Полный текст (8 373 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.
стр. 5741
صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨) قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)
* * *
ذكرت قصة خلق الإنسان وإبليس قبل ذلك، وليس في ذكرها الآن تكرارا لما ذكر أولا وثانيا، بل إن لكل واحدة عبرة في ناحيتها، وكلها يشترك في أمرين ثابتين، وهو أن اللَّه تعالى كرم الإنسان، فجعله فوق الجن والملائكة، إن استقام على طريقه، والثاني أن اللَّه تعالى كرمه منذ بدء الخليقة وفي كل مرة من ذكر القصة تفصيل لأمور لم يكن في المرة الأخرى، ففي مرة ذكرها في سورة الأعراف، كيف كان الإغواء، وكيف قاسمها أنه لهما من الناصحين، وفي هذه المرة صارح بالإغواء وإصراره عليه، ونتيجة هذا الإغواء، وفي السابقات لم يكن تصريح بهذا، ولنرو القصة الحق، كما نتلوها من القرآن الكريم.
стр. 5742
ذكر خلق الإنسان، فقال عز من قائل:
стр. 5743
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) الصلصال هو الطين اليابس، وروي ذلك عن ابن عباس، وقال مجاهد: هو الطين المنتن، أي الطين العطن وذلك بيان لصغر أصل الإنسان حتى لَا يستكبر ويغتر، ونحن نميل إلى رأى ابن عباس ﵄ وقوله: (مِنْ حَمَإٍ) الحمأ: الطين، و (من) ابتدائية، أي خلقناه من طين يصلصل، (مَّسْنون)، أي شكل بأي شكل، وليكن شكل إنسان.
هذا خلق الإنسان أو أصل مادة تكوينه، أما الجن فقد قال تعالى:
стр. 5744
(وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧)
والجان الجن الذي منه إبليس اللعين، والسموم الرياح الشديدة الحرارة التي تنفذ في المسام، وذكر أنه كان من قبل خلق آدم بدليل أن إبليس أمر بالسجود لآدم.
وهنا في هذا النص لم يذكر آدم على أنه خليفة في الأرض، وذكرت هنالك المفاضلة بينه وبين الملائكة في العلم ولم تذكر هنا، ولا تعارض بل توافق من غير مقابلة مضادة.
ويقول في طلب السجود:
стр. 5745
(فَإِذَا سَوَّيْتُهُ ... (٢٨)
أي شكلته على الخلق السوى في أحسن تقويم (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) قال سبحانه بعد قوله:
стр. 5746
(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ)، وقوله تعالى: (فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) معناه خروا له ساجدين، سجود إجبار وتكريم لَا سجود عبادة، فالعبادة لِلَّهِ تعالى وحده لَا شريك له، ويقول الزمخشري في قوله تعالى: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي) وأحييته، وليس ثمة نفخ ولا منفوخ، وإنما هو ليحصل ما يحيا به فيه، وحاصل هذا أن ذلك تصوير للروح إذ تدخل الجسم ويحيا بها الإنسان حياة محس مدرك، ويقول البيضاوي في قوله: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي) " حتى جرى آثاره في تجاويف أعضائه، وأصل النفخ إجراء الريح في تجويف جسم آخر، ولما كان الروح يتعلق أولا بالبخار اللطيف المنبعث من القلب، ويفيض عليه القوة الحيوانية، فيسري حاملا لها في
стр. 5747
تجاويف الشرايين إلى أعماق البدن جعل تعلقه بالقلب نفخا فيه، وإضافة الروح إلى نفسه لما مر في (النساء)، والمعنى أن الله نفخ من روحه هو تصوير لخلق الحياة، وإضافتها إليه لأنه خالقها ومنشئها، وليس ثمة نفخ، وإنما هو تصوير للخلق والتكوين، وعلى هذا يكون معنى نفخنا فيه من روحنا، فليس فيها دلالة على أن عيسى من روح الله كما أن آدم ليس من روح الله، وإنما هو من خلق الله تعالى ".
