(فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩)
(الفاء) هنا فاء السببية، أي أن ما قبلها سبب لما بعدها، فبسبب ظلمهم أنفسهم بما قدموا من ظلم للفِطَر، وشرك، يدخلون النار، وجاء إدخالهم بصيغة الأمر، للدلالة على أنهم مجبرون في هذا الدخول لَا مخيرون، وجاء بكلام يدل على أنهم دخلوا، ولم يقل (أُدخِلوا جهنم)، للتهكم بهم كأنهم اختاروها، وإنهم كذلك فقد اختاروها من يوم أن اختاروا الكفر على الإيمان واستكبروا على الحق فلم يؤمنوا به مع قيام بيناته ودلائله.
و (أَبْوَابَ جَهَنَّمَ) كناية عن سعتها، وسهولة الوصول إليها لمن كتبت عليهم وأردوها بأفعالهم، كما قال تعالى: (لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ)، وإنهم خالدون فيها لَا يزيلونها، وخالدين فيها حال، والخلود وهو الاستمرار في البقاء بها، وقد بين سبحانه أنها أسوأ مقام، فقال (فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ).
و (الفاء) للإفصاح عن شرط مقدر، أي إذا كانوا سيدخلون جهنم خالدين، فلبئس مثواهم، و (اللام) لتأكيد ذمها، وأظهر في موضع الإضمار، فقال: (فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ)، ولم يقل بئس مثواهم، للدلالة على أن الكبر عن الحق وعدم الاستماع إليه، والإصغاء لأهله - هو الذي أودى بهم.
والتعبير بكلمة (مَثْوَى) وهي الإقامة، وغالبا ما تكون المختارة، لأنها طيبة من قبيل التهكم بهم.
ولقد قال ابن كثير: إن الآية تدل على أنهم يدخلون النار، أو يكونون في حرارتها بمجرد قبرهم، وأنه تكون أرواحهم في عذاب بحرارة جهنم، حتى يكون البعث فتلتقي الأجسام بالأرواح، ويكون العقاب، ويشير إلى ذلك قوله تعالى في آل فرعون: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦).
стр. 5918
اللهم اغفر لنا، وجنبنا أسباب النار، وانظر إلينا يوم لقائك، وإن لم نكن لذلك أهل.
* * *
المتقون
قال تعالى:
(وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)
* * *
هذه مقابلة بين الإيمان والتقوى، والكفر والاستكبار، قيل للمستكبرين ماذا أنزل ربكم قالوا: أساطير الأولين ولنَتْل الآية السابقة: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) وسئل هذا السؤال نفسه للمتقين، فقال تعالى:
стр. 5919
(وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا) وهذا فرق ما بين التقوى والفجور، الفاجر لَا يهمه أن يقول الحق أو يفحصه، والمتقي الطيب محب للحق، ويتحراه، فإن وجده اطمأن إليه، واستقام على طريقه.
(وَقِيلَ لِلَّذينَ اتَّقَوْا)، الفاعل المحذوف هنا هو الذي ذكرناه في قوله تعالى:
(وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) وقد كان الجواب غير الجواب الأول، وإن كان السؤال واحدا بيد أن السؤال هنا للمتقين وهناك
стр. 5920
" للمستكبرين " كان جواب المتكبرين يتناسب مع ضلالهم، وكان جواب المتقين (خَيْرًا)، أي أنزل خيرا، وذلك يشمل القرآن وما فيه من شرائع وما جاء به النبي ﷺ من أحكام وشرع صالح فيه خير البشرية؛ ولذلك نجد الجواب هنا خبرا منصوبا بالفعل، بينما نجد الجواب في الأولى مرفوعا، وهو أساطير، والفرق أن الجواب جواب مؤمنين يؤمنون بالتنزيل، فيجيبون من غير تلعثم واضطراب، بينما الجواب في الأولى جواب كافرين بالتنزيل وفيه التواء وتلعثم لأنه باطل، والباطل دائما لَا نور فيه، ولا انكشاف.
ووصفوا المنزَّل بأنه خير، ويشمل القرآن كما ذكرنا والشرائع الإسلامية كلها، وهي خير فيه صلاح الدنيا والآخرة، ثم قال تعالى: (. . . لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَة. . .)، يصح أن تكون هذه الجملة من اللَّه تعالى فيها تتميم جواب الذين اتقوا، والظاهر أنها من تتمة إجابة المؤمنين وقولهم، وهم بهذا يرغبون في الإيمان، ويرغبون في الإحسان، للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة، أي خصلة حسنة، وأثر حسن، فالثمرة من جنس العمل، فإذا كان العمل حسنا كانت الثمرة حسنة، وهل ينتج الخير إلا خيرا، وهل ينتج الإحسان إلا إحسانا.
والعمل الصالح ينال به الشخص الخير الحسن؛ لأنه يكون بنية خالصة، والإخلاص في ذاته أمر حسن لَا يذوقه إلا الذين أخلصوا دينهم للَّه ولم يدنسوا قلوبهم بفساد، والإخلاص يدفع إلى الكلم الطيب، والكلم الطيب يدفع إلى العمل المستقيم والسلوك القويم، وكل هذا خير، وإذا كانت متاعب من عمل الخير، فإن الصبر عليها نعمة وحسنة يشعر بها الأبرار الذين يفتدون الحق بأنفسهم وبالبلاء ينزل بهم.
وقال تعالى: (وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ)، أي ثواب دار الآخرة، وإنما أضيف الخير إلى ذات الدار، لأنها كلها خير، فلا ينال الطيبون فيه إلا طيبا، ثم قال تعالى: (وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ)، (اللام) لام التوكيد، وإنها كل موضع الثناء، والحمد، وهي نعم الدار، وذكر المتقين بالإظهار بدل الإضمار للإشارة إلى أن
стр. 5921
التقوى هي السبب في هذا الجزاء، وللدلالة على أن ثواب الآخرة خير للمتقين دون غيرهم.
ثم بين سبحانه ثواب الآخرة أو بعضه، فقال.
