← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.

стр. 5881

وزينة، وفيها منافع الناس، والحديد فيه بأس شديد، والأحجار من فحم وماس، وغيرهما ذرأهما اللَّه للناس لمنافعهم وهي مختلفة الألوان، وقد ختم اللَّه الآية بقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ)، أي إن في ذلك الذي ذكره من ذرء، وخلق مختلف الألوان في باطن الأرض، وما على ظاهر الأرض من زروع وثمار كل ذلك فيه آيات دلائل بينات على وحدة الخالق (لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ)، أي يتذكرون الأشياء والأمور ويربطونها بعضها ببعض. ويلاحظ أن اللَّه في بديع نظم القرآن وإحكامه، قال في الآية الأولى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْم يَتَفَكَّرُونَ) ليدعوهم إلى التفكير، وفي الثانية الآيَاتٍ لِّقَوْم يَعْقلُونَ) ليدعوهم إلى أن يكون التفكير بعقولهم لَا بأهوائهم، وفي الثالثة: (لآيةً لِقًوْم يذَّكَّرُونَ) ليكون دعوة إلى اعتبارهم، وربط الأمور بعضها ببعض. كانت الآيات السابقات تدعو إلى النظر في نعم اللَّه التي احتوتها الأرض من أشجار وزروع وثمار وإلى ما في السماء من شمس وقمر، ونجوم مسخرات بأمره، وما في اتصال الأرض بالسماء، وفي الآية التالية دعوة إلى النظر في البحر وما فيه من نعم فقال تعالت كلماته:

стр. 5882

(وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) الضمير (هُوَ) يعود إلى الله تعالى، وذكر الموصول لبيان سلطان الله تعالى، وللإشارة إلى أنه سبحانه هو الذي ذلل البحر لمنافعهم، وتمكنهم مما فيه، وليس صيدهم هو الذي مكنهم، بل تسخير الله البحر لهم كان نعمة لهم وتمكينا من نفعهم، وقوله: (لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا)، ووجَّه الأكل إلى لحمه مباشرة وفيه إشارة إلى أنه لَا يزكى، بل يؤكل ميتا، ولذا روى في الأثر " أحل لنا ميتتان حلالان السمك والجراد " (١) وعبر أيضا بقوله: (لَحْمًا طَرِيًّا)،

стр. 5883

ولم يقل سمكا؛ لأن في البحر ما ليس بسمك، حيوانات تشبه حيوانات البحر، والظاهر أنها حلال وفيها ضخم يكفي الألوف، كالحيوان البحري المسمى الترسة، وكالحوت وفرس البحر، وغير ذلك، وكلها لحم طري. وقد وصف القرآن اللحم الذي يؤخذ من البحر بأنه لحم طري؛ لأنه فعلا طري، وعظمه قليل، ولا يتخلل أجزاء جسمه، بل هو في موضع معين والذي يتخلل جسمه شيء صغير يسميه العامة " سفا "، ويقول الزمخشري في وصفه بأنه طري للإشارة إلى أنه سريع العفن، وأنه ضار إذا تعفن، وفي ذلك نظر، فإنه إذا وضع الملح عليه لم يكن ضارا في تعفنه، وهو المتفسخ منه، وقد أنكره أطباء عصرنا وزماننا ثم أباحوه بل استحسنوه، وقرروا أن فيه سرا طبيا، وإن لم يعرفوه. وحرم التفسخ الحنفية؛ لأنه ضار، وقد علمت ما فيه. و (اللام) في قوله تعالى: (لِتَأْكُلُوا) هي لام الغاية أي ذلَّلَهُ وسخره لتأكلوا منه لحما بعد صيده، وإنضاجه، وفيه مواد غذائية كبيرة، مملوءة بالقشور، وغيرها. وإذا كان ذلك الطعام فيه منفعة مرئية طيبة فالبحر وعاء للجواهر المختلفة، ولذا قال: (وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا) وهي ما يسمونه بالأحجار الكريمة من لآلئ، وزمرد، وغيرهما مما يتحلى به النساء وبعض المرفهين من الرجال، وإن لم يتشبهوا بالنساء. وتوهم بعض المفسرين أن التحلي بالجواهر حرام، وقاسوه على التحلي بالذهب، ولكن الثابت في الآثار أن التحريم مقصور على الذهب على أنه روي أن بعض الصحابة قال: إنه لَا تحريم، ولكن قالوا: إن ذلك من شواذ الأقوال ولقد ذكر الشوكاني في " نيل الأوطار " أن هناك عشرين من الصحابة لم يحرموا الذهب على الرجال، ولكن لم يذكر من هم ولم يذكر من أسند هذا القول إلى النبي ﷺ .

стр. 5884

ومهما يكن فإن الجواهر والآلئ والزمرد والياقوت، وغيرها من الأحجار الكريمة، كالماس والكهرمان ونحوها لم يثبت تحريمها إلا أن يتخذها عقدا كما يتخذها النساء فإن ذلك يكره للتشبه بالنساء. والنفع الثالث الذي ذكره القرآن الكريم من المنافع التي سخرها الله تعالى: الفلك، فقال تعالى: (وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ)، (مَوَاخِرَ) جمح ماخرة، وهي السفينة التي تشق عباب الماء حتى يكون لها صوت يسمع، ولا يكون إلا للمراكب الكبيرة التي تحمل الأمتعة والأشياء، ولو كانت شراعية، وإنك لترى الراكب الشراعية ذوات الشراع المختلفة المتعددة وفي ذلك إشارة إلى نعمة التنقل في البحار، وقد كانت من بعد عصر القرآن الأساس في نقل البضائع والرجال من بلد إلى بلد، حتى إنه ليقاس عمران البلاد بمقدار شواطئها على البحار وتمكنها من الانتقال في الأقطار، وقد عمم اللَّه سبحانه بيان انتفاع الإنسان بالبحار، (وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ) ، و (الواو) في قوله: (وَلِتَبْتَغُوا) عاطفة على فعل محذوف هو ثمرة لقوله تعالى: (وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ) لتنقلهم من أرض إلى أرض وبلد إلى بلد، وإقليم إلى إقليم، ولترتبطوا بأقطار الأرض، ولتبتغوا من فضله، أي لتطلبوا فضل اللَّه الذي أفاض به في أقطار الأرض، فينقل كل إقليم ما يفيض من فضل اللَّه إلى الإقليم الآخر، والابتغاء: الطلب بالشدة. وقوله في منفعة الفلك: (وَتَرَى الْفلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ)، أي أن رؤيتها ذات متعة للأنظار، كما أن النعم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون، كما قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ)، فالجواري تربط الأرض بعضها ببعض، وتربط الإنسان بأخيه الإنسان حيثما كان وأنى سيكون. وقال تعالى: (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكرُونَ)، أي أسبغ عليكم هذه النعم الظاهرة والباطنة لترجون شكر اللَّه على ما أنعم لَا ليكفروا بها، وكما قال تعالى: (. . . لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧).

