← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.

стр. 5251

العاشرة: أن السورة تصور نساء الطبقة المترفة في ذلك العصر لقد كن يُشعن قالة السوء وينشرنها، غير ملتفتات إلى عواقب ما يقلن، وما أشبه الليلة بالبارحة، فإن ذلك لَا يزال خلق المترفات من نساء مصر، وخصوصا أهل القصور. الحادية عشرة: أن الرؤيا الصادقة سبحة روحانية، وأنها تكون للمشركين كما تكون للمؤمنين، والإنسان ولو كان مشركا له روح، فقد رأى الفَتَيان صاحبا يوسف في السجن، رأيا رؤية كانت صادقة، فأوَّل لهما يوسف الصديق الرؤيا، ووقعت كما أوَّل. الثانية عشرة: أن يوسف ﵇، كان علمه لدنيًّا من الله تعالى، فما تعلم على أحد، وما درس، فقد فصل عن أبيه في سن دون سن التعلم، وعاش عيش العبيد، وهو " الكريم ابن الكريم " (١)، وقد علمه اللَّه تأويل الأحاديث، وعلمه تدبير السلطان، وخصوصا وقت أن تعقَّد الاقتصاد وتأزمت حلقاته. الثالثة عشرة: أن مصر كانت مصدر الخير، لأهل الشرق، فكانت مزرعته الذي يقصد إليها في شدائده. الرابعة عشرة: أن أرض اللَّه يفيض خيرها بعضها على بعض، كما رأيت ما أفاضت به مصر على جيرانها، وكيف كانت تميرهم، وتمونهم. الخامسة عشرة: أن اللَّه تعالى له عبرة في خلقه، كيف جعل ذلك الأسير الذي باعوه بثمن بخس لأنهم لَا يريدونه - ملكا مسيطرا على مصر، ومن حولها من بقاع الأرض. السادسة عشرة: أن سيادة العدل تأتي بالخير الوفير، وأن الظلم لَا يأتي إلا بالشر المستطير.

стр. 5252

السابعة عشرة: أن الصفح الجميل علاج كل الآفات الاجتماعية ما دام الصفح عن قوى. الثامنة عشرة: أن العز الحقيقي يجب أن يفيض على الأحباب حتى من ظلم، ولا يُبخس لحق غيرهم كما فعل يوسف مع أبويه. التاسعة عشرة: أنه يجب أن يخضع الكبير في سنه، لحكم الصغير في سنه ما دام عدلا، وقد رأيت خضوع يعقوب ليوسف، كما قال: (. . . وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا. . .) أي خاضعين؛ لَا أنهم سجدوا له سجود الصلاة. الآية المتممة للعشرين: شكر المنعم، كما فعل يوسف الصديق، فقد قال خاضعا خاشعا: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١). هذا ما نراه في معنى الآيات التي ذكرها اللَّه في قوله:

стр. 5253

(لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ)، أي للمتعرفين الذين يسألون عن معاني الحوادث وما ترمي إليه، وما تدل عليه. وقد ابتدأ قصتهم بذكر ما جالت به صدور إخوة يوسف وما نطقت به ألسنتهم

стр. 5254

(إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨) (إِذْ) ظرف للماضي، وقالوا إنه يتعلق بفعل محذوف تقديره " اذكر "، أي اذكر هذا القصص يا محمد. (قَالُوا)، وهم الإخوة عن أخَوَيْهم من امرأة غير أمهم، وقالوا كما صورته لهم العلاقة بين أولاد من أمَّيْن، وليس الأمر كما تصوروا وقد أكد لهم ذلك شبابهم، وانفصال نفوسهم عن أخويهم وقالوا مؤكدين: (لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا) وقد أكد لهم وهْمهم أنهم أقرب حبًّا إلى أبيهم، وقالوا: (أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا) وأُضيفوا جميعا إليه للدلالة على أن