стр. 5922
(جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١)
(جَنَّاتُ) بدل أو عطف بيان لدار المتقين، إنها (جَنَّاتُ عَدْن) بها إقامة دائمة ثابتة يجتمع فيها جمال المنظر، والري، (تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) وتلك متعة النظر، فيكون خرير الماء مع ما يحوطه من خضرة تسر الناظرين بنضرتها، وترتاح النفوس بمنظرها، وبين بعد ذلك أن هذا المنظر الجميل الذي يشرح الصدر معه التمكن من كل ما يحبون؛ ولذا قال بعد ذلك: (لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ) من خير، وما يريدون من طيب لَا يمنع عنهم شيء، وإذا كانوا قد حرموا في الدنيا من مال ونسب فهم في الآخرة ممكنون، وإذا كانوا قد صبروا أنفسهم لله تعالى فإن الله تعالى قدر عناءهم بأن مكنهم من كل ما يريدون، منطلقة إرادتهم ومشيئتهم، وقال تعالى في آية أخرى: (. . . وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُن. . .).
(كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ)، أي كهذا الجزاء الذي نراه للذين اتقوا ربهم يجزى الله المتقين دائمًا، وهذا تشبيه أو تصوير لمعنى المكافأة الذي يكافئ الله تعالى بها عباده، فهو تصوير للمعنى الكلي في جزاء الله للمتقين بهذه الحال التي ينالها المتقون، وهم المحسنون الذين أتقنوا أعمالهم، بإحكامها وأحكام الخير وإحسانه يكون أولا بتطهير النفس من الأهواء، والآثام، ويكون بالنية الصادقة الصافية، وثانيا بالعمل الصالح.
وإذا كان سبحانه قد بين كيف يستقبل المستكبرون عندما تتوفاهم الملائكة، فقد بين أيضا ما يستقبل المخلصون، فقال:
стр. 5923
(الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)
ولقد وصف اللَّه المستكبرين بأنهم ظالمون أنفسهم، وهم في هذه الحال التي أوقعتهم في رجس وفسوق، فإنه سبحانه قد وصف المتقين بأنهم طيبون، والطيب ضد الخبيث، وضد الشرير، فوصفوا بأنهم طيبون؛ لأنهم خلصوا من الشرك والظلم والاستكبار، ولأنهم صالحون في ذات أنفسهم زكية نفوسهم طيبة راضية مرضية، وطيبة حياتهم من بعد.
والطيبة وصف للنفوس المطمئنة الراضية غير المعتدية الآثمة، وهو وصف جامع لكل الخلال الباطنة والظاهرة يوصف به كل الذين لَا يحملون ضغنا، ولا يحقدون، ولا يعتدون، وينصرفون لذات أنفسهم يصلحونها، ويراقبونها، ولا يكون منهم للناس إلا ما فيه مصلحتهم، و (طَيِّبِينَ) حال من المفعول، وقوله تعالى: (يَقُولُونَ) في الآية حال من الملائكة، والمعنى يتوفونهم قائلين لهم: (سَلامٌ عَلَيْكُمُ) إيناسا لهم بالتحية ودعوة لهم بالأمن والاطمئنان، وبث روح الأمان، وبشرى لهم، كما قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ)، ويقولون مع هذا السلام المؤمن المبشر: (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) الباء باء السببية، أي لسبب عملكم الذي عملتموه غير مدخرين في سبيل الخير، وقوله تعالى: (كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)، تدل على استمرار العمل، لأن كان تدل على الماضي مع الدوان في مثل هذا المقام، كقوله تعالى؛ (. . . وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا)، وقد جمع بين الماضي في (كان) والمستقبل في (تَعْمَلُونَ)، فكان دالا على استمرار عملهم، وكان صالحا، واللَّه تعالى يجزيهم أحسن الجزاء.
* * *
стр. 5924
تفكير المشركين
قال تعالى:
(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٣٤) وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥)
* * *
جاءتهم المعجزة الكبرى التي تتحدى الأجيال كلها، وتحداهم اللَّه تعالى بها أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا، فطلبوا معجزات حسية كمعجزات الأنبياء السابقين، فجاءتهم، انشق القمر، فقالوا: سحر مستمر، أي أعينهم سحرت فتبين كذبهم، لأن المسافرين رأوه كذلك، وجاءهم بالإسراء من مكة إلى المسجد الأقصى، وذكر لهم الأمارات الدالة.
أتى لهم بالمعجزة الكبرى، وهي التي تتناسب مع خلود شريعته، إذ يبقى صامدًا يقارع الزمان والأقوام ويقيم لهم الدليل على أنه من عند اللَّه، ولكنهم أرادوا آية مادية، فجاءتهم الآية تلو الآية، ومع ذلك لم يؤمنوا، ولذلك قال تعالى:
стр. 5925
(هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ).
لقد طلبوا أن يكون معه ملك، فقال تعالى: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ)، (أَوْ يَأتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ)، أي العذاب
стр. 5926
المستأصل، كما نزل بقوم لوط، وعاد وثمود، وفرعون، وقد ذكر أنه فعل ذلك بالذين من قبلهم وأنهم طلبوه فأجيبوا، فقال: (كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) أنهم استهانوا، وكابروا، ولجوا في إنكارهم، وطلبوا استعجال أمر اللَّه فيهم فعجل، ولكنه لم يفعل ذلك مع أمة محمد ﷺ ، فهو لم يرسل لجيل يستأصله إذا لم يؤمن، بل أرسل للأجيال كلها فإذا كفر جيل، كان رجاء الإيمان في جيل يليه، كما قال ﷺ في قومه - وقد آذوه -، وبين اللَّه تعالى على لسان الملائكة أنه ينزل بهم ما يريد، فقال خاتم النبيين: " إني لأرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله " (١).