стр. 5885

ينقل القرآن عجائب نعم الله تعالى على خلقه من نعمة إلى أخرى وهذا أيضا فيه عجائب التكوين فمن ذكر للأنعام وذكر النبات والزيتون والنخيل والانتقال إلى ذكر البحار وخيراتها والفلك المشحون يجري فيها، وانتقل سبحانه من البحار وماء الأرض إلى يابسها، وهو يشغل ربعها، فقال عز من قائل:

стр. 5886

(وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) قلنا إن الجزء اليابس من الأرض هو ربعها والبحار ثلاثة أرباعها، وكانت على هذا الاتساع لتصل أجزاءها، فالبحار يجري فيها الفلك المشحون ناقلة من الشرق إلى الغرب، والشمال إلى الجنوب، وكان جزءًا من الأرض مجهولا لجزئها الآخر، وكلاهما يابس فكشفته جارية في البحر، جرت فاتصلت الأجزاء، والماء سبيل الاتصال. وبعد أن تكلم سبحانه عما في الماء من خيرات ومنافع يبتغى ويطلب من فضل الله ذكر الأرض اليابسة في مقابل الماء، وذكر الجبال التي جعلها اللَّه أوتادًا فقال سبحانه: (وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ)، (رَوَاسِيَ) جمع راسٍ، وفواعل يكون لفاعل إذا كان وصفا مما لَا يفعل كشوامخ جمع شامخ، والرواسي هي الجبال، وقد قال تعالى: (وَأَلْقَى) ومعناها خلق وأنشأ، وجعل، ولكن عبر بـ ألقى، للإشارة إلى أنها ليست من جنس التراب الذي يكون في السفح من حيث قوتها وكونها في أكثر أحوالها حجارة، ولما لها من هذه القوة ولما يبدو أنها ثقيلة كانت كأنها رواسي؛ لأن الراسي هو الثابت المثبت، فكأنها ثبتت الأرض من أن تميد وتضطرب، والمعنى ألقى اللَّه الجبال الراسيات لئلا تميد الأرض وتضطرب، أو خوف أن تضطرب، والمعنى على الحالين أن الرواسي أرستها وثبتتها وقال تعالى: (وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا)، فالأنهار جزء من اليابس، وكذلك السبل في الأرض والصحارى، والمعنى أن اللَّه تعالى جعل في الجزء اليابس من الأرض أنهارا تجري بالماء من مكان إلى مكان رزقا للعباد، ويقول في ذلك ابن كثير: " ينبع في

стр. 5887

موضع وهو رزق لأهله موضع آخر، فيقطع البقاع والبراري والقفار ويخترق الجبال والآكام فيصل إلى البلد الذي سخر لأهله ". وفى ذكر الأنهار بعد الجبال إشارة إلى أن الجبال كما أنها أوتاد الأرض تنزل من فوقها الأمطار، فتجري في الوديان والأنهار، كما ترى في نهر النيل ودجلة والفرات وغيرها. (وَسُبُلًا)، أي طرقا يسير فيها السائرون كما قال تعالى: (. . . وَجَعَلْنا فيهَا فِجَاجًا سُبُلًا. . .)، وختم اللَّه تعالى الآية بقوله: (لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)، أي رجاء أن تهتدوا وتدركوا الحق وتتركوا الباطل وتؤمنوا بمانح النعم، ومجريها وخالق الكون وكالئة، وحافظه. ثم قال سبحانه:

стр. 5888

(وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أي أن الجبال والسبل والأنهار تكون علامات للأماكن وحدودا، وتعريفا بأماكن البلاد، وحدودها شرقا وغربا، وقوله: (وَعَلامَات)، معطوفة على جبال، أي جعل الجبال والأنهار علامات. (وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ)، أي أن النجوم ومواقعها في السماء، وتنقلاتها في مداراتها علامات للسائر فعلا، وكان العرب على علم واقعي بمواقع النجوم ينتفعون بها في أسفارهم، وقد أكد سبحانه اهتداءهم بالنجم بتقديم النجم، وإن ذلك أصل لعلم الفلك هدى اللَّه تعالى إليه. والتفت من الخطاب إلى الغيبة؛ لأن اللَّه يخاطب الناس بالنعم عليهم، وقد ذكر هذه النعم، وهي تعم الجميع، وتثبت للجميع، أما النجوم فمع عموم نفعها وهديها لَا يهتدي بها إلا السائرون في ظلمة الليل البهيم. وفى الخطاب تذكير بالإنعام الدائم المثمر، وفي الحديث بالغيبة تقرير للحقائق الثابتة المستقرة ولو كان النفع الحسي فيها لبعض دون بعض. * * *

стр. 5889

لا تشابه بين الخلق والخالق قال تعالى: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥) * * * ذكر خلقه، وأن الوجود كله يتمتع بنعمة خلقه، ومع هذه النعمة، خلق نعما للإنسان إذ سخر له الشمس والقمر والليل والنهار، وأتى بني الإنسان من كل ما سألوه، فالنبات والزيتون، وغيره من الثمرات والبحر، والفلك، وما فيه من لحم طري إلى آخره. كل هذا، ومع ذلك يشركون باللَّه في عبادته سبحانه ما لَا يملك شيئا، ولذلك نبه إلى ضلال العقل في هذا الأمر، ويذكرهم بذلك؛ لأن

стр. 5890

فطرتهم تنفر منه؛ ولذا يستثير سبحانه هذه الفطرة بحمل الإنسان على التذكر فيقول سبحانه:

стр. 5891

(أَفَمَن يَخلقُ كمَن لَا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ). الاستفهام إنكاري بمعنى إنكار الواقع؛ لأنهم فعلا عبدوا الأحجار فجعلوا من خلق الوجود كمن لَا يخلق شيئا، وهو ذاته مخلوق ميت لَا حياة فيه إذ هو جماد من الجمادات وحجر من الأحجار، وإنكار الواقع توبيخ؛ لأنه يكون استفهامًا عن واقع غير معقول، فيكون الجواب منهم إقرارا بأنهم يفعلون أمرا غير معقول. و (الفاء) في قوله: (أَفَمَن يَخْلُقُ) لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإنه يترتب على أن الله تعالى خالق الأشياء والنعم والأنفس، وبذلك يكون هو المعبود وحده، وإلا كان الأمر المستنكر عقلا، وواقعا، وهو أن يكون الخالق كالمخلوق، بل إن يكون الخالق كأصغر ما خلق، والفاء مؤخرة عن تقديم، فحق القول بيانيا أن يكون فأمن يخلق كمن لَا يخلق، ولكن الاستفهام له الصدارة في الجمل فأخرت الفاء، وكذلك في القرآن كل فاء جاءت بعد حرف الاستفهام، والواو العاطفة كذلك. ويلاحظ في النص السامي ما يأتي: أولا: أن الله تعالى عبر عن الأحجار التي كانوا يعبدونها بـ (مَن) الدالة على العقلاء، فقال سبحانه: (أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَا يَخْلُقُ) وكان ذلك لأنهم عدوها معبودة، فكأنَّهم يعاملونها معاملة العقلاء، فكان التعبير مساوقة لزعمهم، ولأن بعض الذين يعبدون غير اللَّه يعبدون عقلاء، كالثالوث المسيحي ففيه العقلاء، وقد أشركوا، وقد يكون ذلك للمشاكلة، والتسوية التي أرادوها بين الخالق والمخلوق، وذلك مثل قوله تعالى: (. . . فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَع يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ. . .)، وإن اللَّه سبحانه في أكثر من آية يعيد الضمير عليها كالعقلاء، كقوله تعالى: (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ

стр. 5892

يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا)، فهو نوع من مجاراتهم حتى تكون النتيجة بالموازنة أنهم ليسوا كمن خلق فقط، بل هم دون من خلق أو بالأحرى دون من يعبدونهم. ولقد ذكر الزمخشري أن سياق البيان كان أن يشبهوا هم بالخالق لَا أن يشبه الخالق بهم، فكان يقال أفمن لَا يخلق كمن يخلق، وقد أجاب عن ذلك، أن الاستنكار موجه إلى المساواة بين الخالق والمخلوق، فكأنَّهم جعلوه في ضمن المخلوقات، وقد يجاب عن ذلك أيضا بأن سياق القول في بيان الخلق، فكان موجبه أن يذكر الخالق أولا، وكأنَّهم ينزلونه من مرتبته التي لَا تناهد إلى منزلة المخلوق، وهذا في ذاته موضع استنكار. ويختم اللَّه سبحانه الآية بقوله: (أَفَلا تَذَكرُونَ) يقال في (الفاء) هنا ما قيل في (الفاء) في قوله تعالى: (أَفَمَن يَخْلُقُ كمَن لَا يَخْلُقُ) والاستفهام لإنكار الوقوع مع التوبيخ، والتعبير (أَفَلا تَذَكَرُونَ) فيه إشارة إلى أن عبادة الأحجار من غفلة العقول، وإنها تتذكر وتذهب الغفلة، حتى تتنبه إلى حكم العقل وهو الوحدانية، وذلك حق، لأن عبادة الأوثان من سيطرة الأوهام التي تجعل العقل في غفلة تامة، كما ترى في هذه العصور عند بعض النصارى.

стр. 5893

(وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) بين اللَّه كيف سوى عبدة الأوثان بين المنعم والأوثان، وبين الخالق والمخلوق، وأنهم قد تجاوزوا المعقول وغفلوا عن الفطرة، فبدل أن يشكروا النعمة كفروها. وقد ذكر بعد ذلك أن نعم الله تعالى أكثر من يضبطها العد والإحصاء، وإنها واجبة الشكر على قدر الطاقة فإن ما لَا يحصى لَا يعلم للإنسان، ولا يستطيع الشكر إلا من يعلم، ويقدر ما يعلم.

стр. 5894

(وَإِنْ تَعُدُّوا)، أي إذا أردتم أن تعرفوا نعم اللَّه بالعدد لَا تحصوها، ولا تضبطوها، ففي كونك في بطن أمك في نعمة، وفي غذائك وأنت في الغيب المكون في نعمة، وفي تنقلك في بطن أمك من نطفة إلى علقة، فمضغة مخلَّقة وغير مخلَّقة في نعمة، وإذا خرجت إلى الوجود وجعل لك السمع والأبصار والأفئدة في نعم، وإذا سخر لك الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم فأنت مغمور في نعم، وهكذا في كل حياتك أنت في نعم اللَّه تعالى، وهو القيوم عليك. وإذا كانت معرفة هذه النعم لَا تبلغها طاقتكم، فأنتم أحرى بألا تبلغ طاقاتكم شكرها؛ ولذا قال تعالى بعد بيان أن الناس لَا يستطيعون إحصاء نعمه عليهم: (إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) أكد سبحانه مغفرته ورحمته، فكانت المغفرة من الرحمة، إذ إنه سبحانه لَا يطالبكم بالشكر إلا فيما تعرفون وما تطيقون وفيما تعرفون يعفو عن كثير ، وقد أكد سبحانه هذين الوصفين الجليلين أولا بـ (إن) المؤكدة، وبصيغة المبالغة، وباللام، واللَّه على كل شيء قدير. وإن الله تعالى يحاسب القلوب في خيرها لحبه المغفرة، ولإرادته الرحمة، ولعدله، ولكيلا يتساوى المحسن والمسيء؛ ولذا قال عز من قائل:

стр. 5895

(وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩) هذه العبارة فيها تهديد لأهل الشرك، وتقريب لأهل الإيمان، فهو يحاسبكم سبحانه على ما تعلنون من أعمال، وما تسرون من عقائد ونيات يصحبها عمل، فإن اتجهتم إلى شكر الخالق بعدم الإشراك به والإحساس بنعمه فإنه غافر لكم ما ترتكبون وتتوبون عنه إذا تبتم عن قريب، وإن أسررتم الخير ونويتموه، وهممتم أن تفعلوه فإنه غافر لكم، لأن الحسنات يذهبن السيئات، وبالنسبة للشر لَا تحاسبون إلا بما تفعلون، وما تعتقدونه من شرك وعبادة غيره، كما قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ. . .)؛ لأن الغفران