стр. 5255

التسوية واجبة بينهم، وزعمهم أنه لم يسوِّ بينهم، كما صوره لهم وهمهم، وأكدوا أن يوسف وأخوه أحب إلى أبيهم، فعبروا بقولهم (وَأَخُوهُ)، كأنه ليس أخاهم، ولكن الشر استحكم في نفوسهم. (وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) أي قوة شافعة له في زرعه وضرعه، وكل حاجاته، لينتهوا بأن قالوا كما زين لهم الشيطان بسبب الحسد: (إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلال مُّبِينٍ) أي أنه بعيد عن الصواب بعدا بينا، وأكدوا ذلك الذي توهموه بـ (إِنَّ) المؤكدة، و (اللام) في قوله: (لَفِي ضَلالٍ)، والتعبير (لَفِي) فيه إشارة إلى أن الضلال محيط به إحاطة الظروف بظرفه، سيطر الشيطان على نفوسهم، فحرك الحسد إلى أقصى غاياته، فابتدءوا تدبيرهم فقالوا:

стр. 5256

(اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩) هذا تصوير للجريمة كيف يبتدئ دخولها في نفس من تسول له نفسه الإجرام، لقد زينوا لأنفسهم أولا أنهم الأجدر بالمحبة، وأنهم الأنفع، ثم اندفعوا إلى تدبير الجريمة وتنفيذ القتل، أو أن يطرحوه أرضا بعيدة عن العمران، فاتفقوا على أحد الأمرين إما القتل، وإما النفي، وتركه في أرض اللَّه. ولكن واحدا منهم أبعد فكرة القتل، وقال: لَا تقتلوه. ومعنى: (يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ) يكون خالصا خاليا من الحب الذي كان ليوسف، (وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ) أي تستقيم حياتكم مع أبيكم، ويصلحٍ أمركم مع أبيكم بعذر تعتذرونه، أو تتوبوا عن إثم القتل، (وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوما صَالِحِينَ)، وهكذا تزين الجريمة، وتقرب التوبة. (قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (١٠)

стр. 5257

(قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ) أَبْعَدَ أحدهم فكرة القتل لبقية من شفقة، ولا يريد أن يقتل أخوه بين يديه، ولا يريد أن يغيب في الأرض تائها فيها، ولكن يكتفى بأن يغيب عن أبيه، ويتركه لله عسى أن ينقذ، قال: (لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ)، وذكره باسمه لبقية من صلة تربطه، (وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ)، الغيابة ما يغيب عن الأنظار، غيابة الجب قاعه الذي يغيب عن الأنظار، ولا يستطيع أن يرتفع يوسف منه إلى ظاهر الأرض، والتقاط بعض السيارة له احتمالي، ولكن جعل قريبا، ولعله كان يرجو ذلك كبقية الإخوة مع حرارة الحسد، و (السَّيارَةِ): القافلة السائرة في الصحراء، ثم يقول إن كنتم فاعلين، وإن هذا القائل، كان يرجو من بقيتهم أن يعدلوا، ولذا قال: (إِن كنتُمْ فَاعِلِينَ)، فعلق القول بـ (إِن) الدالة على الشك دون القطع، ونحسب أنه كان يرجو ألا يفعلوا. وقوله تعالى: (يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ) معناه يأخذه لقيطا، كأنه لُقَطَة لا مالك لها. دبروا ذلك التدبير، وبيتوا لأخيهم الشر، وبقي أن يبسطوا أيديهم إليه، بأن يأخذوه من أبيهم. وقال تعالى عنهم: * * * (قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (١١) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (١٢) قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (١٣) قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (١٤)

стр. 5258

فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥) وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦) قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧) وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨) * * * كانت الرحلة السابقة مرحلة ظهور الحسد البغيض، والكيد والتدبير السيئ، وهذه الرحلة مرحلة التنفيذ بلا رحمة وبإحكام، ذهبوا إلى أبيهم يعتبون عليه بظاهر من القول أنه لَا يأمنهم على يوسف،