قال تعالى:
стр. 5748
(فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠)
توكيدان بلفظين للسجود جميعهم، أحدهما بقوله: (كلهم)، وثانيهما بقوله: (أجمعون)، فقد سجدوا سجودا مؤكدا لم يمتنع منهم أحد، وذلك لتكريم آدم، وفي سورة البقرة بيان لسبب التكريم.
وقد استثنى اللَّه تعالى إبليس من الساجدين فقال:
стр. 5749
(إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١)
والاستثناء هنا منقطع على أن إبليس لم يكن من الملائكة، وكلهم كان مطالبا بالسجود الذي طولبوا به، وإذا كان منهم أو داخلا في عمومهم فإن الاستثناء يكون متصلا، وقد ظهر بهذا تمرده وشذوذه، أما تمرده وخروجه عن الطاعة فلأنه أبي، وقد أمر بالسجود، وأما شذوذه، والشذوذ ومجابهة الجموع بالباطل أساس الانحراف، فقد أشار الله تعالى إليه بقوله تعالى: (أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ).
خاطبه الخالق جلت قدرته فقال:
стр. 5750
(يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢)
والمعنى أن رب الوجود ومنشئه سأله عن المسوغ الذي سوغ له ألا يكون مع الساجدين، أي شيء أثبت لك وسوغ ألا تكون مع الساجدين، مع أن سجودهم كان يستحثك على أن تسجد مثلهم.
فأجاب إبليس قال:
стр. 5751
(لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣)
والنفي نفي وجحود، أي لم يكن من شأني أن أسجد لبشر خلقته
стр. 5752
من طين، وفي معنى هذا إجابته في سورة أخرى (. . . أَنَا خَيْر مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ)، وكان هذا الذكي في غفلة؛ لأن خالق النار هو الذي أمره بأن يسجد، وهو أعلم بمن خلق.
كان هذا تمردا، وغرورا، ومعارضة لما أسر اللَّه تعالى؛ ولذلك أمره اللَّه تعالى بأن يخرج مذءوما مدحورا، فقال له:
стр. 5753
(فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤)
الضمير في منها يعود إلى الجنة، ورجيم معناها مطرود مرجوم بالحجارة، وسجل اللَّه عليه اللعنة إلى يوم الدين فقال تعالت كلماته:
стр. 5754
(وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥) من هنا ابتدأت المعركة بين الإنسان وإبليس اللعين، وصارت العداوة بين عنصر الخير الملكي وعنصر الشر الإبليسي، وقد طلب إبليس أن يؤجل إلى يوم يبعثون قال إبليس:
стр. 5755
(فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦)
(الفاء) في فَأَنْظِرْنِي فاء الإفصاح؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، والمعنى إذا كنت قد طردتني من رحمتك، ولعنتني، فأجلني إلى يوم يبعثون لأكون أنا وهم على سواء نجازى بما ترى من جزاء. أجابه اللَّه تعالى إلى طلبه فقال تعالى:
стр. 5756
(قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)
(الفاء) أيضا تفصح عن شرط مقدر، أي إذا طلبت التأجيل، فإنك من المؤجلين إلى يوم الوقت المعلوم، وهو يوم القيامة الذي تجازى فيه كل نفس ما كسبت، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وسماه (الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ)؛ لأنه وقت قدره اللَّه تعالى، وهو معلوم عنده، وإن لم يكن يعلمه الناس، ولا يجليها لهم إلا لوقتها.
أخذ إبليس المرجوم الملعون المطرود من رحمته يستعد للقيام بما أوجبه على نفسه حسدا وكبرا لآدم وذريته
стр. 5757
(قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩)
أقسم إبليس لأزينن لبني آدم، ولأغوينهم أجمعين، أي أنه يبتدئ بأن يزين لهم الشر ويحسنه، وأول (الشر) استحسانه، ثم يأخذهم إلى الضلال عن طريق ما يستحسنون ويشتهون، والإغواء: الإضلال.
