Полный текст (8 373 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.
стр. 5846
(سُورَةُ النَّحْلِ)
تمهيد
سورة النحل مكية، وعدد آياتها ١٢٨ ثمان وعشرون ومائة، وسميت النحل لذكر النحل فيها في قوله تعالى: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨).
وهي كالسور المكية تتجه إلى إثبات التوحيد مما خلق من أرض وسماء وأحياء، وتأكيد للبعث والنشور، وإبطال عبادة الأوثان، وما اقترن بعبادة الأوثان من وأد البنات.
وابتدئت بتكيد عذاب اللَّه لمن يشرك وأنه نازل به لَا محالة، وأنه سبحانه ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده، وإن في ذلك إثبات الرسالة الإلهية تجيء على لسان البشر.
وقد أثبت من بعد ذلك قدرته سبحانه في خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان من نطفة، فإذا هو خصيم مبين مشيرًا إلى مدرجه في التكوين، حتى يصير ذا لسان يجادل به، وعقل يفكر به.
وذكر نعمة اللَّه تعالى على الإنسان بخلق الأنعام يتخذ منها أسباب الدفء من ملابس ومساكن، ومنافع في ركوبها، الانتقال بها من أرض إلى أرض، ومنها تأكلون، (وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨).
стр. 5847
وبعد ذلك بين نعمته في الماء ينزل من السماء بأمره يكون منه حياتكم، ويكون منكم الشجر، و (الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١)، وذكر سبحانه تسخير الشمس والقمر والنجوم سخرها بأمره (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِّقَوْم يَعْقِلُونَ)، وسخر سبحانه ما خلق في الأرض من فلزات ومعادن يتخذ منها الحلي وتقام بها المصانع وألوانها مختلفة.
ووجه الأنظار إلى البحر وما فيه (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا) من جواهر، وهو مع ذلك تجري فيه الفلك التي تمخر عبابهها به وجعل لكم (أَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦).
ذكر هذا لبيان خلق الله العظيم ومع ذلك يشركون في عبادته من لَا ينفع ولا يضر (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)، أي لَا حياة فيها.
وقد قرر الله الحق فقال: (إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) ولا ينكر حقيقة الألوهية ويضل في معرفتها إلا الذين يكفرون بالبعث، فقال سبحانه:
(فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ).
وقد أنكروا الوحدانية وأنكروا القرآن (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥).
وقد ذكر سبحانه العظات فيمن مضوا، فقد مكروا مكرهِم، ودبروا تدبيرهم، وبنوا على ما دبروا أوهامهم، (فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فخَرَّ عَلَيْهِمُ
стр. 5848
السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦).
وبعد ذلك يجيء إليهم عذاب يوم القيامة يخزيهم، (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨).
هذا شأن الكفار الذين أنكرت قلوبهم، أما المتقون يوم القيامة، فإنهم يذكرون الحق يوم القيامة، (وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢).
ولقد بين اللَّه تعالى بعد ذلك تفكير المشركين في عدم تدبرهم وعدم تفكيرهم، وإهمالهم الإنذار بعد الإنذار حتى ينزل بهم ما لم يتوقعوا، وهم في غفلة، فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون، والمشركون يحمِّلون آثامهم على الله (وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥) وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ).
وقد أشار سبحانه إلى ما نزل بالسابقين من المنكرين، ولكنهم يصرون على إنكار التوحيد وإنكار البعث (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨)، وإن البعث أمر ليس بعسير على اللَّه، (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠).
وقد ذكر بعد ذلك سبحانه ثواب المؤمنين: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)، وقد ذكر أوصاف الإيمان، وأولها الصبر، (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)، ولقد
стр. 5849
كانوا يقولون لم بعث رسولا من البشر؟ (مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ)؛ فقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤).
ولقد أشار سبحانه أن المشركين في غفلة إذ يعاندون اللَّه:
(أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٤٧).
وينبئهم سبحانه إلى خلقه سبحانه الذي (يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠).
وقد أمرهم سبحانه بالحقيقة الخالدة وهي الوحدانية (وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢).
وقد بين نعمه مجملة: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥) وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦).
ولقد ذكر عادة جاهلية، وهي كراهية البنات، ووأدهم أحياءً، فقال:
(وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩).
ولقد حكم اللَّه تعالى على المشرك أنه أسوأ ما يكون عقلا، فقال: (لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠).
стр. 5850
وإن الله لَا يؤاخذ الناس بأعمالهم فور وقوعها، (وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١)، ومع إشراكهم (تَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢).
وقد أكد الله تعالى لنبيه أنه سبحانه أرسل (أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)، وقد ساق ذلك وأكده ليتأسى النبي بالرسل قبله، وأنه يجب أن يسير في بيان الشريعة، (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤).
ثمِ ذكر سبحانه (وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥)، ثم بين سبحانه عجائب الخلق في الأنعام، (نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)
وذكر سبحانه ثمرات النخيل والأعناب قد مكن الناس منها، فاتخذوا منها رزقا حلالا، واتخذوا مسكرا حراما، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةَ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)، وذكر النحل، وما ألهمه سبحانه، والذي يخرجه من بطونها (فِيهِ شِفَاءٌ للنَّاسِ)، ثم بين خلق الإفسان (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠).
ثم بين سبحانه اختلاف الناس فقرا وغنى، (وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ).
وذكر سبحانه نعمه بأن جعل لنا من أنفسنا أزواجا وذرية بنين وحفدة، ورزقنا من الطيبات، ومع هذه النعم المتضافرة (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣).