وقوله: (هَلْ يَنظُرُونَ) الاستفهام فيه للإنكار، وهو وصف لحالهم في كفرهم بالآيات، أي حالهم أنهم لَا ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتيهم أمر الله. وقد بين اللَّه أن أمره نزل بمن سبقوهم مثل قوم نوح، وعاد وثمود، وأصحاب الأيكة، وفرعون ذي الأوتاد أن ذلك لم يكن ظلمًا من اللَّه لهم، بل كان ظلما من أنفسهم لأنفسهم، فقال عز من قائل:
(وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).
إن المذنب إذا نزل به عقاب ذنبه لَا يقال إن من أنزل به العقاب هو الذي ظلم، إنما الظالم هو من ارتكب سبب العقاب فهؤلاء بارتكابهم سبب العذاب الذي جاء بأمر الله ظلموا أنفسهم، وهنا أمران بيانيان نشير إليهما:
الأمر الأول - التعبير بـ (كَانُوا) فهو دال على استمرارهم في أسباب ظلم أنفسهم من إنكار وجحود ومكابرة.
الأمر الثاني - تقديم كلمة (أَنفُسَهُمْ)، على (يَظْلِمُونَ) للإشارة إلى أن مما ارتكبوا من آثام كان يقع على أنفسهم، لَا على غيرهم وللاهتمام والتخصيص.
стр. 5927
وقد أكد سبحانه هذا المعنى السامي فقال:
стр. 5928
(فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٣٤)
الفاء فيها بيان ترتيب الإساءة على ما ارتكبوا من سيئات، فهي تبين كيف ظلموا أنفسهم، فقال: (فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا)، أي فأصابهم جزاء سيئات مما عملوا، فالكلام على تقدير مضاف، وفي هذا التفسير بيان لأنهم ظلموا أنفسهم بأن تسببوا في العذاب الذي نزل، فكانوا به ظالمين لأنفسهم، وحذف المضاف مع بقاء المضاف إليه للإشارة إلى الجزاء كالسيئات تماما، حتى كأنه هو.
وإن السيئات تترادف يجيء بعضها تلو بعض، حتى تتراكم فيظلم القلب وحينئذ تفسد كل أسباب الإدراك وتكون قلوبهم غلفا، ويتوالى منهم الفساد، فيكون ذلك سببًا في أن ينزل بهم عذاب اللَّه، ويكونون ظالمين لأنفسهم. وقوله تعالى: (سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا) فيه إشارة إلى أن اللَّه لَا يأخذهم إلا بالسيئات، وهي ما يسوء في ذات من الأفعال، وما يسوء الناس، وما يصدهم عن الحق المبين.
(وَحَاقَ بِهِم)، أي أحاط بقلوبهم عملهم السيئ، حتى أصبحوا لا يدورون إلا في فلكه، واستعمال (حاق) بمعنى أحاط لَا يكون إلا في السوء، فالحيق لَا يكون إلا في إحاطة الشر.
وقوله تعالى: (مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ)، أي أحاط بهم القول الذي كانوا به يستهزئون، أي جزاؤه وحذف المضاف للإشارة إلى المساواة بين الجزاء والفعل كأنه هو.
ويصح أن نقول إن المراد، أن يحيط بهم الاستهزاء نفسه تقريعا ولوما، وإشعارا لهم بأنهم المستهزئون المحقرون، ومن كانوا موضع استهزائهم السخيف هم الأكرمون عند اللَّه.
стр. 5929
وإن تفكير السيئين دائما أدب يحملوا أوزارهم وأوزار غيرهم، كما جاء سارق فقيل له لِمَ سرقت؛ فقال: ذلك قضاء اللَّه فكأنه يحمل اللَّه تعالى ما ارتكب، كذلك تفكير المشركين.
стр. 5930
(وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥)
إن الذين أشركوا وكانوا يخاصمون النبي ﷺ قوم خصمون يحتجون على النبي ﷺ لكل ما يتوهمون أن فيه حجة لهم، غير مدخرين قولا ولو كان باطلا في ذاته، ولا يؤمنون به.
قالوا متحدينِ النبي ﷺ بقولهم أن ينزل بهم عقاب ماحق، (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ)، أي لو شاء ألا نشرك، وألا نحرم شيئا حلالا مما حرمنا، كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام، لأنزل بنا عقوبة رادعة مانعة قاطعة، ولكنه لَا ينزل، وينذر ولا ينفذ، فهو تحد للنبي ﷺ أن ينزل بهم ما أنزل اللَّه على الأقوام قبلهم؛ ولذا قال تعالى من بعد ذلك: (فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ)، أي لَا يملك إنزال العذاب، وإنما الذي يملكه اللَّه تعالى، وهو ليس عليه إلا البلاغ، وقد بلغ وأنذر.
هذا تخريج الحافظ ابن كثير، وهو تخريج مستقيم تتناسق فيه العبارات، وتتلاقى المعاني.
وهناك تخريج آخر يقاربه ولا يباعده، وهو أنهم يقولون ذلك استهزاء بالنبي ﷺ وتهكما، بأنه لو كان يستطيع التغيير لغير، ولكن اللَّه رضي لنا ذلك، فيقول اللَّه (فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) وهو قرب من الأول في معناه، وإن خالفه بعض المخالفة في مبناه.
стр. 5931
وهناك تخريج ثالث، وهو الذي ضرب على نغمته الزمخشري، وسار في مساره غيره، وإن خالفوه في النتيجة، وذلك التخريج أنهم يسندون إلى اللَّه وزرهم في الشرك فيقولون: إن شركهم بمشيئة اللَّه وما شاء اللَّه كان، وما لم يشأ لم يكن فلو شاء ألا نعبدهم من دونه ما حرمنا، فكيف نحاسب على أمر شاءه اللَّه تعالى، وبذلك يربطون الأمر بالإرادة، فيقولون: إن أمرا يجب أن يكون ملازما لإرادته، ولا يأمر اللَّه بشيء لم يرده، فيقول لهم: (فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ)، أي ليس على الرسل إلا البلاغ، وهو تبيين أمر اللَّه تعالى فلا تجادلوا، وأنهم قد بينوا الحق فلا سبيل للتخلص من أمر اللَّه، وأنكم تحسون في ذات أنفسكم بالاختيار وعلى ذلك يكون.
