Полный текст (8 373 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.
стр. 5286
طيب العزيز نفس يوسف، وقد كان له محبا، واتخذه ولدا، فقال له:
стр. 5287
(يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا ... (٢٩)
أي عن هذا الإفك الذي أُفك عليه، (وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ)، أي الاثمين، وصِرْت في صفوف أهل الإثم، لا أهل الصلاح.
إن الأمر لم يعد سرا، لأنه قد صارت محاكمة، ليعرف البريء من السقيم، وهذا موضوع من شأنه أن تتناوله الأفواه، وإن أخبار هذا الصنف سرعان ما يسري بين النساء، وخصوصا نساء القصور.
* * *
الشائعة
(وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٠) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)
* * *
стр. 5288
أخذت الألسنة في المدينة تلوك الخبر، وتتحدث به،
стр. 5289
(وقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نًفْسِهِ)، ما بين لائمة ومتعرفة، ومتمنية كشأن النساء، وقال سبحانه: (فِي الْمَدِينةِ) لبيان شيوع القول بين أهل المدينة، وقلن (فَتَاهَا)، لأن الفتى هو العبد، وذكر ذلك لتصغير شأنها، وأنها تتحبب إلى عبدها، وقالوا في بيان تدلهها به، (قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا)، أي أصاب شغاف قلبها حبه، فيقال شغفه إذا أصاب شغاف قلبه، ويقال دمغه إذا أصاب دماغه، و (حُبًّا) تمييز محول من الفاعل أي شغف حبه قلبها، ثم حكمن عليها بالضلال حكما صريحا، (إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) أي ضلال بين واضح، والضلال هنا تنكب الصواب، والوقوع في الهوى الذي لَا يليق بها فهو لوم شديد لها.
стр. 5290
(فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا ... (٣١)
لما سمعت بأقوالهن اللائي يروونها أرسلت إليهن، (وَأَعْتَدَتْ) أي هيأت (لَهُنَّ مُتَّكَأً)، أي أقامت لهن وليمة أو نحو ذلك، وسمي متكئا تسمية للشيء باسم مكانه، وهي تصور التنعم الذي كانت فيه، (وَآتَتْ) وأعطت (كُل وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا)، ولعل ذلك كان موجب الوليمة أو ما يشبهها.
وسمَّت قولهن مكرا؛ لأنهن كن يُشِعْنَهُ، وكأنه تدبير السوء، ولأن بعضهن علمته من جانبها فما كتمن لها سرا، ولأنهن كن يوجهن اللوم إليها، ويتبادلن ذلك، وكأنه أمر يدبر، ولذا سمي مكرا.
وبعد أن تهيأ المجلس، قالت ليوسف اخرج عليهن (وَقَالَت اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ).
خرج عليهن، يتلألأ فيه نور الحق، الجمال الذي كساه الله إياه، فأخذ أبصارهن وقلوبهن، وحسهن، فقلن: (حَاشَ لِلَّهِ) أي تنزيها له عن فعل البشر، وقوله (لِلَّهِ)، لأنه هو الذي نزهه وكرمه، أو قلن كلمة التنزيه، لأنه خلق مثل هذا الملاك الكريم.
стр. 5291
و (أَكْبَرْنَهُ)، أي جعلنه في موضع الإكبار والشرف، ولذهولهن من الروعة التي تبدَّى بها جرحن أيديهن، وعبر سبحانه عن الجرح بالقطع، لأن الجرح كان بليغا، ولأن الجرح في حد ذاته قطع لبعض البشرة، وقلن تلك الكلمة المعبرة عما في نفوسهم: (مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) بهرهن حتى ارتفعت مرتبة الإنسانية إلى مرتبة الملكية. فـ (إِنْ) هنا هي النافية أي ما هو إلا ملك كريم.
التفتت امرأة العزيز إليهن، وقد رأت الجروح تسيل بالدم من أيديهن، وما اعترى نفوسهن من إكبار له، واستهواء حتى حسبنه ملكا كريما، وليس إنسانا من الطين.