وقد ضرب الله تعالى المثلِ لضلالهم، (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)
стр. 5851
وهكذا الأمثال تحوي في ذاتها حكما وأخلاقا وتوجيها للأنظار مع دلالتها على معنى التوحيد والموازنة الحكيمة بين الخالق والمخلوق.
وقد وجه سبحانه الأنظار إلى خلق الإنسان لَا يعلم شيئا ثم جعل له السمع والأبصار والأفئدة رجاء أن يشكروا فكفروا، ثم وجه سبحانه الأنظار إلى خلق الطير صافات، كما وجه إلى خلق السماوات والأرض والأنعام والخيل والبغال وقال: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).
ووجه الأنظار إلى البيوت التي يسكن إليها، (وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ) وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم وكل هذه نعم ليشكروها فكفروها، وينبه النبي ﷺ أن عليه البلاغ فقط، (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (٨٣)، وقد أنذرهم : (وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤) ووذكر سبحانه بعد ذلك حال المشركين مع الأوثان يوم القيامة ثم أسلموا أنفسهم للَّه (وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ)، وبين مقام النبوة المحمدية يوم القيامة، فيقول: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩).
ويبين اللَّه تعالى لب الإسلام وغايته، فيتول: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠).
ويدعو اللَّه إلى الوفاء بالعهد، وينهى عن نكث العهد، ويبين أن العهد قوة، ونكث العهد نكث للقوة، وجعلها أنكاثا، وأنه لَا يصح أن يكون الرغبة في الكثرة في الأرض، والقوة سببا للنقص، ولا تتخذوا (أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ
стр. 5852
هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢).
ويبين أن اللَّه تعالى قدر اختلاف الأممَ (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلًكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً).
ونهى عن نقض العهد نهيا قاطعا، فقال: (وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥) مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦).
وقد بين سبحانه آداب المؤمن عند قراءة القرآن، (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠).
وقد بين سبحانه أن القرآن معجزة النبي ﷺ ، وأنه آيته الكبرى، واللَّه أعلم
بأى الآيات أجدى وأنسب وأحكم، (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣).
وبين أن الكذب شأن (الَّذِينَ لَا يُؤمِنونَ بِآيَاتِ اللَّهِ)، وبين حكم من ينطق بكلمة الكفرِ مكرهًا (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧).
وقد بين سبحانه أنه طبع على (قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٠٨) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٠٩).
وبين بعد ذلك جزاء المؤمنين المهاجرين، فقال: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠).
وذكر سبحانه أنه في ذلك اليوم تُوفَّى كل نفس ما كسبت بعد أن جاءت تجادل عن نفسها، وهم لَا يظلمون، وقد ضرب اللَّه مثلا للقرية الظالمة بعد أن أنعم اللَّه تعالى عليها (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ
стр. 5853
مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١١٣).
ولقد أشار إلى ما أباحه فقال: (فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤).
وبين من بعد ذلك المحرمات، وهي خبائث تفسد الأجسام، وإن التحليل والتحريم منِ اللَّه وحده؛ ولذا قال سبحانه: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧).
ثم بين أن هذه المحرمات كانت على الذين هادوا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، وأشار سبحانه إلى أن باب التوبة مفتوح (لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩). ذكر اللَّه العرب بما كان يتحلى به إبراهيم، وهو جدهم الذي يتشرفون بالنسب إليه فقال: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢)، ثم خاطب النبي ﷺ بأن دينه هو ملة إبراهيم (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣).
وأشار سبحانه إلى أن تحريم السبت كان على اليهود الذين اختلفوا فيه ولم يكن على غيرهم.
وبين سبحانه طرائق الدعوة إلى الحق، وأشار إِلى العقاب دفاعا عن الخير فقال: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨).
وهذه الآيات أشبه بأن تكون مدنية، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 5854
معاني السورة الكريمة
قال تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١) يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤) وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)
* * *
كان المشركون يتلقون وعد النبي ﷺ لهم بالغلب في الدنيا أو العذاب الأليم في الآخرة بالاستهزاء، والسخرية مبالغة في الإنكار، ويتحدون النبي ﷺ أن ينزل بهم ما ينذرهم به، ولقد قال تعالى في ذلك: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مسَمًّى لَّجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ)، وقال تعالى: (ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ)، أي أن أسبابها محيطة بهم، وهي قريبة منهم، وقد نزل قوله تعالى:
(اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ. . .)، وقوله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ
стр. 5855
وَانشَقَّ الْقَمَرُ)، فاستعجلوه، وقوله تعالى:
стр. 5856
(أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ)، قال فيه النحويون: إنه ماضٍ بمعنى المضارع، وعبر بالماضي لتأكد
وقوعه.
وفى الحق: إن الأزمان بالنسبة للَّه تعالى لَا تختلف بين ماضٍ ومستقبل بل إن ذلك بالنسبة لنا؛ إذ يختلف الماضي الذي نعلمه واقعا عن المستقبل الذي لا نعلمه بل في الغيب المكنون المستور عنا.
على أن قوله تعالى: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ)، أي تقرر أمر اللَّه تعالى وما يقرر اللَّه تعالى قد أتى فيه قراره، وتعلقت به إرادته، وإذا كان قد أتى فلا تستعجلوه؛ لأنه قد قرر فهو واقع لَا محالة، واستعجالكم لَا يعجله، وسكوتكم لَا يؤجله، و (الفاء) في قوله تعالى: (فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ)، تدل على أن ما قبلها سبب لما بعدها، فسبب النهي عن الاستعجال أنه تقرر بالفعل، وقوله تعالى: (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)، أي تنزه وتقدس وتبرأ، وتعالى أي تسامى عما يشركون، و (ما) مصدر حرفي أو اسمي، وفي الجملة معنى النص السامي: تقدس سبحانه وتسامى في علوه عن أن يكون له شريك في السماوات والأرض.