ونقول إن التخريج الأول تكون الآية متناسقة في ألفاظها وعباراتها ومعانيها، والتخريج الأخير يجعل قوله تعالى: (فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) وفي ربطه ببقية الآيات تكلف، ولو كان المخرِّج له إمام البلاغة الزمخشري.
وهنا إشارات بيانية ترجح التخريج الأول ونشير إليها:
الأولى - في قوله تعالى: (كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ)، أي فعل ذلك الفعل الذي تفعلون فعل الذين من قبلكم، وهؤلاء لم يفعلوا بل قالوا ولم يقل: وكذلك قال الذين من قبلكم، فدل ذلك على أن ما كان منهم ليس مجرد قول بل هو فعل وهو التحدي أو الاستهزاء، وبذلك يترجح التخريج الأول أو الثاني ولا يترجح الأخير.
الثانية - قوله تعالى: (وَلا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءً)، أي ما حرمنا من غير اللَّه من شيء، بل من ذات أنفسنا.
الثالثة - قوله تعالى: (فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) الفاء للإفصاح؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر إذ تقديره إذا كنتم تتحدون وتطلبون إنزال العقاب فليس هذا لنا، إنما علينا البلاغ الواضح المبين الذي لَا يترك ريبة لمرتاب،
стр. 5932
والاستفهام هنا إنكاري لإنكار الو قوع، أي ليس على الرسل إلا البلاغ المبين، أي التبليغ الواضح وهذه الجملة السامية لَا تخلو من إنذار، ووصف البلاغ بأنه مبين يفيد أنه معلوم بإنذاره فمن اهتدى فلنفسه ومن عاند وخالف فعليه إثم عناده.
والآية هنا رجحنا أنها للتحدي أو الاستهزاء، وفي سورة الأنعام يرجح أنها لتعلاتهم في إثمهم وشركهم، ولذا كان الرد عليهم: (. . . قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨).
* * *
بعث الرسل بالتوحيد والبعث
قال اللَّه تعالى:
(وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦) إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٧) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (٣٩) إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)
* * *
стр. 5933
بعد أن أشار سبحانه إلى أن على الرسل البلاغ المبين الواضح بأدلته، وآيات اللَّه المقترنة به، بين سبحانه أنه ما ترك أمة من غير نذير، بل بعث في كل أمة رسولها بالحق، فقال عز من قائل؛
стр. 5934
(وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كلِّ أمة رَّسُولًا).
أكد بعثه للرسل بأن بعث لكل أمة رسولا، وأن محمدا ﷺ لم يكن بدعا من الرسل، أكد ذلك باللام وقد، ولقد عين سبحانه رسالة كل رسول من هؤلاء الرسل فقال: (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ).
(أَن) تفسيرية فهي مفسرة بمعنى الرسالة، وهي الأمر بعبادة اللَّه وحده واجتناب الطاغوت.
وقوله تعالى: (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ) فيه أمر بالوحدانية ودعوة إليها وتحريض عليها؛ لأن عبادة اللَّه تعالى لَا تكون إلا إذا كان يعبد وحده لَا شريك له.
وقوله تعالى: (وَاجْتَنِبُوا الطَّاغوتَ)، أي ابعدوا عن أنفسكم الطاغوت، أي جانبوه، والطاغوت فعلوت من الطغيان، وهو مجاوزة الحد، ويشمل مجاوزة الحد في العقول فيعبد ما لَا ينفع ولا يضر، ويشرك مع اللَّه غيره وتتحكم فيه الأوهام، فيرى الباطل حقا والحق باطلا، ويشمل ظلم العباد، والطغيان عليهم، ويشمل الطغيان في المعاملات والظلم، وغير ذلك.
فالدعوة أي الوحدانية واجتناب الطاغوت جامعة لكل معاني الرسالة من عقيدة، وتعامل الناس بعضها مع بعض، هذه رسالة رسل الله في الأرض، اعتقاد سليم، وتعاون وعمل عادل مستقيم.
وقد تلقى الناس رسالة الرسل الهادية المرشدة ما بين مهتد مقتنع مؤمن، وما بين ضالٍّ قد حقت عليه الضلالة، ولذلك قال سبحانه: (فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّه وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ) ومن هدى اللَّه هو الذي سلك طريق الهداية، وأعد قلبه لقبول الحق والاقتناع به، ولم تكن ثمة غواش من حب المادة أو السلطان أو الجاه أو التأثر بما كان عليه الآباء، فيتبع من غير تفكير ولا تدبر بل نقول:
стр. 5935
(. . . بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا)، فمن كانت حاله كذلك، وهو في هذا متساوق مع الفطرة فإن اللَّه يهديه، ويجعله يتم الصراط التي ابتدأ السير فيها.
وأما من حقت عليه الضلالة، أي ثبتت وتأكدت، فهو الذي لَا يتفكر ولا يتدبر لغواش غشيت قلبه من حب الدنيا وجاهها، وسلطانها، وسيطر على عقله التقليد، والعناد والاستكبار، وبذلك تفسد فطرته التي فطر الناس عليها، ولذا حقت عليهم الضلالة.
وإن أولئك أنزل اللَّه تعالى بهم الدمار في الدنيا، وصاروا عبرة للمعتبرين؛ ولذا قال تعالى: (فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ).
(الفاء) الأولى دالة على الإفصاح عن شرط مقدر، أو كلام مقدر تقديره فنزل بهم الدمار والهلاك (فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ)، فستجدون الآثار لمن أهلكهم اللَّه، (فَانطرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَة الْمُكَذِبِينَ)، أي انظر الحال التي آل إليها أمرهم بسبب تكذيبهم؛ ولذلك أظهر في موضع الإضمار للدلالة على أن ما أصابهم سببه التكذيب، واللَّه أعلم.