стр. 5758
والغرور في الدنيا يبتدئ بتزيين الشيطان لها، وحتى يغتروا بها ثم يكون بعد ذلك الضلال، وقد أقسم على ذلك ولم يحنث في قسمه، وقد ابتدأ كلامه بقوله: (رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي)، وهو أولا نادى بقوله: (رَبِّ) شعورا بالربوبية، وقد علمها وضل على علم؛ لأنه لم يطع ربه وقال: (بِمَا أَغْوَيْتنِي)، أي بسبب أنك أغويتني، وسمى ترك الله تعالى له ليضل إغواء له، مع أنه هو الذي اختار المخالفة والعناد، وإن الله تعالى لَا يهدي من اختار سبيل الشر وسار فيه.
وهكذا تجد إبليس حسد آدم، إذ أمره الله تعالى بالسجود فامتنع حسدا وعنادا وحسدا ذرية آدم؛ لأنَّ اللَّه تعالى تركه حتى غوى وضل فأراد إغواءهم، كما غوى.
وقد أدرك إبليس أنه لَا طاقة له لإغواء المخلصين منهم فقال:
стр. 5759
(إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)
أي الذين أخلصوا لطاعتك، وخلصت نفوسهم من شوائب الهوى، وتزيين الدنيا.
وهنا نجد أن الاستثناء كان من قوله: (وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) فهو استثناء من مؤكد، والاستثناء من عام مؤكد بقوله أجمعين دليلا على أن الكثرة هي التي استجابت لإغوائه، والقلة أخلصت لِلَّهِ تعالى.
وإن إبليس يذكر أن العباد المخلصين لَا يغويهم، فيقول:
стр. 5760
(هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١)
الإشارة إلى الاستثناء، وهو أنه لَا يقوى على عباد الله الذين أخلصوا لله تعالى، وصاروا له تعالى وحده. والصراط المستقيم هو الطريق السوي، أي أنه لا يضل إلا من يتبعه أما من لَا يتبعه، ويكون لله، فإنه لَا يغويه ولا يضله، وفي الحق أنه لَا يستطيع أنه يغويه، فإنه لَا يقوى على إغوائه، وإن كانوا كثرة.
وقد أكد اللَّه تعالى أن عباده المخلصين ليس له عليهم سلطان، فقال تعالى:
(إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)
стр. 5761
عباد جمع عبد، والعباد جميعا مضافون لِلَّهِ تعالى؛ لأنه هو الذي خلقهم، وأنشاهم فهم في قبضة يده ، ومعنى قوله تعالى: (لَيْسَ لكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ)، أي ليس عندك قدرة إضلالهم، ولا حجة تسوغ ضلالهم إلا أن يسبقوك بالضلال فيتبعوك من غير حجة ولا برهان، كما قال هو في التخلص من ذنوبهم: (. . . وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِن سُلْطَان إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاستَجَبْتُمْ لِي. . .)، فهم ضالون لم ينهجوا سبيل الرشاد؛ ولذا قال تعالى: (إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ)، أي الضالين ابتداءً.
* * *
عذاب أتباع إبليس
وبين سبحانه جزاء الغاوين فقال:
стр. 5762
(وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)
* * *
أقسم إبليس اللعين (لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ)، وقرر اللَّه تعالى العلي أنه لَا يتبعه إلا الضالون، بعد ذلك أن جهنم موعدهم أجمعين، كأنهم اتفقوا جميعا على مكان يلتقون فيه تحقيقا لوعد وعدوه بمبادلة التزيين والإغواء؛ ولذا قال تعالى مصورا ذلك اللقاء فقال تعالى: (وَإن جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ)، وفي ذلك من التهكم بهم، وكأنَّهم في أخذهم بأسباب استحقاقهم لجهنم ودخولهم فيها، كانوا قد اتفقوا على موعد يلتقون فيه جميعا، وهو جهنم نار اللَّه الموقدة.