وهذه العبارة السامية فيها تقرير أن اللَّه واحد لَا شريك له، ولا يمكن أن يكون له شريك في قدسيته، وكبريائه، وقد بين اللَّه بعد ذلك أنه أرسل الرسل بهذه الحقيقة لينذر المشركين بإرسالهم، فقال تعالى:
стр. 5857
(يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)
(الروح) فسره ابن كثير بأنه الوحي، كما قال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢). وتسمية الوحي روحا؛ لأنه يجيء بما فيه حياة الناس، فهو كالحياة لهم، أو يقوم مقام الروح في الأجساد. وقوله تعالى: (عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ)، أي من
стр. 5858
اختارهم لرسالته ويصطفيهم، الله يختبر من يشاء من عباده وهو أعلم حيث يجعل رسالته.
وقوله تعالى: (مِنْ أَمْرِهِ)، أي أنها مقبلة بأمره سبحانه، أو من أجل أمره، وتنفيذ ما قدر وقرر، وأمره بينه سبحانه بقوله تعالى: (أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ).
فهو تقرير للوحدانية جاء على لسان الحق ﷻ (أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا) داخل عليها حرف جر، وهو الباء و (أنْ) هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، أي أنه الحال والشأن (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا) وقد ذكر ضمير المتكلم لتربية المهابة، ولفيض جلاله ، والجملة دالة على القصر، فالألوهية مقصورة على الذات العلية، وما ينحلونها بالألوهية من أوثان باطل في أصله، وإنما هي أوهامهم التي أعطتها صبغة الألوهية، وإذا كان اللَّه تعالى ﷻ هو وحده الإله فإن الوقاية من عذابه، وخوف عقابه أمران لازمان؛ ولذا رتب سبحانه على وصفه وحده بالألوهية قوله: (فَاتَّقُونِ) فالفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإنه إذا كان هو الإله وحده لَا شريك له، فلا يتقى غيره، وجاء على لسان الأمر، لكي يجتنبوا ما يعرضهم للعذاب، ومعنى (اتقوا) اجعلوا بينكم وبين غضبه وقاية، واملأوا قلوبكم بتقواه، كما قال تعالى: (. . . اتَّقُوا اللَّهَ حقَّ تقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ).
وإن أسباب انحصار الألوهية في ذاته العلية هو أنه وحده خالق السماوات والأرض ومانح النعم؛ ولذا قال تعالى:
стр. 5859
(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣)
أنشأ اللَّه السماوات والأرض بالحق أي بالأمر الثابت، والنظام المحكم، ربط بين أجزاء السماء بسر الوجود فكل نجم في مداره، وبروجها ثابتة لَا تتغير وتسير إلى مستقرها وتتحرك في مدارها وكل شيء يجري بحسبان في السماء والأرض بطبقاتها، وما أودع باطنها من فلزات وأحجار، وعروق المعادن، والجبال
стр. 5860
الراسيات، والبحار التي تجري الفلك فيها ماخرات عبابها، والأنهار والأمطار تنبت الزرع، وتأتي بالثمار، هذا ما يشير إليه؛ لذا كان قد خلقها بذلك الإحكام وبذلك النظام الثابت الذي لَا يتخلف، وأنه هو الذي يمسك السماوات والأرض، فهو المتعالي عن الشركاء؛ ولذلك قال اللَّه تعالى: (عَمَّا يُشْرِكونَ) تسامى في ذاته عن أن يكون له شريك، لأنه ليس كمثله شيء قط، فهو المنفرد بالخلق والتكوين والإنشاء.
وقوله سبحانه: (تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) كانت هذه الجملة مفصولة عما قبلها، لتمام الاتصال فإن تمام الاتصال يوجب فصل الجملتين، كما يوجبه كمال الانفصال، إذ الجملة الأولى سببا للثانية، فإن الخلق للسماوات والأرض سبب لكمال العلو عن المثل والشريك.
هذا هو الخلق العام، والإنسان نفسه فيه إثبات قدرة اللَّه بديع السماوات والأرض ومبدع الإنسان؛ ولذا قال تعالى:
стр. 5861
(خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)
وهو الماء الذي يخرج من بين الصلب الذي قالت آية أخرى: (. . . مِن مَّاء مَّهِينٍ)، وقوله تعالى: (فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مبِينٌ) يشير إلى الأدوار التي مر بها من طين فنطفة، فعلقة، فمضغة، كما قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)، هذه أدوار الإنسان، وهو جنين لم يخرج إلى ظاهر الوجود، وإذا خرج إلى ظاهر الوجود كان معه السمع والأبصار والأفئدة، حتى تكون فيه كل قوى الإنسان من لسان وعينين وأذنين.
هذه الأدوار كلها يشير إليها قوله تعالى: (فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مبِينٌ)، الخصيم الناطق المجادل الذي يحسن إدارة القول وتحويره وتحويله كعمرو بن العاص الذي
стр. 5862
كان معروفا بالحيلة في القول، حتى إن عمر الفاروق رأى رجلا لَا يكاد يبين، فقال سبحان اللَّه خالق لسان هذا هو خالق لسان عمرو بن العاص.
و (الفاء) و (إذا) يدلان على المفاجأة، والمفاجأة مع هذه الأدوار المتدرجة بأمر اللَّه وتقديره للدلالة على التفاوت البين بين ماء مهين، وخصيم مبين، سبحان من كون وأنشأ، وهدى وعلَّم.