كان النبي ﷺ حريصا على أن يهتدي قومه، لرأفته بهم ولرغبته في مصلحتهم، ولأنه يرى إيمانهم من كمال تبليغ رسالته، ويخشى أن يكون قد قصر في التبليغ إن لم يؤمنوا، ولأنه - كصاحب كل دعوة - يريد للناس أن يتبعوها في غير عوجاء ولا اعوجاج، ولكن الهداية ليست بيده، إنما هي بيد اللَّه؛ ولذا قال تعالى:
стр. 5936
(إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٧)
الخطاب للنبي ﷺ الذي كان حريصا على هداية قومه، والحرص هو الرغبة الشديدة في أمر من الأمور، وقد كان النبي ﷺ راغبا في هداية قومه، والضمير في (هُدَاهمْ) يعود على الذين قالوا: ما أشركنا نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء.
стр. 5937
وجواب الشرط في (إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ) هو قوله تعالى: (فَإنَّ اللَّهُ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ) ويُضِلُّ هنا معناها من كتب عليه الضلالة، وقدرها له في قدره المحتوم، ولوحه المحفوظ، وذلك لأنه سلك سبيل الغواية ولم يتفكر ويتدبر، وسيطرت عليهم أوهام المادة، والجاه والسلطان وحب السيطرة فإنه تكتب عليه الضلالة، ولترك الله تعالى له سادرا في غلوائه يكون كمن يضله.
(وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ)، أي لَا أحد ينصرهم، وهذا يومئ إلى أنهم يعتريهم عذاب أليم، لَا ينقذهم منه ولي ولا ناصر لهم، وفيه دلالة على أنهم ما داموا قد رتعوا في الغي، فلا يمكن أن يكِون لهم هاد مرشد، وهذا كقوله تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي من يَشَاء. . .).
وإن هذا الجحود سببه أمران:
الأمر الأول - الاستكبار، وقد تكلمت الآيات القرآنية في آثاره.
والأمر الثاني - جحود اليوم الآخر، وقولهم: إن هي إلا حياتنا الدنيا نلهو ونلعب، وقد بين الله تعالى حالهم في جحودهم اليوم الآخر فقال تعالى:
стр. 5938
(وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨)
(جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ)، الجهد مصدر بمعنى الطاعة والقوة، ومعنى أقسموا بالله جهد أيمانهم أي جاهدين بأقصى قوتهم في تأكيد يمينهم، والمقسم عليه (لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ) مأسورين في ذلك بالحمال التي وقعت، وهي الوقت ويحسبونه فناء لَا حياة بعده، ويحسبون أنه لَا شيء غير المادة، ولا يؤمنون بالمنشئ الموجد، وإن كانوا يقولون: الله خالق كل شيء، ولكنه قول لَا يتغلغل في قلوبهم، ويستمكن في نفوسهم، روى البخاري أن رسول الله
ﷺ قال في حديث قدسي: " كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي، كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا وَأَنَا الأَحَدُ الصَّمَدُ، لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفْئًا أَحَدٌ " (١).
стр. 5939
رد اللَّه تعالى قسمهم الباطل بقوله تعالى - بلى - وهي تدل على الإجابة بالنفي وهو ما أكدوه، ثم أكد الجواب بالنفي بقوله تعالى: (وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا) ووعدا مصدر، ووصفه بأنه حق ثابت مستقر لَا مجال لإخلافه، وقال تعالى: (عَليه)، أي أنه سبحانه التزمه، وكيف يترك ما التزمه ولا ملزم له، إنما هو الملتزم.
وبين سبحانه أن أكثر الناس غلبتهم المادة، وسيطرت عليهم الأحوال التي يرونها، وتركوا المغيب عنهم فلم يدركوه، ولم يؤمنوا بالغيب، ولذا قال تعالى: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) الاستدراك هنا من الوعد المؤكد الثابت الذي ألزم اللَّه تعالى به نفسه، إذ كان الواجب عليهم أن يعلموا من قياس القابل على الحاضر ولكن أكثرهم لَا يعلمون، أي ليس من شأنهم أن يدركوا، وأن يعلموا لأنهم لم يؤمنوا بالغيب، ولم يعرفوا قدرة ربهم، وما المراد (بالناس)؟ إن أريد المشركون فكلهم لَا يعلمون ذلك، وقيل المؤمنون، وإن أريد الناس جميعا، فإن أكثرهم لا يؤمنون بالعودة، ومن اعتقد منهم لَا يذعن، وإلا ما كانت المعاصي التي ترتكب جهارًا، فهي لَا ترتكب إلا من غفلة في الإيمان باليوم الآخر، وقد بين اللَّه تعالى الغاية من البعث، فقال تعالى:
стр. 5940
(لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (٣٩)
(اللام) متعلقة بما قبلها، أي أنها في مقام التعليل لوعد اللَّه الحق الثابت المؤكد الذي ألزم اللَّه تعالى به ذاته العلية، والمعنى أن اللَّه تعالى ما خلق الناس عبثا كما في قوله تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ)، فالله تعالى لم يخلق الإنسان، ولم يجعله كالبهائم، بل خلقه ومعه عقل يتفكر ويتدبر، وحيث كان التفكير، كان الحساب على الأفعال، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، والدنيا لَا تتسع لكل حساب الأعمال، فلابد من أخرى يحاسب فيها على جميع الأفعال، والأناسي منهم المظلوم المحروم، ومنهم الظالم
стр. 5941
المجدود (١)، فلابد من يوم يستوفي فيه كل ذي حق حقه، ينال كل ثمرة ما كسب، ومن نوع ما كسب.
وذلك هو ما يكون بعد البعث، وهذا معنى ليبين لهم الذي يختلفون فيه من حق وباطل وعدل وظلم، ويكون كل ذلك أمام الحكم الذي يفتح بين الناس، ويفصل بينهم بالحق وهو خير الفاصلين، (وَلِيَعْلَمَ الَّذِين كَفَرُوا أَئهُمْ كَانوا كاذِبِينَ).
