(وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ) التنوين في (كُلًّا) عوض عن مضاف إليه محذوف يقدر بما يتناسب مع ما يجيء بعده، و (كُلًّا) منصوب بقوله تعالى: (نَّقصُّ) والتقدير على ذلك، وكل نبأ أو كل خبر، أو كل قصص، نقصه عليك متى نخبرك به متتبعين خفاياه، كما يتتبع قاص الأثر الآثار.
стр. 5218
وقوله تعالى: (مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ) أي أخبارهم ذات الشأن كدعوتهم إلى التوحيد، ورد أقوامهم، ومعاندتهم، ثم نزول الهلاك بهم، بعد أن استيئس الرسل، ووقع في نفوسهم أنهم كذبوا، ولا علاج في رشدهِم، وإقرار اللَّه تعالى لما آل إليه أمر هؤلاء المكذبين كقوله لنوح: (. . . أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ. . .) وذكر اللَّه تعالى، ثمرة هذا القصص الذى يقصه تعالى من أنباء المرسلين، فقال عز من قائل:
(مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ).
فكأن الثمرات لهذا القصص الصادق ثلاث:
الأولى. تثبيت فؤاد النبي ﷺ إزاء إنكار المشركين وإيذائهم للنبي ﵊ ومن معه من المؤمنين فإن أولئك الرسل أوذوا كما أوذي، وكانت الباقية لهم وللمتقين فليطمئن النبي ﵊ إلى العاقبة، ولا يغرنك تقلبهم في البلاد فالعاقبة لك ولأصحابك، ومعنى تثبيت فؤاد النبي ﷺ -زيادة تثبيته بأنه لم يكن بدعا من الرسل، وإذا كان اللَّه تعالى قد عذب أقوام الأنبياء الصادقين بالعذاب الذي يجتث من فوق الأرض العصاة، فإنه سيعذب قومك بأمر إرادي كذلك لينتفى الظالمون، فيحصدون بالسيف، ويبقى غيرهم ممن يرجى أن يكون منهم أو من أصلابهم من يعبد اللَّه.
الثانية: الموعظة، وهي الاتعاظ بمن أنزل اللَّه تعالى عليهم العذاب، والاتعاظ طريق الإيمان، ومن لم يتعظ بغيره، فالبلاء في نفسه شديد، وهذا الاتعاظ للمؤمنين أي الذين في قلوبهم اتجاه إلى الإيمان.
الثالثة: الذكرى، أي التذكر الدائم المستمر لما نزل بالأقوام الظالمة.
وهذه أيضا للمؤمنين والذين يتجهون بقلب مدرك للإيمان، هذه ثمرات القصص.
стр. 5219
وقد ذكر اللَّه تعالى بعد تثبيت قلب النبي ﷺ ، وقبل موعظة المؤمنين، (وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ) مؤكدا أن هذه الإيتاء هو الحق الكامل الذي لَا حق فوقه لأنه ثابت صادق، وفيه التثبيت والموعظة، والتذكر الدائم، وقد أكد أنه الحق بـ (ال) التي تدل على أنه كمال الحق لَا ريب فيه (فِي هَذِهِ) أكثر المفسرين على أن الإشارة إلى السورة، لأنها اشتملت على قصص مفصل لبعض الأنبياء.
وروي عن قتادة أن الإشارة إلى الدنيا، واللَّه أعلم.
بعد ذلك أمر اللَّه تعالى نبيه أن ينبه المشركينِ إلى هذا القصص الصادق، وفى هذا التنبيه تهديد لهم فقال تعالى:
стр. 5220
(وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (١٢١)
المكانة الحال، وما تمكنوا منه، والأمر للتهديد، كما تقول لمن يفعل الشر، افعل ما يبدو لك، وكما قال ﷺ : " إن مما أدركه الناس من أقوال النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت " (١)، وكما في قوله تعالى: (. . . اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ. . .).
فالأمر للتهديد، وعبر اللَّه تعالى عن المشركين بقوله تعالى: (لِّلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) بفعل المضارع، أي ليس عن طبيعتهم، وكيانهم أن يؤمنوا، فالكافر الجاحد تنحل عقدة الإيمان في قلبه، فلا ينعقد قلبه على إيمان، بل هو جاحد مضطرب الفكر والنفس والقلب تأسره الأهواء المتنازعة، ويسير مع أشدها انحرافا، وأقواها استهواء (اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ)، أي على حالكم التي أنتم عليها من الغي والضلال، والاستكثار من الأموال، والأهواء والشهوات، وكل ما تمكنون منه من أهواء وشهوات ومفاسد، وبيَّن أن المؤمنين والنبي عاملون فقال: (إِنَّا عَاملُونَ) أي مستمرون في حالنا من إيمان، وإذعان للحق، وصبر على آذاكم
стр. 5221
والعاقبة ليست واحدة، فأنتم إلى طريق النار، وغضب اللَّه، ونحن إلى طريق رضا اللَّه، ولكم عبرة ممن مضوا، وقد علمتم قصصهم، ثم أكد التهديد، والبشرى للمؤمنين، فقال:
стр. 5222
(وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢)
أي انتظروا بقية أعمالكم، وعواقب فسادكم وجحودكم، وما استهواكم من مفاسد، و (إِنَّا مُنتَظِرُونَ) ما نرجو من رحمته ورضوانه، وجزاء وفاقا لأعمالنا.
وهذه مقابلة بين الحق والباطل، وسوءى الباطل، وحسنى العاقبة في الحق واللَّه بكل شيء عليم.
(سُورَةُ يُوسُفَ)
تمهيد:
سورة يوسف سورة مكية، وعدد آياتها إحدى عشرة ومائة، وقالوا: إن أربع آيات هي الأولى والثانية والثالثة والسابعة مدنية، ولا نرى فيها ما يدل معناها على أنها مدنية، والله أعلم.