وقد أكد سبحانه دخولهم جهنم بـ (إنَّ) المؤكدة والجملة الاسمية، و (اللام) في قوله تعالى: (لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ)، وبالتأكيد اللفظي في قوله تعالى:
(أَجْمَعِينَ).
стр. 5763
وقد قلنا: إنه يفهم من القول وإشاراته البيانية أن عدد العصاة أكثر، وعدد الأبرار أقل؛ لأن الأبرار هم صفوة الإنسانية، والصفوة من كل شيء أقله وليس أكثره.
ولكثرتهم كثرت أبوابها لتتسع لهم في دخولها؛ ولذا قال تعالى:
стр. 5764
(لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)
فبعض المفسرين فهم أن السبعة عدد حقيقي، وأنهم في جهنم مراتب حسب هذا العدد وعلى مقدار ذنوبهم، ويشير إلى هذا قوله تعالى: (لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مقْسُومٌ)، أي أن كل طبقة من طبقاتها لها باب قد قسم لها جزء من المعذبين يدخلون فيه من غير سلام، بل مدفوعين، ملقون فيها كما تلقى أهمال الأشياء.
وقد ذكر هذا الفريق من المفسرين طبقات النار، وهي جهنم، ثم لظى ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الحميم، ثم الهاوية، ويقول البيضاوي في توضيح هذا الرأي: " ولعل تخصيص هذا العدد لانحصار المهلكات في الركون إلى المحسوسات، ومتابعة القوة الشهوية، والغضبية لأن أهلها سبع فرق لكل باب منهم من الأتباع جزء مقسوم أفرز لها، فأعلاها للموحدين العصاة، والثاني لليهود، والثالث للنصارى، والرابع للصابئين، والخامس للمجوس، والسادس للمشركين، والسابع للمنافقين ".
وإنا لَا نوافق العلامة البيضاوي ومن نقل عنه:
أولا: لأن ذلك لَا يعلم إلا بالتوقف.
وثانيا: لأن عصاة المؤمنين ليسوا داخلين في الذين تواعدوا مع إبليس على أن يكون موعدهم جهنم، ولأن هذه الأسماء أوصاف للنار، وليست أقساما لها.
وعندي أن العدد سبعة يذكر في اللغة العربية للدلالة على الكثرة لَا على
خصوص العدد سبعة.
* * *
стр. 5765
جزاء المتقين
قال الله تعالى:
(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧) لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨)
* * *
هذه نعم المتقين، والمتقون هم الذين جعلوا بينهم وبين الشر وقاية، واتقوا غضب اللَّه تعالى، وعملوا على إرضائه وجانبوا الفواحش، ووسوسة إبليس، وقد ذكر اللَّه تعالى لهم نعما أربعة أولها: نعيم مادي، وثانيها: أمن وسلام واطمئنان، وثالثها: راحة لَا نصب فيها، ورابعها: بقاء وخلود.
أما النعمة الأولى وهي المادية فهي المبينة بقوله تعالى:
стр. 5766
(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتً وَعُيُونٍ)، فهي حدائق ذات بهجة للناظرين، فيها من كل فاكهة وما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، وما لم يخطر على قلب بشر، وفيها الأنهار التي تجري من العيون الوفيرة بالماء، والماء نعمة بما فيه من ري، وبمنظر يجري، وما يُحدث من خضرة.
والنعمة الثانية: الأمن وإقرار السلام، وهذا أشار إليه بِآيتين كريمتين هما قوله تعالى:
стр. 5767
(ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ)، والثانية قوله:
стр. 5768
(ونَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ فُتَقَابِلِينَ).