(اللام) هنا للعاقبة، بينما اللام الأولى للتعليل؛ ولذا كررت اللام لتغاير معناها، ومعنى العاقبة أنهم كانوا يكفرون بالبعث، ويكذبون الرسل في الدعوة إلى الإيمان، ويشركون ويكذبون الرسل في الدعوة إلى التوحيد، فإذا كان البعث والحساب والعقاب لمن أنكر وكابر وأشرك، والثواب لمن آمن وأطاع وصبر وجاهد فإن عاقبة ذلك الذي يرونه حسيا أن يعلموا أنهم كانوا كاذبين في كل ما ادعوا وأنكروا، وباهتوا الرسل والمؤمنين، وعبر بالموصول (الَّذِين كفَرُوا) لبيان أن كفرهم هو السبب في تكذيبهم، وأكد علمهم بكذبهم، أولا:
بـ (أن) (المؤكدة، وثانيا: بـ " كان " الدالة على دوامهم على الكذب بدوام كفرهم، وثالثا: بالجملة الاسمية، واللَّه سبحانه يعلم الغيب في السماوات والأرض وإليه ترجعون.
وإن السبب في إنكارهم البعث هو أنهم مأسورون بالمادة والحاضر الذي بين أيديهم وأنهم لَا يقدرون قدرة اللَّه تعالى حق قدرها؛ ولذا أشار إلى كمال قدرته على الخلق والتكوين، وأنه ليس إلا أن يريد الشيء فيكون، فقال اللَّه تعالى:
стр. 5942
(إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)
(إِنَّمَا) " أداة قصر " أي أن خلق الله للأشياء محصور في هذه الطريق السهلة التي لَا تمتنع عليه بشيء، ولسنا نبحث في سر الخلق والتكوين، فنسأل
стр. 5943
كيف خلق اللَّه الناس، إنما نتعرف ذلك من قوله سبحانه، وهو يدل على أن اللَّه تعالى يخلق الأشياء بإرادته المختارة، فلم تنشأ عنه الأشياء نشوء المعلول عن علته، فذلك وهم تعالى اللَّه عنه سبحانه، ولذا قال سبحانه: (إِنَّمَا قَولُنَا لِشَيْء)، أي حاله وشأنه في قدرته وتكوينه للأشياء (إِذَا أَرَدْنَاهُ)، أي أراده بإرادة حرة مختارة، وأنه فعال لما يريد (أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُون)، أي احدث وكن شيئا مذكورا، فيكون، ومعنى هذا أنه لَا يصعب عليه شيء في الوجود، فلا يتكلف كائن في الوجود أكثر من قوله كن فيكون، وهذا تصوير لسهولة الخلق عليه تعالت قدرته، وذلك كقوله تعالى: (. . . وَمَا أَمْرُ السَّاعَة اٍلَّا كلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ. . .).
وهذا كله للعاقل المستبصر المدرك، ولقد كانوا يعجبون كيف يعودون. ولقد فنيت أجسام الأموات فقال تعالى مبينا أن شيئا لَا يصعب على إرادته، فقال: (قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢).
* * *
المؤمنون
قال اللَّه تعالى:
(وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)
* * *
стр. 5944
(وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)
الهجرة ترك الدار لغاية سامية أو لطلب الرزق، وقد حبب اللَّه تعالى في هاتينِ الحالتين، فقال تعالى: (وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثيرًا وَسَعَةَ. . .).
وقد كانت هجرتان: هجرة إلى الحبشة فرارًا بالدين من الذين ظلموا، ومن هؤلاء عثمان بن عفان وجعفر بن أبي طالب وعدد من الصديقين والصديقات بلغت عدتهم ثمانين أو يزيد، والهجرة الكبرى إلى المدينة وفيها هجرة النبي ﷺ ، وإن هذه السورة مكية، أي أنها كانت قبل الهجرة الكبرى فالذين هاجروا في الآية هم المهاجرون إلى الحبشة.
وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ) الفاء هنا للسببية، أي لأجل اللَّه تعالى، وذكر الفاء يومئ إلى أنهم فنوا في اللَّه فصاروا لَا يفكرون في غيره، وصار هو ملء قلوبهم ونفوسهم وعقولهم، وأحاسيسهم فكلهم له لا يفكرون إلا فيه، ويهون كل عذاب في سبيله.
وقال : (مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا) و (مَا) هنا مصدرية، أي من بعد ظلمهم، وقد كتب اللَّه تعالى لهم الجزاء الحسن لصبرهم على الأذى، ونزول الظلم بهم، وهجرتهم ببعدهم عن الخلان والأحباب، والديار والأموال، وبيع أنفسهم للَّه تعالى حتى لَا يطلبوا إلا مرضاته.
وقد قال تعالى في جزائهم: (لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً)، (اللام) لام أقسم وهي مؤكِّدة، والقسم مؤكد، ونون التوكيد مؤكدة، والحسنة الأمر الذي يكون حسنا لَا إساءة فيه في ذاته ولا في مغبته، و (نبوئنهم) نمكنهم في الحسنة كأنهم يفتقدونها ويستمكنون منها، والحسنة في الدنيا التي نالت المؤمنين والمهاجرين من بعد هي العيش الحسن، وقد نزلوا من بعد الحبشة المدينة هم ومن كانوا في مكة يلاقون الظلم والإيذاء بكل أنواعه والاستهزاء والسخرية، فالتقوا في دار الهجرة.
стр. 5945
ومن حسنة الدنيا النصر على الشرك وأهله، وغنائم النصر، والتعاون والإخاء، وإقامة حياة فاضلة في المدينة.
هذه حسنة الدنيا (وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)، (اللام) لام الابتداء للتوكيد، وأجر الآخرة أكبر لأنه نعيم مقيم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، فأكل الجنة دائم لَا ينتهي، وقال: (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)، والضمير في يعلمون يعود إلى المؤمنين، و (لَوْ) تكون للتمني، أي ليتهم يعلمون ذلك علم العيان والرؤية، لَا علم الخبر والذكر، وفي ذلك بيان لفضله، وعظم شأنه، كأنه فوق الخيال والتصور، واختار الزمخشري أن يكون للكفار ولكنه بعيد، وقد قال تعالى في سبب استحقاقهم ذلك الجزاء العظيم.
