← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.

стр. 5811

(فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩) الانتقام ليس هنا التشفي من الجاني والأخذ بغير حق، بل معناها إنزال العقوبة مماثلة لما ارتكبه، ولأنه كان ظلما متواليا، واعتداء مستمرا، فكان العقاب مماثلا له، وشفاء لغيظ من جنى عليهم. وإن أولئك ليعرفون أن ذلك أمامهم، فالمثُلات بين أيديهم (لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ)، أي طريق بين واضح ينتهي بما انتهى به الأول، والإمام هو ما يعلن ويؤتم به، وأمامهم المثُلات البينة الموضحة، وإن عليهم إذ يعتبروا بغيرهم، ولكنهم ضلوا عن بينة والعقوبة معلومة بينة. هذه إشارات إلى قصة مدين مع نبيهم شعيب، والجزاء الذين نالوه. ومثلها قصة أصحاب الحجر، وهم ثمود قوم صالح، وقال فيهم:

стр. 5812

(وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٨١) جاء في تفسير القرطبي: " الحجر، ويطلق على معان منها حجر الكعبة، ومنها الحرام كما في قوله، وأنعام وحرث حجر قال تعالى: (. . . حِجْرَا مَّحْجُورًا)، والعقل كما في قوله تعالى: (. . . لِذِي حِجْر)، والحجر ديار ثمود وهي المراد منها وهي مدينة بين مكة وتبوك، وهو الوادي الذي كانت تسكنه ثمود، وقد مر عليه النبي ﷺ ، وهو ذاهب إلى غزوة تبوك، ونبه جيشه إليه، وإلى ما فيه من عبر، وقد جاء ذلك في كتب السير، وصحاح السنة،

стр. 5813

وروي عن ابن عمر قال: مررنا مع رسول اللَّه ﷺ على الحجر، فقال لنا رسول اللَّه ﷺ : " لا تدخلوا. مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين حذر أن يصيبكم مثل ما أصابهم ". واللَّه تعالى يقول: (وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ) مع أنهم كذبوا رسولا واحدا، وهو صالح ﷺ ، والجواب عن ذلك أنه ذكر أن صالحا ﷺ بعث لهم، وكذبوه، ولكن لَا يمنع ذلك أنه بعث فيهم غيره وكذبوا، على أنهم إذا كانوا كذبوهم جميعا فيما يدعوهم إليه من التوحيد، ومكارم الأخلاق فقد كذبوا الرسل جميعا لأن هذه دعوتهم أجمعين، فمن كذب واحدا في هذا فقد كذبهم جميعا. وقال تعالى:

стр. 5814

(وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٨١) أي قدمنا لهم آياتنا الدالة على توحيد الله تعالى وبعثة رسولهم صالح إليهم، وإذا قال قائل: إن المذكور في القرآن معجزة واحدة، وهي الناقة، وقد أجيب عن ذلك بأن الآيات ليست معجزة النبي ﵇ وحده، بل أدلة التوحيد من خلق السماوات والأرض، وما يدل عليه ذلك الخلق المتنوع، الذي يدل على الواحد المختار والفعال لما يريد. وكانوا عن هذه الآيات البينات معرضين عنها. وإذا كانت المعجزة هي الناقة، فهي آية تتضمن آيات، كما قال البيضاوي، أو معجزاته كالناقة وسقيها وشربها، ودرها، وما نصب لهم من الأدلة. كذبوا رسولهم، فكذبوا الرسل أجمعين، ومع ذلك كانوا يبنون بيوتهم متينة قوية، حتى إنهم كانوا ينحتون من الجبال بيوتا يسكونون فيها؛ ولذلك قال تعالى:

стр. 5815

(وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢) أي أنهم يفتحونها في الصخور لتكون مساكنهم آمنة من الهدم أو أن يأتي عليها السارقون أو المغيرون، ويحسبون أنهم بذلك أمنوا أن يأتيهم عارض يأخذهم

стр. 5816

(فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) أي جاءتهم صيحة جعلتهم في دارهم جاثمين، وهذه الصيحة من اللَّه تعالى أحدثت

стр. 5817

رجفة، فأصبحوا في دارهم جاثمين، وقد عبر بكلمة رجفة في آية أخرى، فقال الله تعالى في سورة الأعراف: (فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٧٨)، ويبدو من سياق الخبر في الآيات المختلفة أن رجفة قوم لوط أصابت قشرة الأرض، فجعلت عاليها سافلها، وأما رجفة ثمود فقد لمست حواسهم فأتتهم، وبئس المصير. وما أغنت البيوت التي نحتوها، ولا الزروع التي كسبوها؛ ولذا قال تعالى:

