← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.

стр. 5321

(وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) طمأن الملك بعلم حقيقي مما علمه ربه، فأرسل إليه ليأتوه به، ولكن الكريم ابن الكريم لَا يذهب إلا مبرأ من كل إثم، وإلا مبينا أنه كان مظلوما بهذا السجن، وأنه كان فريسة كيد النساء، وإن اللَّه تعالى عليم بكيدهن. طلب منه التحقيق في سبب إلقائه في السجن: قال:

стр. 5322

(مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ) لقد كادوا لي (إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ) ذكر النسوة اللاتي قلن (امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ)، وخرج عليهن فجرحن أيديهن، اسأله ما بالهن أي ما حالهن، ومآل أمرهن.

стр. 5323

سأل عن النسوة، ولم يسأل عن امرأة العزيز، وهي التي كانت الأصل فيما نزل به، وقد أدخل السجن لستر الأمر ومنع الناس من أن يتحدثوا به، ويجعلوه ملهاة مجالسهم وسمرهم، وذلك أولا لأن تحقيق مآل النسوة يَجُر إلى الكلام في امرأة العزيز؛ لأنه مترتب على ما كان من امرأة العزيز، وثانيا، لأنه لم يرد أن يفاجئ الملك بأمر يمس شخصه، فلم يذكره، لأنه نتيجة للبحث في أمر النسوة، ولا يقوم هو بالاتهام إكراما للملك، فقد أحسن مثواه، ولكي لَا يشنع عليها، ولكيلا يحرجه أمام الناس في اتهام امرأته. استجاب الملك لسؤال يوسف الصديق فقال لهن: (مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ ... (٥١) سألهن الملك ما الخطب الشديد الذي ظهر منكن، إذ راودتن يوسف عن نفسه، فأجبن بالنفي عن أن يوسف بوصف فيه سوء، لأنهن ما علمن عليه من سوء فاكتفين بالرد ببراءته، ولم يتعرضن لأمرهن ومعنى (حَاش لِلَّهِ) تنزيها له لأجل اللَّه تعالى، مع التعجب من عفته وبراءته. هذا ما كان منهن، وموقفهن في هذا المقام سلبي، أما امرأة العزيز فقد تحرك ضميرها، ونفسها اللوامة، فقالت مخبرة بالإيجاب بالنسبة لها وله (قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١)

стр. 5324

ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢) . اشتمل كلام امرأة العزيز على ثلاثة أمور كلها إيجابي، وليس سلبيا. الأمر الأول: قوله: (الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ) أي الآن ثبت الحق واستقرت الأمور، وعرفت على حقيقتها، وحصحص: معناها استقر الحق، مأخوذ من حصحص البعير إذا أناخ في مباركه واستقر. الأمر الثاني: إقرارها بأنها راودته عن نفسه. الأمر الثالث: أن يوسف كان هو الصادق عندما قال: (. . . هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي. . .) وكان قولها موافقا تمام الموافقة لما انتهى إليه الحكم الذي كان من أهلها، وقال إن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين.

стр. 5325

وقوله تعالى: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢) الإشارة في قوله تعالى: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ) إلى قول امرأة العزيز، ولكن الضمير يعود إلى مَنْ في قوله: (أَخُنْهُ)، أيعود إلى يوسف، أم يعود إلى الملك؟، إن قلنا: إن الكلام كلام يوسف يعود إلى الملك، أي كانت تلك المجاوبة ليعلم أني لم أخنه في غيبته، وأني كنت أمينا على شرفه وعرضه، وإِن اللَّه تعالى لَا يهدي كيد الخائنين، أي لَا يوفق تدبير الخائنين، ويقول تعالى:

стр. 5326

(وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ... (٥٣) هذا على أن هذا القول جاء على لسان يوسف، وهو تخريج الزمخشري، ويصح أن يكون ذلك استرسالا لقولها، ويكون على مع هذا التخريج، ليعلم يوسف أني لم أخنه بالغيب، وأني اتهمته وأصررت على الاتهام، وهأنذا أقر بالحق أمام زوجي وأمام الناس وأنا ما أبرئ نفسي، إن النفس أمارة بالسوء إلا من رحم ربي إن ربي لغفور رحيم. وإني أميل إلى أن ذلك من كلام يوسف ﵇ تبرئة لنفسه أمام العزيز، ولأن قوله (إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُور رَّحيمٌ) هي التي تليق بمقام النبوة، وقوله: (إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) فيه إشارة إلى (ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ ربِّهِ. . .) وفيه إشارة إلى جيشان الغريزة، ثم كفها، لما رأى برهان ربه، والله أعلم. * * * تمكينه من ولاية مصر قال تعالى: (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤)