ولقد كفرت طائفة من الطوائف الخارجة عن الإسلام بإنكارها سورة يوسف، وادعاء أنها ليست من القرآن، وكأن القرآن يخضع بالزيادة والنقصان للأهواء المنحرفة، وإن ادعت التمسك بالدين، فهي تمرق منه مروق السهم من الرمية، وأولئك هم أتباع عبد الكريم عجرو، وإن القرآن كله غير منقوص ثبت بالتواتر عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وأنه تلقاه عن جبريل الرسول الأمين عن رب العالمين مرتلا متلواّ، كما قال تعالى: (. . . وَرَتَّلْنَاهُ تَرتِيلًا).
وما كان لنا أن نعرف ما دفعهم إلى هذا الإنكار الذي كفروا بسببه، ولكن نذكره لبيان أنه وهم كافرين لم يذوقوا القرآن ولم يعلموه، قالوا إنها قصة غرام، ونزلت دفعة واحدة، والقرآن منزه عن ذكر الغرام والحب، والقرآن نزل منجما، ونقول في الإجابة عن ذلك، إنها قصة المجتمع المصري، والأسرة الفرعونية التي طغت في البلاد وأكثرت فيها الفساد، وقال قائلهم: (. . . أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى)، وبيته على هذا النحو من الانحلال، وهي بينت مغبة الغرام، وكيف يوجد الانحلال، والاستعصام بالفضيلة حيث تفور فورة الرذيلة، ودعوة الوحدانية في وسط الوثنية، وتدبير الاقتصاد، واستعانة الفراعنة بخبراء الاقتصاد حيثما كانوا، وخضوعهم لآرائهم، وتوسيد الأمر لهم، ثم هي تبين مركز مصر
стр. 5225
الاقتصادي، واستعانة من حولها بها، ثم تثبت نفسية الآباء مع الأبناء، والحسد بين الإخوة، وما ينبغي عند تربية الأولاد.
وإن ما سموه الغرام المنحرف لم يكن إلا في جزء صغير منها، ولم يستغرقه، بل ترددت عباراته، وقد ابتدأته بـ (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ. . .)، وانتهت بدخوله السجن، وهي ثماني آيات، فيها الغرام من جانبها والاستعصام من جانبه، وباقي السورة حكمة واقتصاد وتدبير، وتعاون، ومشقة وصبر، ثم لقاء الأحباب على مائدة المودة والأخُوة الودود.
فكيف تسمَّى سورة غرام إلا ممن انحرف عقله انحرافا منعه من استيعاب السورة.
وإن القرآن لم ينزل كله منجما، فأول سورة التوبة نزل دفعة واحدة، وأكثر سورة الأنعام نزل دفعة واحدة وسورة إبراهيم أكثرها نزل دفعة واحدة.
وإذا كان ممن تسموا باسم من الخوارج من قال هذا القول، فقد كان منهم أيضا، من أجاز نكاح البنات والأمهات والمجوس، وهم - بلا شك - كافرون كإخوانهم.
ونقول: إن أكثرهم كان مؤمنا منحرف العقل، ورضي الله عن علي بن أبي طالب إذ قاتلهم، وقتل منهم مقتلة كبيرة، فقد قال بعد ذلك القتال: (لا تقاتلوهم بعدي، فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأصابه).
إن القصص الذي في هود وغيرها، كان في الأرض العربية، ولم يكن فيها من غير البلاد العربية، إلا قصة موسى ﵇، وقد ذكر فيها طغيان فرعون، وخضوع أهل مصر له، في نفوسهم، وأفكارهم، وعقولهم حتي ساغ له أن يقوك: (. . . مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (٢٩).
أما قصة يوسف ﵇ فإنها تناولت ناحية اجتماعية، تعرضت للأسرة، وما يجري في داخل القصور، وتعرضت للمجتمع المصري، وانحراف نساء الطبقة التي
стр. 5226
تسمى راقية، ثم تعرضت للاقتصاد في مصر، وكيف كان يدبره إلى آخر ما جاء في السورة الكريمة، ثم صوَّرت لقاء الأحبة بعد أن فرق الحسد فيما بينهم.
* * *
الحسد بين الإخوة في سورة يوسف
إذا كان الحسد بين ابني آدم قد حمل أحد الأخوين على أن تطوع له نفسه قتل أخيه، فقتله، فالحسد بين يوسف وإخوته على أن يحاولوا أن يلقوه في غيابة الجب.
رأى يوسف رؤيا صادقة، وهو غلام، قال يوسف لأبيه (. . . يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) فَهِم يعقوب الأب الحبيب الذي يؤثر يوسف على إخوته باختصاص بمحبة أكثر لصغره، ومنها أن ليوسف منزلة عند الله فوق منزلة إخوته، فقال له: (. . . لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ).
ولقد أخبره باصطفاء ربه له، وتعليمه من تأويل الأحاديث، ما قد يثير إخوته.
(لَقَدْ كَانَ فِي يُوسفَ وَإِخوَتِهِ آيَاتٌ للسَّائِلِينَ)، أي دلائل تبين حكمة الله تعالى في الخلق والتكوين، وطبائع النفوس، وطغيان الحسد على المحبة الأخوية والمودة الواصلة، وإن تسعة أعشار الجرائم أو كلها سببها الحسد، فإذا اقتلع من النفوس اقتلع أكثر الأخباث النفسية. و (لِّلسَّائِلِينَ) أي الباحثين الدارسين لطبائع النفوش.
ابتدأ التدبير السيئ بقولهم: (. . . لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ. . .)، لم ينفذوا القتل، أو لم يريدوه، وذلك للمشورة، فكان منهم
стр. 5227
من لم يرد القتل المباشر، بل أراد القتل البطيء، أو الموت المحتمل وذلك حين تكون الحياة أقرب من الموت، ولذا قال: (. . . يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ. . .).
* * *
التنفيذ
ذهبوا إلى أبيهم، و (قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (١١) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (١٢).