بعد هذا أخذ سبحانه يبين النعم التي أنعمها على الإنسان فقال تعالى:
стр. 5863
(وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)
الأنعام جمع نعم، وهي الإبل والبقر والغنم، وما يشبهها من غزال أو نحوه، وقد ذكر في هذه الآية نعما على الإنسان، فقال تعالى:
(لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأكلُونَ).
النعمة الأولى منها الدفء، وهي دفع البرد، وذلك بإلباس من وبرها وصوفها، ومن النفع اتخاذها أثاثا وبيوتا من الخيام، كما قال تعالى: (. . . وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ)، والمنافع كما قال ابن عباس: النسل والركوب واتخاذها في الحرب لحمل المجاهدين، والثالث منها تأكلون أي من لحومها وألبانها.
وذكر سبحانه نعما للإنسان أخرى فيها، وهي قوله تعالى:
стр. 5864
(وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦)
ترى الراعي للإبل أو القطيع ساقها إلى الرواح قد ذهب عنها الجوع وامتلأت شبعا من الكلأ والنبات، ويخرج بالنعم سارحا إلى حيث المرعى والمسقى، وحيث يرعاها ويشرف عليها في حركاتها وملاعبها ذلك هو معنى (تُرِيحونَ) و (تَسْرَحونَ).
و (الجَمال) هو الصورة التي تكون متناسقة وتؤثر في النفس، وهو يكون في الخلق والتكوين، كما ترى في جمال الأشخاص والصور والمناظر وتنفعل به النفس
стр. 5865
فى إحساس بالسرور والارتياح، ويكون في جمال الطبائع السليمة الطيبة، ويكون في المعاني والصور النفسية.
وإن في منظر قطعان الإبل والغنم والبقر وهي سارحة متجهة إلى مراعيها، ما يشرح النفس؛ لأن منظر الحياة في الأحياء يفرح النفس، ويلقي فيها بهجة، ومنظرها وهي عائدة ريانة بالشبع والسقي يعطي ارتياحا أشد.
وقد ذكر رواحها، قبل سراحها مع أن الرواح خاتمة اليوم والسراح ابتداؤه، لأن الإحساس بالجمال في الرواح أشد، إذ تكون مزدهرة مملوءة بالشبع، ورواحها يكون أشد، وجمالها أوقع في نفس صاحبها، لأنه يكون بعد تعب رعيها والإشراف عليها، ولأنه يكون بعد انتصارها على مطامعها، وإشباع حاجتها.
وقد قال الزمخشري: منَّ اللَّه بالتجمل بها، كما من بالانتفاع بها؛ لأن من أغراض أصحاب المواشي، بل هو من معاظمها، لأن الرعيان إذا روحوها بالعشي وسرحوها بالغداة، فزينت بتسريحها الأفنية، وتجاوب فيها الثغاء والرغاء أنس أهلها وفرح أربابها وأجملها في عيون الناظرين إليها وأكسبتهم الجاه والحرمة ونحوه.
وقد يسأل سائل لماذا ذكر جمال النعم في غدوها ورواحها وجمال الدنيا كثير؟ والجواب عن ذلك أن اللَّه تعالى ذكر زينة الأرض بنباتها، وزخرفها، وذكر أنها زينت بذلك للناظرين، وإن ذكر جمال النعم في تلك الأوقات ترغيبًا في تربيتها والعناية بها، لأن فيها نفعا وغذاء.
وذكر اللَّه تعالى مع ما ذكر من منافع للنعم حمل الأثقال فقال تعالت كلماته:
стр. 5866
(وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧)
الأثقال: جمع ثقل، وهو ما يثقل حمله، ويشق بكسر الشين، وتفتح وهي قراءة بمعنى المشقة، وإن البلاد العربية كان الحمل فيها بالجمال حتى قيل: إن
стр. 5867
الجمال هي سفن الصحراء، أي أنها تنقل الأمتعة والأثقال في الصحراء، كما تنقل السفينة الأثقال على سطح الماء.
فالضمير وإن كان يعود إلى الأنعام كلها، إلا أن حمل الأثقال عند العرب للجمال فقط، وفي الحق إن حمل الأثقال ظاهره حملها على الظهر، ولكنه يشمل بالتضمن جرها على العربات، وأن من البقر ما تجر العربات المحملة، كما يرى في مصر، وكما يرى في غيره من البلاد، وقد رأينا في باكستان الإبل تجر العربات.
وجملة معنى النص، وتحمل أثقالكم أو تجر ما يحملها إلى بلد نائية عن مقركم لم تكونوا بالغي هذا البلد لنأيه وبعد المسافة إلا بمشقة شديدة.
وإن ذلك من رحمة اللَّه تعالى بعباده ورأفته بهم؛ ولذلك قال تعالى في ختام الآية الكريمة: (إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رحِيم)، أي أنه سبحانه يرأف بكم في خاصة أموركم ويرحمكم في عامة أحوالكم، وفي وجودكم، وهنا بعض إشارات نذكرها:
أولها - أن اللَّه تعالى عبر بـ (رَبَّكمْ) للإشارة إلى أن ذلك التمكين من مقتضيات الربوبية والقيام على شئونكم وهو : الحي القيوم الذي يحيط بكل شيء علما.
الثانية - أنه قال: (لَرَءُوفٌ رحِيمٌ)، والفرق بين الرأفة والرحمة فيما نحسب أن الرأفة فيما يكون في الإنسان في خاصة أمره من حيث الرفق والتسهيل والتيسير، والرحمة ما يكون بالإنسانية في عامة أمورها، وقد تكون الشدة في بعض الأحوال من مقتضيات الرحمة، لأن رحمة الكافة قد تقتضي شدة على الظالمين.