стр. 5896

لا يكون إلا في دائرة الإيمان بألوهية الله تعالى وحده، فمن آمن بالله وحده، كان جديرا بنعمة الغفران، ومن أشرك بالله غيره، فإنه ليس بجدير، والله بكل شيء محيط. وقد صرح الله تعالى ببعض الحقائق في معبوداتهم، فقال:

стр. 5897

(وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) ذكر فضل خلقه ونعمه، وإنه الخالق المنعم، وبين المقايسة العادلة التي تفرق بين من يخلق ومن لَا يخلق، وبعد ذلك ذكر أن المعبودات التي يعبدونها لَا يمكن أن تخلق ثسيئا؛ ولذا قال: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ)، فالواو عاطفة على قوله تعالى: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ) وعبر عن الأوثان بالذين التي هي للعقلاء مجاراة لهم في تفكيرهم إذ يعطونها بأوهامهم من الصفات ما هو أعلى من العقلاء، و (شَيْئًا) التنكير فيه للعموم، أي لَا تخلقون أي شيء مهما صغر وهان، ولقد قال تعالى في تصوير عجزهم المطلق: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤)، إنها أحجار تنحت من صخورا الجبال، ولذا قال تعالى: (قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ). ولقد بين سبحانه أن المشركين أحسن خلقا من أوثانهم، فقال عز من قائل:

стр. 5898

(أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) هذه الحجارة جماد لَا تجري فيه الحياة، وهؤلاء الجهلاء يدعونها وهي أحجار، ومعنى يدعونها يعبدونها، (أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ)، أي وكانت موصوفة بالموت؛ لأنها فاقدة الحياة ليس لها روح تسري فيها، كما تسري في الأحياء، والتعبير عنها بأموات لَا يخلو من مجاز؛ لأن الموت يكون للحي الذي فقد الحياة

стр. 5899

ولو كان نباتا، فكيف يقال عما لَا تدخله ابتداء ميتا، ولكن لأنها جماد لَا يتحرك بالإرادة، ولا تجري فيه حركة عبر عنه بميت، وقوله: (غَيْرُ أَحْيَاء) يشير إلى هذا المعنى، أي أنه جماد لَا تجري فيه الحياة قط. وقوله تعالى: (وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) الضمير عائد إلى الأوثان، وأعيد الضمير المذكر العاقل، جريا على عدها آلهة تدرك وتعقل في زعمهم، ويزدلفون إليها، ويتقربون ويدعون. والمعنى على هذا أن هذه الأوثان يعبدونها، رجاء خير منها، وهي لَا تشعر متى تبعث أو في أي مكان تبعث. وهذا يقتضي أن ما يعبد يكون عنده قدرة على الجزاء بالثواب على العبادة، والعقاب على تركها، وهذه لَا تشعر متى تبعث وتجازى بالخير أو الشر. ويصح أن يكون الضمير عائدا على الذين يدعونها أي يعبدونها، أي ما يشعر أولئك العباد أيان يبعثون، مع أن البعث آتٍ لَا محالة، وهم ينكرون البعث، ولذلك دعوا الحجارة وآمنوا بها، فالكفر بالبعث هو الضلال المبين وهو الذي أدى إلى هذه الأنواع المتكاثرة من أنواع الضلال المختلفة، ويجب أن نذكر تفسيرًا آخر له وجاهته، وهو أن الموت ليس في هذه الآية وصفا للأحجار إنما هو وصف لمن يدعونها ويعبدونها، فالمشرك ميت غير حي؛ إذ إن حياته لَا نفع فيها له، فهو كالميت؛ ولذا كان التصريح بأنه غير حي، وقد عبر القرآن عن المشرك بأنه ميت وعمن يخرج من الشرك إلى الإيمان بأنه حي، كما قال تعالى: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢). فسمى اللَّه تعالى المشرك ميتا، وبذلك يكون الشرك موتا والمشركون أمواتا غير أحياء، ويكون قوله: (وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) ظاهرا في العودة على المشركين، واللَّه أعلم.

стр. 5900

بعد هذه البراهين القاطعة، والآيات البينة تقرر النتيجة التي لَا ريب فيها، وهي الوحدانية:

стр. 5901

(إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) هذه الجملة منفصلة عما قبلها غير موصولة بها؛ لأنها بمنزلة النتيجة لما سبقها، فهي مقدمات، وتلك نتيجتها وهي بمنزلة السبب، وتلك بمنزلة المسبب، وإضافة الإله إلى المخاطبين معناه معبودكم أيها المؤمنون هو إله واحد لَا شريك له في حقيقة معنى الألوهية؛ لأنه وحده الخالق، فلا خالق سواه، وهو الواحد في ذاته وصفاته، ليس كمثله شيء، وإنه بذلك يجب أن يكون واحدا في عبادته لا يعبد سواه، ولا يلجأ إلا إليه. وقد قال سبحانه بعد ذلك: (فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَة) هذا النص السامي سبق لبيان كفر من كفر، أو شرك من أشرك، فذكر أن سبب ذلك لأنهم لَا يؤمنون بالآخرة، فذكر سبحانه أن عدم الإيمان بالآخرة يؤدي إلى وصفين: الوصف الأول - أن تكون القلوب منكرة. والوصف الثاني - أنهم مستكبرون، وذلك لأن عدم الإيمان بالآخرة، وأنه لا بعث ولا نشور ولا حساب ولا عقاب يجعل الشخص يحسب أن الإنسان خلق عبثا، وأن الحياة الدنيا هي الحياة، وهي المتاع ولا متاع سواه، فيكون قالبا للحقائق، وجاحدا دائما، إذ الدنيا وما فيها من حسيات قد استغرقته وملأته، ولا موضع لغيرها في نفسه فقلبه منكر إلا للمحسوس، فلا يؤمن باللَّه، ولا بالرسالة الإلهية. وأما أنهم مستكبرون، فلأن الدنيا تدليهم بغرور، ومن اغتر بهذه الحياة، وأوتي منها حظا طغى واستكبر وتجبر، كما قال تعالى: (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧).