стр. 5259

(قَالُوا يَا أَبَانَا) نادوه بالأبوة التي تجمعهم بيوسف، وأبدوا له أنهم يحدبون عليه ويحبونه، (مَا لَكَ لَا تَأْمَنًا عَلَى يُوسفَ) أي لأي سبب سوغ لك ألا تأمنا على يوسف، وهنا أدغمت نون (تأمن) مع (نا) ضمير المتكلمين، (وَإِنَّا لهُ لَنَاصِحونَ) النصح يتضمن الشفقة والإخلاص وإرادة الخير، وقد أكد الكاذبون نصحهم له بـ (إنَّ) وباللام، وبالجملة الاسمية، وكان هذا التوكيد لأنهم يريدون أن ينزعوا من نفس أبيهم ما يعتقد أنهم يحسدونه، فهم يقولون: إنا نحبه ونريد الخير، ولا نبغضه. وبنوا على قولهم الذي أظهروا فيه الشفقة والحرص والحبة قولهم:

стр. 5260

(أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (١٢) نرتع، أي نجري مرحين في خصب الأرض والزارع، ومتسع الأفق، ويلعب معنا، وذكر ذلك بصيغة تدل على اتصاله بهم، وأنهم جمع واحد، يرتع ويلعب، فهو ليس أجنبيا عنهم، بل يرتعون معه، ويرتع معهم، وطمأنوا أباهم، فقالوا: (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) وأكدوا حفظهم له

стр. 5261

بـ (إنَّ) وباللام، وبتقديم حرف الجر (له)، للدلالة على عظيم اهتمامهم، وكريم رعايتهم، وليلقوا بالاطمئنان في قلب أبيهم. فأجاب الأب الشفيق الطيب، وقد كانوا في مذأبة من الأرض، يكثر ذئابها، قال:

стр. 5262

(قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (١٣) بذلوا أقصى معسول للقول، وأكثروا من تأكيدا المحبة، والإخلاص، ويكثر الكائد من قول يكون لإحساسه بأنه كاذب في نفسه، ويحاول أن يستر ذلك على من يخاطبه. وقد توجس يعقوب منهم خيفة، وقال معلنا خوفه بهاتين العبارتين أولاهما: (إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُوا بِهِ) وفي هذه العبارة السامية يبين حزنه أريد الذي أكده بـ (إنَّ) ولام التوكيد، وسبب الحزن هو مفارقته، فذهابهم به يوجد في نفسه حزنا عميقا، وذلك إمارة حبه الدفين الذي لَا يستطيع معه فراقا، والثانية: قوله: (وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئب) فهو لَا يحب أن يفترق عنه، ويخاف عليه من الذئب. وهنا نقول: إن نبي اللَّه يعقوب كان ينطق بفطرة الأبوة المحبة، ولكنه يخاطب من يريدون الشر ويفعلون، ويحاولون من بعد أن يلتمسوا المعاذير التي يرونها تدخل على نفس أبيهم في يُسر، ومن غير استئذان، وقد وجدوا الأب الكريم الطيب النقي، يسهل لهم معاذيرهم، وهو خوفه من أن يأكله الذئب، وهم عنه غافلون، فقالوا: أكله الذئب، فعذرهم الكاذب أخذوه من قول أبيهم الصادق، وعلموا أنه الذريعة إلى التصديق، وإخفاء ما بيتوا. قالوا مسترسلين في خديعة أبيهم، ومن يدبر الشر

стр. 5263

(لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (١٤) أكدوا لأبيهم، أن حمايتهم له كاملة شاملة، لَا يمكن أن

стр. 5264

يأكله الذئب، وهو بينهم، و (اللام) في قولهم: (لَئِنْ) هي الموطئة للقسم الدالة عليه، وأكدوا استبعاد أن يأكله الذئب، بالجملة الحالية (وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) أي قوة مانعة حامية، وجواب القسم (إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرونَ) إن كان ذلك نكون في خسار مؤكد، وضعف، ولا يمكن أن يكون ذلك. قبل الأب الكريم ما بدا من ظاهر قولهم، ولكنه لم يحس بالاطمئنان الكامل؛ لأنه كلام ليس خارجا من قلوبهم، بل هم كاذبون في حقيقة أمرهم، واللَّه ولي الباطن، وللناس - ولو أنبياء - ما ظهر. أخذوه بعد أن أحكموا الخطة، ونجحت الخطوة الأولى منها.