стр. 5818

(فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤) من بناء نحتوه من الصخور، ولا ثمار جنوها، ولا زروع حصدوها فأضاع كل ذلك فسقهم. ويلاحظ أولا: أن البيوت التي نحتوها من الصخر لم يذكر أنه سبحانه جعل عاليها سافلها، ولا أنهم أمطروا حجارة كقوم لوط الفاسقين. ويلاحظ ئانيا: أن قصة شعيب ذكرت هنا بالإشارة، وذكر فيها جزاء عتوهم، وكذلك ثمود أشير فيها إلى العقاب وترك من القصة تفاصيل فلم يذكر ما دعا إليه شعيب من إيفاء الكيل والميزان وعبادة الله تعالى. ولم يذكر في قصة ثمود وما جرى من مجاوبة بين ثمود وصالح، وهكذا تجد القصة كاملة في القرآن، ولكن متفرقة فيه لموضع العظة في كل جزء منها. فقصة موسى ذكرت أجزاؤها في مواضعها من العظة والاعتبار، وإنك لو تتبعت أجزاء قصة موسى وفرعون وبني إسرائيل لخرجت بقصص كاملة رائعة مصورة لأحوال النفوس المستضعفة للطغاة، ونفوس الطغاة، ونفوس الذين استمكن فيهم الخنوع، وذلت منهم النفوس، وكيف تبنى الأمم وتربى العزائم. وقد يسأل سائل لماذا لم تذكر القصة كاملة؟ فنقول في الجواب عن ذلك:

стр. 5819

أولا: إن القرآن ليس كتاب تاريخ، ولكنه كتاب عظة واعتبار، فكل جزء فيه عظة، ويذكر في موضعه مقرونا بما سبق في القرآن لأجله فيكون الاتعاظ سببه بين والوعظ أهدى سبيلا. وثانيا: أنها لو ذكرت جملة ما عرفت مواضع العظات بالتفصيل. وخلاصة القول أنه ليس في القرآن مكرر من القول قط، وما يبدو بادئ الرأي فيه تكرار في ذكر القصص في القرآن يبدو بطلانه إذا فحص القول، وعمق القارئ النظر فيه، واللَّه منزل الكتاب ومنزهه. * * * آية الله تعالى في خلقه قال الله تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦) وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) * * * بعد أن ذكر جلت حكمته ما أصاب الذين فسقوا عن أمر ربهم، وارتكبوا أشد المفاسد ونزل بهم أشد المهالك ذكر أن الكون ما خلق عبثا إنما خلق لحكمة

стр. 5820

أرادها فقال سبحانه:

стр. 5821

(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ)، مما خلق هذه الثلاث: سماوات ذات أبراج، وأرض ذات طبقات، وما بينهما من فضاء فيه عجائب، وفيه أحياء، وفيه أسرار للوجود التي لَا يدركها الذين يرتفعون وينخفضون، إنما يدركها المؤمنون برب هذا الوجود، ما خلق ذلك إلا بالحق إلا بأمر ثابت مؤكد الحصول هو غاية الوجود، ما خلق الناس ليتمتعوا، ويأكلوا، ويلهوا ويعبثوا، ما خلق الله ذلك بغير حكمة ظاهرة، ولا نهاية قاهرة، وإنما خلقها ليعمر هذا الوجود، وتسوده الفضيلة، وتبعد عنه الرذيلة، ويحكمه الخير، ولا يحكمه الشر، ويكون الحساب من بعد ذلك؛ ولذا قال: (وَإنَّ السَّاعَةَ لآتِيَة)، أي أن اللَّه يمنع الشر في الدنيا، بالقضاء على الأشرار الذين لَا يرجى منهم خيرا، بل يغلب عليهم الفساد، كما رأيت في عاد وثمود، ومن قبلهم قوم لوط، ومن بعدهم فرعون ذو الأوتاد. وإنه بعد الدنيا سيجيء يوم القيامة، وعبر عنه بالساعة إشارة إلى أنها ساعة فاصلة بين حياة دنيا فيها لهو ولعب، وحياة فيها الحساب والجزاء، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، إنها للجنة أبدا، أو للنار أبدا، وهي الساعة التي لَا يدرك كنهها إلا عند نزولها، وهي الجديرة وحدها بأن تسمى ساعة، وقد أكد مجيئها باللام وبـ (أن). (فَاصْفَح الصَّفْحَ الْجَمِيلَ)، (الفاء) لترتيب ما بعدها على ما قبلها، وجه هذا الترتيب أن العصاة ينالون العذاب والبوار وفي الآخرة الساعة تنتظرهم، وإذا كانت هذه حالهم، فلا يغيظك ما يفعلون، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، بل استمر في دعوتك معرضا عن إثمهم وإيذائهم، وفتنهم للمؤمنين، فإنهم ملاقو ذلك في دنياهم بالتغلب عليهم، وفي آخرتهم بالجزاء على ما صنعوا. وقوله تعالى: (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ)، والصفح يتضمن الإعراض عن الإساءة وعدم التخلي عن الدعوة والاستمرار فيها، وتضمنت كلمة الجميل بيان أن