стр. 5902

ومن كان من طبيعته الإنكار والاستكبار، فإنه تنغلق في قلبه مفاتيح الهداية. و (الفاء) في قوله: (فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ)، فاء الإفصاح، والمعنى إذا كان اللَّه واحد فلماذا يكفرون؟ فأجيب بأنهم يكفرون بالآخرة. وأساس الإيمان هو الإيمان بالغيب، فالذين لَا يؤمنون إلا بالمحسوس، لا يؤمنون باللَّه ولا الملائكة ولا بالرسالة الإلهية، ولذا ذكر سبحانه أن أولى صفات المؤمنين بالغيب، فقال تعالى: (الَّذِينَ يُؤْمِنونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقونَ). ولقد ذكر سعة علمه سبحانه فقال:

стр. 5903

(لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣) في الآية السابقة بين سبحانه أن الذين لَا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة، وهم مستكبرون فمظهرهم إثم ومخبرهم نكران وجحود، وهنا يبين أنه يعلم باطنهم الذي تنبعث منه أعمالهم ومظاهرهم: (لا جَرَمَ أَن اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنونَ) فلا تخفى عليه خافية من أمورهم، وهو مجازيهم بها يوم القيامة الذي أنكروه، وكاشف أمرهم الذي ستروه، (لا جَرَمَ) ذكر الزمخشري أن معناها (حقا) فهي لتأكيد علم اللَّه تعالى بما يسرون وما يعلنون أي ما يخفونه، ولا ينطقون به، وما يظهرون ويجهرون به من معاص تدل على مقدار عنتهم، ومجابهتهم الحق. ونقول: إن لَا جرم فيها معنى (حقا) فيها رد لهم؛ لأن معنى جرم كسب و (اللام) تدل على النفي، فالمعنى لَا كسب لهم، ولا ثمرة لأعمالهم المكتومة والظاهرة، ويكون المعنى لَا كسب لهم فيما يفعلون من إنكار القلوب، واستكبار النفوس، لأن اللَّه تعالى يعاقبهم بما أسروا وبما أعلنوا، (. . . وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ. . .)، واللَّه أعلم.

стр. 5904

وإن (مَا يُسِرّونَ) لَا يقتصر على إنكار القلوب بل يشمل ذلك وكل ما يبيتون وما يدبرون من شر، وما يمكرون من مكر يقصدون به إيذاء النبي ﷺ ، (وَمَا يُعْلِنُونَ) يشمل المجاهرة بالعصيان، والمعاندة والإصرار على الباطل ومعاندة الحق وأهله لما يشمل قتال المؤمنين وإرادة الذلة لهم، والله يريد العزة للمؤمنين. وختم الله تعالى الآية بقوله: (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ)، وهي يشير إلى عذاب الله تعالى لهم، وأن هذا الإنكار من الاستكبار، وذلك لأنَّ النفس المستكبرة متعالية عن الناس وعن الحق، ومع الخضوع والتواضع يكون الإيمان؛ لأنَّ التواضع من غير صفة يكون معه اتساع القلب للحق فيدخله، ومعنى عدم حب الله تعالى أنه لَا يكون دانيا منه تريبا إليه، بل لأنه استكبر بعيد عن الله تعالى، وكلما بعد عن اللَّه تعالى لم يشعر بجلاله ولا يذكره، ولا يطمئن قلبه. وإنه يترتب على عدم حب اللَّه تعالى للمستكبرين، ألا يغفر لهم؛ لأنهم لا يتوبون، والتوبة باب المغفرة؛ لأنَّ التوبة تدلل على الرجوع إليه سبحانه، والضراعة إلى الله تعالى، والتوسل إليه ، والكبر والتوبة نقيضان لَا يجتمعان في قلب مؤمن. ولأنهم يستكبرون عن الحق لَا يدركونه، ولا يريدونه؛ ولذا قال الله تعالى فيهم:

стр. 5905

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) أي أنهم لَا يرون في القرآن إلا قصصا، ولا في قصصه إلا أنه أسطورة من أساطير الأولين، وذلك لاستكبارهم عن أن يفتحوا صدورهم وعقولهم لإدراك ما اشتمل عليه من أحكام، وما فيه أن أساليب البيان التي يعجزون عن أن يأتوا بمثلها، إن استكبارهم يمنعهم من الاتجاه إلى الحقائق ليدركوها، وإذا أدركوها خضعوا لها.

стр. 5906

والأساطير جمع أسطورة كما قال المبرد، والأسطورة هي الأحاديث التي لا يربطها فكر، ولا أصل لها وتقال للتسلية، أو هو الأخبار التي تجيء على ألسنة الحيوان، وقالوا في السيرة: إن النضر بن الحارث كان في فارس، فعلم ما في كتاب كليلة ودمنة، فقال: كلام محمد ﷺ هو كهذه أساطير الأولين: (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥). وقوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ) فيه (قيل) مبني للمجهول فمن هو الفاعل الذي جهل وحذف؛ يصح أن يكون القائل النبي ﷺ أو من معه، وكأنه يتحداهم، ويدعوهم إلى التأمل، وإدراك معانيه ووجوه البيان الذي هو فوق البشر، ويوجه أنظارهم، ولكن قلوبهم معرضة مستكبرة، والاستكبار كما ذكرنا يسد مسالك الإدراك، فيكون العقل غافلا عن إدراك الحق، ولذا يجيبون (أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ)، أي أحاديثهم التي لَا أصل لها ولا واقع يحققها وكأنهم نظروا إلى القصص الحكيم في القرآن، ولم يصفوه بوصفه، بل قالوا ما قالوا منصرفين عن الحق، غير مدركين لموضع العبر فيه، ولم ينظروا إلى ما فيه من دعوة إلى التوحيد، وبطلان الشرك، وما فيه من أحكام شرعية تصلحهم في دنياهم وآخرتهم. هذا على أن الفاعل المحذوف هو النبي ﷺ ، ومن معه، ويكون قوله تعالى (مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ) المراد به القرآن الحكيم، والاستفهام هنا على حقيقته ليحملهم على التفكر والتدبر. ويصح أن يكون من الكفار بعضهم لبعض، وكأنهم يتساءلون عن حقيقة ما جاء به محمد ﷺ في نظرهم، وما يمكن أن يردوا به على المصدقين، أو ما يمكن أن يشككوا فيه المؤمنين به، ويصدوا به الذين لم يؤمنوا عن أن يدخلوا فيه ويكون تعبيرهم (مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ) من قبيل التهكم بالقرآن، ومن نزل عليه، إذ هم في ظاهر حالهم لَا يؤمنون بالقرآن ولا يصدقون أنه نزل من اللَّه تعالى على قلب محمد ﷺ -