الثالثة - أن اللَّه تعالى أكد وصفه بالرأفة والرحمة بـ (إِنَّ)، وصيغ المبالغة، وبالجملة الاسمية، وباللام.
стр. 5868
ولقد قال تعالى في نعمة النعم:
стр. 5869
(وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)
بعد أن ذكر سبحانه نعمته في الأنعام، وما تتخذ منها من منافع، وما يكون فيها ذكر نعمة في غيرها مما لَا يشمله اسمها وكان العرب يجدون فيها متاعا، وهي الخيل والبغال والحمير، فإن فيها نعمة التمكين من ركوبها أو نعمة أنها تتخذ زينة لهم في غدوهم ورواحهم، وقد قال تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ. . .).
فالخيل المسومة من زينة الحياة، فالخيل ومثلها البغال والحمير تتخذ زينة، وقد قال العلماء في الخيل ومثلها البغال، وكلمة الخيل قد يدخل في عمومها البغال؛ ولذا يكون سهمها في الغزو واحدًا عند كثير من الفقهاء وعلى رأسهم أبو يوسف صاحب أبي حنيفة ﵄. إن الخيل تتخذ لأغراض ثلاثة: الغرض الأول: القنية، للإنتاج وهذه حسنة في ذاتها؛ لأن الإنتاج في الحيوان كالإنتاج في النبات مستحسن بل مطلوب.
الغرض الثاني: للجهاد، فإن في نواصيها الخير وذلك مطلوب.
الغرض الثالث: للخيلاء والتفاخر، والخيلاء منهي عنه.
والزينة هي ما يكون في الخيل من راحة للنفس، وفرق بين اتخاذها زينة والخيلاء بها، فإن الخيلاء تفسد القلب، أما التزين، أو طلب ما يكون فيه زينة فإنه لا شيء يمس القلب ليفسده.
ولقد قال تعالى بعد ذلك. (وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)، أي يخلق ما نعلم وما لا نعلم، وما كان يعلمه العرب، وما لَا يعلمونه، ولو أن المتأمل المستبصر تعرف إعجاز القرآن في إخباره بما كان مغيبا في زمان نزوله لوجده في مثل هذه الآية،
стр. 5870
فإن مما خلقه اللَّه تعالى مما كان العرب لَا يعلمونه، ولم يكن قط في عصر نزول القرآن - السيارات التي تنهب الأرض نهبا، والطائرات التي تقطع أجواء الفضاء قطعا، ومما يجري الآن في عصر الفضاء فإن ذلك كله خلقه اللَّه تعالى، ومكن الإنسان في عصره ما لم يكن ليعلمه، وسنرى مما يخلقه اللَّه، ويعلمه من بعدنا، ولا نعلمه نحن.
* * *
نعم الله تعالى في المطر والشمس والقمر والبحار
قال تعالى:
(وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (٩) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)
стр. 5871
وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)
* * *
يقرن الله تعالى الأمور الحسية بالمعنوية، فيذكر الحسي أولا، ثم يتجاوزه إلى المعنوي، وقد يكون ذلك في جملتين متصلتين سببية أو وصفية، كما قال تعالى: (. . . وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى. . .)، فصدر القول التزود في الحج بزاد الدنيا، وجاء في التعليل الزاد المعنوي، وذلك ليجمع بينهما، وكما قال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ. . .).
وقد ذكر سبحانه في الأيات السابقة ركوب الخيل والبغال والحمير وزينتها وأن الله يخلق ما لَا نعلم من نزل فيهم القرآن، وقد خلق السيارة والطيارة، وقد أخرج روائع الأرض إلى السماء، حتى يصل الإنسان إلى الأفلاك ومواقع النجوم.
ذكر سبحانه تلك النعم المادية، وذكر بعدها المسالك المعنوية الهداية، والشقوة، فقال تعالى:
стр. 5872
(وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِر).
القصد مصدر بمعنى اسم الفاعل، والقصد والقاصد معناهما مستقيم لا انحراف فيه، وطيب لَا سوء فيه ثم إنه كما قال تعالى: (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ. . .).
ومعنى (وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ)، أي على الله بيان السبيل المستقيم الموصل إلى الحق، ومعنى بيانها إقامة البنيان والأعلام الدالة على الطريق وإرسال الرسل للهداية وقد وهب إليهم القلوب المدركة للحق بفطرتها.
стр. 5873
وحذفت (بيان)، وبقيت كلمة (قَصْدُ) نظرًا إلى المضاف، للإشارة إلى أن الطريق القاصد هو بنفسه هاد، ذلك لأن النفوس المفطورة على فطرة اللَّه تعالى الحق وحده يهديها ويرشدها.
وليس معنى أن قصد الطريق على اللَّه أنه لازم عليه، بمعنى أنه واجب عليه، فاللَّه تعالى لَا يجب عليه شيء وليس في الوجود من يوجب عليه شيئا، ، وإنما كتب الله تعالى على نفسه أن يضع لهم أسباب العلم والهداية ودراية الحق ليسلكوه مختارين، فليس فيه إلزام على اللَّه، كما أنه ليس فيه جبر للعباد.
(وَمِنْهَا جَائِرٌ)، (جائر) أي مائل منحرف حائد، ليس بمستقيم، والضمير في (منها) يعود إلى السبيل وهي الطريق، وتؤنث. وذكر هذه الجملة بعد الأولى يدل على أن الأصل هو الاستقامة؛ لأن الفطرة مستقيمة بذاتها، والانحراف من تسلط الشياطين بتسليط الأهواء، والشهوات.