стр. 5946
(الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢)
(الذينَ) عطف بيان للمهاجرين، لقد صبر المهاجرون أبلغ الصبر، صبروا على الذي نزل بهم، والظلم الذي وقع عليهم والاستهزاء والسخرية بهم، وتصغير شأنهم، وتحقير أمرهم، وكأنهم الأرذلون، وهم الأكرمون، وصبروا على ترك الأحباب، وترك الأموال وترك الديار.
صبروا على كل ذلك، وعلى أن المشركين حاولوا أن يسدوا باب الأمل في نفوسهم لولا فضل من اللَّه ورحمة، ولكنهم مع ذلك كان أمامهم ربهم فتح لهم السدود، بالتوكل عليه؛ ولذا قال تعالى: (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)، أي على ربهم وحده، لَا على أحد سواه يتوكلون، وعبر بالمضارع لدوام توكلهم، وقدم الجار والمجرور على الفعل للتخصيص، أي على اللَّه وحده يتوكلون فهو الذي يفتح لهم الأبواب التي يسدها الشرك، ويكون من ورائها الانتصار.
ولقد كان المشركون يعترضون على الرسالة المحمدية بأنها لرجل، ويريدون ملائكة، فبين اللَّه تعالى أن الرسل جميعا من الرجال، فقال عز من قائل:
стр. 5947
(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)
ليس عجبا أن يوحي اللَّه تعالى إلى رجل منكم، وما كان محمد ﷺ بدعا في الرسل، بل كان الرسل من أقوامهم يحسون بإحساسهم، ويتألفونهم ويعرفونهم في ماضيهم الطاهر المنزه، ولم يرسل رسولا إلا إذا كان من قومه وكان رجلا منهم؛ ولذا قال تعالى: (ومَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا)، فما أرسلنا ملكا؛ لأن طبيعته ليست من طبيعة الإنسان، وهو روح غير جسد، (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ)، الأمر أهو ملك، أما إنسان، وإن امتياز هذا الرجل الرسول من بينهم أنه يوحى إليه، وينزل عليه جبريل الأمين برسالته؛ ولذا قال: (نُّوحِي إِلَيْهِمْ)، هذه قراءة بالنون المعظم للمتكلم، وهو اللَّه تعالى، وأي متكلم أكبر وأعظم من رب البرية، وهذا كقوله تعالى في آية أخرى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى. . .)، ولقد قال على لسان رسوله: (. . . قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا).
ولقد نبههم سبحانه إلى أن عليهم أن يتعرفوا الأمر من أهل المعرفة، فقد كانوا أميين منقطعين عن الرسالة فأراد سبحانه أن يوجههم إلى سؤال أهل المعرفة: (فَأسْألُوا أَهْلَ الذِّكرِ إِن كُنتمْ لَا تَعْلَمُونَ)، (الفاء) تفصح عن شرط مقدر، أو واقعة في جواب الشرط (إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) وأهل الذكر هم أهل التفكر والتدبر والعلم بالأشياء على وجهها، ويدخل في هؤلاء أهل الكتاب، أي إن كنتم لا تعلمون هذه الحقائق، فلا تعجبوا في الأمر لمجرد أنه يثير عجبكم واستغرابكم، بل تعرفوا الأمر من أهل الذكر والحكمة والمعرفة وأهل الكتاب ليزول عجبكم واستغرابكم، وذلك مع المعجزة الكبرى التي قدمها لكم، وتحداكم أن تأتوا بسورة من مثله، وما زال يتحداكم وهكذا نرى القرآن الكريم يصرف الآيات ليدركوا وليستبينوا الحق.
стр. 5948
ولقد أشار سبحانه بعد ذلك إلى ما جاء به الرسل والأنبياء،
стр. 5949
(بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤) بين هذه الجملة وما قبلها تمام الاتصال، لأنها في معنى البيان لها، (بِالْبَيِّنَاتِ)، متعلق بمحذوف دل عليه الكلام السابق، أي أرسلناهم بالبينات، وهي الآيات الدالة على رسالتهم، (وَالزُّبُرِ) الزبرِ جمع زبور، وهو الكتاب، يقولون زبرت الكتاب إذا كتبته، وقد قال تعالى: (وكُلُّ شيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ)، وكما قال تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ).
والمعنى أن هؤلاء أرسلوا رجالا ولا يكونون إلا رجالا مصحوبين بالبينات أي المعجزات الدالة على أنهم مبعوثون من عند اللَّه، وجاءتهم منهم الكتب التي تبين فيها الشرائع التي أراد اللَّه تعالى أن يعلموها للناس، وقد جئتهم بذلك وبالحق فما لهم يستنكفون عن قبول ما تدعوهم إليه، ويعجبون من أن يجيئهم الحق من اللَّه على لسان رجل منهم.
ثم قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكرَ)، الذكر هو القرآن الكريم، وسمي القرآن هنا ذكرا، لأنه مذكر الأنبياء السابقين ورسائلهم، ما نسخ منها وما بقي، ولأنه الذكر الدائم إلى يوم القيامة، ولأن الذين نزل فيهم القرآن شهدوا على الناس بأن ما نزل إليهم من شرائع حق، واللَّه شهيد عليهم، ألم تر إلى الذين ادعوا أنهم أتباع عيسى وحرفوا العقيدة، وجعلوها وثنية مثلّثة صحح القرآن عقيدتهم وردها إلى أصلها، وشهد القرآن والمؤمنون بالصادق، وبطل ما صنعوا وحرفوا وثلثوا.
وقوله تعالى: (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)، (اللام) هنا لام العاقبة، لتكون الثمرة والنتيجة والعاقبة أن تبين بالقرآن الذي نزل على قلبك للناس ما نزل إليهم من ربهم في الماضي والحاضر، وما هو شريعة ربهم الأزلية الخالدة الباقية، كما قال تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ
стр. 5950
إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ. . .).