عندئذ قال يعقوب ما يدل على توجسه خيفة على ولده الحبيب العزيز، وفرطت من الرجل الطاهر نبي الله كلمة اتخذوها ذريعة لستر جريمتهم، قال لهم: (. . . إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (١٣).
لقد ذكر أنه يخاف أن يأكله الذئب، في غفلتهم، فلقنهم ما يستر إجرامهم، قالوا وقد وجدوا الحجة وأخفوها في أنفسهم، (. . . لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (١٤).
ذهبوا به واجتمعوا أن يلقوه في غيابة الجب (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)، وقد ألقى اللَّه تعالى في روع يوسف الغلام الحبيب أنه سيعلو عليهم، وسينبئهم بأمرهم هذا وهم لَا يشعرون.
بعد أن ألقوه في الجب (وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦) قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧).
وهكذا ترى أن الأب الشفيق الكريم قال إني أخاف أن يأكله الذئب، فقالوا ساترين جريمتهم أكله الذئب، ونبي اللَّه تعالى لم يصدق أبناءه، بل قال بعد أن جاءوا على قميصه بدم كذب: (. . . قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨).
стр. 5228
استراح إخوة يوسف، أو توهموا أنهم استراحوا، وعشى على قلوبهم الحسد البغيض فلم يدركوا ما صنعوا وبقيت لوعة الشيخ أبيهم تترقب ابنه، ولم يذهب عنه الأمل في لقائه، ولم ييئس (. . . إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ).
ولننظر في قصة القرآن عما جرى ليوسف، وقد ألهمه اللَّه تعالى الاطمئنان، جاءت قافلة تسير فأرسلوا واردهم يتعرف أماكن الماء، فوجد الجب، فألقى دلوه، فلم يخرج الماء، ولكن خرج ما هو أطهر فاستبشر، و (. . . قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ. . .)، وأسروه على أنه بضاعة، ولأنها بضاعة جاءت من غير ثمن، باعوه بثمن بخس دراهم معدودة، ولم يكونوا راغبين في اقتناء هذه البضاعة بل كانوا فيه من الزاهدين.
وإذا كان قد استقبل شقوة الحسد، فقد استقبل بعد ذلك بالبشر والحبور، (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا. . .)، وكذلك أشرق النور في وسط الظلمة.
وبذلك مكن اللَّه تعالى ليوسف، وألهمه اللَّه تعالى تأويل الأحاديث التي تتحدث بها النفس في منامها، (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢).
ولكن النفس الصبور يصقلها الله تعالى بالشدة، وإذا كانت الشدة التي استقبلته أولا كانت تتعلق بحياته أو موته، فالشدة الثانية أخطر على نفس الصديق يوسف.
(وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عن نفْسِهِ. . .)، أي أرادته لنفسها، وحاولت أن تخرجه من نفسه الطاهرة الصافية، (. . . وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ. . .).
في وقت هذه المحنة النفسية رأى نور الحق الذي يعصم نفسه، فبقي
стр. 5229
نقيا طاهرا، وصرف عنه السوء والفحشاء، إنه من عباد الله الصالحين، واستبقا بعد ذلك إلى الباب هو يفر هاربا، وهي تمنعه وتجذبه إليها، وفي هذه المسابقة قَدَّت قميصه من ورائه، لأنها تجري وراءه لتشده إليها مانعة له من الخروج.
ولكنهما وجدا سيدها لدى الباب، وببداهة المرأة التي تفجر ألقت التهمة على يوسف، و (. . . قَالَتْ مَا جَزَاء مَن أَرَادَ بأَهْلِكَ سُوءَا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمّ).
فبرَّأ يوسف نفسه عن التهمة، وقال الصدق: (. . . هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفسِي. . .).
اتهمته كاذبة، واتهمها صادقا، فلم يندفِع العزِيز، واحتكم، فحكم حكم من أهلها: (. . . إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧)
فألفيا قميصه قُدَّ من دبر، وبذلك تبين كذبها، وصدقه.
اطمأن زوجها إلى براءة يوسف، وقال: (. . . إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩).
وإن أخبار القصور تشيع وتنتشر، وقد كانت قصة المراودة بين زوج العزيز، ويوسف، وزوجها وبعض ذوي قرباها، ولا ندري كم كان عددهم، والخبر إذا خرج عن اثنين شاع، والناس دائما في شوق إلى ما يجري داخل القصور، وينشر دائما ما فيه غرابة.
(وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ ... ) فأقامت لهن وليمة (فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢).
стр. 5230
ومع تصميمها على المراودة، كان تصميم يوسف على الطهر، والدفع، ورضي بالسجن عن هذه المعصية و (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ. . .).
كان الخبر يشيع، وقد رأى العزيز وملؤه الآيات الدالة على براءة يوسف، وأنه كان فريسة الراودة ولم يكن فاعلها. وقد رأوا حسما للشائعات حبسه (ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥) أي حتى تمر مدة تهدأ فيها عواصف الشائعات.
دخل السجن، ومعه فتيان، استأنسا به، وفاضت نفوسهما إليه، ورأى كل منهما رؤيا، فقال أحدهما يقص رؤياه: (. . . إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦).
أجابهما، (قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨).
ابتدأ بالدعوة إلى التوحيد، وهو رسالة النبيين، ومعه دليلها، وهو تعليم اللَّه تعالى له، أنه ينبئهم بما يأكلون، كما علم عيسى من بعده، ثم أوَّل رؤياهما فقال: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١).
ويظهر أنه أُهمل أمره، فأراد أن يذكر العزيز به: (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢).
رأى الملك رؤيا فتذكر الناسي، (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤).
стр. 5231
وهكذا شأن أتباع الملوك، لَا يتذكرون واجبا إلا لإرضاء صاحب السلطان فادّكر بعد فترة طويلة ساقي الخمر للملك (وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا. .) وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ (. . . أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ) ذهب إلى السجن، وقابل السجين الطاهر المؤمن النبي، فقال: (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦).
قال الصدّيق الطاهر، الذي علمه ربه: (. . . تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩).