وإن هذين الخبرين يدلان على أن الناس فيهم المستقيم، والمنحرف الجائر الحائد عن الطريق، وإن الله تعالى قد وضع للفريقين أسباب الهداية والصواب لعلمه القصد، فمنهم سلك القاصد ومنهم من انحرف عن الطريق السوي: (وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكمْ أَجْمَعِينَ)، أي لو شاء أن تكونوا جميعا على سواء في الرشاد، لهداكم أجمعين بأن جعلكم جميعا تسلكون سبل الهداية، وأنتم مختارون غير مجبرين كما قال تعالى: (وَلوْ شنَا لآتَيْنَا كلَّ نَفْسٍ هدَاهَا. . .).
عاد من بعد أن بين أن اللَّه سن طريق الهداية وهو طريق الفطرة، وأن الناس يجورون بالطريق فيرتكبون ما لَا يجوز، بعد ذلك بين النعم العادية الداعية إلى الشكر لمن أراد الحق وسلك سبيله، فقال تعالى:
стр. 5874
(هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠)
الضمير يعود إلى اللَّه ﷻ ؛ لأنه حاضر دائما، ولأنه المتحدث عنه في القرآن دائما، ولأن القرآن كتابه، فهو منه والقرآن هو الذكر الحكيم.
стр. 5875
الماء هو الصلة التي تصل السماء بالأرض فمنها ينزل المطر إلى الأرض، وقد ذكر نعمتين جليلتين فيه:
أولاهما - أن منه الشرب، وري الأبدان، وقد عبر سبحانه بقوله تعالى:
(لَكُم مِّنْهُ شَرَابٌ)، وقال سبحانه: (لَكُم مِّنْهُ شَرَابٌ)، أي أن الماء لكم منه شراب، تشربونه وتدفعون به العطش، وعبر سبحانه بقوله تعالى لكم منه شراب ليشمل شربه ريا وسقيا، ويشمل اتخاذه محلى بمادة من مواد الحلوى، وليشمل الشراب الذي يكون من النبات والكروم غير المتخمر، فإن الماء أصل ذلك كله.
وثانيتهما - أن (وَمِنْهُ شَجَر فِيهِ تُسِيمُونَ)، والشجر يطلق على كل نبات سواء كان زرعا ينتج حبا متراكما، أم كان غرسا لكل ذلك يسمى، وقد ذكر البيضاوي شعرا في ذلك، وهو:
يعلفها اللحم إذا عز الشجر ... والخيل في إطعامها اللحم ضرر
فالشجر الذي يعز في علف الخيل هو الزرع لَا الغراس ومعنى قوله تعالى: (تُسِيمُونَ) من أسام الماشية إذا رعاها، وجعلها تطلب أماكن الكلأ والرعي، وأصلها من المسومة، وهي العلامة التي تكون قطع الكلأ، ورعي النعم له.
وإن هذه بلا ريب نعم تستحق الشكر، فهل تشكرون.
وقد فصل القول فيما تكون من ماء السماء، فقال تعالى:
стр. 5876
(يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١)
الضمير في (بِهِ) يعود إلى الماء، أي ينبت الله تعالى لكم بهذا الماء الزرع وهو الحب المتراكب والكلأ، ونحوه من أنواع الزيتون، والنخيل والأعناب، ومن كل الثمرات.
стр. 5877
والزيتون اسم جنس جمعي لزيتونة، والنخيل معروف، والأعناب جمع عنب، (وَمِن كُلِّ الثَّمَرَات) (منْ) فيها تظن أنها بيانية، أي كل الثمرات، كـ (مِن) في قوله تعالى: (وَلْتَكُنَ مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عنِ الْمُنكَرِ وَأولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، ويقول الزمخشري إن من تبعيضية، وذكر التبعيض هنا لأن ثمرات الدنيا مهما كبرت وكثرت هي بعض الثمرات، وفي الجنة كلها.
وإن الإنبات في ذاته نعمة؛ لأن الله تعالى فالق الحب والنوى، تنشق من الحبة أو النواة بأمر اللَّه فتخرج بالري عودّا، تجري إلى أعلى فيكون منه سيقان الزرع والشجر، وينشق إلى أسفل فتكون منه العروق والجذور التي تجري في باطن الأرض على امتداد قصير أو طويل على حسب نوع النبات والشجر، والضوء والحرارة يعاونان في تكوين الغصون والأوراق، وإن الزيتون إما أن يراد به الثمرة، أو يراد به الشجرة، وفي كل آيات، ويدرس العلماء إدام الزيتونة فيحسب بعض الباحثين أن فيها دواء للسرطان، ولا تزال آيات اللَّه تعالى قائمة في كل خلق، سبحانه وتعالى عما يصفون، وهو الخلاق العليم.
ولقد ختم الله تعالى الآية بقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، أي إن في ذلك الخلق العظيم الدقيق الحكيم لآيات دالات بينات على عظيم الخلق، وإحكام الأسباب التي سيرها بأمره، وهو العليم الخبير، ، (لِقَوْم يَتَفَكَرُونَ)، أي لأناس متجمعين يتفكرون تفكر المتدبرين في أحكام صنيعه، وكريم نعمه، وعظم المن في فضله، .
هذه نعم اللَّه تعالى التي خلقها في الأرض أو بعضها، وقد عدد نعمه في الأرض ثم اتجه إلى نعمه على الإنسان في السماء، فقال عز من قائل:
(وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢)
стр. 5878
فاللَّه تعالى سخر لنا الليل والنهار، أي ذلل الليل والنهار لنا، فجعلهما بذاتهما نعمة، ففي الليل يكون الهدوء الساتر؛ ولذلك سمى الليل لباسا، وفي النهار يكون العمل والكسب الكدح، وفي الليل يكون الاستجمام لعمل النهار، وفى النهار يكون العمل المنتج المثمر.