стр. 5292
(قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ... (٣٢)
وكأنها تقول مُصِرة على غيها، فهل هذا، وهل كان يجوز أن تلمنني فيه، وقد قطعن أيديكن، إذ رأيتهن عبر النظر، فما بال من تكون قريبة منه يطلع عليها نوره دائما؟!، لقد انكشف أمرهن، وصبون إليه فكشفت نفسه لهن، ولا ملام عليها، وكان حقا في منطقها أن يعذرنها.
فقالت: (وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ) كشفت كل ما كان خفيا، أو ما كان ينبغي أن يكون، وبلغت الغِلْمة أقصاها، ولم تعد المراودة والملاطفة، لأنه استعصم، أي طلب العصمة، وتمسك بها، وتحول الأمر إلى إكراه بالسجن، وتصغير أمره وشأنه في القصر.
ولكن يوسف الأمين المحفوظ برعاية اللَّه، والمحصن بحصن الإيمان، ازداد قوة في الاستمساك بالعفة؛ وإنه إذا كانت المراودة والتلطف تدني، فالإكراه يجافي ويبعد، وإزاء التهديد لجأ إلى ربه معاذه وملجأه قال:
стр. 5293
(قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣)
قالت المرأة الشبقة المغتلمة، إما السجن، وإما الاستسلام لها، فقال ﵇: (السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ)، وإذا كانت قد بلغ بها عنف
стр. 5294
الشهوة أعلاها، فقد بلغت به العفة أقواها، ولكنه خشي بحكمة النبوة أن موالاة المراودة والمعاودة إليها والتدبير لإسقاطه أن يؤثر في نفسه، فلجأ إلى مقلب القلوب، ومصرف الأنفس (وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ) أي إن لم تصرف عني تدبيرهن الخبيث، وإغراءهن المتوالي أمتثل إليهن وأكن من الجاهلين، أهل الحماقة والفساد.
стр. 5295
(فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)
أجابه إلى دعائه، والسين والتاء لتأكيد الإجابة، (فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ) أي تدبيرهن، وكان يأسهن من إجابته مسهلا للانصراف عن الكيد بالمراودة والإغراء والتهديد، وإن لم تنصرف عنه قلوبهن، إنه سبحانه هو العليم بكل الأحوال السميع لكل الأقوال يدبر كل شيء على مقتضى علمه وحكمته.
* * *
السجين البريء
قال تعالى:
(ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥) وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦) قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧)
стр. 5296
وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١) وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)
* * *
هبطت الفتنة في نفوس النسوة، ولكن صداها كان يتردد بين الناس، وخصوصا النساء، وقد آمن الملك بحقيقتين: عفة يوسف، وإغواء امرأته، وانضم إليها من كن يلمنها، وتشايع الخبر في المدينة، فرأوا أن من حسن السياسة أن يسجن يوسف ليبعد عامل الاستهواء، ولينس الناس هذه السيرة، وهذا هو قوله تعالى:
стр. 5297
(ثُمَّ بَدَا لَهُم مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ) أي العزيز ومن معه من أهل مشوِرته من بعد ما رأوا البينات الدالة على مكرهن وإغوائهن مع التهديد (لَيَسْجُنُنَّهُ حتَّى حِينٍ) أي أكدوا إرادة سجنه حينا.
стр. 5298
أى بدا لهم الإصرار على سجنه لدة معينة، حتى ينسى الناس حوادث المرأة والنسوة اللاتي انضممن إليها، وقد أكدن هذا الأمر الذي بدا لهم بالقسم، ولامه، ونون التوكيد، ولكن السجن كان مؤقتا، وليس مطلقا كما ظهر من كلامهم.