стр. 5907

ويصح أن نقول إن قائل هذا القول ليس من المشركين، إنما هو من الوافدين إلى مكة في موسم الحج، والرد من المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكة ليصدوا الناس عن سبيل الله تعالى، ويضلوا الذين يدعوهم النبي ﷺ عندما أخذ يعرض نفسه على القبائل الوافدة إلى الحج، وقد دعاهم النبي ﷺ إلى القرآن الذي أنزله رب العالمين، لقد سأل أولئك البادون الذين جاءوا من خارج مكة عن القرآن (مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ) فضللوهم وقالوا أساطير الأولين وبذلك صدوهم عن الإيمان الذي كان يمكن أن يدخل قلوبهم لولا هذه المبادرة المضلة. وإني أميل إلى الأخير وأرى الفاعل المحذوف يحتملهما جميعا، وربما تكرر السؤال، وتكرر الجواب، وهنا إشارة إلى أن القرآن أنزل من اللَّه وعبر بالرب، للإشارة إلى أنه أنزل من ربهم الذي أنشاهم ورباهم، ويعلم ما فيه صلاح أمرهم في دنياهم وعاقبة أمرهم. وإن الذين قالوا هذا القول مضلين صادين عن سبيل اللَّه تعالى أيا كان السائل لهم الذي أجابوه، قد ضلوا في ذات أنفسهم، وأضلوا غيرهم؛ ولذا يتحملون وزرهم كاملا ويتحملون منِ أوزار الذين أضلوهم بغيرِ علم، فقال تعالى:

стр. 5908

(لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥) اللام لام التعليل، وتكون العلة هي قولهم أساطير الأولين، أي قالوا ذلك ليحملوا أوزارا، والظاهر أن اللام لام العاقبة، وهو ما نراه، أي قالوا ما قالوا وصدوا عن سبيل اللَّه لتكون العاقبة أن يحملوا أوزارهم كاملة وأوزارا من أوزار من ضلوهم ". والوزر: الحمل الثقيل، وفيه إشارة إلى أنه حمل ثقيل كله أوزار وآثام كما قال تعالى: (وَلَيَحْملُنً أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ. . .)، وقوله تعالى: (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فيه إشارة إلى أن هذه الأوزار مآلها عذاب دائم أليم؛ لأن

стр. 5909

القيامة دار الجزاء ويحملون جزاء أوزارهم كاملة غير منقوصة في شيء من النقص، وعبر عن الجزاء بحمل الأوزار للإشارة إلى المساواة بين العقاب والفعل، حتى كان الذي يحمل الوزر يحمل جزاءه؛ لأنهما متلازمان ومتساويان. وقد ذكر سبحانه أنهم يحملون وزرهم كاملا يوم القيامة، ويحملون من أوزار الذين يضلونهم، ولذا قال تعالى: (وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ) وقوله تعالى: (بِغَيْرِ عِلْمٍ) لتحقيق معنى الإضلال؛ لأن الإضلال عادة يكون لمن لا يعلم، وقالوا: إن قوله تعالى: (بِغَيْرِ عِلْمٍ) حال من المفعول في قوله تعالى: (يُضِلُّونَهُمْ)، أي أن ذلك لَا يكون إلا بغير علم، وذلك يزيد في جرمهم جرما، لأنهم لَا يكتفون بضلال، بل يتعدون به، فيضلون غير العالمين بحقيقة الدعوة المحمدية، فيذكرون ضلالهم فيها، ولا يذكرون حقيقتها. وقال سبحانه: (وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ) " ومن " هنا بمعنى بعض، فلا يحملون كل أوزار المضلَّلين، بل يحملون بعضه، ويبقى وزر شركهم، ذلك لأنهم باستجابتهم لهم من غير تبين وتعرف، قد وزروا في ذات أنفسهم، إذ أنهم كان عليهم أن يبحثوا ويتعرفوا الحق، وقد بُلغوه، وعلموا بأمره، فما كان لهم أن يكتفوا بكلام أعداء محمد ﷺ ، بل كان عليهم أن يتعرفوا الحق من مصدره، وألا يكتفوا بالمعرفة من خصومه، وإن الإضلال يتضمن أمرين: أحدهما إيجابي، وهو المضل، والثاني استجابة المضلَّل، فبهذه الاستجابة يحاسبون. وإن هذه الأوزار التي حملها المحلون كاملة لأنفسهم، وحملوا معها بعض أوزار الذين أضلوهم هي أسوأ ما يمحل الضالون والمضلون لأنها عذاب أليم، ولذا نبه سبحانه إلى عظم هذه الأوزار فقال تعالى: (أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ) و (أَلَا) أداة تنبيه لبيان أن هذا الحكم الذي يليها ثابت ثبوتا مؤكدا و (سَاءَ) فيها معنى التعجب، ومعناها ما أسوأ ما يحملون من أوزار؛ لأنها عذاب مقرر ثابت، وعبر عن هذا العذاب بقوله تعالى: (مَا يَزِرونَ) لما في الوزر والعذاب من توافق كامل، وتساو بينهما على ما بينا، واللَّه تعالى أعلم. * * *

стр. 5910

العبرة بمن كانوا قبلهم قال تعالى: (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (٢٧) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩) * * * يضرب اللَّه لنبيه الكريم الأمثال بحال المشركين الذين كفروا بالرسل، ودبروا التدبيرات ليمنعوا الرسل من تبليغ رسالات ربهم، كما يبين للمشركين الذين يعاندون النبي ﷺ ، ويكفرون باللَّه ويدبرون التدابير لمنع الدعوة من أن تسري، حتى أنهم يسدون السبل على مكة فيلتقون بالركبان، ويصدونهم عن سبيل اللَّه، فقال تعالى:

стр. 5911

(قَدْ مَكَرَ الَّذِين مِن قَبْلِهِمْ)، أي دبروا الأمور لنقض الدعوة، وأحكموا تدبيرهم على الناس، وسدُّوا كل مسالك الهداية ليضلوهم وكادوا لأهل الإيمان كيدا، ظنوا معه أنهم قضوا على الدعوة، واقتلعوها، ولكن اللَّه تعالى أفسد عليهم تدبيرهم ورد كيدهم في نحورهِم، وأن ما بنوه دمره اللَّه تعالى، وللكافرين أمثالها، فقال تعالى: (فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ

стр. 5912

السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ) وإن هذا الكلام فيه استعارة تمثيلية إذ شبه اللَّه تعالى حالهم بحال من بنوا صرحًا وشيدوه، وأقاموا قواعده على عمد وأسطوانات، وأحكموا بنيانه حاسبين أنه يبقى على مدى الأزمان، ولكن أتى اللَّه تعالى بنيانهم بأمره من قواعدها، فتداعت وانهارت فصارت هباءً منبثًا، فخر عليهم السقف من فوقهم، وماتوا تحت أنقاضه، وبذلك كان ما بنوه للحياة ومتعها، وتدبير الأمور للحق صار عليهم وبالا، وسببا لهلاكهم وأتاهم العذاب به؛ ولذا قال تعالى: (وَأَتَاهُم الْعَذَابُ مِنْ حيْثُ لَا يَشْعُرُونَ)، أي أتاهم من المكان الذي يشعرون أن فيه مأمنهم فكان فيه مهلكهم وفناؤهم. وهذا يذكر المشركين في عصر النبي ﷺ بأن ما يدبرونه ضد النبي ﷺ من تدبير يريدون به إخفاقهم لهم سيكون من عوامل نصره، وإن اللَّه محيط بهم، وبما يدبرون. وإن هذا عذاب الدنيا للمشركين، وقد تبين في عاد وثمود، ومدين، وفرعون وملئه، ثم يوم القيامة يكون الخزي والجزاء؛ ولذا قال تعالى:

стр. 5913

(ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (٢٧) (ثُمَّ) هنا في معناها، وهو الترتيب والتراخي، وهو هنا بمعنى الإمهال من غير إهمال، وذلك يطوي في نفسه التهديد والإنذار وهو في ذاته وعيد بالخزي يوم القيامة، وقوله تعالى: (يُخْزِيهِمْ) بإسناد الفعل إلى اللَّه تعالى فيه تعظيم لذلك الخزي، وذلك الخزي يشمل فضيحتهم على الأشهاد، لتذهب الكبرياء الآثمة، وتشمل الذل بعد الاستكبار، وتشمل العذاب؛ لأن العذاب خزي في ذاته، كما قال تعالى: (رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ)، وقد كان من إخزاء اللَّه لهم أن كشف حالهم مع الأوثان التي أشركوها في العبادة مع اللَّه تعالى، وأنها لَا شيء وأنها تهرب منهم، ولا تجد لها مهربا؛ ولذا قال لهم: (أَيْنَ شُركَائِيَ الَّذِينَ كنتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ).

стр. 5914

وهنا نلاحظ ثلاثة أمور بيانية: الأمر الأول - إضافة الشركاء إليه هو من باب الإضافة لأدنى ملابسة إذ هم قد عبدوها مع الله تعالى، فجعلوها للَّه شركاء بزعمهم، فكانت الإضافة أخذا بهذا الزعم تبكيتا لهم، إذ كيف يكون المخلوق شريكا للخالق، وكيف تكون الحجارة التي لَا تنفع ولا تضر شريكة للنافع الضار، رب السماوات والأرض، والحي القيوم القائم على كل ما في هذا الوجود. الأمر الثاني - في قوله تعالى: (الَّذِينَ كُنتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ)، أي تعادون الحق والأنبياء والدعاة المرشدين فيها، أي تكون في شق والحق في شق، و (في) هنا معناها المحل، أي محل المشاقة فيها، فيتنازعون، حيث لَا مكان للمنازعة؛ لأنها منازعة بين الخالق، وما هو أدنى المخلوقات، لأنها حجارة لَا تنفع ولا تضر. الأمر الثالث - أن ثمة قراءة بكسر النون، والكسر يدل على ياء المتكلم، أي تشاقونني فيها أي تنازعونني أنا اللَّه الخالق رب الوجود فيها، ويكون في هذه القراءة معنى آخر جليل، وهو أن منازعة الرسل منازعة له . ولقد شهد عليهم بهذا الخزي رسلهم الذين أرسلوا إليهم وأتباعهم، والملائكة (قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ)، والذين أوتوا هم النبيون، فقد أوتوا علم النبوة، والذين اتبعوهم فقد اقتبسوا من علم النبوة، والملائكة، فقد أوتوا علم الرسالات بمقتضى تكوينهم، فهم عباد مكرمون لَا يعصون اللَّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. وشهادة أولو العلم: (إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ)، أي الخزي والسوء على الكافرين بسبب كفرهم وعنادهم، ومشاقّتهم للَّه ولرسوله، وأهل الحق، وقد قال تعالى فيهم: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)

стр. 5915

(الَّذِينَ تَتَوَفَاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ) هم الكافرون، فهذه الجملة عطف بيان أو بدل مما قبلها، وهذا يتضمن حالهم عند الوفاة، ووصفهم الأصلي الذي أرداهم في الجحيم، وهو أنهم ظالمون لأنفسهم، وذلك الظلم بشركهم، فالشرك في ذاته ظلم، وهو ظلم للنفس؛ لأنه انحراف فيها، وعوج في تكوينها يشبه عوج الأعضاء بعد استقامتها، وهو ظلم للعقل والفكر إذ يحطه من عبادة اللَّه إلى عبادة الأحجار، وهو يؤدي إلى ظلم الأبرار، والظلم يعود على الظالم، فمرتعه ونهايته عليه، فكأنه في الابتداء انتهى إليها. وقوله تعالى: (فَألْقَوُا السَّلَمَ) وهو الاستسلام والخضوع والإخبات بعد أن عتوا واستكبروا، والفاء للتعقيب، أي أنهم بعد أن توفتهم الملائكة فوزا ألقوا السلم والخضوع، وانتقلوا من كبرياء ظلمة إلى ضعة صاغرة مستكينة، وعبَّر بـ (ألقوا) والإلقاء لَا يكون إلا للأجسام للإشارة إلى أنهم انحطوا كما تنحط الأجسام من أعلى إلى أسفل، ونسوا ما كانوا يعملون، وقالوا: (مَا كنَّا نَعْمَلُ مِن سُوء)، و (مِنْ) لاستغراق النفي، أي ما كنا نعمل أي سوء، ونسوا أنفسهم ونسوا أعمالهم لقد زال كبرهم وغطرستهم، فزالت شخصيتهم الظالمة، وحسبوا أنهم لم يفعلوا سوءا. (بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) بلى تدل على الإضراب عن قولهم، والقائل هم الملائكة أو أهل العلم الذين أوتوه من النبيين أو أتباعهم، وعندي أن القائل هو الله تعالى، لأنه لم ينسب القول إلى غيره، وهو القائل المتولي أمرهم ابتداء وانتهاء. وقد أكد اللَّه تعالى علمه بالوصف وبـ إن وبالجملة الاسمية وقوله تعالى: (بِمَا كنتُمْ تَعْمَلُونَ) (ما) فيه موصولة بمعنى الذي، أي بالذي كنتم تعملونه، وهو استحضار لهذا العمل كأنه حاضر مهيأ يرى، وقوله تعالى: (كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)، أي عملكم الذي استمررتم عليه، ولم تفارقوه حتى تستبين به خطاياكم.