أما الأولى: فإن الملائكة يطلبون إليهم أن يدخلوها بسلام يجمعهم فيها سلام، حال كونهم آمنين من الأشرار وأسقام النفوس ومدافعة الأعداء، فلا
стр. 5769
حرب، ولا خصام ولا نزاع من نوع ما كان يجري في الأرض، وهناك راحة نفسية، وهي أبرك النعم بعد الأمن، أشار إليه سبحانه بقوله تعالى:
(وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧)
نزع اللَّه تعالى ما في النفوس من الغل الذي يتكون من الحقد، والحسد وحب الاستعلاء؛ لأنه سبب في شقاء الدنيا، فالناس يشقون إذا ملأ الحقد والحسد قلوبهم، فالحاسد في هم دائم، وتحب ملازم، وكلما تكاثرت النعم على المحسود تفاقمت النقم على الحاسد، ومن كان في قلبه حقد أوجب انتقاما، فهو يضم بين جنبيه نارا تلهب دائما، وتؤجج أضغان القلوب.
وقد صور النفوس المطمئنة فقال: (إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ)، أي جالسين على سرر جمع سرير، متقابلين بوجوه مقبلة فرحة مستبشرة، وهذه نعمة أخرى من أجل النعم الإنسانية وهي نعمة الأخوة والمحبة المتوادة المتراحمة، ويروى أن المجاهد الأعظم بعد رسول اللَّه عليا كرم اللَّه وجهه عندما قرأ هذه الآية قال: " أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم " رضي اللَّه تعالى عن أولئك الأطهار، ولعن الأشرار الذين بثوا بينهم وتاب على من هو أهل للتوبة منهم.
والنعمة الثالثة: نعمة الراحة، وعدم المغالبة، وقال فيها:
стр. 5770
(لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ ... (٤٨)
أي تحب، بل فيها الراحة المطلقة للجسد، والسرور النفسي المستمر، ونعمة المحبة والمودة والصفاء، وتلاقي القلوب.
وإنها نعم لَا يخشى فواتها، بل هي خالدة؛ ولذا قال تعالى: (وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ) ذكر الضمير (هُم) لتأكيد القول، وقدم (مِنْهَا) للدلالة على
نعمائها وجلالها، ونفي الوصف (بِمُخْرَجِينَ) للدلالة على أنه لَا يمكن أن يوصفوا بأنهم مخرجون، فهو نفي للإخراج بأبلغ وجه، أي ليسوا من شأنهم أن يخرجوا؛ لأنه مقيم فاض اللَّه تعالى به عليهم بسبب تقواهم وبرهم وهو الكبير المتعال.
* * *
стр. 5771
الله غفور رحيم ومنتقم جبار
قال اللَّه تعالى:
(نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)
* * *
الخطاب للنبي ﷺ ، وهو تقريب لمن في قلوبهم رجاء الإيمان، وترهيب لن يصرون على الشر إصرارا، والتنبيء الإخبار بالأخبار الخطيرة ذات الشأن، وأي خطر أعظم من أن يكون منعا لليأس من رحمة اللَّه تعالى، وأعظم من منع يستمر في غيه، سادرا عن طريق اللَّه تعالى.
стр. 5772
(نَبِّئْ عِبَادِي) أخبرهم ذلك الحبر الخطير في ذاته، الدال على عظمة الخالق في رحمته وفي عذابه (أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) أكد هذين الوصفين لذاته بـ (أنَّ)، وبالضمير، والصفتين المتشابهتين، فهو سبحانه يغفر لعباده لمن تاب وآمن وعمل صالحا، وإنما التوبة للذين يعملون السوء بجهالة، ثم يتوبون منِ قريب، ويدعوهم سبحانه لأن يتوبوا ليغفر، فيقول سبحانه: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِين أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِر الذُّنُوبَ جَمِيعًا. . .).
وإن هذا الغفران من مقتضى رحمته لأنه يريد لعباده أن يكونوا أطهارا وأن يموتوا أطهارا، ومن تدنس من أدناس العصيان يطالبه بأن يرحضه عن نفسه، ليغفر له برحمته، ويريد من عباده أن يعلموا الصبر والشكر نهاية أعمالهم في الدنيا.