стр. 5822

يلقاهم بقلب مفتوح ليفتحوا قلوبهم للاستجابة، أو ليفتح هو هذه القلوب التي أصابتها غشاوة. وفى هذا إشارة إلى معنى جليل في الداعي، وخصوصا الرسول الأمين رسول رب العالمين، وهو أن الداعي لَا يستفزه غضب ولا يثيره أذى، ولا يمنعه تجهم وسوء معاملة، بل يجب أن يكون البشير النذير دائما في قرب للقلوب، وإدناء للنافر وإيناس للشارد؛ لأنه الطبيب المداوي، وليس الحاكم المسيطر (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ). لقد كان النبي ﷺ ذا شخصية قوية عالية، من شأنها أن تعلو دائما، وهي تُرهب الفجار، ولكن لم يدعُ محمد ﷺ في مكة إلا بقوة الدليل، وبالنفس الأليف التي تقرب ولا تبعد. وكانت تلك الشخصية الجبارة تبدو من حين لحين تعلن عن وجودها، جاء رجل يطلب دينا من أبي جهل فاستعان بملأ من قريش، فأشاروا عليه بأن يستعين بصاحب هذه الدار مشيرين إلى دار النبي تهكما بالرجل وبالنبي معا، ولعل الذين استعانهم من أشكال أبي جهل فالرجل الغريب ذهب إلى النبي، فأشكاه الرسول القوي، وذهب به إلى دار أبي جهل، فصك داره صكة ارتعدت فرائص أبي جهل لها، فقال رسول اللَّه ﷺ قوله الحازم الآمر: " أد الرجل دينه "، فدخل وأعطاه الدَّين صاغرا. وما كان النبي ﷺ ليستخدم تلك الشخصية التي تفرض الحق على من يخاطبه، إنما تطامن، ورضي بأن يكون الداعي غير الغليظ إدناء للنفوس. هذا معنى الصفح الجميل، أي الإعراض في قرب ومودة وإلف من جانبه؛ ولذا كان الإسلام، ينمو ويزيد، ولا ينقص ويقل. ولقد أكد اللَّه الإخبار بخلقه لهذا الوجود بالحق، فقال عز من قائل: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)

стр. 5823

عبر بـ (رَبَّكَ) للإشارة إلى أمرين: الأمر الأول: أنه هو الذي يقوم عليه، ويدير له أمر دعوته، بألا يسلم للكفر، ويصطبر ويعامل بالتقريب لَا بالتبعيد. الأمر الثاني: هو الذي يدبر أمر هذا الوجود، ويرتب حاضره وقابله، وأن الحق في النهاية إليه بأمر ربه. و (الْخَلَّاقُ) الكثير الخلق بكثرة هذا الوجود من سماوات وأرضين، وملائكة وإنس وجن، و (الْعَلِيمُ) الذي يعلم كل ما خلق ويعلم الماضي والحاضر والقابل، ويدبر الأمر على مقتضى علمه وحكمته، فهو يمهل الأشرار ولا يتركهم، ويجازي الأبرار ويحوطهم برحمته، ويثبت الحق بدعائم من الحق، ويعطي كلا جزاءه في الدنيا أو الآخرة على حسب ما يقتضي علمه وحكمته، وقد بين اللَّه تعالى تأييده لنبيه بالحجة القاطعة، والأدلة الساطعة، فقال:

стр. 5824

(وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) الخطاب للنبي ﷺ ، وقد طالبه رب البرية بأن يصفح ويعرض عن إيذاء المشركين بأن يصفح الصفح الجميل الذي يكون بإقبال نفس، وبشاشة وجه، وأنه معه الدليل القاطع، والبرهان الساطع، وهو القرآن الكريم، ولذا قال: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي) أكد اللَّه أن معه الحجة، باللام وقد، والسبع المثاني ما هي؟ قال ابن عباس: هي القرآن كله، والسبع لَا تذكر لذات العدد بسبع، بل تذكر للكثرة، والقرآن كله وصف بالمثاني، قال تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ. . .). و (الْمَثَانِي) جمع مثنى أي مكرر لاثنين، كقوله تعالى: (. . . مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ. . .)، ومعنى مثاني أن فيه من كل معنى اثنين متقابلين، ففيه الإنذار والتبشير، وكرر ذلك، وفيه الأمر والنهي ويتكرر

стр. 5825

ذلك، وفيه بيان الحلال والحرام، ويتكرر ذكر ذلك، وفيه الخبر والإنشاء، وفيه القصص الكريم مثنى مثنى وهكذا. هذا تفسير السبع على أنها القرآن الكريم، ويكون عطف القرآن عليها في قوله تعالى: (وَالْقرْآنَ الْعَظِيمَ) من قبيل عطف الصفة على الصفة، ويكون معنى القرآن المقروء المتلو الذي يتعبد بتلاوته، فيكون معنى السبع المثاني وصف معانيه، وما اشتمل من أحكام وقصص وزواجر ونواهٍ، وأوامر وتوجيه، ويكون القرآن العظيم المقروء المعجز بألفاظه والعظيم في إعجازه وبتلاوته، وعطف الوصف على الوصف جائز في العربية كما قال الشاعر: إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم وإن معنى العطف يشير إلى أنهما حقيقتان ثابتتان في القرآن، الأولى وهي أنه كتاب التكليف، وسجل الرسالة الإلهية، والثانية أنه حجة بألفاظه وأساليبه، وطرق البيان فيه، إذ فيه التصريف المعجز، كما قال تعالى: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥). هذا ما اخترنا في معنى السبع المثاني، ولقد روي في أحاديث صحاح أن السبع المثاني سورة الفاتحة، وعطف عليها بعد ذلك قوله تعالى: (وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ). وروي عن ابن مسعود وغيره من كبار الصحابة أن السبع المثاني هي طوال السور، وهي سبع، البقرة، وآل عمر ان، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، بأن تشمل براءة، على أنهما سورة واحدة. وفى الحق إن ست من السبع الطوال مدني، والسورة التي نتكلم في معانيها مكية، فكيف تكلم عن هذه السبع، وست منها لم تنزل بعد وقد رد هذا بأنها كانت نزلت في اللوح المحفوظ.