وكان تأكيد السجن، لأنه لم يكن منطقيا أن يسجن وهو البريء، ولكن لأنهم وجدوه إطفاء لهذه الشائعة التي هزت مقومات المجتمع،، وأشاعت القول بالفاحشة - عن أكبر سدة في مصر، فكان التأكيد بالسجن أيقاوم منطق البراءة الذي يوجب الثناء وطيب الجزاء، بدل العقاب والإلقاء في غياهب السجن. حسنت الألفة بين يوسف الحبيب، ومن معه في السجن؛ لأنه أليف بفطرته، ولأن الضعف يقرب ولا يبعد، ولأن محنة السجن جمعت بينهم، والمحنة تجمع، ولا تفرق.
رأى أحدهما أنه يعصر خمرا، أي يعصر عنبا يكون بعد. ذلك خمرا، فعبر بالخمر باعتبار المآل، ورأى الآخر أنه يحمل فوق رأسه خبزا، وتأكل الطير منه.
اقتضى حسن الصحبة أن يلجئا إلى يوسف، وقد توسه سا فيه الخير، فاتجها إليه قائلين:
стр. 5299
(نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحسِنِينَ (٣٦)
أي أخبرنا الخبر الخطير بتأويله أي بمعرفة مآله، لأنا نراك محسنا من المحسنين، أحسنا الظن به، وأكدا أنهما يريانه محسنا من المحسنين.
أجابهما يوسف، ولكن قبل أن يجيبهما دعاهما إلى الحق وإلى عبادة اللَّه وحده، وأثبت ما يوجب نبوته، ونحسب أنه في هذا الوقت بلغ كمال الرجولة، ولنجزئ الكلام في المعجزة والدعوة.
أما المعجزة فقد قال ما يدل على أنه يتكلم عن اللَّه تعالى، وأن اللَّه تعالى يعلمه قال:
стр. 5300
(لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ... (٣٧)
التأويل هنا معرفة حقيقة الطعام، ومآله، وقال ليس ذلك بإعلام أحد، إنما هو من تعليم اللَّه تعالى، ولذا قال: (ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي ربِّي)، وإن ذلك إخبار
стр. 5301
بالغيب بتعليم الله تعالى، وليس من ذاته، وإنه لَا يعلم الغيب إلا الله، وما يعطيه الله تعالى، كما أعطى عيسى ابن مريم، إذ كان ينبئهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، وكان ذلك بعد يوسف بعشرات القرون.
وإن هذا يدل على أن الله تعالى قد بعثه نبيا على ملة إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وقد كان قد بلغ أشده ليتحمل الرسالة، لقد تلونا من قبل قوله تعالى: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّه آتَيْنَاه حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) والنبوة هي الحكم والعلم.
قبل أن يؤوِّل تقدم بالنبوة، ودعا إلى إبطال الشرك وإنكار البعث، وابتدأ الدعوة النبوية بأن ذكر نفسه قدوة لهم، فقال: (إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ)، وقد وصفهم بحالين سلبيتين إحداهما: أنهم لَا يؤمنون بالله، بل يعبدون الأوثان، والثانية: أنهم يكفرون بالبعث، وأكد كفرهم بالبعث بتقديم (الآخرة)، على الكفر، وذلك لمزيد الاهتمام بالكفر بالآخرة، وبتكرار (هُمْ)، وكان التأكيد لغرابته عند أهل العقول المدركة، فالعقل يوجب الإيمان بالآخرة؛ لأن الله تعالى لم يخلق الإنسان سدى، ولأن فيه سلوان لمن لَا يدرك حظه في الدنيا، ولأنه يتفق مع العلو الإنساني.