أي يحلبون، ويعصرون فالعصير من الثمار.
علم الملك الذي أوّلت له الرؤيا، ولعله نسي المراودة وأمرها كشأن حكام مصر من الأزل، ينسون من يحسن إليهم ولا يذكرونه، وأي إحسان أعظم من أن يكرم شرفه وعرضه.
قال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي، ولكن يوسف الصديق الطاهر لا يذهب إلا وقد ثبتت براءته، فقال للرسول الذي أرسله الملك (. . . ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠).
رجع الملك إلى الماضي، وسأل امرأته التي فتنت بالصديق وأسند يوسف الكريم الأمر إلى النسوة، ولم يسنده إلى امرأة الملك.
قال الملك: (. . . مَا خطبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ. . .)، عندئذ تقدمت امرأة العزيز تعترف بذنبها، وتبرئ يوسف، قالت امرأة العزيز: (. . . الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١)
стр. 5232
ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣).
بعد هذه البراءة، وقد تضمنت حياته في السجن دلائل نبوية، ودعوة إلى التوحيد إذ يقول: (. . . أَأَرْبَابٌ متَفَرِقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) كانت حياة جديدة، دعاه الملك واستخلصه لنفسه، وقال: (. . . إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ)، تولى أمر المالية المصرية (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧).
كانت مصر في ذلك الإبَّان وما بعده مُستراد الخير (١)، وبتنظيم نبي اللَّه يوسف، وتمكينه من الملك صارت مقصد الشرق، وجاء إخوة يوسف يمتارون، فعرفهم إذ لم يكن التغيير فيهم كبير، ولم يعرفوه إذ ألقوه في الجب غلاما، وقد صار رجلا مكتملا، وقد جهزهم، وأعطاهم ما طلبوا، ولكن قال لهم:
(. . . ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (٦٠) قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (٦١).
وإنه بهم لشفيق إذ قال لمن معه، ( ... اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يرْجِعُونَ) وذهبوا إلى أبيهم وقالوا: (. . . يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣) قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤).
فتحوا متاعهم فوجدوا بضاعتهم ردت إليهم، ففرحوا وقالوا ما نبغي شيئا فوق ما سهله لنا.
(. . . قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥).
стр. 5233
ولكن الشيخ يعقوب حريص على ولده، ويريد المواثيق عليه (قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦).
ولشفقته على أولاده وخوف العَيْن قال: (. . . يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ. . .)، ولكنها الشفقة الأبوية دفعته لأن يتصون عليهم.
دخلوا على يوسف، فآوى إليه أخاه، وقال: (. . . إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، ثم جهزهم بجهازهم، وأودع السقاية في رحل أخيه (. . . ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢). زعيم: أي كفيل، قالوا: (. . . مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ. . .)، أي يكون مِلْكا.
أخذوا يفحصون أوعيتهم قبل وعاء أخيه، ثم استخرجوها من وعاء أخيه، كذلك كان تدبير اللَّه تعالى ليأخذ أخاه بعد طول افتراق.
ولقد كانت لفتة من عداوة أبناء العِلات (١) التي تظهر في القول لَا تزال متمكنة في قلوبهم (قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧) قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩).
ندموا وتذكروا موثق أبيهم، وذكرهم به كبيرهم، وقال: (. . . فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠) ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ
стр. 5234
فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢).
قالوا لأبيهم ذلك، ولكنه أحس بأمر، رشح له ما كان بالنسبة ليوسف من قبل، فقال مثل مقالته الأولى: (. . . بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ. . .) وبإلهام النبوة توقع الخير في وسط هذه الشدة، وقال: (. . . عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦) يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧).
ذهبوا إلى يوسف طالبين الميرة مرة أخرى، و (. . . قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨).
* * *
اللقاء على المودة والعفو
أعلن يوسف الصديق نفسه لإخوته فقال لهم: (. . . هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩) قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١).
قال كلمة العفو الودود: (. . . لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢) اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا. . .)، ذهبوا إلى الشيخ الذي ابيضت عيناه من الحزن، فأحس بريح يوسف، وقالوا: إنه أحس من بُعْد ثمانين ميلا، ولا غرابة في ذلك فهو أبو الأنبياء (وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤)
стр. 5235
قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥) فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٩٦) قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨).
وبهذا تنتهي قصة يوسف الصديق الحبيب؛ أُخذ من بين أهله، وأُلقي في الجب، وانتهى ملكا مصلحا، ونبيا مبشرا ونذيرا، وكان له أثر في مصر، ذُكر بعده بقرون عندما بعث موسى، فقد قال تعالى على لسان مؤمن آل فرعون: (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ ممَّا جَاءَكُم بِهِ. . .).
التقى الأحباب (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا. . .)، أي خضعوا لحكمه كما تخضع الرعية لراعيها العادل، لَا أنهم سجدوا له كما كان يسجد للفراعنة، فمعاذ اللَّه أن يكون نبي اللَّه يعقوب ساجدا لغير اللَّه، ومعاذ اللَّه أن يقبل ذلك يوسف نبي اللَّه من أبيه.
أخذ يذكر يوسف أباه برؤياه الأولى، ويذكر له كيف أخرج من السجن بعد أن نزغ الشيطان بينه وبين إخوته ولم يبق إلا أن يحمد اللَّه على ما أوتي من نعمة، ويقول: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١).
* * *
العبرة
كانت القصة كلها من الأخبار الغيبية على العرب، وقد كان فيها أخبار عن ناس لم يكن من شأنها أن تكون معلمة، معلنة، إذ هي أخبار أسرة، (. . . وَمَا كنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ) فتلك أخبار النفوس لَا يعلمها إلا علام الغيوب، وتلك معجزة الذي كفروا به.