وقوله تعالى: (وَلَعَلَّهمْ يَتَفَكَّرُونَ)، أي رجاء منهم أن يتفكروا ويتدبروا ويبتعدوا عن الجحود والكفر، وكان العطف بالواو للدلالة على أن هذه غاية وثمرة للنزول كتبيين النبي ﷺ .
* * *
تنبيه وإنذار
قال تعالى:
(أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٤٧) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)
* * *
كان المشركون من وقت أن بعث النبي ﷺ يدعوهم بأمر ربه لَا يفكرون فيما اشتملت عليه من حق، ولا في ماضيه الذي يدل على الصدق والأمانة، وأنه كان الأمين فيهم حتى سمي بذلك، ولا في حقيقة ما يدعو إليه، ولا في حقيقة ما هم عليه من عبادة الأحجار التي لَا تضر ولا تنفع لَا يفكرون في شيء من ذلك، إنما يفكرون في مقاومة الدعوة وصدوا عن غير المقاومة صدودا، ودبروا لإيذاء
стр. 5951
المستضعفين، والسخرية بالمؤمنين، والاستهزاء بأهل الحق ويقتلون الذروة والغارب ليقضوا على الدعوة، حتى إنهم ليقتسمون مداخل مكة، ليشوهوا دعوة النبي ﷺ إذا دعا الحجيج، يفعلون كل ذلك ونسوا أن اللَّه تعالى قد ينزل بهم العذاب؛ ولذا قال تعالى منبها لهم منذرا:
стр. 5952
(أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥)
(الفاء) لترتيب ما بعدها على ما قبلها وهو حالهم التي هم عليها، ولكن تأخرت الفاء؛ لأن الصدارة تكون للاستفهام والمعنى أفعلوا ما فعلوا ودبروا السوء، وآذوا ودبروا الأمور المسيئة في نفسها أفأمنوا أن يخسف اللَّه تعالى بهم الأرض، بأن تنحط الأرض حتى تبتلع ديارهم وأموالهم، أغفلوا وأمنوا مكر اللَّه وقد دبروا السيئات وفعلوا وأرادوا، ويميل بعض المفسرين إلى أن السيئات وصف لموصوف محذوف تقديره " أفأمن الذين مكروا المكرات السيئات "، ونحن نرى أنه لَا حاجة إلى تقدير موصوف محذوف؛ لأن المكر وهو التدبير متجه إلى إنشاء السيئات فهم دبروا السيئات في إيذاء المستضعفين، ودبروا السيئات في الأقوال والأفعال طوال إقامة النبي ﷺ بينهم في مكة، لم يتركوا نوعا من السيئات إلا دبروها.
وهم يعلمون قوة اللَّه القاهرة، وأنه الذي يلجأ إليه في الملمات، فلم يكونوا جاهلين لها، وإن عبدوا مع اللَّه الأحجار والأوهام، فإذا نبههم اللَّه تعالى بأنه قادر على خسف الأرض من تحتهم فهم لَا يجهلون ذلك.
وقد قال تعالى منبها لهم، ومثيرا لعلمهم بقدرة اللَّه تعالى: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧).
ثم قال تعالى:.
стр. 5953
(أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦)
(أو) عاطفة (الْعَذَابُ)، هو العذاب الدنيوي المدمر كالذي نزل بقوم لوط، فجعل اللَّه عالى الأرض سافلها، أو تأتيهم ريح صرصر عاتية، أو ريح فيها عذاب شديد، يكون
стр. 5954
مفاجئا لهم لَا يعلمون بوقوعه، ولا يتوقعونه وهذا معنى لَا يشعرون، أي لا يعلمون ولا يتوقعون بل ربما كانوا يرجون الخير، كقوله تعالى في عاد: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤).
ثم يقول تعالى منذرًا بالعذاب الشديد:
стр. 5955
(أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦)
إن أخذهم وهم لَا يشعرون يكونون وهم في مساكنهم مطمئنون أو قابعون في ديارهم وهم لَا يعرفون آثار مكرهم السيئات وتدبيرهم الفاسد لأهل الإيمان والكرامات، ولذا لَا يشعرون، وقد يأخذهم وهم متنقلون في الأسفار يسيرون في مسارها، ويتنقلون لمتاجرهم، وقد يأخذهم اللَّه وهم كذلك لَا يفكرون إلا في الكسب والخسارة والربح وسائر أبواب التجارة؛ ولذا قال تعالى: (أَوْ يَأخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ)، أي في انتقالاهم من بلد لبلد، يتقلبون في البلاد، والتقلب تعبير عربي قرآني يؤكد به الانتقال من بلد إلى بلد تاجرا، أو سائحا، وكان في ذلك مجازا إذ شبه التنقل من بلد إلى بلد بالكرة المتقلبة من وضع إلى وضع، وهي تنقله من مكان إلى مكان.
وإذا كانوا قد أحيط بهم، فهم في مأمنهم غير آمنين، وفي أسفارهم غير مطمئنين فهم في قبضة الله تعالى؛ ولذا فما هم بمعجزين الله تعالى أن ينزل بهم ما يريد، فاستقيموا على الطريقة، وإلا أخذكم أخذ عزيز مقتدر، كانت الصور السابقة في أخذ بالخسف أو العذاب من حيث لَا يشعرون، أو وهم في حال تقلبهم في البلاد بالمتاجر لَا يخافون، فقد ينزل العذاب وهم يتخوفون من العذاب، ولكنهم مصرون على سببه من مكر السيئات، وتدبير الموبقات للمؤمنين ضعفائهم وكبرائهم بالاستهزاء والسخرية.
ولذا قال تعالى: (أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ ... (٤٧)
أي تخوف من العذاب أن ينزل بهم كما نزل بالأقوام قبلهم فهم يعروهم الخوف، ولكن لَا يصل إلى حملهم على الإيمان، ولكن يتخوفون أن ينزل بهم، وقد يفسر التخوف بمعنى النقص، أي