ثم هناك أمر آخر في الليل والنهار، ففي الليل يكون الكربون الذي تنمو منه عروق الأشجار والأوراق وتنفث الزائد منه عن حاجتها.
وفى النهار تكون الحرارة، وتنفث الأشجار ما يكوِّن عناصر تدخل في تكوين الأحياء، وهكذا كان في الليل والنهار نعمة أو نعم نذكر منها ما أدركنا، وهو بعض قليل من نعم كثيرة مَنَّ بها علينا اللَّه ، وهو الحكيم العليم.
وبعد ذلك ذكر سبحانه ما يكون في النهار من شمس مشرقة وهي ضياء تمد بكل العناصر التي يتغذى منها النبات، والنخيل والكروم والزيتون، وغيرها من الدوحات العظام والباسقات، ثم القمر وما يكون منه من نور، وإن لم يكن ذاتيا، فهو في ذاته نعمة، وثبت بالواقع أن له تأثيرًا في الأجنة في بطون أمهاتها، وفي حياة المرأة، وفي طمثها وطهورها، وحملها وولادتها وسر ذلك عند العليم الحكيم، والعلماء دائبون في البحث والتعرف.
ولذا قال تعالى وقد علق فكر ابن آدم بالسماء: (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ).
ومعنى التسخير تذليلها لمنافع الناس، فليست مذللة بذاتها للناس، ولا سلطان لهم عليها ولكنه جعلها مذللة لمنافعهم، فالشمس والقمر يكون منهما الليل والنهار، ويكون ما ذكرنا وهو بعض مكمل، ويعلم بهما الحساب (. . . وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ. . .)،
стр. 5879
وسخر اللَّه تعالى النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر.
وقد ختم الله الآية بقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)، أي في ذلك الذي ذكره سبحانه من خلق السماوات والأرض، وتسخير الليل والنهار، والشمس والقمر والنجوم، لآيات بينات دالة على وحدة الخالق، وأنه وحده المستحق للعبادة، لقوم يعملون عقولهم في خلقِ السماوات، وإدراك حقيقة الوجود، ولا يقولون في عبادتهم: (. . . بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا. . .).
ولقد قال في ذكر بديع خلقه:
стр. 5880
(وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣)
الواو عاطفة على الليل والنهار، والعطف على نية تكرار الفاعل، والمعنى " سخر لكم ما ذرأ)، وذرأ: خلق وأباع، وقوله تعالى: (مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ) حال، فالبذر في أرض واحدة، أو تطع من الأرض متجاورات، وتسقى بماء واحد، وتسمد بسماد واحد ومع ذلك يخرج الزرع مختلفا ألوانه، والحيوان مختلف الألوان، والإنسان مع أن النطفة واحدة يكون مختلف الألوان، كما قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ. . .).
وإن تسخير الله ما ذرأ مختلفا ألوانه، فيه نعمتان جليلتان أنعم اللَّه تعالى بهما على عباده:
النعمة الأولى - أن اختلاف الألوان يومئ إلى اختلاف الأنواع والأصناف، وكل يؤدي للإنسان غرضا فهذا يكون منه لباسه، وذاك يكون منه طعامه، وذلك منه أثاثه وزينته ومنه ما يكون أداة حربه وجهاده.
النعمة الثانية - أن اختلاف الألوان يكون فيه بهجة للناظرين، ويجعل الأرض ذات منظر بهيج. وإن المعادن التي ذرأها اللَّه تعالى في الأرض من حديد ونحاس وذهب وفضة وغيرها من فلزات، هي مختلفة الألوان، وفيها بهجة
стр. 5881
وزينة، وفيها منافع الناس، والحديد فيه بأس شديد، والأحجار من فحم وماس، وغيرهما ذرأهما اللَّه للناس لمنافعهم وهي مختلفة الألوان، وقد ختم اللَّه الآية بقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ)، أي إن في ذلك الذي ذكره من ذرء، وخلق مختلف الألوان في باطن الأرض، وما على ظاهر الأرض من زروع وثمار كل ذلك فيه آيات دلائل بينات على وحدة الخالق (لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ)، أي يتذكرون الأشياء والأمور ويربطونها بعضها ببعض.
ويلاحظ أن اللَّه في بديع نظم القرآن وإحكامه، قال في الآية الأولى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْم يَتَفَكَّرُونَ) ليدعوهم إلى التفكير، وفي الثانية الآيَاتٍ لِّقَوْم يَعْقلُونَ) ليدعوهم إلى أن يكون التفكير بعقولهم لَا بأهوائهم، وفي الثالثة: (لآيةً لِقًوْم يذَّكَّرُونَ) ليكون دعوة إلى اعتبارهم، وربط الأمور بعضها ببعض.