وإن الكون كله آيات بينات دالة على منشئه الواحد الأحد الفرد الصمد، وإذا كانوا يؤمنون باللَّه تعالى، فهو إيمان بالقدرة، ووحدانية الخالق المنعم، ولكنهم يعبدون غيره، وهذا قوله تعاِلى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُون).
стр. 5236
وإنهم يرون آيات اللَّه تعالى تنزل بالمشركين، (أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٠٧).
وإن الحق ما تدعو إليه، (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨).
ولقد بين أنه لم يكن بدعا من الرسل، وأن الرسل قبله كانوا مثله، (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠٩).
ويبين للنبي ﷺ أن الرسل كانوا يستيئسون، وفي حال يأسهم يجيء عذاب اللَّه للمشركين (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠).
الرسل جميعا اعتراهم اليأس إلا محمدا ﷺ ، وذلك فضله عليهم أجمعين، بل قال وهو في أشد ما نزل به وقد فقد الناصر والمواسي: " إني لأرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله " (١)، ولقد ختم السورة بقوله تعالت كلماته: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)
صدق اللَّه العظيم.
ما سبق استعراض لمعاني سورة يوسف ﵇ إجمالا، وما كانت قصة غرام كما افتراه الكاذبون، إنما فيها آفات النفوس في الأسر، وعلاجها، وفيها علاج المجتمعات التي يصيبها الفقر، وفيها أن الشفقة في الأسرة هي إدامها، وفيها أن الشيطان ينزغ في النفوس من الحسد الذي يؤدي إلى أشد الجرائم فظاعة.
* * *
ابتدأ هذه السورة بحروف صوتية منفردة، ومهما يحاول العلماء أن يفسروها لَا يصلون إلى معانيها وهي ظنون يرددونها وليست معاني يستقيم إدراكها، إنها متشابه اختص اللَّه تعالى بعلمه، وقد آمنا به، كل من عند ربنا، ولا ينبغي تأويله، وما يعلم تأويله إلا اللَّه.
ونتلمس الحكمة في نزول هذه الحروف، فما أنزل اللَّه شيئا إلا لحكمة، وما أنزل شيئا عبثا سبحانه، وإنا نتلمس الحكمة في أمور:
стр. 5239
الأمر الأول: أنها حروف مفردة لَا يعرفها الأُميّ، ويعرفها الكاتب، فمجيئها على لسان أمي دليل على إعجاز القرآن الكريم.
الأمر الثاني: أنها تشير إلى الإعجاز، فهي تشير إلى أنه مكون من الحروف التي تتكلمون بها، ولكنه معجز، فهو من جنس كلامكم، ولكنكم لَا تستطيعون أن تأتوا بمثله؛ لأنه فوق طاقتكم، وإن كان قريبا لكنه معجزة.
الأمر الثالث: أن كبار المشركين كانوا قد اتفقوا على أن يلغوا إذا سمعوه ليشغلوا أنفسهم، فكان النبي ومن معه من المؤمنين إذا ابتدءوا يقرأون بهذه الحروف الصوتية قطعوا عليهم كفرهم والتفتوا مستمعين ناقضين ما اتفقوا عليه، كما اتفقوا على ألا يذهبوا ويسمعوا، ثم تبين أن المتفقين على المقاطعة، قد اجتمعوا ليسمعوا.
ولذا يذكر القرآن أمر الكتاب بعد هذه الحروف في كثير من السور التي ابتدئت بها، واللَّه أعلم.
стр. 5240
(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ... (٢)
الضمير يعود على القرآن الذي تشير إليه هذه الحروف، حتى قيل: إنها اسم للسور التي تصدرتها (قُرْآنًا عَرَبِيًّا) أي أنزلناه كتابا يقرأ عربيا، وليس أعجميا، فهو قرآن عربي، وليس بأعجمي، وهذا النص يدل على أمرين:
الأمر الأول: أنه نزل مقروءا متلوّا، علمنا اللَّه تعالى قراءته وتلاوته، ولم يتركنا نتصرف في قراءته، كما نقرأ كلاما من كلام الناس، بل علمنا قراءته وترتيله، كما قال تعالى: (. . . وَرَتَلْنَاهُ تَرْتِيلًا). وكما قال تعالى في نزوله، وجبريل يقرئه للنبي ﷺ : (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩).
الأمر الثاني: إن القرآن المعجز هو العربي، وليست ترجمته قرآنا؛ لأنها من عبارات البشر، ولأن الترجمة لَا يمكن أن تكون محققة لمعاني القرآن، إذ هو
стр. 5241
عميق يغوص فيه الغواصون على الحقائق، وإنه محدد المعاني، تزيد المعاني في نفس القارئ بمقدار ما يزداد إدراكه، وهو واضح لكل إنسان بمقدار إدراكه، فالأمي يدرك منه بمقدار ما تتسع له طاقته العلمية، والعالم بالكون تتسع له المعاني بمقدار طاقته، ولذا وصفه العربي البليغ بقوله: إن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو، ولا يُعْلَى عليه.
ولا يصح أن يدعى لأحد أنه ترجم القرآن، وأن ترجمته قرآن يتعبَّد بتلاوته، ويسجد له سجدة تلاوة ولا يمسه إلا وهو طاهر، وقد أجمع على ذلك العلماء؛ السلف والخلف على سواء، إلا من ران اللَّه على قلبه وعقله، وإذا كان قد روي عن أبي حنيفة أنه أجاز الفاتحة بالفارسية، فإن الراجح أنه رجع عن ذلك، عندما لانتْ ألسنة الأعاجم، بقراءة القرآن (١)، وقانا اللَّه تعالى شر البدعة والمبتدعين.
وقال تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)، أي رجاء أن تعقلوا معانيه، وما يدعو إليه وما يتضمنه من بلاغة معجزة وما فيه من بلاع للناس، والرجاء من الناس لَا من اللَّه، أي لعلكم تكونون في وضع من يرجو الإدراك السليم، والله عليم بما تخفي الصدور.