стр. 5916

وقد بين بعد ذلك العقاب الذي ينتظرهم، فقال:

стр. 5917

(فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩) (الفاء) هنا فاء السببية، أي أن ما قبلها سبب لما بعدها، فبسبب ظلمهم أنفسهم بما قدموا من ظلم للفِطَر، وشرك، يدخلون النار، وجاء إدخالهم بصيغة الأمر، للدلالة على أنهم مجبرون في هذا الدخول لَا مخيرون، وجاء بكلام يدل على أنهم دخلوا، ولم يقل (أُدخِلوا جهنم)، للتهكم بهم كأنهم اختاروها، وإنهم كذلك فقد اختاروها من يوم أن اختاروا الكفر على الإيمان واستكبروا على الحق فلم يؤمنوا به مع قيام بيناته ودلائله. و (أَبْوَابَ جَهَنَّمَ) كناية عن سعتها، وسهولة الوصول إليها لمن كتبت عليهم وأردوها بأفعالهم، كما قال تعالى: (لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ)، وإنهم خالدون فيها لَا يزيلونها، وخالدين فيها حال، والخلود وهو الاستمرار في البقاء بها، وقد بين سبحانه أنها أسوأ مقام، فقال (فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ). و (الفاء) للإفصاح عن شرط مقدر، أي إذا كانوا سيدخلون جهنم خالدين، فلبئس مثواهم، و (اللام) لتأكيد ذمها، وأظهر في موضع الإضمار، فقال: (فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ)، ولم يقل بئس مثواهم، للدلالة على أن الكبر عن الحق وعدم الاستماع إليه، والإصغاء لأهله - هو الذي أودى بهم. والتعبير بكلمة (مَثْوَى) وهي الإقامة، وغالبا ما تكون المختارة، لأنها طيبة من قبيل التهكم بهم. ولقد قال ابن كثير: إن الآية تدل على أنهم يدخلون النار، أو يكونون في حرارتها بمجرد قبرهم، وأنه تكون أرواحهم في عذاب بحرارة جهنم، حتى يكون البعث فتلتقي الأجسام بالأرواح، ويكون العقاب، ويشير إلى ذلك قوله تعالى في آل فرعون: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦).

стр. 5918

اللهم اغفر لنا، وجنبنا أسباب النار، وانظر إلينا يوم لقائك، وإن لم نكن لذلك أهل. * * * المتقون قال تعالى: (وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢) * * * هذه مقابلة بين الإيمان والتقوى، والكفر والاستكبار، قيل للمستكبرين ماذا أنزل ربكم قالوا: أساطير الأولين ولنَتْل الآية السابقة: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) وسئل هذا السؤال نفسه للمتقين، فقال تعالى:

стр. 5919

(وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا) وهذا فرق ما بين التقوى والفجور، الفاجر لَا يهمه أن يقول الحق أو يفحصه، والمتقي الطيب محب للحق، ويتحراه، فإن وجده اطمأن إليه، واستقام على طريقه. (وَقِيلَ لِلَّذينَ اتَّقَوْا)، الفاعل المحذوف هنا هو الذي ذكرناه في قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) وقد كان الجواب غير الجواب الأول، وإن كان السؤال واحدا بيد أن السؤال هنا للمتقين وهناك

стр. 5920

" للمستكبرين " كان جواب المتكبرين يتناسب مع ضلالهم، وكان جواب المتقين (خَيْرًا)، أي أنزل خيرا، وذلك يشمل القرآن وما فيه من شرائع وما جاء به النبي ﷺ من أحكام وشرع صالح فيه خير البشرية؛ ولذلك نجد الجواب هنا خبرا منصوبا بالفعل، بينما نجد الجواب في الأولى مرفوعا، وهو أساطير، والفرق أن الجواب جواب مؤمنين يؤمنون بالتنزيل، فيجيبون من غير تلعثم واضطراب، بينما الجواب في الأولى جواب كافرين بالتنزيل وفيه التواء وتلعثم لأنه باطل، والباطل دائما لَا نور فيه، ولا انكشاف. ووصفوا المنزَّل بأنه خير، ويشمل القرآن كما ذكرنا والشرائع الإسلامية كلها، وهي خير فيه صلاح الدنيا والآخرة، ثم قال تعالى: (. . . لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَة. . .)، يصح أن تكون هذه الجملة من اللَّه تعالى فيها تتميم جواب الذين اتقوا، والظاهر أنها من تتمة إجابة المؤمنين وقولهم، وهم بهذا يرغبون في الإيمان، ويرغبون في الإحسان، للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة، أي خصلة حسنة، وأثر حسن، فالثمرة من جنس العمل، فإذا كان العمل حسنا كانت الثمرة حسنة، وهل ينتج الخير إلا خيرا، وهل ينتج الإحسان إلا إحسانا. والعمل الصالح ينال به الشخص الخير الحسن؛ لأنه يكون بنية خالصة، والإخلاص في ذاته أمر حسن لَا يذوقه إلا الذين أخلصوا دينهم للَّه ولم يدنسوا قلوبهم بفساد، والإخلاص يدفع إلى الكلم الطيب، والكلم الطيب يدفع إلى العمل المستقيم والسلوك القويم، وكل هذا خير، وإذا كانت متاعب من عمل الخير، فإن الصبر عليها نعمة وحسنة يشعر بها الأبرار الذين يفتدون الحق بأنفسهم وبالبلاء ينزل بهم. وقال تعالى: (وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ)، أي ثواب دار الآخرة، وإنما أضيف الخير إلى ذات الدار، لأنها كلها خير، فلا ينال الطيبون فيه إلا طيبا، ثم قال تعالى: (وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ)، (اللام) لام التوكيد، وإنها كل موضع الثناء، والحمد، وهي نعم الدار، وذكر المتقين بالإظهار بدل الإضمار للإشارة إلى أن
следующие страницы →