стр. 5265

(فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥) (الفاء) لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي ترتيب على أخذه بعد إقناع الأب أن يأخذوه، فلما أخذوه، نفذوا فيه ما دبروا (وَأَجْمَعُوا) معناه اعتزموا وأصروا على أن يجعلوه في أعماق البئر، كما قرروا من قبل ودبروا، ويروى أنهم آذوه بالضرب والتنكيل، وهو يستغيث، ولا يغاث حتى كادوا يقتلونه، ونبههم إلى ذلك من نهاهم عن القتل في ابتداء التدبير، وفي هذه الشديدة، والألم المرير، ألقى اللَّه تعالى في قلبه الاطمئنان إلى المستقبل، وألهمه الإلهام الصادق بوحي اللَّه تعالى أن المستقبل سيكون له، وأنه سينبئهم بأمرهم هذا، وفي وقت يكونون محتاجين إليه، وهو غير محتاج إليهم كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى في آخر السورة، وهم لَا يشعرون بهذا الإلهام الذي كان وحيا إلهاميا. بعد أن أتموا ما دبروا من إثم قاتل، وإن لم يأخذ صورة الذبح عادوا إلى أبيهم باكين حقا، أو متباكين لستر ما دبروا، ونحسب أنه بكاء، لأن الاندفاع إلى الشر لَا يمنع الإحساس بالألم عند وقوعه، ودم الإخوة لَا ينقطع، بل له عواقب أليمة بعد الفعل القاطع.

стр. 5266

(وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦) أي أنهم قضوا النهار غائبين عن أبيهم، ثم عادوا في العشية، يقول المفسرون: إنهم كانوا يتباكون، ولا يبكون، ونحن نميل إلى أنه كان ثمة بكاء حقيقي من بعضهم على الأقل، وهو بعض من الندم على ما ارتكبوا أو أثموا وقد أحسوا بفظاعته، وخصوصا عندما لقوا أباهم، فإن لم يكن لأجل يوسف، فلأجل أبيهم الثاكل. قالوا في بكائهم أو تباكيهبم:

стр. 5267

(. . . إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧) كانت المعذرة التي اعتذروا بها هي التي لقنوها من كلام أبيهم ﵇. قالوا أمرين كاذبين: الأمر الأول: أنهم ذهبوا يتسابقون، وتركوه عند متاعهم. والأمر الثاني: أنهم قالوا: إن الذئب أكله، وما أكله ذئب، إنما أكله الحسد والحقد الدفين. ولقد أحسوا بأنه لن يصدقهم، فقالوا: (وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ) أي ما أنت بمسلم لنا ومؤمن بصدق قولنا، ولو كانوا صادقين، وادعاؤهم صدق قولهم هو أكذب الكذب. وقد أحسوا بأن القول لَا يغني فتيلا، إزاء الشك من أبيهم،

стр. 5268

(وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ... (١٨) أي بدم مكذوب، ووصف بأنه كذب، أي أنه دم هو كذب في ذاته؛ لأنَّ الدم ليس دم يوسف، بل هو دم غيره، من غزال أو نحوه، قالوا في الروايات: إنه عندما أمرَّه على وجهه أحس بكذبهم، وقال: ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم من هذا!! أكل ابني، ولم يمزق قميصه. وهكذا كان ما اتخذوه دليلا على

