← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.

стр. 5776

(وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ)، وضيف اسم جمع، فالمراد العدد الذي أنزل على إبراهيم، وكان كريما مضيافا،

стр. 5777

(إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا ... (٥٢) أي نسلم سلاما، وقوله تعالى: (دَخَلُوا عَلَيْهِ) تدل على معنى المفاجأة إذ لم يكن يترقبهم، وإنهم إذ فاجئوه طمانوه، فرددوا السلام، وجاءت بالنصب مفعول مطلق لفعل محذوف، أي نُسَلِّم سلاما، أبدى إبراهيم ﷺ بالمفاجأة وجله، ولإحساسه بأنهم ليسوا مثله فقال: (إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ)، أي خائفون لأنهم دخلوا مفاجئين، والوجل: اضطراب في النفس يحدث خوفا.

стр. 5778

قالوا مطمئنين له بعد فزع المفاجأة:

стр. 5779

(لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣) وهو إسحاق ﷺ ؛ لأنه ذكر في آية أخرى بأن امرأته عجبت لأنها كانت عاقرا وعجوزا، وذلك يعين أنه إسحاق ﷺ ، ووصف الغلام بأنه (عَلِيم) ليتم معنى البشارة، لأنها لَا تكون كاملة إلا إذا كان عالما وليس خاملا، وأولئك رسل الله تعالى يتكلمون عنه، وهو لَا يعلم الغيب المكنون في لوح محفوظ، كانت المفأجاة الثانية بهذه البشرى وإن كانت مفاجأة سارة لَا توجب وجلًا ولكن توجب عجبا؛ ولذا قال:

стр. 5780

(أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ ... (٥٤) (عَلَى) هنا بمعنى (مع) والاستفهام للتعجب فهو تعجب من أن يبشر مع الكِبَر قد مسَّه، أي أصابه وأحس به وأثر فيه أثره، (فَبِمَ تُبَشِّرُونَ)، أي فبأي خبر عجيب تبشرون؛ وذلك لأن مجرى الأسباب العادية يجعل ذلك متعسرا لأنه شيخ مسَّه الكبر، وامرأته عجوز عقمت في صدر شبابها فكيف تنجب في دَبْر حياتها. قال الرسل:

стр. 5781

(بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥) الحق هو الأمر الثابت، واللَّه لَا يبشر إلا بالحق الثابت، فلا تكن من الداخلين في صفوف القانطين من رحمة الله الذين يحسبون أن الأسباب الجارية بين الناس تُعجِز إرادة اللَّه تعالى الفاعل المختار الذي هو خالق الأسباب والمسببات فلا يتقيد بها. تنبه أبو الأنبياء لرحمة ربه بعد أن نبهوه، فقال:

стр. 5782

(وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦) نفى خليل الله عن نفسه القنوط بإثبات أن القنوط لَا يكون إلا من الذين يضلون عن اللَّه، ولا يعرفون قدره، وأنه لَا يقيده شيء من خلقه إنه فعَّال لما يريد. والاستفهام هنا إنكاري بمعنى النفي، والمعنى لَا يقنط من رحمة اللَّه إلا الذين ضلوا عن الحق وغاب عنهم. وإنه بإحساس النبوة، وإيمانها قام في نفسه أنهم جاءوا لأمر أخطر من هذا، ولذا قال لهم:

стр. 5783

(فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) (الفاء) لربط ما بعدها بما قبلها، أي

стр. 5784

أدركنا هذه البشارة وحمدنا الله تعالى عليه، وما شأنكم بعدها، ولقد جاءوا عددا فلابد أن يكونوا للبشارة ولغيرها، فسألهم عن شأنهم في غيرها، قالوا:

стр. 5785

(إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) وصفهم بالإجرام؛ لأنهم لم يكفروا فقط، بل أضافوا إلى الكفر فقد الطبيعة الإنسانية. فشذوا بفاحشة ما سبقهم بها أحد من العالمين وإذا كانوا قد وصفوهم بأنهم مجرمون، فمؤدى ذلك أنهم جاءوا لإنزال العقوبة بهم، كما صرح بذلك في آية أخرى فكان لابد أن يتشوف إبراهيم خليل اللَّه لمعرفة مآل ذوي قرابته؛ ولذا قال تعالى على لسان الملائكة:

стр. 5786

(إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) أي أن الهلاك واقع بالمجرمين لَا محالة، ما عدا آل لوط فإنهم ناجون منه، واستثناء امرأته؛ لأنها ما كانت مؤمنة بلوط، ونبوته؛ ولذا كان استثناؤها من الناجين، فقال تعالى:

стр. 5787

(إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (٦٠) وهنا ملاحظتان: الملاحظة الأولى: في قوله تعالى: (قَدَّرْنَا)، أي كان قدرنا الذي لَا ينقض أن تكون غير مؤمنة مع أنها مع نبي من أنبياء اللَّه. الملاحظة الثانية: وصفها أنها من (الْغَابِرِينَ)، أي المجرمين المستحقين للهلاك، وقد أكد أنها منهم بـ (إن) المؤكدة، وبـ (اللام)، وباندماجها فيهم تجمع صفة الموصوفين بالإجرام. ذهبوا إلى قوم لوط وحكى اللَّه تعالى مجيئهم فقال:

стр. 5788

(فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) لم يذكر اللَّه تعالى تحيتهم، ولعل ذلك اعتمادا على ذلك هذه التحية مع إبراهيم، وأهله، ومهما يكن فلم يذكر سبحانه أنهم حيوهم، ولذا ذكر أن جواب لوط ﷺ ، قال:

стр. 5789

(إِنَّكُمْ قَوْمٌ منكَرُونَ)، أي إنكم مجهولون، ولم يكن منكم ما يؤنس بكم، وإني أخافكم، وهذه في مقام قول إبراهيم: (إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ). وقد أجاب الملائكة بما يلقي بالاطمئنان في قوله:

стр. 5790

(قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) والذي كانوا يمترون فيه هو تهديدهم بالعذاب الشديد إن

стр. 5791

استمروا في شركهم وغيره مما جاء واشتهرت به فاحشتهم، إذ يأتون بفاحشة ما سبقهم بها أحد من العالمين، فقد جاءوا بالعذاب الذي احتاروا فيه وأنكروه، وقالوا:

стр. 5792

(وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ ... (٦٤) أي الأمر الثابت الذي لَا ريب فيه، (وَإِنَّا لَصَادِقونَ) في إخبارنا إياك، وأكدوا صدقهم بـ (إن)، و (اللام)، والجملة الاسمية، وإن هذا تأكيد له بأن يذهب عنه الخوف، وإنهم ما جاءوا لإرهابه، ولكن جاءوا لإنزال ما وعد اللَّه تعالى له بنصرته. ولذا أمروْ أمر إحاطة ومودة وإنفاذ

стр. 5793

(فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) بأوامر أربعة لنجاتهم: الأمر الأول: أمرهم بالخروج في جنح الليل، فالإسراء: السير ليلا، و (قطع) أي بعد قطع الظلام من الليل، أي في شدة إظلامه. والأمر الثاني: أن يتبعوا أدبارهم بأن يخرجوا من طريق لَا يواجهونهم فيه وإقبالهم، بل يسيرون في طريق يستدبرونهم فلا يلقونهم. والأمر الثالث: لَا ينظر إلى ما وراءه، فإنه يكون الهول والعذاب النازل بهم حيث تقشعر من هوله الأبدان. والأمر الرابع: أن يمضوا حيث يؤمرون بوضع النجاة، ويقيمون حيث يكونون بعيدين عما أصاب أولئك الذين طغوا في أنفسهم، وأفسدوا الإنسانية، والفطرة السليمة. هذا ما أمر به أولئك المرسلون من ملائكة اللَّه الأطهار، لوط ومن معه من الأبرياء، أما ما قضى بالنسبة لهؤلاء الأنجاس الأشرار، فقد أخبروا به فقالوا:

стр. 5794

(وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) أي بلغناه وأفضينا إليه بما قضى الله تعالى وقدره، وذلك الأمر العظيم الشأن الخطير في ذاته، وهو أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين.