стр. 5826

والذي نراه الحق هو أن السبع المثاني القرآن كله، وتخصيص الفاتحة بالذكر معناه أنها من السبع المثاني التي هي القرآن وكل جزء منه يكون السبع المثاني، إذ كل جزء منه متكامل في ذاته، وهو العليم القدير. ولقد هدى اللَّه تعالى نبيه بهداية القرآن، وأنه الحجة ونعمة الرسالة، وأخذ من بعد ذلك يبين أنه الغنى بالحق الأعلى وأنهم مهما يكونوا قد أوتوا من مال وجاه وقوة، فلن يكونوا كمن هداه اللَّه تعالى، فقال تعالت حكمته:

стр. 5827

(لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) أي لَا تطمع، ولا تلتفت، ولا يغرنك ما متعنا به أزواجا، أي أصنافا متقابلة منهم فيهم الغنى وجاه الدنيا والقوة، والغرور، والطغيان، والكفر. وعبر سبحانه عن الطموح إلى ما هم فيه والغرور به (. . . فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلبُهُمْ فِي الْبِلادِ)، عبر عن ذلك بمد العين؛ لأن هذا يسترعي النظر فكأن الأعين تمد إليه، ولا تنحرف عنه. لا يغرنك هذا ولا يسترعي نظرك، فإن هذا أمر إلى فناء، وما يدعو إليه أمره إلى بقاء، وإذا كان ذلك أمر فيه متعة وقتية، فقد أوتيت الحكمة وفصل الخطاب، أوتيت القرآن ومثله معه، وأي قدر مما أتوا يقارب قيمة ما أوتيت من الحق، وعزة الحق، ونهى اللَّه تعالى عن الحزن على الكافرين كما نهى عن أن يغتر بهم، فقال: (وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ)، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، وإذا كان لا يغتر بما أوتي المشركون من أسباب النعيم، فإن من معه من المؤمنين هم الأولى بالرعاية والحفظ لأنهم الذين هم ذخيرة الإيمان؛ ولذا قال تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ)، أي تطامن، وارفق بهم ولِنْ لهم بجانبك، (. . . وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ. . .).

стр. 5828

وقد عبر سبحانه عن لين الجانب والرفق وتقريب القلوب وإدنائها بقوله: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ) وذلك مجاز بالاستعارة مشهور، فشبه صبحانه وتعالى حنو محمد ﷺ على أتباعه، بوضع الطائر أولاده بين جناحيه، للمبالغة في الحيطة والحفظ والصيانة. وإن هذا النص السامي تصغير لما عند المشركين، وتعظيم لمنِ آمن، كقوله تعالى: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢). وإن هذا النهي لصاحب الرسالة عن أن يمد عينيه إلى ما متع الله به الأقوياء وأعطاهم أزواجا متماثلة من متع الدنيا هو نهي لأمته، وفيه بيان كيف يتدلى الحق إذا مد صاحبه العين إلى ما عليه أهل الدنيا، فإنه هنا تكون المذلة ويكون التدني عن مقام الحق الأعلى، إلى المنزلة الدون أمام أهل المال والجاه والسلطان والباطل، وهو سلطان أهل هذا الإيمان. ولقد قال القرطبي في تفسيره في التعليق على هذه الآية: " رأى القراء المخلصون من الفضلاء الانكفاف عن الذات والخلوص لرب الأرض والسماوات أولى، لما غلب على الدنيا من الحرام، واضطر العبد في المعاش إلى مخالطة من لا تجوز مخالطته، ومصانعة من تحرم مصانعته، فكانت القراءة أفضل والفرار من الدنيا أصوب للعبد وأعدل قال ﷺ : " يأتي على الناس زمان يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع المطر، يفر بها من الفتن ". اهـ. وأحسب أن زماننا أشد الأزمان فتنة في نفسه، إذ تولاه الجهال، وسيطر على الفكر الجهال، وتولى على رياسة العلم من يبيعون دينهم لهؤلاء الجهلاء بثمن بخس مهما تكن قيمة الدرهم والدينار، وصح فيه ما روي بحديث قوي السند حتى ادعى تواتره: " إن الله لَا ينزع العلم انتزاعا من قلوب العلماء، إنما ينزع العلم بتولي جهلاء يضلون ويضل بهم الناس " أو كما قال ﷺ .