كانت الآيات السابقات تدعو إلى النظر في نعم اللَّه التي احتوتها الأرض من أشجار وزروع وثمار وإلى ما في السماء من شمس وقمر، ونجوم مسخرات بأمره، وما في اتصال الأرض بالسماء، وفي الآية التالية دعوة إلى النظر في البحر وما فيه من نعم فقال تعالت كلماته:
стр. 5882
(وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)
الضمير (هُوَ) يعود إلى الله تعالى، وذكر الموصول لبيان سلطان الله تعالى، وللإشارة إلى أنه سبحانه هو الذي ذلل البحر لمنافعهم، وتمكنهم مما فيه، وليس صيدهم هو الذي مكنهم، بل تسخير الله البحر لهم كان نعمة لهم وتمكينا من نفعهم، وقوله: (لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا)، ووجَّه الأكل إلى لحمه مباشرة وفيه إشارة إلى أنه لَا يزكى، بل يؤكل ميتا، ولذا روى في الأثر " أحل لنا ميتتان حلالان السمك والجراد " (١) وعبر أيضا بقوله: (لَحْمًا طَرِيًّا)، стр. 5883
ولم يقل سمكا؛ لأن في البحر ما ليس بسمك، حيوانات تشبه حيوانات البحر، والظاهر أنها حلال وفيها ضخم يكفي الألوف، كالحيوان البحري المسمى الترسة، وكالحوت وفرس البحر، وغير ذلك، وكلها لحم طري.
وقد وصف القرآن اللحم الذي يؤخذ من البحر بأنه لحم طري؛ لأنه فعلا طري، وعظمه قليل، ولا يتخلل أجزاء جسمه، بل هو في موضع معين والذي يتخلل جسمه شيء صغير يسميه العامة " سفا "، ويقول الزمخشري في وصفه بأنه طري للإشارة إلى أنه سريع العفن، وأنه ضار إذا تعفن، وفي ذلك نظر، فإنه إذا وضع الملح عليه لم يكن ضارا في تعفنه، وهو المتفسخ منه، وقد أنكره أطباء عصرنا وزماننا ثم أباحوه بل استحسنوه، وقرروا أن فيه سرا طبيا، وإن لم يعرفوه.
وحرم التفسخ الحنفية؛ لأنه ضار، وقد علمت ما فيه.
و (اللام) في قوله تعالى: (لِتَأْكُلُوا) هي لام الغاية أي ذلَّلَهُ وسخره لتأكلوا منه لحما بعد صيده، وإنضاجه، وفيه مواد غذائية كبيرة، مملوءة بالقشور، وغيرها.
وإذا كان ذلك الطعام فيه منفعة مرئية طيبة فالبحر وعاء للجواهر المختلفة، ولذا قال: (وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا) وهي ما يسمونه بالأحجار الكريمة من لآلئ، وزمرد، وغيرهما مما يتحلى به النساء وبعض المرفهين من الرجال، وإن لم يتشبهوا بالنساء.
وتوهم بعض المفسرين أن التحلي بالجواهر حرام، وقاسوه على التحلي بالذهب، ولكن الثابت في الآثار أن التحريم مقصور على الذهب على أنه روي أن بعض الصحابة قال: إنه لَا تحريم، ولكن قالوا: إن ذلك من شواذ الأقوال ولقد ذكر الشوكاني في " نيل الأوطار " أن هناك عشرين من الصحابة لم يحرموا الذهب على الرجال، ولكن لم يذكر من هم ولم يذكر من أسند هذا القول إلى النبي ﷺ .
стр. 5884
ومهما يكن فإن الجواهر والآلئ والزمرد والياقوت، وغيرها من الأحجار الكريمة، كالماس والكهرمان ونحوها لم يثبت تحريمها إلا أن يتخذها عقدا كما يتخذها النساء فإن ذلك يكره للتشبه بالنساء.
والنفع الثالث الذي ذكره القرآن الكريم من المنافع التي سخرها الله تعالى:
الفلك، فقال تعالى: (وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ)، (مَوَاخِرَ) جمح ماخرة، وهي السفينة التي تشق عباب الماء حتى يكون لها صوت يسمع، ولا يكون إلا للمراكب الكبيرة التي تحمل الأمتعة والأشياء، ولو كانت شراعية، وإنك لترى الراكب الشراعية ذوات الشراع المختلفة المتعددة وفي ذلك إشارة إلى نعمة التنقل في البحار، وقد كانت من بعد عصر القرآن الأساس في نقل البضائع والرجال من بلد إلى بلد، حتى إنه ليقاس عمران البلاد بمقدار شواطئها على البحار وتمكنها من الانتقال في الأقطار، وقد عمم اللَّه سبحانه بيان انتفاع الإنسان بالبحار، (وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ) ، و (الواو) في قوله: (وَلِتَبْتَغُوا) عاطفة على فعل محذوف هو ثمرة لقوله تعالى: (وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ) لتنقلهم من أرض إلى أرض وبلد إلى بلد، وإقليم إلى إقليم، ولترتبطوا بأقطار الأرض، ولتبتغوا من فضله، أي لتطلبوا فضل اللَّه الذي أفاض به في أقطار الأرض، فينقل كل إقليم ما يفيض من فضل اللَّه إلى الإقليم الآخر، والابتغاء: الطلب بالشدة.
وقوله في منفعة الفلك: (وَتَرَى الْفلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ)، أي أن رؤيتها ذات متعة للأنظار، كما أن النعم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون، كما قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ)، فالجواري تربط الأرض بعضها ببعض، وتربط الإنسان بأخيه الإنسان حيثما كان وأنى سيكون.
وقال تعالى: (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكرُونَ)، أي أسبغ عليكم هذه النعم الظاهرة والباطنة لترجون شكر اللَّه على ما أنعم لَا ليكفروا بها، وكما قال تعالى: (. . . لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧).
стр. 5885
ينقل القرآن عجائب نعم الله تعالى على خلقه من نعمة إلى أخرى وهذا أيضا فيه عجائب التكوين فمن ذكر للأنعام وذكر النبات والزيتون والنخيل والانتقال إلى ذكر البحار وخيراتها والفلك المشحون يجري فيها، وانتقل سبحانه من البحار وماء الأرض إلى يابسها، وهو يشغل ربعها، فقال عز من قائل:
следующие страницы →