стр. 5795

أي مستأصلون مقطوعون، لَا تبقى منهم باقية في صباح تلك الليلة التي نجوت فيها، والتعبير بـ (دَابِرَ هَؤُلَاءِ) فيه إشارة إلى استئصالهم؛ لأن القطع إذا ابتدأ من الإدبار كان دليلا على استئصالهم جميعهم، وفوق ذلك فيه تصوير لحالهم عند نزول العذاب بهم، والجيش المغلوب الهالك يضرب في أدبارهم فيكون الهلاك لَا محالة، أما الذي يضرب في وجوههم فإنه يقاتل، فيقتل ويقتل وكذلك نزل غضب اللَّه تعالى بهم، كما نزل بغيرهم من الجيوش المدحورة. هذا ما كان من أمر رسل اللَّه الأطهار وأمر لوط الطاهر هو ومن معه، وسط أرجاس هؤلاء المفسدين، ولكن ماذا كان أمر أولئك الأنجاس عندما رأوا ملائكة اللَّه ونور اللَّه يحف بهم يسعون في المدينة، لقد رأوهم فسولت لهم نفوسهم ما هم فيه واستبشروا، فحسبوها أمرا شبعا لهم، وقد حكى ذلك عنهم فقال:

стр. 5796

(وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) (أَهْلُ الْمَدِينَةِ) هم أولئك شذاذ الإنسانية، الذين نشروا فاحشة ما سبقهم بها من أحد من العالمين، جاءوا لما رأوا رسل اللَّه الأطهار، (يَسْتَبْشِرُونَ): يطلبون البشرى التي توافق أهواءهم، وبدرت بوادر الشر الجهول منهم وأدرك نبي اللَّه لوط ما جال بخواطرهم، وهو بهم عليم:

стр. 5797

(قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) ضيفى يعني ضيوفي، ولم يخبرهم أنهم الملائكة لأنهم لَا يدركون، فكان نبي اللَّه الأريب الذي يذكر لهم ما تدركه عقولهم، وقوله تعالى: (فَلَا تَفْضَحُونِ) بأن يكون منكم ما يؤذي هؤلاء، فإيذاؤهم إيذاء لي، وخزي وعار، وأنتم جديرون أن تحفظوا جواري، وإن كنتم فاسقين في ذات أنفسكم. ولكنهم الشواذ، وفي هذا الصنف الصفاقة المستمكنة في نفوسهم، لم تُنْخهم مروءة؛ لأنها ليست عندهم ولم يخلقها اللَّه فيهم

стр. 5798

(قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠) سول لهم الفساد، والهوى الجامح، والشذوذ في الطبع أن يلقوا تبعة فجورهم مع الملائكة على نبي اللَّه لوط (قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ) (الواو) عاطفة على فعل محذوف، والاستفهام للإنكار بمعنى نفي الوقوع، ونفي

стр. 5799

النفي إثبات، والمعنى تلومنا على إيذاء ضيفك وقد نهيناك عن أن تلقى أحدا من العالمين، وإلا كان لنا معهم ما ترى. ولا نرى تبجحا من العقلاء غير الفاسدين إلا قول بعض الطغاة، وقد ذُكِّر بأنه قتل من قال محمد ﷺ : " تقتلك الفئة الباغية "، فقال لمن يحطون على هواه: إنما قتله من أرسله!!. ضاق نبي اللَّه تعالى لوط بهم ذرعا، فقال:

стр. 5800

(هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) فتزوجوهم شرعا، ويَكُنَّ لكم بحكم زواج صحيح. هذا أبلغ ما وصل إليه العنت منهم، وأبلغ ما وصل إليه الرفق في القول بهم، ولكن قضاء اللَّه تعالى قد نفد فيهم جزاء بغيهم وشذوذهم بإرادتهم؛ ولذا قال تعالى في حالهم عند إنزال العذاب بهم:

стр. 5801

(لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) (اللام) في (لَعَمْرُكَ) لام القسم أو الابتداء، و (عمرك) مبتدأ وخبره محذوف تقديره قسمي، وهي جملة عربية مشهورة في القسم بعمر من يخاطبه، وهو النبي الطاهر يقسم بعمره المبارك، وقوله تعالى: (إِنَّهمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) جواب القسم، والسكرة هي ضلالة الطغيان فهي تسكر صاحبها فلا يدرك الحق الحق والصواب، و (يَعْمَهُونَ) معناها يتحيرون تائهين لَا يدركون حقا، ولا يطيعون رشيدًا. ثم قال في وصف العذاب:

стр. 5802

(فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) كان بالأرض رجفة شديدة هزت قشرة الأرض وتكسرت، فانخفض بعض أجزائها، وعلا الآخر، وبذلك ابتلعت الأرض ديارهم بمن فيها، ووضح ذلك بقوله:

стр. 5803

(فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) أي أنزلنا الأحجار نزولا متتابعا كالمطر الدائم المستمر، والسجيل: الطين المتجمد أو طين سجل لهم واقع بهم في كتاب من عند ربهم.