стр. 5829

وإذا كنت لَا تغتر بما متع به المشركون، فلا تحزن عليهم، وليعلمهم بأن عمله أنه نذير؛ ولذا قال:

стр. 5830

(وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) الخطاب للنبي ﷺ ، أمره ربه بأن يبين لهم أنه منذر من عذاب أليم، لا يميل مع الأقوياء، ولا يحيف على الضعفاء، (إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ) أكد رسول الله تعالى بأمر ربه إنذاره بـ (إنَّ)، والتوكيد اللفظي بالضمير المنفصل، وبالنصر، فعقد عمله ﷺ على الإنذار، وأنه إنذار واضح بين لمن أراد أن يعتبر بصاعقة عاد وثمود، وقوم هود وغيرهم مما ذكرهم الله تعالى في قرآنه العظيم، من رجفة في الأرض جعلت عاليها سافلها، أو ريح صرصر عاتية. وهذا النص السامي جاء على نمطه قوله ﷺ : " أنا النذير العريان ". ولقد بين سبحانه تلقي المشركين للقرآن العظيم، فقال عز من قائل: (كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)

стр. 5831

(كمَا) التشبيه هو تشبيه الإنذار الذي يقوم الرسول بإِنذار المقتسمين، فهو بيان لإنذار هؤلاء المقتسمين وأنه من إنذار الرسول الذي كان للإنذار، وتنبيه المشركين إلى عاقبة ما يعملون، أي الإنذار كما ينزل بهؤلاء، ومن هم المقتسمون؟ ذكر المفسرون في ذلك أقوالا كثيرة، وعندي أن أقواها الجدير بالنظر قولان: القول الأول: أنه عندما أخذ النبي ﷺ ينشر الدعوة. الإسلامية في قبائل العرب في موسم الحج، أخذ ستة عشر رجلا منهم كما قال مقاتل والفراء بعثهم الوليد بن المغيرة فاقتسموا مكة وأنقابها وفجاجها يقولون لمن سلكها لَا تغتروا بهذا الخارج فينا يدعي النبوة، فإنه مجنون، وربما قالوا ساحر، وربما قالوا شاعر، وربما قالوا كاهن، وسموا المقتسمين؛ لأنهم اقتسموا هذه الطرق، هذا أحد القولين. والقول الثاني: وهو ما نميل إليه هو قول قتادة: إنهم كفار قريش، قسموا كتاب الله فجعلوا بعضه شعرا، وبعضه سحرا، وبعضه كهانة، وبعضه أساطير الأولين، وهم بذلك قد قسموا كتاب اللَّه تعالى وفرقوه.

стр. 5832

وإني أميل إلى هذا؛ لأنه يتفق معِ بيان القرآن لهؤلاء المقتسمين، فقد قال تعالى في تعريفهم:

стр. 5833

(الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) (عِضِينَ) جمع عضة والمعنى صار أجزاء مفرقة هي باطلة في ذاتها، وهي تفرقة في أمر لَا يقبل التجزئة قط وهو جمع، و (عضون) جمع سالم على غير القياس، والواحد كما ذكرنا عضة، أي قسما مفرقا من قولهم عضيت الشيء تعضية إذا فرقته، وكل فرقة عضة. والمعنى أن هؤلاء المقتسمين لم يأخذوا بما فيه، ولم يعتبروا بعبره، بل قسموه على حسب أهوائهم أقساما باطلة لَا أصل لها في حقيقته فتركوا تدبره وتعرفه، وإدراك ما فيه من إنذار وتبشير ومعرفة وحكمة، وما فيه من أخبار السابقين، والكشف عما يكنه الغيب بالنسبة للمستقبل، وعكسوا أهواءهم عليه، فجعلوها أقساما له، وهي باطلة في ذاتها وباطلة بالنسبة للحاضر، وبذلك كان بينهم وبينه حجابا مستورا، نسجوه من أوهامهم فزادوا بذلك ضلالا فوق ضلالهم. وإنهم بذلك ارتكبوا إثما مبينا، وحجبوا أنفسهم عن النور، وإن الله سيحاسبهم على ذلك حسابا عسيرا؛ ولذلك قال تعالى:

стр. 5834

(فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) (الفاء) للدلالة على أن ما بعدها مترتب على ما قبلها، أي أنه ترتب على اقتسامهم للقرآن، وجعله متفرقا في زعمهم الباطل، وإيغالهم في الشرك والفساد إيغالا أضل عقولهم وأقوالهم وأعمالهم أن أقسم الله بربوبيته، ليسألن عما كانوا يعملون، وكان القسم بقوله تعالى: (فوَرَبِّكَ) للإشارة إلى أن ذلك من الحياطة لرسالتك وجزاء اقترافهم عليها وجحودهم لها. وجواب القسم (لَنَسْألَنهُمْ أَجْمَعِينَ)، وقد أكد سؤالهم بـ (نون التوكيد)، وبـ (لام القسم)، وبكلمة (أَجْمَعِينَ)، أي أنه لَا يعزب أحد عن السؤال، وليس العقاب هو مجرد السؤال، وإنما العقاب ما وراء السؤال من عذاب، وذكر السؤال