بين أنه ترك أن يكون من ملة هؤلاء المشركين الكافرين باليوم الآخر، وبين بعد ذلك أنه لم يكن سلبيا، بل كان إيجابيا، ولذا قال:
стр. 5302
(وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ... (٣٨)
ذكر هنا أبوه يعقوب، وجداه إبراهيم وإسحاق، وملتهم واحدة، وهي ملة إبراهيم الحنيفية السمحة: التوحيد، وقال: إنها المعقولة التي تدركها العقول المستقيمة، والدين الحق، ولذا قال: (مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ)، (مِن) هنا لبيان عموم النفي، أي من شيء وأي شيء، حجرا أو إنسانا أو زرعا، أو حيوانا، أو غير ذلك مما عُبد من دون الله، وإن التوحيد فضل وعلو بالنفس الإنسانية إلى مقام الإدراك السليم، ولذا أخبر تعالى عنه أنه قال: (ذَلِكَ
стр. 5303
مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ) الإشارة إلى عبادة اللَّه وحده، وترك عبادة غير اللَّه تعالى أيا كان، فهو فضل اللَّه إذ هداهم إلى عبادة المنعم وحده، وهدى الناس إليه، ولكن أكثر الناس لَا يشكرون المنعم بعبادته وحده، ثم بعد أن بين إيمانه وهدايته ليأتسوا، وجه الطلب إليهما، مبينا بالدليل القاطع أن اللَّه وحده هو المستحق للعبادة ولا يستحقها غيره فقال:
стр. 5304
(أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩)
هذا استفهام إنكاري توبيخي توجيهي فليس بمعقول أن تكون أرباب متفرقة ليس لها فضل المنشئ المنعم ليس لواحد منها ذلك، ولا لها مجتمعة قدرة، لَا تنفع ولا تضر، وتكون عبادتها مع ضعفها، وعدم قدرتها، عبادتها خيرا من عبادة الواحد الأحد الخالق للكون وحده والقهار الغالب عليه، والذي لَا يكون في الكون شيء إلا بأمره.
ثم أخذ يبين بطلان الشرك المصري، فقال:
стр. 5305
(مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)
نفى وجود ما يسمونه آلهة، فهي في حقيقة أمرها لَا وجود لها وجودا حقيقيا، فضلا عن أن تكون آلهة معبودة وذلك حق؛ لأن قدماء المصريين كانوا يفرضون آلهة للزرع، وآلهة تتوالد، وتتقاتل، كلها فروض لَا وجود لها فهي أسماء سموها وعبدوها، وتتابعت أجيالهم على عبادة ليست إلا أسماء سماها أبوهم، وتبعوهم تبعية الوهم للوهم ما كان لها وجود (مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ)، أي حجة تسوغ عبادتها، وإن الحكم والسلطان، والقدرة القاهرة ليست إلا للَّه خالق كل شيء (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ)، وهو الجدير بالسطان وحده (أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) وقد أمر ألا تعبدوا غيره، (ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ)، أي الدين القويم الذي مع العقل والإدراك السليم، (وَلَكنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمونَ)، أي ليس لهم علم بالحقائق، بل تسيطر عليهم الأوهام الباطلة، التي تخدع العقول فلا تعلم، والمصريون القدماء كانوا خاضعين للأوهام، ولا تزال بقية منهم خاضعة للأوهام، وهم الذين لم يدخلوا في دين التوحيد دين اللَّه القيم.
стр. 5306
وهكذأ نرى نبي اللَّه يوسف ﵇ ابتدأ بإثبات معجزته، ثم نهى عن الشرك، ووجههم إلى الاقتداء بشخصه، وقد صاروا له حبيبين، ثم وازن بين الوحدانية وتعدد الآلهة، ثم بين لهم إلى أنه لَا وجود لما يسمونه آلهة، وأن الدين القويم الحق الذي يوافق قضية العقل البديهية هو الوحدانية.
بعد ذلك اتجه لتأويل رؤياهما، وقد يقال إن دعوته إلى الوحدانية، كانت بين اثنين، ونقول: إن محمدا صلى اللَّه تعالى عليه وسلم ابتدأ دعوته بين زوجه خديجة، وصديقه أبي بكر، وعلي وكان ابن تسع، ومولاه، ومكث سستخفيا بالدعوة بضع سنين، فالعدة لَا تكون بكثرة العدد، ولكن بقوة الإيمان. اتجه إليهما بعد ذلك الإرشاد قائلا:
стр. 5307
(يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ ... (٤١)
وقد كان الأول ساقيا للملك بعد ذلك، وروي أنه كان من قبل ساقيا، فاستمر في عمله بعد أن اتهم بأنه دس في الشراب سما، فتبين يطلان التهمة، فعاد إلى عمله بعد أن سجن، والثاني اتهم بأنه دس في الطعام سما، وثبتت التهمة فقتل وصلب، واللَّه أعلم.