стр. 5804

ويلاحظ أنه عبر في قوله: (أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مصْبِحِينَ) فعبر بلفظ الإصباح، وهنا في هذه الآية عبر بـ مشرقين، وكان التعبير الأول مناسبا للآية؛ لأنه كان والملائكة يأمرون لوطا والأبرار معه بالخروج، فكان المناسب التعبير بالإصباح باعتباره نهاية الليل. وعبر هنا بالإشراق باعتباره أول النهار، وهو وقت، إذ المناسب في ذلك أن يستقبلوا النهار المشرق بتلك الداهية الدهياء التي تجعل نهارهم أسود من قلوبهم المربدة بأقبح السوء. ولقد ذكر سبحانه ما يدعو المنكرين إلى الاعتبار بقصص قوم، وأشباههم وإن ما نزل بهم هو سبيل دائم مستمر ينزل بالفساق، فيعتبر المؤمنون، فقال تعالى:

стр. 5805

(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) أي لعلامات واضحة مرشدة، (لِّلْمُتَوَسِّمِينَ) أي للمفكرين، الذين يتفهمون الأمور ويتعرفونها بمنطق العقل المستقيم، فيقيسون حاضرهم على غيرهم، ويعتبرون بما نزل بالسابقين، وأنه نازل بهم إن عملوا عملهم وساروا في طريقهم، واتخذوا طريقتهم. وذلك لأن هذه سنة مستقيمة غير متخلفة؛ ولذا قال تعالى:

стр. 5806

(وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) الضمير في (إنها) يعود على الآيات، أي وإن هذه الآيات لثابتة بطريق مستقيم مقيم لَا يتخلف أبدا، فإنها سنة اللَّه تعالى في خلقه وحكمته البالغة في أمره؛ ولذا قال تعالى:

стр. 5807

(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) أي إن في هذا الأمر المذكور بما فيه قصة لوط لآية أي لعبرة للمؤمنين، أي للذين أوتوا قلوبا مؤمنة مذعنة للحق، معترفة لَا تماري في الحق، ولا تجادل في اللَّه تعالى، وهو العليم الحكيم. وهنا ملاحظة أن الآيات ذكرت بلفظ الجمع في قوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ) وهنا ذكرت بالمفرد في قوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ) فما السر في ذلك؟.

стр. 5808

إن الذي يبدو لنا، أن المتوسمين المتفكرين بين أيديهم الآيات الكثيرة يدرسونها، فكانت الآيات بالجمع موضع الدراسة والفحص، أما بالنسبة للمؤمنين فالأمر فيها هو العبرة، وهي أمر واحد مأخوذ من مجموع الآيات المتضافرة التي هي موضع الدراسة، ومع تعددها العبرة واحدة. * * * ثمود ومدين قال اللَّه تعالى: (وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩) وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٨١) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤) * * * (الْأَيْكَة) وهي جماعة الشجر الملتف المتكاثف، فهي الغيضة الربعة الممتلئة، وجمعها (أيك) وفرق بين المفرد والجمع بالتاء في المفرد. و (أَصْحَابُ الأَيْكَة) هم قوم شعيب ﵇، وقد صرح بذلك في سورة الشعراء، فقال تعالى: (كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩). إلى آخر الآيات الكريمات، وقوله تعالى:

стр. 5809

(وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ)، (إن) فيها هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، وإن الحال والشأن (كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ)، وهذه هي خبر كان، واللام لام التوكيد، أو المزحلقة كما يعبر النحويون، وكانوا ظالمين؛ لأنهم أشركوا، وإن الشرك لظلم