стр. 5835

لبيان أنهم محاسبون على كل ما يفعلون، وأن الله تعالى عنده علم كل شيء، وأسند السؤال إليه سبحانه؛ لبيان جلال الأمر، وعظم ما يرتكبون، وإن كانوا يلهون ويلعبون بما يفعلون، فالله لَا يتركهم، وما الله بغافل عما يعملون. * * * قال الله تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩) * * * ابتدأت الدعوة المحمدية بإِعلانها بين أهل النبي ﷺ فكان أول من آمن خديجة، ثم علي بن أبي طالب، ثم زيد بن حارثة، ثم بين أصدقائه الذين يعرفون أمانته وفضل خلقه، وعظمة نفسه كأبي بكر، ثم أصدقائه كعثمان، وهكذا نبتت في خفاء كما نبتت البذرة في ركن مستور مغشى بلباب، حتى أمر اللَّه نبيه أن يجهر وسط عشيرته فقال: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)، فجمعهم وأنذرهم ومنهم من ردوا سيئا كأبي لهب، ولكن العبادة كانت في خفاء لا يخرج المؤمنون جهارا، والإيذاء مع ذلك يتوالى، حتى دخل بعض الأقوياء بأشخاصهم فوق شرفهم النسبي كحمزة بن عبد المطلب والفاروق عمر بنِ الخطاب، فكان الجهر وتلقي الأذى بالمجاهرة ونزل قوله تعالى:

стр. 5836

(فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ). اصدع، معناها اجهر بما تدعو إليه مأمورا به، ولا تبال أحدًا، وأعرض عنهم، والصدع شق الشيء الصلب وتفريق أجزائه، أو الوصول إلى ما وراءه

стр. 5837

ولا يبقى حاجزا، أو من الصديع، وهو ظهور الفجر الصادق يشق ظلام الليل البهيم، ويحيط النور الأبيض يشق الجو المظلم. والمعنى حينئذ، اجهر بالحق، وشق به ظلام الجاهلية، كما يشق الفجر بنوره ظلمة الليل. وقوله تعالى: (بِمَا تُؤْمَرُ)، أي أن شق الورم بالشور هو بما تؤمر، فهو النور الذي يشق الظلام. وقوله تعالى (وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ)، أي لَا تلتفت إليهم، ولا تبال بهم، ولا تدهن معهم بقول في دين اللَّه تعالى، ولا تحسب إن ممالأتهم تدنيهم، إنما يدنيهم الجهر بالحق مع الموعظة الحسنة من غير جفوة، ولا إدهان (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنونَ). ثم قال تعالى محرضا رسوله النبي الأكرم:

стр. 5838

(إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) أي حفظناك من شرهم، فلا ينالون منك ولا من دعوتك، وما يكون منهم من أذي بالقول، أو الغمز، أو نحو ذلك من أساليب الاستهزاء أو السخرية والتعابث في تلقي الدعوة، لن ينال من شخصك، ولا من أتباعك إلا بمقدار ما ينال المؤمن صاحب الحق من عبث العابثين، وإن يسخروا منك، فسوف يكون اليوم الذي يسخر الحق منهم. وفي بعض التفسير الأثري أن اللَّه تعالى كفاه أشد المستهزئين، وذكر أنهم كانوا خمسة رجال من أشراف قريش هم الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل، وعدي بن قيس، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب يبالغون في إيذاء النبي ﷺ والتهكم به وبدعوته، فأهلكهم الله تعالى، أما الوليد فمر بنبال فتعلق به سهم، فلم ينعطف تعظما لأخذه فأصاب عرقا في عقبه فمات قبل هجرة النبي ﷺ ولم يحضر بدرا، وأن العاص بن وائل، قد دخلت في أخمص قدمه شوكة فانتفخت رجله حتى صارت كالرحى، ومات منها، وأما عدي بن قيس، فامتخط

стр. 5839

قيحا حتى مات، وأما الأسود بن عبد يغوث فإنه كان تحت شجرة فأصابته حال كان ينطح بسببها الشجرة، ويضرب الشوك حتى مات، وأما الأسود بن المطلب، فقد أصابه الاستسقاء، وهذا خبر قد روي وليس لنا أن نرده، لمجرد أنه خارق للعادة، ولكن نقول الآية من غير الاعتماد عليه واضحة. ولقد بين سبحانه صفة المستهزئين وباعثهم على الاستهزاء، وعاقبته فقال:

стр. 5840

(الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) أي أنهم بعقلهم المظلم وفكرهم التافه، يجعلون من ذات أنفسهم مع اللَّه خالق السماوات والأرض، المنزه في ذاته وصفاته وإبداعه الخلق - عن الشريك كما كانوا يؤمنون ويجعلون بذات أنفسهم لَا من منطق أو عقل إلها آخرا وحسبهم ذلك موجبا للاستهزاء بهم والسخرية، فهم المستهزئون ليس لهم أن يسنهزئوا بأحد، وقد هددهم سبحانه بقوله: (فَسَوْف يَعْلَمُونَ)، أي بسبب هذا الشرك سوف يعلمون، وسوف لتأكيد الفعل في المستقبل، أي يعلمون نتيجة استهزائهم وشركهم، والعقاب الذي ينزل بهم. ولقد واسى اللَّه تعالى رسوله، فقال:

стр. 5841

(وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) إن محمدًا ﷺ بشر من البشر، قد كان يسمع باطلا، ويؤذى بالقول والاستهزاء، ويرمى عليه فرث جزور، فتنحى الفتاة الطاهرة فاطمة التي صارت سيدة نساء المؤمنين، فلا يتبرم بها، ويستمر طليق الوجه ولكن صدره يضيق حرجا، والرجل الكامل وخصوصا أعظم الدعاة الحق يضيق صدره، ولا يتغير قوله أو عمله، ولقد قرر اللَّه تعالى خالق الخلق ذلك فقال: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ) عبر سبحانه عن ألم النفس، وضيقها بضيق الصدر كأن الصدر أصبح لَا يتسع لمثل هذا القول الذي كانوا يقولونه من قولهم ساحر، ومن قولهم مجنون، ومن قولهم في القرآن إنه شعر، وإنه أساطير الأولين، ومن طلبهم خوارق غير القرآن، ومن عبادتهم الأوثان.

стр. 5842

وقد أكد اللَّه تعالى علمه بذلك بـ (اللام) وبـ (قد)، وإن تأكيد علم الله بما يضيق به صدر نبيه الأمين تسرية لنفسه، وفيه كمال معاونته، وفيه مع كل هذا ما يفيد الإنذار للمشركين على ما يقولون ويفعلون ويعتقدون، فما دام علم ثانيا، فإنه يحق الحق، ويبطل الباطل، ويجزي كلا بما يفعل، وهو القوي المتين. وقد ذكر سبحانه الطب لهذا القلق النفسي كما أشار إلى جزاء ما يقولون وما يفعلون، والطب الذي ذكره الله تعالى هو طب النفوس القلقة وهذا الطب هو الاتجاه إلى اللَّه تعالى وتقديسه والركون إليه، والخضوع له؛ ولذا قال:

стр. 5843

(فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩) (الفاء) هنا تفصح عن شرط مقدر، أي إذا كان قد أصابك قلق النفس فعالجه: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ)، أي فانزع إلى الله، واركن إليه بالتسبيح والحمد، فإن ذلك في ذاته كشف للكرب وبه زوال الهم، إذ فيه الركون إلى جانب القوي الذي لَا يناهده جانب لأي جانب من جوانب الدنيا، وهو في الوقت ذاته شعور بأن ما ينال صاحب الرسالة من أذى إنما هو لله وللقيام بحقه، وذلك ذاته تسبيح أي تسبيح وحمد للَّه أي حمد. وعبر سبحانه بقوله: (بِحَمْدِ رَبِّكَ) لللإشارة إلى أن ربك الذي حماك ويكلؤك، فإن كان منك قلق، فلن يكون منهم أذى لك في قابل أمرك، إنما هو أخذ بالغلب أو أخذهم أخذ عزيز مقتدر. (وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ)، أي استمر في خضوعك لرب العالمين، والسجود هنا إما أن نقول: إن معناه الخضوع المطلق لله تعالى، فالخضوع له وذكره هو اطمئنان القلوب، وقد قال تعالى: (. . . أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِن الْقُلُوبُ)، أو نقول: إنه سجود الصلاة، ويكون المعنى كن مستمرا في صلاتك، ففي الصلاة تفريج الكروب، وذهاب الأحزان، والانصراف عن الهموم، وفي الأثر: كان النبي ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، ولقد روي أيضا أن النبي ﷺ قال: " أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد فأخلصوا الدعاء ".

стр. 5844

وقوله تعالى:

стр. 5845

(وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩) في هذا بيان لحقيقة التسبيح بحمد ربه، وهو العبادة بكل أنواعها من تطهير للنفس بالصلاة والصوم والحج وتطهير للمجتمع بالصدقات المنثورة والمفروضة، وقد كانت مطلوبة قبل الهجرة، وهم في مكة كما قال تعالى في سورة الروم المكية: (. . . وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ). والتعبير بـ (رَبَّكَ) فيه إشارة إلى أن مقام الربوبية يقتضي العبادة الخالصة له، وقد حدد نهاية العبادة بقوله: (حَتَّى يَأتِيَكَ الْيَقِينُ). الكثرة الكبرى من المفسرين يقولون: إن اليقين هنا هو الموت، ويكون المعنى على هذا حتى يأتيك الأمر الذي لَا يرتاب فيه وهو اليقين الثابت بالموت، إذ يكون اليقين ثابتا بالاعتقاد، حتى يكون الموت، فيكون ثابتا بالعيان لَا بالبرهان وهذا الكلام يشير إلى حقيقتين ثابتتين: الحقيقة الأولى: وجوب العبادة طوال الحياة حتى الممات. والحقيقة الثانية: فيه إشارة إلى أن العبادة تزيد اليقين فيزداد المؤمنون إيمانا إلى إيمانهم، وللَّه غيب السماوات والأرض وإليه مرجع الأمور. * * *