стр. 5269

البراءة كان دليلا على ثبوت الجريمة، فهل يبقى القميص غير ممزق، وقد مزق الجسد وأكل، وهكذا نرى أن المجرم مهما يحاول الإخفاء، فإنه يبين دليل الاتهام من محاولة الإخفاء. لم يصدق كلامهم (قَالَ بَلْ سَوَّلتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا) و (سَوَلَتْ) معناها سهلت، وزينت لكم أمرا خطيرا شديد الخطورة، فالتنكير في (أَمْرًا) لبيان شدته، وبلوغ أقصى قوته، ثم قال: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) والصبر الجميل هو الذي يليق بمقام النبوة، والصبر الجميل هو الصبر من غير أنين والشكوى مع الرضا بقدر اللَّه تعالى، وما كتبه اللَّه ورجاء كشف البلاء، ولذلك ما يئس قط من أن يعود إليه ابنه وحبيبه، ولو ابيضت عيناه من الحزن وهو كظيم. وهو في صبره المرير يتجه إلى اللَّه تعالى ويقول: (وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) أي لَا يستعان إلا وحده في الصبر على ما يصفون من قولٍ، ولم يقل على ما وقع، بل قال على ما وصفتم، للإحساس بأن ما وصفوا غير ما وقع. والصبر الجميل، لَا يمنع الألم المرير، بل إنه لَا صبر إلا إذا كان الألم الشديد، ولكن لَا يجزع، ولا يفرط منه ما يدل على عدم الرضا بما قدره الله تعالى وكان. * * * وديعة الجب، وما جرى لها!! (وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٩) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠) وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى

стр. 5270

أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢١) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢) * * * أُلقي يوسف الحبيب في الجب، وسلمه إخوته وديعة للَّه تعالى، وإن لم يقصدوا، ونرجح بمقتضى طبائع النفوس أنهم لم يكونوا جميعا مستريحين لهذه الجريمة بل روي أن واحدا منهم كان غائبا، فلما أخبر ذهب إلى الجب، ولكن السيارة كانت قد التقطته، وإنه لَا يمكن بمقتضى الطبيعة الإنسانية أن يرتاح المجرم بعد جريمته، وخصوصا أنها كانت على أخيهم، وجريرتها كانت على أبيهم الشفيق. ألقى في الجب، وقد ألقى اللَّه في قلبه الاطمئنان بإلهام اللَّه تعالى والرضا بقضائه وقدره،

стр. 5271

(وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ) قافلة (فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ) الذي يتكشف لهم الماء ليَرِدَه، ويملأ لهم ما يسقيهم، فتعرف هذه البئر التي يقر فيها يوسف نتيجة الحَسد، (فَأَدْلَى دَلْوَهُ)، أي أرسل الدلو إلى ماء البئر فتعلق به الغلام الذي أريد له الضياع - أو الموت أيهما أسبق - بالدلو فبدل أن يخرج ماء وجد غلاما جميلا، فقال: (يَا بشْرَى هَذَا غُلامٌ)، استبشر به، وكان وجها صبوحا مشرقا، وقال: (يَا بُشْرَى)، يناد البشْرَى من فرط فرحه، أي أقبلي فهذا وقتك. أَسَرته القافلة كلها، وعدُّوه بضاعة يتَّجر فيها، تباع وتشترى، ويجري من ورائها كسب، ولم يكونوا راغبين في بقائه بينهم؛ لأنهم لَا يكون معهم إلا من يعمل معهم، وغلام يحملونه ويغذونه قد يكون عبئا عليهم، وهذا معنى قوله تعالى حكاية عن حالهم (وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ)، زهدوا فيه ولم يرغبوا في

стр. 5272

إقامته معهم، وحملهم إياه، ولذلك باعوه بيع من يرغب عنه، لَا من يرغب فيه، وفى اقتنائه، إن صح هذا التعبير بالنسبة لنبي اللَّه تعالى. ولذا قال تعالى:

стр. 5273

(وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ ... (٢٠) لأنهم كانوا فيه زاهدين، وشروه هنا معناها باعوه؛ لأن " شَرَى " تستعمل بمعنى البيع، وبمعنى الشراء، وعندما تكون بمعنى البيع يكون التعبير بلفظ الشراء تكون فيه دلالة على الزهد فيه، وتركه، وعبر سبحانه عن الثمن بأنه (بَخْسٍ)، أي مبخوس غير مرغوب فيه، وأكد البخس بأنه (دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ)، وليست دنانير، وبالدراهم التي تعد، وذلك في قليل الدراهم، أما الكثير فيكون التقدير بالوزن. باعوه لأحد المصريين، وقد ابتدأ الفرج، وابتدأ يلقاه من يرغب في بقائه، لا من ينفر منه،