وقد مهد اللَّه لقصة يوسف، التي كان الخبر عن يوسف الصديق ﵇ هو قطبها الذي دارت عليه أخبارها، عليه وعلى نبينا أفضل السلام وأتم التسليم، فقال:
стр. 5242
(نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)
الضمير (نَحْنُ) ضمير المتكلم، وهو اللَّه تعالى، وهو الله العظيم في ذاته وصفاته، (نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ)، والقصص الإخبار المتتابع، الذي يحكى، ويتبع ما يحكيه، تتبع الاستقصاء، وعبر عنه سبحانه بأنه (أَحْسَنَ
стр. 5243
الْقَصَصِ)؛ لأنه قُصَّ بأبدع أسلوب، ولأنه يبين عجائب النفوس، وفيه أحسن الآداب، وما ينبغي لاتقاء آفات النفوس، وانحرافها، ولأن فيها علاج الآفات النفسية التي ينزغ فيها الشيطان نزغته، ولأن فيها علاج الأمم في اجتماعها واقتصادها وإفضاء بالخير على جيرانها، وإمداد المحتاجين من الأمم، ففيه الخير، كما في إمداد الآحاد بالخير.
(بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ) أي أن هذا القصص مصدره الوحي، ولا علم لأحد به حتى يعلمك هذا، ولذا قال: (بِمَا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ)، أي بإيحائنا، ولا مصدر له إلا وحي اللَّه تعالى، وقد أوحى به في ضمن القرآن الكريم، ليكون دليلا من أدلة إعجازه، وسببا من أسباب الإعجاز، إذ أخبر بما هو صادق، ولم يكن للعرب علم به عندهم، ولذا قال تعالى: (وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) " إنْ " مخففة من الثقيلة، وإنها ضمير الشأن والحال، والمعنى وإن الحال والشأن كنت من الغافلين، و " اللام " لام التوكيد، وقد تأكد نفي علم النبي بذلك من غير الوحي بـ " إن " المخففة من الثقيلة، و " كان " الدالة على استمرار غفلته عنه من قبل ذلك القرآن المبين الذي أوحى به.
وعبر سبحانه بإثبات الغفلة، لَا بمجرد نفي العلم؛ للإشارة إلى أن هذا من دقائق العلم وعميقه الذي تغفل عنا، العلماء، إلا من يكون آتاه اللَّه تعالى وحيا من علام الغيوب؛ لأنه علم بالنفوس، وخواطرها وما تختلج به الأفئدة، وذلك لا يكون إلا من عليم، وفيه علم كامل بالاقتصاد من غير تعليم أحد من البشر، فعلم يوسف بالاقتصاد الصالح مع النزاهة النبوية علم من اللَّه، فعلمه اللَّه تعالى تأويل الرؤيا الصادقة، وبها اهتدى ودبر الأمر، وادخر من سني الرخاء للشدة، وكان تدبيره خيرا، وبذلك علم الناس، ألا يسرفوا في رخاء حتى لَا يقحطوا إذا اشتدت من بعد.
وقد ابتدأ ذكر القصص بذكر الرؤيا التي رآها، وهو غلام،
(إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤)
стр. 5244
(إنِّي رَأَيْتُ) من الرؤيا لَا من الرؤية البصرية، فهي رؤيا في المنام، لقول أبيه له فيما قصَّ القرآن الكريم: (لا تَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ)، الرؤية تكون رمزا لأمور مغيبة، فهذه الكواكب أحد عشر، رمز لإخوته وعددهم أحد عشر، وقد قال في ذلك ابن عباس وقتادة: الكواكب إخوته، والشمس أمه، والقمر أبوه، وهذا تأويل الرؤيا كما فهم يعقوب أبوه ﵇، والسجود هو الخضوع، وقد ظهر التأويل الصادق في آخر السورة، وقد خضع لحكمه أبواه وإخوته.
وإن هؤلاء كانوا إخوته من أبيه، كما جاء في حالهم عندما سألهم عن أخ لهم من أبيهم، وهو شقيقه فدل هذا على أنه مع إخوته الأحد عشر من أولاد العلات الذين تختلف أمهاتهم، ويتحد أبوهم، ولا يكونون متحابين كتحاب أولاد الأعيان أي الأشقاء، ويجد الشيطان فرصة لينزغ بينهم.
وقد ذكروا أسماء الكواكب في روايات لم تصح عندنا، ولا نحتاج إلى معرفتها؛ لأن المغزى متحقق، وهو أنه رأى هذه الرؤيا الصادقة، ورؤيا النبيين لا تكون إلا صادقة، ويوسف عندما رآها كان غلاما، ولا يمنع ذلك من أن تكون صادقة، فإن صدق الرؤى ليس مقصورا على الأنبياء، إنما رؤى الأنبياء مقصورة على الصدق، رأى نبي اللَّه تعالى يعقوب ﵇، ما يحرك نفوس الإخوة، أن تثير هذه الرؤيا حسد إخوته الذين ليسوا أشقاء فقال:
стр. 5245
(لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥)
هذا درس حكيم لمن يكون له أولاد علات، يجب عليه أن يعلم أن الشيطان ينزغ بينهم بالعداوة ويزكي لهيب التحاسد بين الأولاد، فيجب عليه أن يمنع ما يوجب التحاسد، فوراء التحاسد التباغض، وعداوة القرابة تكون أشد إزراءً (١)، كما قال الشاعر:
стр. 5246
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند لم يرد نبي الله يعقوب أن يذكر يوسف الرؤيا لإخوته وقال في سبب النهي عن قص الرؤيا على إخوته (فَيَكِيدُوا لَكَ كيدًا) (الفاء) تدل على أن ما قبلها وهو القصص سبب لما بعدها وهو الكيد، والكيد هنا هو التدبير السيئ الذي يسببه الحسد، الذي هو سلاح الشيطان، لذا قال بعد ذلك (إِنَّ الشَّيطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مبِينٌ) أي إنه عدو لك ولإخوتك، ولذا يغري بينكم بالعداوة والبغضاء، وتكون الإساءة بدل الود.