стр. 5327

قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧) وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (٦٠) قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (٦١) وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢) * * * من غيابت السجن إلى ملك مصر سار بهداية اللَّه، وتحت عين اللَّه ورعايته من الجب حتى قال الملك:

стр. 5328

(ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي)، أي أجعله خالصا لنفسي أوسد إليه من الأمور ما أصلح به أمري، وهذا يدل على أن ملوك مصر حتى في عهد الفراعنة، يتخيرون الرجل ليضعوه في المكان الذي يصلح به الأمر، لَا كطاغية ظهر في عصر، يعطي الأمر غير أهله، ولا يختار من تكون له كفاءة خاصة. اختار يوسف ليكون بجواره، فلما كلمه، قال: (إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ)، ومكين أي ثابت لك مكانة وممكن في الأمور نأتمنك على كل شيء.

стр. 5329

ويوسف الصديق ﵇ عرف مما علمه ربه المكان الذي يستطيع به إصلاح الأمور، وعرف مما عبر من رؤيا تعلم تعبيرها من اللَّه كيف أَمْر اقتصادها ولذا قال:

стр. 5330

(اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) أي إني أحفظها من الضياع، فلا يختلس فيها مختلس، ولا تضيع فيها الأمانات، ولا ينفق منها إلا في موضعه، ولا يبذر فيها، ولا يقتر في مواطن الإنفاق، وعليم بما يصلح وما لا يصلح، وبوجوه الحاجة، وبوجوه الإسراف، فلا يخرج مال إلا بحقه، ولا يجمع إلا بحقه، وقوله: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ) فيه طلب جعله واليا على أموال الدولة، و (الأَرْضِ) المراد بها أرض مصر. إن هذه المكانة التي وصل إليها يوسف، الفضل فيها للَّه وحده، ولذا قال تعالى:

стр. 5331

(وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) التشبيه هو بين الحال التي تنقل فيها يوسف من الجب والرق والتحكم في مشاعره، حتى كان كل أحاسيسه ملكا لمن كان عندها، حتى صار حاكم مصر، أخصب المناطق في عصره. وإرادة اللَّه تعالى التمكين، أي كهذا الذي رآه القارئ في القصة كان تمكين اللَّه ليوسف ﵇، فهذا التشبيه يفيد أن ما كان ليوسف في هذه الأدوار كان بتمكين اللَّه. ثم ختم اللَّه تعالى الآية بقوله تعالى: (وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) أي نجزي الذين يتصفون بالإحسان، والإحسان يقتضي استقامة العقول، وإخلاص القلوب، والقول الطيب والعمل الصالح، وغير ذلك مما يدخل في معنى الإحسان، وهذا جزاء دنيوي مداره التوفيق في القول والعمل. وفي الآخرة خير منه، ولذا قال تعالى:

стр. 5332

(وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧) (اللام) لام التوكيد، والآية الكريمة تبين أن أجر الآخرة خير من هذا الذي رأيناه ليوسف الصديق ﵇ وإنما يستحقه من كان فيه وصفان: الوصف الأول: الإيمان، فقال: (لِّلَّذِينَ آمَنُوا)، وقد أطلق الإيمان، ليشمل الإيمان باللَّه تعالى، وهو رأس الإيمان، والإيمان بالحق، والإيمان

стр. 5333

بالفضائل، والإيمان بحقوق الناس وحماية هذه الحقوق، ويصح أن نقول إن الإيمان باللَّه تعالى يتضمن هذا كله. الوصف الثاني: التقوى، ولذا قال تعالى: (وَكانُوا يَتَّقُونَ)، أي استمروا على التقوى، والتقوى استشعار خشية اللَّه تعالى، وأن يجعلوا بينهم وبين المفاسد أيا كانت وقاية من الاندحار في مخازي الشيطان. * * * اللقاء ألقى الإخوة أخاهم في الجب، ثم كذبوا على أبيهم وصاروا لَا يعلمون من أمره شيئا، وما كان يجول بخاطرهم أنهم سيلقونه ملكا حاكما، يمدون أيديهم طالبين منه العون، ولكن ما لم يكونوا يتصورونه كان أمرا واقعا رأوه، ولم يعرفوه؛ لأنهم تركوه غلاما صغيرا، ولكنه عرفهم، وهذا قوله تعالى:

стр. 5334

(وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨) ولقد صدق بهذا اللقاء إلهام اللَّه تعالى في وحيه إذ قال تعالى: (. . . وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ)، وقوله تعالى: (وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ) معناه أنهم لم يعرفوه، والنفي مؤكد، بكلمة (هُمْ)، وبالوصف، فحالهم حال إنكار مؤكد وذلك لطول العهد، وتركهم له وهو غلام، وقد صار رجلا مكتملا، وليوهمهم أنه هلك، والفارقة الكبيرة بين حاله إذ رموه في غياهب الجب، وحاله وهو جالس على عرش مصر، أو قريب منه، لذا لم يعرفوه. وقد روى الكاتبون في قصص الأنبياء أنه صار وزير الملك، وجعل على خزائن الأرض وأقام العدل، والعدل ذاته فيه نماء، واجتهد في تنمية الثروة المصرية، فأكثر من الزراعات، وضبط الثمرات والغلات وادخر ما ادخر لسنى الجدب على النحو الذي شرعه في تفسير الرؤيا، ولما جاء الجدب، وكان يعلم ذلك بتعليم من اللَّه، عم القحط مصر، وتوجه الناس إليه فباعها بالدراهم والدنانير

стр. 5335

أولا، ثم باعوا حليهم وجواهرهم ثانيا، ثم باعوا أنفسهم ثالثا، ولكن نبي اللَّه أعتقهم بتفويض من الملك. وقد وصل القحط حيث تقيم أسرة نبي اللَّه تعالى يعقوب فأرسل وُلْدَه يمتارون من مصر التي كانت وحدها بفضل تعليم اللَّه تعالى لابنه هي التي يمكن أن تكون فيها الميرة. كان يوسف هو الذي يتولاها، فأعطاهم ما طلبوا، وطلب منهم طلبا وقد قال تعالى:

стр. 5336

(وَلَمَّا جَهَّزَهم)، أي ملأ ما معهم من جهاز، وأوفر ركائبهم بما طلبوا، طلب أن يأتوا بأخ لهم من أبيهم، وهو شقيقه وهذا قوله تعالى: (قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩) أي خير الذين يكرمون الضيوف، وينزلونهم في أحسن المنازل.

стр. 5337

ثم هددهم بأنهم إذا لم يحضروه، وكان في شوق إليه، وفي جمع الشمل، وهذا من دوافعه (فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (٦٠)

стр. 5338

قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (٦١) ، أي سنلطف بأحسن القول مع أبيه، أكدوا أنهم فاعلون ذلك وأكدوا ذلك بـ (إنَّ)، وبالجملة الاسمية. ولكن يوسف ما نوى أن يمنعهم من الكيل، ولكن أظهر لهم ذلك، ولذلك قال لعبيده:

стр. 5339

(اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ ... (٦٢) أي في ركابهم، فقال تعالى في ذلك: (اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) انقلبوا معناها هنا وصلوا، والرحال جمع رحل، وهي ركائبهم، رجاء أن يعرفوها ورجاء أن يرجعوا إلينا بما وعدوا به. ونرى هنا أن يوسف الذي كان رفيقا بأهل مصر، كان رفيقا أيضا بإخوته وأبيه، فلم يؤخر عنهم الميرة، بل عجلها لهم، وإن أوهمهم أنه يؤجلها حتى يعودوا إليه مع أخيه.

стр. 5340

* * * هل آمنكم عليه!! قال اللَّه تعالى: (فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣) قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤) وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥) قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦) وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) * * * أرادوا أخذ يوسف من أبيه ليكيدوا له، وكادوا ما كادوا، وهذه المرة، أخذوا أخيه لَا ليكيدوا له، ولكن ليميروا لأهلهم، تشابه الوقف في الظاهر، واختلف الباطن، ويشترك القصص القرآني الصادق في مجراه.

стр. 5341

(فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ)، الكيل المراد به الكيل، فهو مجاز لتلاقي الاشتقاق، وذلك لإحضار أخينا (فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا) أو نقول: إن الكيل على حقيقته، أي منع أن يكال لنا، و (نَكْتَلْ) معناها يكال لنا، ونكتل مجزومة في جواب الأمر، (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) وعدوا وأكوا الوعد بـ (إنَّ) واللام، كوعدهم عند أخذهم ليوسف، ولكنهم كانوا كاذبين، وهنا كانوا صادقين، فتشابهت ألفاظ الوعد، واختلفت الحقائق فيها، وإن الأحكام على الأقوال تؤخذ من الظاهر، ويقاس فيه الحاضر بالماضي، وقد كان ماضيهم في يوسف يجعله يخاف من حاضرهم.