стр. 5274

(وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ ... (٢١) أي أكرمي إقامته، أي اجعلوه في مقام مكرم غير مهين، (عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) أي عسى أن ينفعنا ببيعه أو بعمله، أو نتخذه ولدا، ويقول تعالى: (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ) أي كهذا الذي كان من أنه وجد بين من يحبونه، ولا يبغضونه، ويريدون له الحياة، ولا يريدون الموت: (مَكَّنَّا لِيُوسفَ)؛ ليعيش معززا مكرما، ولو في رق وأسْر، (وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ) لنعلمه: معطوفة على فعل محذوف هو نتيجة التمكين في الأرض، ليعيش مطمئنا هادئا، وليتمكن من العدل والإصلاح في الأرض، ودفع أزماتها، و (اللام) لام العاقبة في الفعل المذكور، والفعل المقدَّر، و (الأَحَادِيثِ) هي الكتب المنزلة، أو مأثورات النبيين إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وتأويلها معرفتها، ومعرفة مآلها، وقد يكون من ضمن ما علمه اللَّه تعالى تفسير الرؤى والأحلام، وقد كانت الطريق لتمكينه في الأرض وإقامة العدل فيها. (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ) لَا يرده شيء، ولا يرد قدره شيء، أرادوا له الضياع، وأراد اللَّه له الكرامة فكان ما أراد اللَّه، (وَلَكِن أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)

стр. 5275

يغترون بما أوتوا من قوة، وما مكنوا، فيعميهم ذلك عن حقيقة السلطان الإلهي، فلا يعلمون. كان ذلك التعليم بإلهام من اللَّه وهو صغير لم يبلغ أشده، ولما بلغ أشده آتاه حكمة وعلما بالأمور وتدبيرها، عندما تمكن من حكم مصر، ولذا قال تعالى:

стр. 5276

(وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢) وكهذا التكريم والتعليم نجزي الذين اتصفوا بالإحسان في أعمالهم وقلوبهم حتى صاروا خالصين للَّه تعالى. وهنا نسأل أتناولته الأيدي بالبيع والشراء حتى وصل إلى العزيز، فاشتراه، أم أن الذي اشتراه ابتداء هو العزيز؛ الظاهر من العبارات أن المشترِي الأول لم يكن العزيز، وإلا كان يذكر، واللَّه أعلم. * * * المحنة النفسية تنقل يوسف من محنة إلى محنة، لقد امتحنه اللَّه تعالى بإرادة إخوته له الضياع، ثم امتحنه بالرِّق، وهو الكريم ابن الكريم وقد احتمل، ثم امتحنه بعد ذلك بمحنة لَا يقوى عليها إلا أهل العزيمة، وهي فتنة النساء به، وخاف أن يصبو إليهن، ولذا قال تعالى: * * * (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)

стр. 5277

وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩) * * *

стр. 5278

راود مِن راد، فهو مفاعلة من راد، وأصلها تكرار الفعل مرة بعد أخرى، وهي الأخذ برفق ولطف وقوله: (عَن نَّفْسِه)، أي أنها راودته في نفسه، أو لتحوله عن نفسه وإرادته ليكون لإرادتها هي ورغبتها فيه، وإن هذه المراودة القولية، واللين والتلطف معه، لتحوله عن إرادة نفسه إلى إرادتها تبعتها حركة عملية، (وَغَلَّقَت الأَبْوَابَ)، ولم يعد منفذ يمكن غيرهما من الاطلاع على ما تريد، (وَقَالَتْ هَيَتَ لَكَ) أي أَقْبِل، وقوله: (لَكَ) أي النداء له، ولعله تغافل عنها أو لم يستجب ابتداء لكلامها، أو لم يفهم، فقالت: النداء لك، فلما علم ما تريد صراحة من غير مداورة ولا مواربة، صرح هو الآخر بردِّها، وقال إنه لَا يليق به فقال: (مَعَاذَ اللَّهِ) أي الله معاذي وملجئي، أعوذ به من أن أفعل مثل هذا؛ لأنه فوق فحشه، ليس وفاء لرب البيت الذي أكرمني، (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ)، هذه الحماية تعليل لامتناعه عن هذه الفحشاء، أي لأن زوجها هو ربه الذي أحسن إليه في مثواه أي في إقامته في بيته، فلا يخونه وإنه حينئذ، يكون خائنا وظالما، (إِنَّهُ لَا يفْلِحُ الظَّالِمُونَ)، لَا يفوزون بخير قط.