стр. 5810

عظيم، وكانوا ظالمين؛ لأنهم كانوا يطففون في الكيل والميزان، وكانوا ظالمين؛ لأنهم فتنوا المؤمنين عن إيمانهم، وكانوا ظالمين؛ لأنهم هددوا نبيهم بالرجم، وقالوا: (. . . وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ. . .)، وهكذا توالى ظلمهم وتسلسل؛ لأن الظلم يولد ظلما. وقد بين اللَّه أن الظلم عاقبته وخيمة، فقال:

стр. 5811

(فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩) الانتقام ليس هنا التشفي من الجاني والأخذ بغير حق، بل معناها إنزال العقوبة مماثلة لما ارتكبه، ولأنه كان ظلما متواليا، واعتداء مستمرا، فكان العقاب مماثلا له، وشفاء لغيظ من جنى عليهم. وإن أولئك ليعرفون أن ذلك أمامهم، فالمثُلات بين أيديهم (لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ)، أي طريق بين واضح ينتهي بما انتهى به الأول، والإمام هو ما يعلن ويؤتم به، وأمامهم المثُلات البينة الموضحة، وإن عليهم إذ يعتبروا بغيرهم، ولكنهم ضلوا عن بينة والعقوبة معلومة بينة. هذه إشارات إلى قصة مدين مع نبيهم شعيب، والجزاء الذين نالوه. ومثلها قصة أصحاب الحجر، وهم ثمود قوم صالح، وقال فيهم:

стр. 5812

(وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٨١) جاء في تفسير القرطبي: " الحجر، ويطلق على معان منها حجر الكعبة، ومنها الحرام كما في قوله، وأنعام وحرث حجر قال تعالى: (. . . حِجْرَا مَّحْجُورًا)، والعقل كما في قوله تعالى: (. . . لِذِي حِجْر)، والحجر ديار ثمود وهي المراد منها وهي مدينة بين مكة وتبوك، وهو الوادي الذي كانت تسكنه ثمود، وقد مر عليه النبي ﷺ ، وهو ذاهب إلى غزوة تبوك، ونبه جيشه إليه، وإلى ما فيه من عبر، وقد جاء ذلك في كتب السير، وصحاح السنة،

стр. 5813

وروي عن ابن عمر قال: مررنا مع رسول اللَّه ﷺ على الحجر، فقال لنا رسول اللَّه ﷺ : " لا تدخلوا. مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين حذر أن يصيبكم مثل ما أصابهم ". واللَّه تعالى يقول: (وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ) مع أنهم كذبوا رسولا واحدا، وهو صالح ﷺ ، والجواب عن ذلك أنه ذكر أن صالحا ﷺ بعث لهم، وكذبوه، ولكن لَا يمنع ذلك أنه بعث فيهم غيره وكذبوا، على أنهم إذا كانوا كذبوهم جميعا فيما يدعوهم إليه من التوحيد، ومكارم الأخلاق فقد كذبوا الرسل جميعا لأن هذه دعوتهم أجمعين، فمن كذب واحدا في هذا فقد كذبهم جميعا. وقال تعالى:

стр. 5814

(وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٨١) أي قدمنا لهم آياتنا الدالة على توحيد الله تعالى وبعثة رسولهم صالح إليهم، وإذا قال قائل: إن المذكور في القرآن معجزة واحدة، وهي الناقة، وقد أجيب عن ذلك بأن الآيات ليست معجزة النبي ﵇ وحده، بل أدلة التوحيد من خلق السماوات والأرض، وما يدل عليه ذلك الخلق المتنوع، الذي يدل على الواحد المختار والفعال لما يريد. وكانوا عن هذه الآيات البينات معرضين عنها. وإذا كانت المعجزة هي الناقة، فهي آية تتضمن آيات، كما قال البيضاوي، أو معجزاته كالناقة وسقيها وشربها، ودرها، وما نصب لهم من الأدلة. كذبوا رسولهم، فكذبوا الرسل أجمعين، ومع ذلك كانوا يبنون بيوتهم متينة قوية، حتى إنهم كانوا ينحتون من الجبال بيوتا يسكونون فيها؛ ولذلك قال تعالى:

стр. 5815

(وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢) أي أنهم يفتحونها في الصخور لتكون مساكنهم آمنة من الهدم أو أن يأتي عليها السارقون أو المغيرون، ويحسبون أنهم بذلك أمنوا أن يأتيهم عارض يأخذهم
следующие страницы →