стр. 5342

(قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤) الاستفهام هنا إنكاري لإنكار الوقوع، وهو وقوع الأمن، أي ليس أمني عليه منكم، إلا كأمني على يوسف منكم، وقد كانت نتيجة الأمن في الماضي أن جئتم تبكون، وتقولون أكله الذئب، فلستم أنتم الذين تحفظون أخاكم، (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)، وإنه إذ قال ذلك أبدى عدم ثقته بحفظهم أولا، وعدم الثقة بما في نفوسهم ثانيا، وبالنسبة للأول ترك الأمر للَّه فهو خير حافظا، وأخذ موثقا للأمر الثاني فقال:

стр. 5343

(قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا) كما سنتلو الآية كاملة من بعده. وإنه في أثناء مبادلة القول مع أبيهم بشأن أخيهم، وجدوا بضاعتهم في رحالهم،

стр. 5344

(وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ ... (٦٥) ففرحوا أشد الفرح، و (قَالوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي)، (مَا) إما أن نقول استفهامية، ومعناها أي شيء نريده بعد ذلك؟، لقد طابت الأمور واستقامت. يطيبون بذلك قلب أبيهم ويدخلون في قلبه السرور، ويصح أن تكون نافية، أي لَا شيء نبغيه، فقد تحقق كل ما بغينا، ولا شيء بعد ذلك، لقد دفعنا الثمن، وتسلمنا البضاعة (هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ) ويلاحظ أنه عبر عن أخذهم بالبضاعة بقولهم (رُدَّتْ إِلَينَا) ولم يقولوا جاءتنا، وذلك لأنهم صدقوا

стр. 5345

مقالة العزيز عندما قال: (فَلا كيْلَ لَكمْ عِندِي) كأنها أخذت ثم ردها، كما يصنع الملوك خصوصا ملوك مصر. وإن وجود البضاعة في رحالهم أحيت آمالا، فمالوا: (نَمِيرُ أَهْلَنَا) فاطمأنوا إلى ذلك، (وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ)، واعتزموا الوفاء لأبيهم، بحفظ أخيهم، فقالوا: (وَنَحْفَظُ أَخَانَا). وأبوهم كان مكلوما من نتائج إعطائهم يوسف، فكان لابد أن يحتاط لأخيه، حتى لَا تكون النتيجة مثل ما كان بالنسبة ليوسف، بل أخذ عليهم ميثاقا كان نصه: (لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦) كان الميثاق أن يأتوه به إلا أن يكونوا في حال إحاطة بهم، بحيث يغلبون على أمرهم، أو يكونون لَا يطيقون فيها القدرة على المحافظة، ولقد قال بعد أن أتوه موثقهم (اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ)، أي رقيب يعلم ما في الصدور فيعرف نيتكم، وإرادتكم الوفاء ولقد كان نبي اللَّه شفيقا بأولاده جميعا، ويخص يوسف وأخاه بحبه لصغرهما، إبان رمي يوسف في غيابة الجب، ولذا قال لهم:

стр. 5346

(يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ ... (٦٧) لقد كانوا في فخامة وكثرة، وقد أكسبتهم مقابلتهم الأولى مكانة، وقد خشي أن تصيبهم عين، أو يتدافع الجند عليهم، أو نحو ذلك، ثم قال: (مَا أُغْنِي عَنكم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ)، أي ما أدفع عنكم من اللَّه من أي شيء، فـ (مِن) هنا لاستغراق النفي، أي أن احتياطه هذا لَا يمنع قدر اللَّه تعالى إن لمحان قدر لكم شيئا (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلّهِ)) (إِنِ) هنا نافية، أي ليس الحكم النافذ إلا للَّه تعالى، (عَلَيْهِ تَوَكَّلتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ) أي عليه وحده توكلت، فلا أتوكل على سواه وعليه وحده فليتوكل المتوكلون، فهو السند، وهو العماد وحده. * * *

стр. 5347

لقاء الأحبة (وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦٨) وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦) * * *

стр. 5348

دخلوا سن أبواب متفرقة، وتمثلت في يعقوب النبي صورة الأب الشفيق الذي يخشى على أولاده من كل شيء، فإن الشفقة توهم ما لَا يكون له حقيقة أو تكون له حقيتة ولكن بعيدة؛ خاف على أولاده أن يعانوا، أي تصيبهم العين، ققال: (يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ)، ففعلوا استجابة للحنان الذي يغمرهم، ولذا قال تعالى:

стр. 5349

(وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ... (٦٨) أي من أبواب متفرقة حيث أمرهم أبوهم مما كان لَا يغني عنهم من اللَّه من شيء، أي لَا يدفع عنهم دون اللَّه تعالى من شيء، أي أن العين وأشباهها لا تدفع بالدخول من أبواب متفرقة، إنما يدفعها اللَّه إذا شاء (إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا)، هذا استثناء منقطع، على نظر الكثيرين من المفسرين، والحاجة هي الخاطر الذي خطر على فكر يعقوب، وصار في حاجة لأن ينصح ولده بأن يدخلوا من أبواب متفرقة، وهذه الحاجة هي شفقته على أولاده، وخوفه من العين تصيبهم، كما أشرنا، ومن المفسرين من أنكر خوف العين، على مثل نبي اللَّه يعقوب ﵇، وقال: إنه الخوف من الملك إذا رآهم وأولادهم جميعا في أبهة وفخامة أن يبطش بهم، والحاجة تحتمل الأمرين، وربما كان يرشح للثاني قوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ) من الحكمة والنبوة فلا يغني عن اللَّه شيء وإنا نميل إلى هذا. ورشحه أيضا قوله تعالى: (وَلكِنّ أكْثر الناسِ لَا يعْلَمُونَ) بل يسيرون وراء ما يتوهمون، وإن لم تكن له حقيقة ثابتة، واللَّه أعلم. التقى يوسف بأخيه الحبيب المحسود من إخوته كما حسد هو، وترتب على الحسد كيدهم له الذي أدى إلى وقوعه في الرق ثم نجاته، وصيرورته عزيز مصر المنقذ. التقى بأخيه فضمه إليه، وأسر إليه وقال له:

стр. 5350

(إِنِي أَنَا أخُوك فَلا تَبتئس بمَا كَانوا يَعْملُونَ).

стр. 5351

والأخوة هنا هي الأخوة بالمعنى الخاص، وهو أنهما شقيقان، ولأن حقدهما عليهما جعلهما ينحازان في منحاز واحد، كما أراد الإخوة الكبار، وتذهب به شفقته، وما أنعم اللَّه تعالى به عليه إلى التسرية عن نفس أخيه بقوله (فَلا تَبْتَئِس بِما كانوا يَعْمَلُونَ)، أي فلا تدخل على نفسك البؤس والحزن بما كانوا يعملون، أي بما استمروا على عمله من إثارة للحسد والحقد، عملوه معي وكانت عاقبته ما ترى لي، فقد آلمت عاقبة فعلهم إلى أن أكون عزيز مصر، وما يفعلونه معك لا تتصوره أن تكون عاقبته شرا، فعاقبته لك خيرا. وكأنه أسر إليه بالاطمئنان إزاء ما سيفعله معهم، لَا إرهابا ولا انتقاما، فمعاذ نبي اللَّه أن يكون منتقما جبارا، ولكن ليبقى أخوه في ظله، وليستمتع كلاهما بالأخوة الرفيقة القريبة، كما سيتبين من الآيات. جهزهم بجهازهم الذي جاءوا طامعين أن يزيدهم كيل بعير، وحقق ما يبتغون، ومكر بهم مكرا طيبا، ليس خبيثا، ولا اعتداء كما فعلوا هم معه، فجعل الصواع الذي يكال به في رحل أخيه، ولذا قال تعالى:

стр. 5352

(فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠) وقوله: (بِجَهَازِهِمْ) أي الجهاز الذي ابتغوه وأرادوه غير منقوص، وقد جعل السقاية في رحل أخيه، أو وضعه في الرحل الذي يحمل البعير المخصص له، ثم بحث عن السقاية، فتبين أنها غير موجودة، وأنها في رحال القوم، فانطلق حراس القافلة منادين، وهذا معنى (أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ)، أي أعلم معلم (أَيَّتُهَا العِيرُ)، أي أيتها القافلة، وهو اسم الإبل التي عليها الأحمال، وهنا مجاز مرسل إذ أطلقت، وأريد راكبوها. وفى وصفهم بالسرقة مع أنه لم تكن منهم سرقة، وما كان لنبي اللَّه يوسف أن يكذب، ولو لخير، وقد أجيب عن ذلك بأنه لم يكن هو الذي وصفهم بالسارقين، إنما الحارس المنوط به حراسة حاجة الملك هو الذي قال ذلك، وإن كان