مكث في السجن حينا، وهو يعلم أنه بريء والملك يعلم ذلك، والنسوة يعلمن، فأراد أن يذكر الملك بنفسه فطلب ممن ظن أنه ناج أن يخبر الملك بذلك
стр. 5308
(وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ... (٤٢)
أي عند الملك، وسماه ربًّا مع أن يوسف نبي التوحيد، من قبيل رب الأسرة بمعنى راعيها، وحافظها، فنسي أن يذكر ذلك فمكث نبي اللَّه بعد ذلك بضع سنين، وهذا قوله تعالى: (فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ).
وهنا ملاحظتان تتعلقان بالمنهج البياني القرآني الأولى: قول يوسف (لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا)، فعبر بالظن ولم يعبر بالعلم، تأدبا مع اللَّه في العلم بالغيب، فإنه وإن كان يقينا عند يوسف، ولكن طريقه لَا ينتج إلا ظنا.
стр. 5309
الثانية: في كلمة (فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ)، المعنى ذكره عند ربه، والإضافة لأدنى ملابسة، وقد مكث بعد ذلك بضع سنين، كان فيها داعية للتوحيد، وقد أَنِسَ به الذين كانوا يدخلون السجن، فدعاهم إلى التوحيد، وكانوا يدخلون متهمين من الملك أو غيره، ويخرجون مؤمنين مدركين، وكان بعضهم لأنسه بيوسف الصديق يرغب في أن يعود سجينا.
وكان يدعو - كما رأينا في دعوته - صاحبي السجن أولا، وفي هذا إشارة إلى استمرار دعوته إلى التوحيد.
والسجناء في مصر كانوا في أغلب الأحوال أبرياء وضعفاء، وأول من يستجيب للنبيين الضعفاء كما رأينا من بعد في أتباع محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وكما رأينا من قبل في أتباع نوح ﵇، كما قال عن قوم نوح:
(. . . وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ. . .).
* * *
الخلاص
قال تعالى:
(وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ
стр. 5310
وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩) وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)
* * *
ابتدأ الخروج من السجن، لأن نور النبوة خرج إليهم بعد أن اهتدى بنورها من اهتدى من نزلائه، وكانوا يودون أن يعودوا بعد أن يخرجوا أُنْسا بيوسف.
رأى الملك رؤيا صادقة، إن وصفت رؤيا من لم يكن موحدا - بالصدق، وإن لم تكن وحيا، رأى الملك
стр. 5311
(سبع بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ)، أي خيلات لَا لحم عليهن، ولا سِمَن فيهن، والعجاف يأكلن السمان، ورأى سبع
стр. 5312
سنبلات خضر وأخر يابسات لَا خضرة فيهن، وهي متجاورات، نادى ملأه، وهم شيعته الذين يحيطون به وقال: (يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيَايَ إِن كنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبرُونَ)، يقال عَبَرَ الرؤيا، أي جاء بما تدل عليه الحال النفسية التي دلت عليها من عبارة بينة موضحة، وقد تكون من عبور النهر بمعنى عبر النهر، أي بلغ نهايته، وهي هنا ما تنتهي إليه الرؤيا من حقائق قد تكون ثابتة، ومعنى (أَفْتُونِي فِي رُءْيَايَ)، أي اعبروا إليّ هذه الرؤيا التي هي أمري وحالي المستولي على نفسي المستغرق لها.
ولقد أجابه ملؤه مجهلين لحاله، وما يشغله، أو مسرين عليه، حتى لَا يلج به الهم الغالب، وذلك هو الأقرب المعقول بين ملك وحاشيته.
стр. 5313
(قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤)
(أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ) أي أخلاط، والأحلام، أي أحاسيس نفسية مختلطة، والأضغاث جمع ضغث، والضغث هو مجموع النبات من بقل أو حشيش، أو حزمة من العصي، كما قال تعالى في قصة أيوب ﵇ إذ فدى يمينه من الحنث بضربه ببضعة من الحشائش والأخلاط. (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤).
