لهم وللمتقين فليطمئن النبي ﵊ إلى العاقبة، ولا يغرنك تقلبهم في البلاد فالعاقبة لك ولأصحابك، ومعنى تثبيت فؤاد النبي ﷺ -زيادة تثبيته بأنه لم يكن بدعا من الرسل، وإذا كان اللَّه تعالى قد عذب أقوام الأنبياء الصادقين بالعذاب الذي يجتث من فوق الأرض العصاة، فإنه سيعذب قومك بأمر إرادي كذلك لينتفى الظالمون، فيحصدون بالسيف، ويبقى غيرهم ممن يرجى أن يكون منهم أو من أصلابهم من يعبد اللَّه.
الثانية: الموعظة، وهي الاتعاظ بمن أنزل اللَّه تعالى عليهم العذاب، والاتعاظ طريق الإيمان، ومن لم يتعظ بغيره، فالبلاء في نفسه شديد، وهذا الاتعاظ للمؤمنين أي الذين في قلوبهم اتجاه إلى الإيمان.
الثالثة: الذكرى، أي التذكر الدائم المستمر لما نزل بالأقوام الظالمة.
وهذه أيضا للمؤمنين والذين يتجهون بقلب مدرك للإيمان، هذه ثمرات القصص.
стр. 5219
وقد ذكر اللَّه تعالى بعد تثبيت قلب النبي ﷺ ، وقبل موعظة المؤمنين، (وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ) مؤكدا أن هذه الإيتاء هو الحق الكامل الذي لَا حق فوقه لأنه ثابت صادق، وفيه التثبيت والموعظة، والتذكر الدائم، وقد أكد أنه الحق بـ (ال) التي تدل على أنه كمال الحق لَا ريب فيه (فِي هَذِهِ) أكثر المفسرين على أن الإشارة إلى السورة، لأنها اشتملت على قصص مفصل لبعض الأنبياء.
وروي عن قتادة أن الإشارة إلى الدنيا، واللَّه أعلم.
بعد ذلك أمر اللَّه تعالى نبيه أن ينبه المشركينِ إلى هذا القصص الصادق، وفى هذا التنبيه تهديد لهم فقال تعالى:
стр. 5220
(وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (١٢١)
المكانة الحال، وما تمكنوا منه، والأمر للتهديد، كما تقول لمن يفعل الشر، افعل ما يبدو لك، وكما قال ﷺ : " إن مما أدركه الناس من أقوال النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت " (١)، وكما في قوله تعالى: (. . . اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ. . .).
فالأمر للتهديد، وعبر اللَّه تعالى عن المشركين بقوله تعالى: (لِّلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) بفعل المضارع، أي ليس عن طبيعتهم، وكيانهم أن يؤمنوا، فالكافر الجاحد تنحل عقدة الإيمان في قلبه، فلا ينعقد قلبه على إيمان، بل هو جاحد مضطرب الفكر والنفس والقلب تأسره الأهواء المتنازعة، ويسير مع أشدها انحرافا، وأقواها استهواء (اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ)، أي على حالكم التي أنتم عليها من الغي والضلال، والاستكثار من الأموال، والأهواء والشهوات، وكل ما تمكنون منه من أهواء وشهوات ومفاسد، وبيَّن أن المؤمنين والنبي عاملون فقال: (إِنَّا عَاملُونَ) أي مستمرون في حالنا من إيمان، وإذعان للحق، وصبر على آذاكم