стр. 5846

(سُورَةُ النَّحْلِ) تمهيد سورة النحل مكية، وعدد آياتها ١٢٨ ثمان وعشرون ومائة، وسميت النحل لذكر النحل فيها في قوله تعالى: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨). وهي كالسور المكية تتجه إلى إثبات التوحيد مما خلق من أرض وسماء وأحياء، وتأكيد للبعث والنشور، وإبطال عبادة الأوثان، وما اقترن بعبادة الأوثان من وأد البنات. وابتدئت بتكيد عذاب اللَّه لمن يشرك وأنه نازل به لَا محالة، وأنه سبحانه ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده، وإن في ذلك إثبات الرسالة الإلهية تجيء على لسان البشر. وقد أثبت من بعد ذلك قدرته سبحانه في خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان من نطفة، فإذا هو خصيم مبين مشيرًا إلى مدرجه في التكوين، حتى يصير ذا لسان يجادل به، وعقل يفكر به. وذكر نعمة اللَّه تعالى على الإنسان بخلق الأنعام يتخذ منها أسباب الدفء من ملابس ومساكن، ومنافع في ركوبها، الانتقال بها من أرض إلى أرض، ومنها تأكلون، (وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨).

стр. 5847

وبعد ذلك بين نعمته في الماء ينزل من السماء بأمره يكون منه حياتكم، ويكون منكم الشجر، و (الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١)، وذكر سبحانه تسخير الشمس والقمر والنجوم سخرها بأمره (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِّقَوْم يَعْقِلُونَ)، وسخر سبحانه ما خلق في الأرض من فلزات ومعادن يتخذ منها الحلي وتقام بها المصانع وألوانها مختلفة. ووجه الأنظار إلى البحر وما فيه (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا) من جواهر، وهو مع ذلك تجري فيه الفلك التي تمخر عبابهها به وجعل لكم (أَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦). ذكر هذا لبيان خلق الله العظيم ومع ذلك يشركون في عبادته من لَا ينفع ولا يضر (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)، أي لَا حياة فيها. وقد قرر الله الحق فقال: (إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) ولا ينكر حقيقة الألوهية ويضل في معرفتها إلا الذين يكفرون بالبعث، فقال سبحانه: (فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ). وقد أنكروا الوحدانية وأنكروا القرآن (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥). وقد ذكر سبحانه العظات فيمن مضوا، فقد مكروا مكرهِم، ودبروا تدبيرهم، وبنوا على ما دبروا أوهامهم، (فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فخَرَّ عَلَيْهِمُ

стр. 5848

السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦). وبعد ذلك يجيء إليهم عذاب يوم القيامة يخزيهم، (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨). هذا شأن الكفار الذين أنكرت قلوبهم، أما المتقون يوم القيامة، فإنهم يذكرون الحق يوم القيامة، (وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢). ولقد بين اللَّه تعالى بعد ذلك تفكير المشركين في عدم تدبرهم وعدم تفكيرهم، وإهمالهم الإنذار بعد الإنذار حتى ينزل بهم ما لم يتوقعوا، وهم في غفلة، فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون، والمشركون يحمِّلون آثامهم على الله (وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥) وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ). وقد أشار سبحانه إلى ما نزل بالسابقين من المنكرين، ولكنهم يصرون على إنكار التوحيد وإنكار البعث (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨)، وإن البعث أمر ليس بعسير على اللَّه، (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠). وقد ذكر بعد ذلك سبحانه ثواب المؤمنين: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)، وقد ذكر أوصاف الإيمان، وأولها الصبر، (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)، ولقد

стр. 5849

كانوا يقولون لم بعث رسولا من البشر؟ (مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ)؛ فقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤). ولقد أشار سبحانه أن المشركين في غفلة إذ يعاندون اللَّه: (أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٤٧). وينبئهم سبحانه إلى خلقه سبحانه الذي (يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠). وقد أمرهم سبحانه بالحقيقة الخالدة وهي الوحدانية (وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢). وقد بين نعمه مجملة: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥) وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦). ولقد ذكر عادة جاهلية، وهي كراهية البنات، ووأدهم أحياءً، فقال: (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩). ولقد حكم اللَّه تعالى على المشرك أنه أسوأ ما يكون عقلا، فقال: (لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠).

стр. 5850

وإن الله لَا يؤاخذ الناس بأعمالهم فور وقوعها، (وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١)، ومع إشراكهم (تَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢). وقد أكد الله تعالى لنبيه أنه سبحانه أرسل (أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)، وقد ساق ذلك وأكده ليتأسى النبي بالرسل قبله، وأنه يجب أن يسير في بيان الشريعة، (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤). ثمِ ذكر سبحانه (وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥)، ثم بين سبحانه عجائب الخلق في الأنعام، (نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦) وذكر سبحانه ثمرات النخيل والأعناب قد مكن الناس منها، فاتخذوا منها رزقا حلالا، واتخذوا مسكرا حراما، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةَ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)، وذكر النحل، وما ألهمه سبحانه، والذي يخرجه من بطونها (فِيهِ شِفَاءٌ للنَّاسِ)، ثم بين خلق الإفسان (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠). ثم بين سبحانه اختلاف الناس فقرا وغنى، (وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ). وذكر سبحانه نعمه بأن جعل لنا من أنفسنا أزواجا وذرية بنين وحفدة، ورزقنا من الطيبات، ومع هذه النعم المتضافرة (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣). وقد ضرب الله تعالى المثلِ لضلالهم، (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)
следующие страницы →