وأتموا الجواب بنفي قدرتهم على تأويل الأحلام، فقالوا: (وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ) وما نحن بمعرفة مآل الأحلام بعالمين، أكدوا نفي علمهم بالباء في (بِعَالِمِينَ)، وكان تأكيد ذلك النفي لتأكيد أنه لَا مدلول لها؛ ليطمئن بعد أن أصابه القلق الملقي بالهم والحزن.
عندئذ تذكر صاحب السجن بعد أن أنساه الشيطان، والحوادث يذكر بعضها ببعض إذا كانت متجانة فذكرته رؤيا الملك برؤياهم، ولذا قال تعالى:
стр. 5314
(وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥)
وهو الصاحب الثاني
стр. 5315
من صاحبي يوسف في السجن، (وَادَّكَرَ) أي تذكر، وأصلها اتذكر قلبت التاء دالا، والذال دالا، وأدغمت الدال في الدال.
والمعنى تذكر تذكرا شديدا لائما لنسيانه ما كلفه يوسف من أن يذكره عند ربه، (بَعْدَ أمَّةٍ) أي حين من الزمان، إذ لبث يوسف بسبب هذا النسيان بضع سنين، والبضع بين الثلاث والعشر، وقيل: خمس سنين، كان فيها هاديا مرشدا للمساجين، قال ذلك الذي نجا: (أَنَا أُنَبِّئُكُم بتَأْوِيله) بمعرفة مآله، ويظهر أنه أخبرهم بأن يوسف هو الذي سيعلمه، ولذا قال. (فَأَرْسِلُونِ)، أي أرسلوني إلى السجن ليعلمني يوسف.
ذهب إلى السجنِ، وقال:
стр. 5316
(يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦)
(أَفتِنَا)، أي بين لنا ما تدل عليه هذه الرؤيا، رجاء أن أرجع إلى الناس، ورجاء أن يعلموه.
قال يوسف في تأويل الرؤيا:
стр. 5317
(تَزرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا)، أي دائبين مستمرين على عادتكم، ويجيئكم الخير سنة بعد سنة لَا يتخلف، بل كل السنين سنين خير مستمر.
وذكر لهم نصيحة، وهي مقتضى الحلم فقال: (فَمَا حَصَدتُّم)، أي ما قطعتم من عيدان الحبوب، (فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) وبقاؤه في سنبله يحميه من السوس، ويبقى لما يجيء بعد ذلك من سنين يابسة لَا خير فيها لا تؤتي أُكلا، وقال بعص المفسرين: إن هذه نصيحة، وهي غير الرؤيا، ونحن نرى أنها نصيحة حقا وهي صادقة، والرؤيا تشير إليها، إذ إن العجاف لَا تأكل السمان إلا إذا ادخرت ثمرات السمان لتأكلها العجاف، والعجاف جمع عجفاء.
стр. 5318
ويقول يوسف مما حكاه اللَّه تعالى عنه:
стр. 5319
(ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨)
وصفت السبع اليابسة بأنها سبع شداد، لأنها تكون شديدة على الناس، إذ يكون الناس فيها في شدة تضطرهم لإخراج كل ما ادخروا، ليدفعوا ضرها، ويأكل الناس فيها ما قدموه من قبل لها، وهيأوه لدفع شدتها، ووصفت السنون بأنها تأكل مع أن الأصل هم الذين يأكلون؛ لأن هذه السنين تكون سنين غير منتجة، فكأنها هي التي تأكل.
(إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ)، من أحصى بمعنى حفظ، وكأنه جعله في حصن، وهو ما ادخروه ليكون بذرا للزرع في مستقبل أيامهم.
بعد ذلك التفسير بشرهم بأن الأزمة التي تأزمت تنتهي بعد ذلك، وذلك مما علمه من غيب
стр. 5320
(ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)
أي يغاثون من القحط، فيدر اللَّه تعالى عليهم أخلاف الرزق، وفيه يعصرون العنب والزيتون وتدر عليهم الأبقار بألبانها.