وإذا استمروا في غيهم ولم يتوبوا إلى ربهم، فليرتقبوا عذابه؛ ولذا قال تعالى:
стр. 5773
(وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)
أي العذاب المؤلم الذي يكون شديدا، قد أكد شدة عذابه بالضمير (هُوَ)، ونسبة العذاب إليه، وقصر الإيلام على عذابه، أي أن عذابه أليم في ذاته، وكأنه لَا إيلام في غيره بجوار إيلامه.
стр. 5774
وإن اللَّه تعالى يعلمنا كيف نربي النفوس ونهذبها، فهي تربي بالرفق من غير شدة، وبالإرهاب من غير تربية لليأس، وبالعقاب حيث يجب، فلا تربي بالعطف الدائم ولا بالعذاب الذي لَا رجاء فيه، وكذلك علَّمنا ربُّنا، وكذلك كانت أخلاق نبينا، وينبغي أن تكون أخلاق مصلحينا، وأولي الأمر منا، وليس الأمر من يفرضه أعداؤنا، أو من يفرضون أنفسهم علينا.
* * *
من قصة إبراهيم وضيفه ولوط وقومه
قال الله تعالى:
(وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (٦٠) فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ
стр. 5775
وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)
* * *
في الآيات السابقة طلبوا أن ينزل معه ملائكة ليؤمنوا به، وقد رد اللَّه تعالى قولهم بأنه: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ)، وفي هذه الآيات التي تلونا نزل ملائكة اللَّه تعالى إلى الأرض فكانوا في مظهرهم بشرا ورجالا ولكن الروحانية تجعل من يخاطبهم - ولو كان نبيا من أولي العزم من الرسل - يوجل منهم؛ لأن جنسهم غير جنسه.
стр. 5776
(وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ)، وضيف اسم جمع، فالمراد العدد الذي أنزل على إبراهيم، وكان كريما مضيافا،
стр. 5777
(إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا ... (٥٢)
أي نسلم سلاما، وقوله تعالى: (دَخَلُوا عَلَيْهِ) تدل على معنى المفاجأة إذ لم يكن يترقبهم، وإنهم إذ فاجئوه طمانوه، فرددوا السلام، وجاءت بالنصب مفعول مطلق لفعل محذوف، أي نُسَلِّم سلاما، أبدى إبراهيم ﷺ بالمفاجأة وجله، ولإحساسه بأنهم ليسوا مثله فقال: (إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ)، أي خائفون لأنهم دخلوا مفاجئين، والوجل: اضطراب في النفس يحدث خوفا.
стр. 5778
قالوا مطمئنين له بعد فزع المفاجأة:
стр. 5779
(لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣)
وهو إسحاق ﷺ ؛ لأنه ذكر في آية أخرى بأن امرأته عجبت لأنها كانت عاقرا وعجوزا، وذلك يعين أنه إسحاق ﷺ ، ووصف الغلام بأنه (عَلِيم) ليتم معنى البشارة، لأنها لَا تكون كاملة إلا إذا كان عالما وليس خاملا، وأولئك رسل الله تعالى يتكلمون عنه، وهو لَا يعلم الغيب المكنون في لوح محفوظ، كانت المفأجاة الثانية بهذه البشرى وإن كانت مفاجأة سارة لَا توجب وجلًا ولكن توجب عجبا؛ ولذا قال:
стр. 5780
(أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ ... (٥٤) (عَلَى) هنا بمعنى (مع) والاستفهام للتعجب فهو تعجب من أن يبشر مع الكِبَر قد مسَّه، أي أصابه وأحس به وأثر فيه أثره، (فَبِمَ تُبَشِّرُونَ)، أي فبأي خبر عجيب تبشرون؛ وذلك لأن مجرى الأسباب العادية يجعل ذلك متعسرا لأنه شيخ مسَّه الكبر، وامرأته عجوز عقمت في صدر شبابها فكيف تنجب في دَبْر حياتها.
قال الرسل:
следующие страницы →