стр. 5279

وقد كان أدبه النبوي أن يتكلم عن نفسه، لترعوي هي في نفسها، وتمتنع عما هي مقدمة عليه، فهو قد أكرمها، وأعزها وهي زوجه، وأجدر من فتاها بالوفاء. ولكنها أصرت، وسارت في الغي إلى أقصى مداه

стр. 5280

(وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤) ومعنى (هَمَّتْ بِهِ) أي قصدته وأرادته لنفسها، فالهَمُّ بالشيء قصده، والعزم عليه، فَـ (هَمَّتْ بِهِ) أرادت مخالطته في هذه الخلوة التي أرادتها، (وَهَمَّ بِهَا) جاء في تفسير البيضاوي، والمراد بهمه بها ﵇ ميل الطبع ومنازعة الشهوة لا القصد الاختياري، وذلك مما لَا يدخل تحت التكليف، بل الحقيق بالمدح والأجر الجزيل من اللَّه من يكف نفسه عن الفعل عند قيام هذا الهم، أو مشارفة الهم، كقوله: قتلته لو لم أخف اللَّه (لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) في قبح الزنى وسوء مغبته لخالطها لشبق الغلمة ولا يجوز أن يجعل (وَهَمَّ بِهَا)، جواب لولا، فإنها في حكم أدوات الشرط اهـ. وخلاصة كلام البيضاوي، وهو كلام الزمخشري أيضا، أنها بدأت له في حال انفعال جسدي، وهمت بمخالطته وأثارت شهوته، وكان الشأن أن يهمَّ بها وأن يقصد مخالطتها، ولكن في هذه الساعة الحرجة رأى برهان ربه وأراد الفرار من سَوْرة الشهوة، وليس في ذلك ما يمس النبوة، بل هو يعليها، فليس الفضل لمن لا يزني وهو غير قادر، إنما الفضل لمن كف عند منازعة الشهوة ومساورتها، وردها، والاستقامة على الطريق. دفعها عن نفسه، وتركها فشدت قميصه حتى قُدَّ من ورائه، واستبقا الباب، هي تريد الوصول إليه لتحكم إغلاقه، أو تسد عليه طريق الخروج، وهو يريد أن يسبق ليخرج طاهرا مطهرا.

стр. 5281

لكن كانت المفاجأة

стр. 5282

(وَأَلْفَيَا سَيدَهَا لَدَا الْبَاب ... (٢٥) وببديهة المرأة حولت التهمة إليه، وأرادت به السوء (قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) بدلت الحقيقة، فاتهمت البريء لتبرئ نفسها، وقررت العقوبة، وهي السجن أو عذاب أليم.

стр. 5283

ولقد نطق البريء وما كان لينطق لولا هذا الاتهام (قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ... (٢٦) هي تتهمه وهو يتهمها، ويظهر أن ذلك الأمر شاع في داخل الأسرة، وأريد الفصل فيه بإعلان من تكون عليه التهمة لاصقة، ومن يكون له البراءة فكان لابد من حكم منصف، فحكم بعض أهلها، وإن لم يكن محايدا، وقد حكم بالعدل، فقرر أنه (إِن كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ) أي من أمامه (فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِن الْكَاذِبِينَ)، لأنها هي التي جذبته لكيلا يفر من الاتهام، ويكون هو الذي راودها، وحاول، ثم لما رفضت أراد الفرار، فجذبته لكيلا يهرب.