ولقد بلغ الملك هذا التعبير، وهذا التبشير، فراعه ذلك، فأرسل إليه يحضر ليختص به:
стр. 5321
(وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠)
طمأن الملك بعلم حقيقي مما علمه ربه، فأرسل إليه ليأتوه به، ولكن الكريم ابن الكريم لَا يذهب إلا مبرأ من كل إثم، وإلا مبينا أنه كان مظلوما بهذا السجن، وأنه كان فريسة كيد النساء، وإن اللَّه تعالى عليم بكيدهن.
طلب منه التحقيق في سبب إلقائه في السجن: قال:
стр. 5322
(مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ) لقد كادوا لي (إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ) ذكر النسوة اللاتي قلن (امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ)، وخرج عليهن فجرحن أيديهن، اسأله ما بالهن أي ما حالهن، ومآل أمرهن.
стр. 5323
سأل عن النسوة، ولم يسأل عن امرأة العزيز، وهي التي كانت الأصل فيما نزل به، وقد أدخل السجن لستر الأمر ومنع الناس من أن يتحدثوا به، ويجعلوه ملهاة مجالسهم وسمرهم، وذلك أولا لأن تحقيق مآل النسوة يَجُر إلى الكلام في امرأة العزيز؛ لأنه مترتب على ما كان من امرأة العزيز، وثانيا، لأنه لم يرد أن يفاجئ الملك بأمر يمس شخصه، فلم يذكره، لأنه نتيجة للبحث في أمر النسوة، ولا يقوم هو بالاتهام إكراما للملك، فقد أحسن مثواه، ولكي لَا يشنع عليها، ولكيلا يحرجه أمام الناس في اتهام امرأته.
استجاب الملك لسؤال يوسف الصديق فقال لهن:
(مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ ... (٥١)
سألهن الملك ما الخطب الشديد الذي ظهر منكن، إذ راودتن يوسف عن نفسه، فأجبن بالنفي عن أن يوسف بوصف فيه سوء، لأنهن ما علمن عليه من سوء فاكتفين بالرد ببراءته، ولم يتعرضن لأمرهن ومعنى (حَاش لِلَّهِ) تنزيها له لأجل اللَّه تعالى، مع التعجب من عفته وبراءته.
هذا ما كان منهن، وموقفهن في هذا المقام سلبي، أما امرأة العزيز فقد تحرك ضميرها، ونفسها اللوامة، فقالت مخبرة بالإيجاب بالنسبة لها وله (قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١)
стр. 5324
ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢) . اشتمل كلام امرأة العزيز على ثلاثة أمور كلها إيجابي، وليس سلبيا.
الأمر الأول: قوله: (الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ) أي الآن ثبت الحق واستقرت الأمور، وعرفت على حقيقتها، وحصحص: معناها استقر الحق، مأخوذ من حصحص البعير إذا أناخ في مباركه واستقر.
الأمر الثاني: إقرارها بأنها راودته عن نفسه.
الأمر الثالث: أن يوسف كان هو الصادق عندما قال: (. . . هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي. . .) وكان قولها موافقا تمام الموافقة لما انتهى إليه الحكم الذي كان من أهلها، وقال إن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين.
стр. 5325
وقوله تعالى: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢)
الإشارة في قوله تعالى: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ) إلى قول امرأة العزيز، ولكن الضمير يعود إلى مَنْ في قوله: (أَخُنْهُ)، أيعود إلى يوسف، أم يعود إلى الملك؟، إن قلنا: إن الكلام كلام يوسف يعود إلى الملك، أي كانت تلك المجاوبة ليعلم أني لم أخنه في غيبته، وأني كنت أمينا على شرفه وعرضه، وإِن اللَّه تعالى لَا يهدي كيد الخائنين، أي لَا يوفق تدبير الخائنين، ويقول تعالى:
следующие страницы →