وإن هذه القصة فيها آيات بينات دالة على النفس الإنسانية في توادها، وبغضائها، ورعاية الله للضعفاء، والأخذ بأيديهم من المهانة إلى المعزّة، وقد قال تعالى فيها، إن فيها آيات للسائلين.
وفى وقت هذا الحرص الشديد على منع يوسف من القصص على إخوته حتى لَا يثير حسدهم، بشره بأن الله اجتباه لمكانة عظيمة، فقال مبشرًا:
стр. 5247
(وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)
الاجتباء افتعال من " جبى "، وهو الجمع للنفس، فمعنى اجتباك أي جباك لنفسه، واختارك ، أي لتكون خالصا لله تعالى، (وَكَذَلِكَ) الإشارة إلى ما تضمنته الرؤيا، أي كهذه الرؤيا التي سجدت لك فيها الكواكب والشمس والقمر، يختارك الله تعالى لتكون نبيه (وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ)، أي معرفة مآل الأحاديث في الرؤيا، وفي الرؤية، فيعرف صادقها وكاذبها، ويتبم نعمته عليك بالنبوة والملك والسلطان العادل (كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْل إبْرَاهِيمَ) إذ جعله خليله، وصفيه وحبيبه، (وَإِسْحَاقَ) أي وكما أتمها على إسحاق بالنبوة وحباه من ذريته النبيين، وآل يعقوب هم إخوته وأسرته، وعلى رأسها أبواه.
стр. 5248
وقد صحت نبوءة يعقوب التي فهمها من الرؤيا الصادقة، فقد أجلس أسرته على عرش مصر، كما تبين من آخر القصة، وسنذكره إن شاء الله تعالى.
* * *
في قصة يوسف آية للسائل
قال تعالى:
(لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧) إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (١٠)
* * *
هذا تدبيرهم الماكر، وقد ابتدأ اللَّه سبحانه بالإشارة إلى ما في قصة يوسف ﵇ من آيات بينات في تكوين النفوس والمجتمعات من أول الأسرة إلى المجتمع الإنساني الأكبر الذي يجمع العناصر المكونة للمجتمع الكبير والمجتمع الصغير، وفي الأسرة والحي.
أول هذه الآيات بدءا وظهورا: " الحسد " الذي يعتري أولاد العلات أو أولاد الضرائر، وهو ظاهرة من الظواهر التي تبدو، ويحسب بعض الناس أنه داء لا علاج له، والسورة تشير إلى أنه داء، يمكن تَوَقِّيه، وإذا وقع يمكن تحسين عواقبه، وأنه لَا يصح لإبعاده، منع تعدد الضرائر، أو منع تعدد الزوجات.
стр. 5249
ولكن السورة أشارت إلى أن الوقاية منه هو منع ما يثيره، بإظهار المنزلة العالية، لبعض الأبناء، وإظهار البخس للآخرين أشار إلى ذلك قول يعقوب ليوسف: (لا تَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا.) وإن هذا الحسد ليس حسدا مستمكنا بحيث يبقى بين الإخوة ما داموا، بل إنه سرعان ما تقضي عليه المحبة التالية التي إن اختفت حينا، فلن تختفي طوال الحياة، وسرعان ما تكون، وهي الباقية، والأصل، والحسد عارض لَا يدوم، ألم تر لقاء يوسف بإخوته ذلك اللقاء الحبيب، وهم يقولون: (. . . تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١).
والثانية: من الآيات النفسية. أنه لَا يذهب بقوة الرجل غير الحزن الدفين المستكن في النفس، فهذا يعقوب الإنسان يُمضّ نفسه الحزينة، حتى تبيض عيناه من الحزن وهو كظيم.
الثالثة: أن البِشْر بعد البؤس، والسرور بعد الألم يرد إلى النفس ما أذهبه الحزن، فإنه لما ألقى على وجهه قميص يوسف ارتد بصيرا؛ لأن الحزن قد ذهب إلى غير أوبة، والسرور يفعل فعله في الجسم فيزيل ما فعلته الكآبة فيه.
الرابعة: أنه في وسط ثورة الباطل وحدَّته في غلمان يعقوب وحسدهم لأخيهم وجد من يدعو إلى الرفق، ويستمع إليه، فقد اتفقوا على قتله، فجاء واحد منهم، وهم في حدة الحسد، وقال: (. . . لَا تَقْتُلُوا يوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَارَةِ. . .)، وهذا يوحى إلى أن كلمة الرفق لها استجابة في أشد الإخوة عنفا.
الخامسة: إن أشد ما يثير الحسد، هو الإيثار بالمحبة، فإن إثارة الحسد، لا تكون بالإيثار بالطعام أو الشراب وإعطاء المال فقط، بل إن الإيثار بالمحبة أفعل وأشد، ألم تر أولئك الغلمان يقولون: إن يوسف وأخاه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة. .
стр. 5250
السادسة: أن الصِّبا أقرب إلى حب الانتقام من كِبَرٍ في السن، فشدة الصبا، معها شدة الجهالة وحب الانتقام، من غير نظر إلى العواقب، وأنت ترى صبيان يعقوب، وهم يحسدون يوسف قد بدَّله الله تعالى منهم رجالا يتحملون التبعات بعد أن أوشكوا أن يكونوا كهؤلاء أو كانوها.
السابعة: أنه لَا يطفئ الحسد إلا المحبة القوية المانعة، ألم تر أن المحبة التي كانت تنبعث من قلب الأب الرفيق الشفيق كانت تنهنه من حدة الحسد فيهم؛ وقد بدا ذلك منهم عندما طلب يوسف أخاهم من أبيهم، فقالوا: (. . . إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ. . .)، فهل كانت هذه حالهم عندما أخذوا يوسف، وألقوه في غيابة الجب بعد أن أرادوا قتله.
وإن هذا يدل على أن حسد الإخوة مهما يكن مآله إلى زوال، وعوامل زواله أقوى من عوامل بقائه.