стр. 5284

وإذا كان قميصه قطع من دُبُر أي الوراء فمؤدى ذلك أنه أراد الفرار مما دعته إليه، وأرادت استبقاءه لغايتها، وقد ثبت أن قميصه قدَّ من دُبُر أي من الوراء، وهذا قوله تعالى: (. . . وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨).

стр. 5285

ثبتت براءة يوسف، واتهامها، ويظهر أن العزيز كان قد أوتي حلما، فلم يسارع إلى عقاب لها، بل اكتفى بأن حكم عليها، واتهمها بالكيد وتدبير الشر، وإن هذا من النساء غير مستغرب. ولماذا تساهل هذا التساهل؟ لعله عذرها لجمال يوسف، ولإيمانه بعفته، وقد يكون لبرود طبعه، أو لقوة سلطانها عليه. (وَشَهِدَ) هنا معناها حكم، كما يبدو من السياق.

стр. 5286

طيب العزيز نفس يوسف، وقد كان له محبا، واتخذه ولدا، فقال له:

стр. 5287

(يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا ... (٢٩) أي عن هذا الإفك الذي أُفك عليه، (وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ)، أي الاثمين، وصِرْت في صفوف أهل الإثم، لا أهل الصلاح. إن الأمر لم يعد سرا، لأنه قد صارت محاكمة، ليعرف البريء من السقيم، وهذا موضوع من شأنه أن تتناوله الأفواه، وإن أخبار هذا الصنف سرعان ما يسري بين النساء، وخصوصا نساء القصور. * * * الشائعة (وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٠) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤) * * *

стр. 5288

أخذت الألسنة في المدينة تلوك الخبر، وتتحدث به،

стр. 5289

(وقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نًفْسِهِ)، ما بين لائمة ومتعرفة، ومتمنية كشأن النساء، وقال سبحانه: (فِي الْمَدِينةِ) لبيان شيوع القول بين أهل المدينة، وقلن (فَتَاهَا)، لأن الفتى هو العبد، وذكر ذلك لتصغير شأنها، وأنها تتحبب إلى عبدها، وقالوا في بيان تدلهها به، (قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا)، أي أصاب شغاف قلبها حبه، فيقال شغفه إذا أصاب شغاف قلبه، ويقال دمغه إذا أصاب دماغه، و (حُبًّا) تمييز محول من الفاعل أي شغف حبه قلبها، ثم حكمن عليها بالضلال حكما صريحا، (إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) أي ضلال بين واضح، والضلال هنا تنكب الصواب، والوقوع في الهوى الذي لَا يليق بها فهو لوم شديد لها.

стр. 5290

(فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا ... (٣١) لما سمعت بأقوالهن اللائي يروونها أرسلت إليهن، (وَأَعْتَدَتْ) أي هيأت (لَهُنَّ مُتَّكَأً)، أي أقامت لهن وليمة أو نحو ذلك، وسمي متكئا تسمية للشيء باسم مكانه، وهي تصور التنعم الذي كانت فيه، (وَآتَتْ) وأعطت (كُل وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا)، ولعل ذلك كان موجب الوليمة أو ما يشبهها. وسمَّت قولهن مكرا؛ لأنهن كن يُشِعْنَهُ، وكأنه تدبير السوء، ولأن بعضهن علمته من جانبها فما كتمن لها سرا، ولأنهن كن يوجهن اللوم إليها، ويتبادلن ذلك، وكأنه أمر يدبر، ولذا سمي مكرا. وبعد أن تهيأ المجلس، قالت ليوسف اخرج عليهن (وَقَالَت اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ). خرج عليهن، يتلألأ فيه نور الحق، الجمال الذي كساه الله إياه، فأخذ أبصارهن وقلوبهن، وحسهن، فقلن: (حَاشَ لِلَّهِ) أي تنزيها له عن فعل البشر، وقوله (لِلَّهِ)، لأنه هو الذي نزهه وكرمه، أو قلن كلمة التنزيه، لأنه خلق مثل هذا الملاك الكريم.
следующие страницы →