стр. 5353

يوسف هو الذي وصفهم، فالوصف حقيقي، لأنهم سرقوا يوسف من أبيه، فكيف لَا يسمون سارقين وقد سرقوا من الأب أعز ولد عنده. والسقاية هي المشربة التي يشربون منها، وسميت هنا سقاية، وسميت من بعد بالصواع، لأنها استخدمت سقاية، واستخدمت للكيل، ولا مانع للمقتصد من أن يستخدم أمرا واحدا في حاجتين مختلفتين، وخصوصا إذا كانت غالية في ذاتها، فقد قيل إنها كانت من الفضة أو نحو ذلك، والصواع لغة في الصاع. أجابهم العير (مَاذَا تَفْقِدُونَ)، أي شيء ضاع منكم وتبحثون عنه؛

стр. 5354

(قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١) جملة (وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِم) جملة للحال، أي قالوا حال كونهم مقبلين، ماذا تفقدون، أي شيء ضاع منكم، وتبحثون عنه؟.

стр. 5355

(قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢) الضمير في (قَالُوا) يعود على جماعة الملك الذين يبحثون عن الضائع، وكيف يتكلم بلسان حالهم واحد منهم، ولقد ذكر هذا المتكلم عنهم جائزة مكافأة عنها وهي كيل بعير، أي حمل بعير يكال لهم سماحا، وقد تعهد المتكلم عن جماعة المصريين الحاضرين في هذا (وَأَنَا بِهِ زعِيمٌ) أي كفيل، فزعيم تطلق بمعنى كفيل وحميل، وضامن، وغيرها مما يدل على معناها. كانت التهمة صريحة ابتداء، ثم هدأت للبحث عن المفقود، فتحايل المؤذن المتكلم باسم المصريين ليجد المفقود، وتخلى عن الاتهام الذي ابتدأه وعرض المكافأة، وتكفل بها. ولكن الاتهام الأول بالسرقة ما زال قائما. ولذا رد إخوة يوسف الاتهام بقولهم:

стр. 5356

(قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣) دفعوا التهمة أولا بأن المصريين الذين يطيفون بالعزيز علموا علما مؤكدا بحسن نيتهم، وأنهم ما جاءوا ليفسدوا في الأرض، والسرقة

стр. 5357

والاغتصاب وأشباهها من الفساد في الأرض، وما كانوا ليفعلوه، وَمَن حول يوسف يعلمون ذلك علم اليقين. وثانيا بأن السرقة لَا تليق بهم، وليس من شأنهم، ولذا قالوا: (وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ)، أي ما كان شأننا ولا من خصالنا أن نتصف بوصف السرقة. وقد أكدوا نفي التهمة بالقسم، وباللام، وبأن ذلك لم يكن مقصدهم ولا غايتهم. لم يقبل من كان يتهمونهم ذلك النفي المجرد، ولا أن يكتفوا بهذا الاتهام المجرد، بل أردفوا الأمر بالتحري

стр. 5358

(قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) أومأوا إليهم بالتحري، وسألوهم الجزاء لمن وجد الصواع في متاعه، ليكون الجزاء به برضاهم، ولا يكون فيه غمط لهم أو تجاوز للحد، أو الشطط في زعمهم.

стр. 5359

(قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥) أي جزاء هذه السرقة التي يستحقها من سرق، من وجد في رحله، فالسارق هو الجزاء، ويظهر أن ذلك مبدأ كان معروفا، وهو أن السارق يكون جزاء للمسروق بأن يملكه المسروق منه، ويكون عبدا له، ولذا قال عنهم: (كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ)، أي كهذا الجزاء نجزي الظالمين. وإن استرقاق الأحرار في نظير المال كان مبدأ مقررا في بعض عهود القانون الروماني الذي جاء بعد ذلك بعدة قرون. عَدُّوا الحكم على السارق إن كان، وهو أن يسترقّ في نظير ما أخذ، فأخذوا يبحثون في الأمتعة،

стр. 5360

(فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ ... (٧٦) أي أنه بمقتضى الحكم الذي قرروه أن يكون أخوه حبيسا رقيقا عند العزيز ومن معه، وذلك مبتغى يوسف، لأنه يريد أن يحتجز أخاه عنده مكرما غير مهين، وتم له بذلك ما أراد. وذلك بتدبير اللَّه تعالى، ولذلك قال تعالى: (كَذَلِكَ كِدْنَا ليُوسُفَ) أي كدنا ليوسف هذا التدبير، أي دبرنا ليوسف مثل ذلك التدبير
следующие страницы →