الثامنة: أن الدعوة إلى الخير لَا يصح أن يكف عنها المؤمن مهما يكن في حال من البؤس والألم، ألم تر يوسف الصديق وهو في السجن، لم تشغله حاله عن الدعوة إلى التوحيد.
التاسعة: أن السورة تصور النفس الإنسانية في انحرافها، واستقامتها، ألم ترها تصور امرأة العزيز وقد انحرفت عن الجادة نحو فتاها، وأنه شغفها حبا، وإن ذلك يدل على فساد القصور في هذا العهد، وألا ترى أن في هذا دعوة لأن يحتاط أرباب البيوت فلا يجعلون في خدمهم جميلا؛ فإنهم يفسدون به نساءهم، ويفسدونهم، ويطمعونهم فيهم.
وإن هذه الحال من شغف امرأة العزيز بيوسف، وردها، ومقاومة دواعي الهوى في شاب قوي فتي، يدل على أن الإرادة القوية الحازمة تكبح جماح الشهوة.
стр. 5251
العاشرة: أن السورة تصور نساء الطبقة المترفة في ذلك العصر لقد كن يُشعن قالة السوء وينشرنها، غير ملتفتات إلى عواقب ما يقلن، وما أشبه الليلة بالبارحة، فإن ذلك لَا يزال خلق المترفات من نساء مصر، وخصوصا أهل القصور.
الحادية عشرة: أن الرؤيا الصادقة سبحة روحانية، وأنها تكون للمشركين كما تكون للمؤمنين، والإنسان ولو كان مشركا له روح، فقد رأى الفَتَيان صاحبا يوسف في السجن، رأيا رؤية كانت صادقة، فأوَّل لهما يوسف الصديق الرؤيا، ووقعت كما أوَّل.
الثانية عشرة: أن يوسف ﵇، كان علمه لدنيًّا من الله تعالى، فما تعلم على أحد، وما درس، فقد فصل عن أبيه في سن دون سن التعلم، وعاش عيش العبيد، وهو " الكريم ابن الكريم " (١)، وقد علمه اللَّه تأويل الأحاديث، وعلمه تدبير السلطان، وخصوصا وقت أن تعقَّد الاقتصاد وتأزمت حلقاته.
الثالثة عشرة: أن مصر كانت مصدر الخير، لأهل الشرق، فكانت مزرعته الذي يقصد إليها في شدائده.
الرابعة عشرة: أن أرض اللَّه يفيض خيرها بعضها على بعض، كما رأيت ما أفاضت به مصر على جيرانها، وكيف كانت تميرهم، وتمونهم.
الخامسة عشرة: أن اللَّه تعالى له عبرة في خلقه، كيف جعل ذلك الأسير الذي باعوه بثمن بخس لأنهم لَا يريدونه - ملكا مسيطرا على مصر، ومن حولها من بقاع الأرض.
السادسة عشرة: أن سيادة العدل تأتي بالخير الوفير، وأن الظلم لَا يأتي إلا بالشر المستطير.
стр. 5252
السابعة عشرة: أن الصفح الجميل علاج كل الآفات الاجتماعية ما دام الصفح عن قوى.
الثامنة عشرة: أن العز الحقيقي يجب أن يفيض على الأحباب حتى من ظلم، ولا يُبخس لحق غيرهم كما فعل يوسف مع أبويه.
التاسعة عشرة: أنه يجب أن يخضع الكبير في سنه، لحكم الصغير في سنه ما دام عدلا، وقد رأيت خضوع يعقوب ليوسف، كما قال: (. . . وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا. . .) أي خاضعين؛ لَا أنهم سجدوا له سجود الصلاة.
الآية المتممة للعشرين: شكر المنعم، كما فعل يوسف الصديق، فقد قال خاضعا خاشعا: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١).
هذا ما نراه في معنى الآيات التي ذكرها اللَّه في قوله:
стр. 5253
(لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ)، أي للمتعرفين الذين يسألون عن معاني الحوادث وما ترمي إليه، وما تدل عليه.
وقد ابتدأ قصتهم بذكر ما جالت به صدور إخوة يوسف وما نطقت به ألسنتهم
стр. 5254
(إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨)
(إِذْ) ظرف للماضي، وقالوا إنه يتعلق بفعل محذوف تقديره " اذكر "، أي اذكر هذا القصص يا محمد. (قَالُوا)، وهم الإخوة عن أخَوَيْهم من امرأة غير أمهم، وقالوا كما صورته لهم العلاقة بين أولاد من أمَّيْن، وليس الأمر كما تصوروا وقد أكد لهم ذلك شبابهم، وانفصال نفوسهم عن أخويهم وقالوا مؤكدين: (لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا) وقد أكد لهم وهْمهم أنهم أقرب حبًّا إلى أبيهم، وقالوا: (أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا) وأُضيفوا جميعا إليه للدلالة على أن
стр. 5255
التسوية واجبة بينهم، وزعمهم أنه لم يسوِّ بينهم، كما صوره لهم وهمهم، وأكدوا أن يوسف وأخوه أحب إلى أبيهم، فعبروا بقولهم (وَأَخُوهُ)، كأنه ليس أخاهم، ولكن الشر استحكم في نفوسهم.
(وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) أي قوة شافعة له في زرعه وضرعه، وكل حاجاته، لينتهوا بأن قالوا كما زين لهم الشيطان بسبب الحسد: (إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلال مُّبِينٍ) أي أنه بعيد عن الصواب بعدا بينا، وأكدوا ذلك الذي توهموه بـ (إِنَّ) المؤكدة، و (اللام) في قوله: (لَفِي ضَلالٍ)، والتعبير (لَفِي) فيه إشارة إلى أن الضلال محيط به إحاطة الظروف بظرفه، سيطر الشيطان على نفوسهم، فحرك الحسد إلى أقصى غاياته، فابتدءوا تدبيرهم فقالوا: