← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.

стр. 5951

المستضعفين، والسخرية بالمؤمنين، والاستهزاء بأهل الحق ويقتلون الذروة والغارب ليقضوا على الدعوة، حتى إنهم ليقتسمون مداخل مكة، ليشوهوا دعوة النبي ﷺ إذا دعا الحجيج، يفعلون كل ذلك ونسوا أن اللَّه تعالى قد ينزل بهم العذاب؛ ولذا قال تعالى منبها لهم منذرا:

стр. 5952

(أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥) (الفاء) لترتيب ما بعدها على ما قبلها وهو حالهم التي هم عليها، ولكن تأخرت الفاء؛ لأن الصدارة تكون للاستفهام والمعنى أفعلوا ما فعلوا ودبروا السوء، وآذوا ودبروا الأمور المسيئة في نفسها أفأمنوا أن يخسف اللَّه تعالى بهم الأرض، بأن تنحط الأرض حتى تبتلع ديارهم وأموالهم، أغفلوا وأمنوا مكر اللَّه وقد دبروا السيئات وفعلوا وأرادوا، ويميل بعض المفسرين إلى أن السيئات وصف لموصوف محذوف تقديره " أفأمن الذين مكروا المكرات السيئات "، ونحن نرى أنه لَا حاجة إلى تقدير موصوف محذوف؛ لأن المكر وهو التدبير متجه إلى إنشاء السيئات فهم دبروا السيئات في إيذاء المستضعفين، ودبروا السيئات في الأقوال والأفعال طوال إقامة النبي ﷺ بينهم في مكة، لم يتركوا نوعا من السيئات إلا دبروها. وهم يعلمون قوة اللَّه القاهرة، وأنه الذي يلجأ إليه في الملمات، فلم يكونوا جاهلين لها، وإن عبدوا مع اللَّه الأحجار والأوهام، فإذا نبههم اللَّه تعالى بأنه قادر على خسف الأرض من تحتهم فهم لَا يجهلون ذلك. وقد قال تعالى منبها لهم، ومثيرا لعلمهم بقدرة اللَّه تعالى: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧). ثم قال تعالى:.

стр. 5953

(أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) (أو) عاطفة (الْعَذَابُ)، هو العذاب الدنيوي المدمر كالذي نزل بقوم لوط، فجعل اللَّه عالى الأرض سافلها، أو تأتيهم ريح صرصر عاتية، أو ريح فيها عذاب شديد، يكون

стр. 5954

مفاجئا لهم لَا يعلمون بوقوعه، ولا يتوقعونه وهذا معنى لَا يشعرون، أي لا يعلمون ولا يتوقعون بل ربما كانوا يرجون الخير، كقوله تعالى في عاد: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤). ثم يقول تعالى منذرًا بالعذاب الشديد:

стр. 5955

(أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) إن أخذهم وهم لَا يشعرون يكونون وهم في مساكنهم مطمئنون أو قابعون في ديارهم وهم لَا يعرفون آثار مكرهم السيئات وتدبيرهم الفاسد لأهل الإيمان والكرامات، ولذا لَا يشعرون، وقد يأخذهم وهم متنقلون في الأسفار يسيرون في مسارها، ويتنقلون لمتاجرهم، وقد يأخذهم اللَّه وهم كذلك لَا يفكرون إلا في الكسب والخسارة والربح وسائر أبواب التجارة؛ ولذا قال تعالى: (أَوْ يَأخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ)، أي في انتقالاهم من بلد لبلد، يتقلبون في البلاد، والتقلب تعبير عربي قرآني يؤكد به الانتقال من بلد إلى بلد تاجرا، أو سائحا، وكان في ذلك مجازا إذ شبه التنقل من بلد إلى بلد بالكرة المتقلبة من وضع إلى وضع، وهي تنقله من مكان إلى مكان. وإذا كانوا قد أحيط بهم، فهم في مأمنهم غير آمنين، وفي أسفارهم غير مطمئنين فهم في قبضة الله تعالى؛ ولذا فما هم بمعجزين الله تعالى أن ينزل بهم ما يريد، فاستقيموا على الطريقة، وإلا أخذكم أخذ عزيز مقتدر، كانت الصور السابقة في أخذ بالخسف أو العذاب من حيث لَا يشعرون، أو وهم في حال تقلبهم في البلاد بالمتاجر لَا يخافون، فقد ينزل العذاب وهم يتخوفون من العذاب، ولكنهم مصرون على سببه من مكر السيئات، وتدبير الموبقات للمؤمنين ضعفائهم وكبرائهم بالاستهزاء والسخرية. ولذا قال تعالى: (أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ ... (٤٧) أي تخوف من العذاب أن ينزل بهم كما نزل بالأقوام قبلهم فهم يعروهم الخوف، ولكن لَا يصل إلى حملهم على الإيمان، ولكن يتخوفون أن ينزل بهم، وقد يفسر التخوف بمعنى النقص، أي

стр. 5956

ينقص اللَّه من أموالهم شيئا فشيئا. كما فعل بقوم فرعون إذ قال سبحانه: (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْص مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ)، فالتخوف هو النقص حتى يكون الهلاك من بعد ذلك. ولقد ذكر الزمخشري في ذلك ما نصه: " وقيل هو من قولك: تخوفته إذا تنقصته، قال زهير: تخوَّف الرحل منها تَامكا قَرِدا ... كما تخوف عود النبعة السَّفن أي يأخذهم على أن يتنقصهم شيئا بعد شيء في أنفسهم وأموالهم حتى يهلكوا، وعن عمر ﵁ أنه قال على المنبر: ما تقولون فيها، فسكتوا فقام شيخ من هذيل فقال: هذه لغتنا، التخوف التنقص قال: فهل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم قال: شاعرنا وأنشد البيت، فقال عمر: أيها الناس عليكم بديوانكم، قالوا: وما ديواننا، قال: شعر الجاهلية ". ومعنى النص السامي أن العذاب يأتيهم وهم لَا يشعرون وهم في مأمنهم قابعون، أو يأتيهم في متاجرهم ومتقلبهم مقبلين، أو يأتيهم بنقص وهلاك بطسء فينتهون وهم قد عرفوا الابتداء ولم يعرفوا الانتهاء. وقد ختم اللَّه سبحانه آيات الإنذار بقوله: (فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رحِيمٌ). ووصف اللَّه ذاته بالرأفة والرحمة مع هذا التهديد الشديد، لأن رأفته بهم، ورحمته العامة، اقتضت ألا يعاجلهم بالعقاب، فهو سبحانه يبين لهم أنه قادر على العقاب ينزله بهم في أي باب من هذه الأبواب، ولكنه لم يعجل رأفة بهم وهو رحيم رحمة عامة للناس. وفوق ذلك فإن الإنذار بالعقوبة، بل العقوبة نفسها رحمة بالكافة، فليس من الرحمة بالكافة أن يترك الظالم في غيه يرتع ويلعب ويعبث بالكرامة الإنسانية، فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: " من لَا يرْحَمْ لَا يُرْحم " (١)، وقد ثبت في

стр. 5957

الصحيحين أن النبي ﷺ قال: " لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله أنهم يجعلون لله ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم "، ويقول ﷺ : " إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته " (١). ويوجه الأنظار إلى الخلق والمخلوقات ففيها الدلالة على وحدانية الخالق، وفيها الدلالة على قدرته القاهرة وإرادته الظاهرة وفيها الدلالة على خضوع الوجود كله له سبحانه ساجدا داخرا صاغرًا، فقال عز من قائل:

стр. 5958

(أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) الهمزة داخلة على فعل محذوف يقدره المقام والمعنى يفعلون ما يفعلون معاندين مجاهرين بالعصيان، ولم يروا ما خلق اللَّه من شيء، و (مِن) بيانية، أو لاستغراق النفي والاستفهام هنا إنكاري؛ لإنكار الوقوع وهو داخل على نفي، ونفي النفي إثبات، والمعنى انظروا (وفكروا) إلى ما خلق من أشياء تتفيأ ظلاله، أي لها فيء، ولهذا الفيء ظل، وتتداخل ظلاله، فالجبال لها فيء والأشجار لها فيء، وكل فيء له ظل، فتتفيؤ هذه الأفياء، ويكون ظلال كما ترى الشجر المتداخل تتفيأ الظلال ذات اليمين وذات الشمال، وعبر عن الجانبين المقابلين باليمين والشمال، فقوله عن اليمين والشمائل، عن الجانب اليمين من ناحية الشرق، وعن الشمائل من جهة الغرب، وذلك بالنسبة للكعبة فما يكون على شرقيها يكون يمينا، وما يكون عن غربيها يكون شمالا، وعبر عن اليمين بالمفرد ويراد به الجمع؛ لأنه أفياء مختلفة تطول ابتداء وتقصر عند الظهيرة، ثم تكون الأفياء ناحية الغرب تبتدئ قصيرة من فيء الزوال ثم تكبر شيئا فشيئا حتى تستطيل طولا كثيرا. وفى التعبير عن اليمين بالمفرد إشارة إلى نهايته، وإلى أنه لَا يرى إلا قصيرا

стр. 5959

بينما الشمال لَا يرى إلا طويلا، ويزداد شيئا بعد شيء؛ ولذا عبر فيه بالجمع وهو شمائل، والاثنان جمع، فهو أفياء كما ذكرنا. والتعبير بفيء ليضمنها معنى المجاوزة، أي إن تجاوز إلى اليمين أو تجاوز إلى الشمائل تكون أفياء، وقوله تعالى: (سُجَّدًا)، أي أن هذه الأفياء ساجدة خاضعة للَّه تعالى، تسبح بحمده كما يسبح الرعد بحمده، وقوله تعالى: (دَاخِرُونَ)، أي صاغرون خاضعون، وجمعت جمع عقلاء، تنزيلا لها هذه المنزلة لخضوعها وتسبيحها بحمده ، وهو على كل شيء قدير.

стр. 5960

(وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) السجود هنا كالسجود في الآية السابقة الخضوع الكوني للَّه تعالى والتسبيح بحمده، ولكن لَا نفقه تسبيحهم، كما ذكر اللَّه تعالى في قوله تعالى: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥). وذكر سبحانه ما في هذه الآية لعمومها ما في السماوات من كواكب ونجوم، وشمس وقمر وغير ذلك مما في السماوات ثم قال تعالى: (وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَابَّة)، (من) هنا دالة على البيان، أي أن كل دواب الأرض خاضعة تسبح بحمده ولكن لَا تفقهون تسبيحهم. وقد ذكر نوعين خاضعين ساجدين له، وهما الأجرام السماوية، وكل ما هو جسم يبدو لنا غير حي، ثم ذكر الأحياء وهي الدواب، ثم ذكر بعد ذلك قسما ثالثا، وهم الملائكة الأطهار والأرواح فقال: (وَالْمَلائِكَةُ وَهُم لا يَسْتَكْبِرُونَ) فالملائكة خاضعون للَّه لَا يعصون اللَّه ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، أو وصفهم اللَّه تعالى بأنهم لَا يستكبرون، أي أنهم ليسوا كإبليس الذي أبى واستكبر وكان من الكافرين، وكما قال تعالى: (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ. . .).

стр. 5961

وقال تعالى في أحوال الملائكة الأطهار:

стр. 5962

(يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ... (٥٠) وقوله تعالى: (مِّن فَوْقِهِمْ)، قيل معناها يخافون ربهم أن يرسل عذابا من فوقهم، أو يخافونه، وهو فوقهم بالقهر، كقوله تعالى: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ. . .)، ونحن نرى أن الفوقية هنا فوقيتهم هم، لَا فوقية اللَّه، واللَّه تعالى فوق كل شيء، ومعنى فوقيتهم علوهم في الخلق والتكوين، وكونهم أرواحا طاهرة، وإنهم مع هذه الفوقية يخافون اللَّه تعالى، فكلما علوا في الروحانية كان خوفهم بمقدار علوهم، وبذلك يستقيم الكلام من غير تقدير (يرسل) أو نحو ذلك، ويكون متفقا على ما ختمت به الآية السابقة في قوله تعالى عنهم: (وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ). وقد أكد نفي استكبارهم، وخضوعهم، وخوفهم من ربهم الذي خلقهم بقوله تعالى: (وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرونَ) وفيه إشارة إلى إبليس الذي استكبر، ولم يفعل ما أمره به ربه. * * * الله يأمر بالوحدانية قال اللَّه تعالى: (وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢) وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥) وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦) * * *

стр. 5963

بعد أن أشار اللَّه تعالى إلى خلق السماوات والأرض، وخضوع الجميع ساجدين، العقلاء وغير العقلاء، والأحياء والجماد على معنى جامع بينها، وهو الخضوع والتسبيح، وإن كنا لَا نفقه تسبيحها فخالقها عالم بها. بعد ذلك بين أنه سبحانه واحد أحد، وهو إله وحده فقال:

стр. 5964

(وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) هذه الجملة السامية متصلة بما قبلها بالواو العاطفة، والواو العاطفة على (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ. . .)، أي اللَّه الذي يخضع الوجود كله له لَا فرق بين حي وجماد، ولا عاقل ولا غير عاقل، يقول لكم: (لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ) وذكر (اثنين) مؤكدا معنى العدد المفهوم من المثنى؛ لأن المثنى في ذاته يدل على المثنوية، وكان التأكيد باثنين لأنه موضع النهي، إذ إن موضع النهي هو أن يكون إلهان اثنان، وذكر النهي عن اثنين، لأنه يتضمن النهي عن ثلاثة وأكثر؛ لأنه إذا كان الأقل منهيا عنه، فالأكثر أولى بالنهي؛ ولأن اتخاذ إلهين دلت الآية الأخرى على أنه يؤدي إلى الفساد في السماوات والأرض، إذ إن تعدد الآلهة يلغي معنى الألوهية ويفسد السماوات والأرض التي دلت الآيات المتلوة والآيات الكونية على أنهما منظمان أبلغ ما يكون النظام، قال اللَّه تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ)، وإن قياس البرهان على بطلان الشرك المبني على التنازع يفرض إلهين، فيقول لو كان إلهان لتنازعا، ولرجح أحدهما على الآخر على فرض التساوي بينهما، وإذا تنازعا مع هذا التساوي فسد الكون، وإذا لم يفرض على التساوي، كان المتفاضل منهما هو الإله. ونقول: إن ذكر الإلهين الاثنين فيه إيماء إلى هذا الدليل العقلي، واللَّه

стр. 5965

(إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ)، (هو) دالة على معنى الإله المطلق وهو اللَّه سبحانه، و (إنما) الدالة على القصر، أي قصر الألوهية على إله واحد . بعد ذلك التفت عن الخطاب إلى ضمير المتكلم. فقال: (فَإِيايَ فَارْهَبُونِ) الفاء الأولى للإفصاح والمعنى: إذا كان الإله واحدا، (فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) والفاء الثانية لربط الكلام، والمعنى إياي أنا وحدي فارهبون؛ لأنه لَا إله إلا أنا، وقد انتقل سبحانه من مقام التنبيه والتعليل بذكر أدلة الوحدانية في خلق السماوات والأرض والتوجيه، والبرهان إلى التخويف ومن لم يقنعه الخوف والإرهاب. وقد قال : إنه له الطاعة، والجزاء عليها والعبادة، والخضوع والعبودية وحده فقال تعالى:

стр. 5966

(وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢) سيق هذا الكلام الحكيم في سياق بياني، قد يؤخذ منه شكل منطقي، فقد قدم كلامه السامي، بقوله: (وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)، أي له السماوات والأرض، وما فيها من أحياء وأجرام، وعقلاء وغير عقلاء، وإذا كان مالكا للوجود كله وهو وحده المتصرف بمقتضى الاختصاص الثابت بالملكية، فله العبادة وحده، وله الطاعة وحده، وهو الذي يملك الجزاء وحده؛ ولذلك قال بعد ذلك ما هو كالنتيجة لهاتين المقدمتين: (وَلَهُ الدِّين وَاصِبًا) الدِّين يطلق ويراد منه العبادة وقد يراد منه الطاعة، وكلمة (واصب) قد يراد بها الدائم، وقد يراد المفروض، وقد يراد ما فيه مشقة محتملة، وهذه المعاني تراد جميعها من هذه الآية الكاملة، فله وحده العبادة، وله وحده الطاعة، وله وحده الجزاء، فهو الذي يجزي كلا بما يستحق، وهو الذي اختص باللَّه وحده دائم، ومفروض، ومنه تكليف للنفس بما يوجب الصبر، والمجاهدة. وقد ختم اللَّه تعالى الآية من الإخبار إلى الخطاب فقال تعالى: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ)، الفاء للدلالة على ترتيب ما بعدها على ما قبلها، ذلك أنه يترتب على

стр. 5967

الوحدانية، فيما ذكرنا الآيتين غير اللَّه تعالى، وأخرت الفاء عن الهمزة، لأن الاستفهام له الصدارة، والاستفهام للتنبيه، وإنكار الوقوع، أي لَا تتقون غير اللَّه، وتقديم غير اللَّه على الفعل للدلالة على أنه لَا يتقى سواه، والتقوى امتلاء القلب بخشية اللَّه تعالى وجلاله وخوف عقابه فلا يتقى سواه، لأنه له الجزاء وحده. بعد ذلك أخذ سبحانه وهو المنعم بالوجود يبين بعض نعمه على الناس، فقال تعالت كلماته:

стр. 5968

(وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) الكلام موصول لبيان نعم الله تعالى، وقد ذكر أولا نعم اللَّه تعالى على الوجود الكوني كله بخلق السماوات والأرض ومن فيهن من أجرام وأحياء، وعقلاء وغير عقلاء، ثم يذكر في هذه نعمه على الإنسان خاصة، فيقول مخاطبا الناس، (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَة فَمِنَ اللَّهِ) (ما) اسم موصول بمعنى الذي، وهو يكون أحيانا في معنى الشرط، ولذا تدخل الفاء فيما بعده على أنه جواب الشرط الذي تضمنه الموصول، والمعنى على ذلك: الذي بكم من نعمة في الصحة والعقل والغذاء والكساء والمأوى، والماء الذي تشربون، والدفء الذي به تستدفئون، كل هذا وغيره مما غمركم به من نعم سابغات فمن الله تعالى المنعم المتفضل على غيره، (. . . وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا. . .). وهو مع هذه النعم السابقة كاشف الضر، ورافع الأذى، ولذا قال تعالى: (ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ) أتى بـ (ثم)، هنا للتباعد بين حال النعمة وحال الضر، أي أنه منزل النعم، وكاشف النقم، والضر هو ما يصيب الإنسان من ضرر في جسمه بمرض، أو يصيبه من تعرض للغرق أو الحرق، وهكذا من أسباب الضرر، ومسكم: أصابكم أو نزل بكم فإليه وحده تضَّرعون، ولذا قال: (فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ)، يقال جأر يجأر جؤارا، أي تضرع ولجأ، وصاح لاجئًا إلى اللَّه تعالى، ولفظ جأر تدل الالتجاء إلى اللَّه تعالى لفزع وهلع، فإن كان الذي مسه مرضا جهش ودعا، وإذا كان الذي مسه ضررًا كان التجاؤه بصياح كخوار البقر.

стр. 5969

ويقول تعالى: (فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ)، بتقديم الجار والمجرور على الفعل أي إليه وحده تجأرون ضارعين. وإذا كان يقتضي عبادة اللَّه وحده في السراء، ولكن إذا كشف الضر كان من الناس من يشرك بربه، ولذا قال تعالى:

стр. 5970

(ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) (ثُمَّ) هنا على موضعها اللغوي من التباعد بين ما قبلها وما بعدها؛ إذ إن ذلك كان يقتضي الإيمان، ولا يقتضي الكفر، لقد جاروا إلى اللَّه وحده، ولم يلتجئوا إلى غيره، ولكنهم بعد أن زالت كربتهم، وكشفت غمتهم أشركوا بربهم؛ ولذا قال: (إِذَا فَرِيقٌ منكُم بِرَبِّهِمْ يشْرِكونَ). هذه (إذا) التي تسمى الفجائية، وهي التي يكون ما قبلها يدل على عدم توقع ما يجيء بعدها، إذ إن كشف الضر يوجب شكر المنعم والتضرع له وإفراده بالعبودية، فإذا كان الإشراك كاذا على مقتضى ما يتوقع، لقد ضرعوا إليه وحده في شدتهم، وفي رخائهم كفروا به وأشركوا مع غيره من أحجار أو ما يشبه الأحجار. وعدل اللَّه في حكمه أن جعل ذلك الكفر بالنعمة في بعض منهم، وليس في كلهم، وهم أولئك المشركون بمحمد، وقد أشار إلى أن هؤلاء ليسوا بكثرة الناس، ولكن دون الكثرة.

стр. 5971

(لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥) اللام هنا لام الأمر، كاللام في قوله تعالى: (. . . لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ. . .)، والأمر هنا معناه التهديد، ووصف أفعالهم بأنها سيئة، ومن أشرك بربه بعد نعمته التي أنعمها عليه بأن يؤمر بالسير في غيه، وهذا كقوله ﷺ " إذا لم تستح فاصنع ما شئت " (١)، فالأمر ليس للطلب، ولكن لبيان أنهم

стр. 5972

قد فسدت فطرتهم وضلت عقولهم، حتى صاروا جديرين بألا يكون منهم إلا الشر. أو نقول: اللام للعاقبة، ويكون المعنى لتكون العاقبة بأنهم كفروا بما آتيناهم من حق، وكتاب مبارك لَا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وإذا كانوا على ذلك النحو من الفساد والضلال النفسي فجدير أن يتمتعوا كما تتمتع البهائم من غير تفكر ولا تدبر؛ ولذا (فَتَمَتَّعُوا) (الفاء) للإفصاح إذا كنتم على هذا الضلال وكفران النعمة، والإشراك بربكم (فَتَمَتَّعُوا) والأمر للتهديد، وقوله تعالى: (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) (الفاء) لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي فيها بيان لما يستقبلهم، وسوف لتأكيد الفعل في المستقبل، أي إذا كنتم في حاضركم متمتعين بما تملكون من متع، فمستقبلكم المغيب عنكم ستعلمونه علم معاينة وهو عذاب شديد، فقوله تعالى: (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) يتضمن تهديدا بعذاب مهين. وقد بين سبحانه نوعا من الاسترسال في عبادتهم الأوثان، وهو أن يجعلوا مما رزقهم الله تعالى من بهائم الأنعام نصيبا، فقال تعالى:

стр. 5973

(وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦) وذلك أن هؤلاء المشركين يسترسلون في شركهم، فيحسبون أن من القربى للأوثان أن ينذروا لهم نذورا من الأنعام والحرث، فيجعلون هذا بزعمهم للَّه وللأوثان بزعمهم، ويخافون الأوثان أكثر من خوفهم من اللَّه مع علمهم بأنه لا ينجيهم من كربهم إلا اللَّه تعالى، على ما تبين من قول، وقد قال تعالى في ذلك فى سورة الأنعام: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦).

стр. 5974

وقوله تعالى: (وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ) يصح أن يكون الضمير عائدا على الأوثان، ويكون المعنى: ويجعلون للأوثان التي هي أحجار لَا تعلم شيئا، ولا تضر ولا تنفع، نصيبا مما رزقناهم، وأعيد الضمير إلى الأوثان على أنه ضمير العقلاء، لأنها كذلك في زعمهم، فيكون ذلك تهكما بهم. ويصح أن يعود الضمير إليهم كالضمير في (وَيَجْعَلُونَ) والمعنى على هذا يكون: ويجعلون لما لَا يعلمون له حقيقة تسوغ لهم أن يعبدوها، إنما هو وهم قد سيطر عليهم من غير حقيقة ثابتة يعلمونها، أو هي صالحة لأن يعلموها إذ هو لا وجود له إلا على أنه حجر لَا يضر ولا ينفع، والخيال الناشئ هو الذي جعل لهم ذلك التصور الباطل. وإن ذلك أعظم الافتراء على اللَّه وعلى الحقيقة، ولذا قال تعالى مؤكدا القول بالقسم بذاته العلية: (تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كنتُمْ تَفْتَرُونَ) وهذا تهديد شديد، قد أكده سبحانه بالقسم بذاته العلية وبتلك الصيغة القوية، وهي القسم بالتاء، وباللام، وبنون التوكيد الثقيلة، وأنهم مسئولون عن هذا الافتراء. وسمى اللَّه ذلك افتراء وكذبا مقصودا؛ إذ أشركوا، وكذبوا على اللَّه وعلى أنفسهم، وضلوا إذ نذروا لما لَا يعلمون له حقيقة، وضلوا بذلك ضلالا بعيدا. * * * ظلم البنات قال تعالى: (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩) لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ

стр. 5975

بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠) وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢) * * * إن الأوهام إذا كانت هي مصدر علم طائفة من الناس فلا تعجب، والأمثال على ذلك واقعة بين أيدينا في هذا الزمان ومن شأن من تحكمه الأوهام أن يتخيل ثم يظن ثم يتوهم ثم يعتقد، كان العرب يعرفون الملائكة، ويعرفون اللَّه وإنه خالق كل شيء، وأنه المستغاث لكل مستغيث، وأنه الملجا في الشديد ولكن خلطوا بذلك أوهاما كثيرة أفسدت تفكيرهم، فأشركوا الأوثان مع اللَّه تعالى، ومن ذلك أنهم توهموا أن الملائكة إناث لَا ذكور، وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا، وجعلوها بنات اللَّه تعالى، ثم ذهب بهم فرط أوهامهم إلى أن كان منهم من عبدها؛ ولذا قال تعالى:

стр. 5976

(وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ)، أي أنهم جعلوا للَّه البنات - تنزه وتقدس عن ذلك - ولهم ما يشتهون، وهم الذكور، ومعنى يشتهون يختارون راغبين ملحفين في الدعوة حتى كأنهم شهوة يشتهونها؛ لأنهم يرونهم امتدادا لوجودهم، ولأنهم يرون فيهم النصرة في الحرب؛ ولذا كان الرجل يكون في قوة ببنيه ويكون أعز نفرا، ولقد نعى اللَّه تعالى عليهم أن قالوا لله تعالى ولدا، فقال تعالى: (أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢)، وأن ذهب فرط أوصافهم أن يقولوا ولد اللَّه بنات (أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ). ويقول

стр. 5977

سبحانه ردا عليهم: (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢). هكذا تدرج بهم الوهم من زعم أن للَّه ولدا، وإن هذا الولد من الإناث اللائي لَا يرغبن فيهن، ثم استرسل بهم الوهم حتى كان منهم من عبد الملائكة، وهم طائفة من الصابئة كانت تعبد الأرواح. وإن رغبتهم في الذكور ورغبتهم عن الإناث تدفعهم إلى أن تسود وجوههم عند ولادة الأنثى؛ ولذا قال تعالى:

стр. 5978

(وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩) التبشير معناه الإخبار بالأمر السار، أي بالبشارة، وعبر اللَّه تعالى عن ولادة البنت بالتبشير؛ لأنها بشرى بسلامة الأم ولأنها في ذاتها رزق من اللَّه تعالى، ولأنها قلب يكون له فضل حنان وشفقة لذا كان التعبير بـ (بُشِّرَ)، وقد كان يجب أن يُسرَّ لهذه المعاني الكريمة السامية، ولكنه بدل أن يستبشر، بهذه النعمة التي أنعم اللَّه تعالى بها، وهذا الرزق الذي ساقه اللَّه تعالى يكتئب ويحزن؛ ولذا قال تعالى في جواب الفعل الذي هو البشرى: (ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًا وَهُوَ كَظِيمٌ)، أي صار ودام وجهه مسودا، وذلك كناية عن الحزن والكمد والغيظ، فكان حال الوجه المكفهر تشبه بحال الوجه الأسود، للقتامة، فالبؤس يوجد سوادا في القلب. وقال: (وَهُوَ كَظِيمٌ)، أي وهو ممتلئ غيظا، وحزنا وغما، و (كَظِيمٌ) مأخوذ من الكظامة، وهو شد فم القربة، والمهموم الحزين ينطبق فاه فلا يتكلم كمدا، والمشابه حاله بحال الكظامة التي تشد بها القربة، ولكن القربة تسد على الماء وقد يكون قراحا، أما هذا فيشد فمه على أقراح الهم والغم والحزن.

стр. 5979

وإنه يكون على هذا الغم محسا بعار، لخشيته على عرضها، ولخشيته من قهرها وذلها، وهي مهما تكن بضعة منه؛ ولذا قال تعالى:

стр. 5980

(يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ... (٥٩) لَا يلقاهم خزيا وعارًا من سوء ما بشر به، وهنا جمع سبحانه بين السوء والبشرى، فسماه سوءًا بالنسبة له ولقومه، وسميت بشرى بشر بها في حقيقتها، لأنها نعمة، والإخبار بالنعمة بشرى. وتحدثه نفسه في هذه النكبة في زعمه الفاسد، وإدراكه الباطل (أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ)، والضمير في (أَيُمْسِكُهُ) يعود على لفظ (مَا بُشِّرَ بِهِ)، فهو يعود على (ما)، ولذا ذُكِّر الضمير، وإن كان موضوع (ما) هو الأنثى، (عَلَى هُون)، أي على ذل وهوان كهذا المبشر به، والهوان في لغة قريش، وعذاب الهون هو عذاب الهوان والذل، (أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ)، أي يدفنه فيه، وعبر سبحانه بـ (يَدُسُّهُ)، بدل يدفن، لأن الدفن يكون للميت، وهذه على قيد الحياة وهي الموءودة، وكان يفعل ذلك قبائل من مضر ومن كندة وخزاعة وهي غلظة في الأكباد، وحمق في العقول وضلال في الفكر، وكان بجوار هؤلاء الحمقى القساة، فضلاء عقلاء رفقاء، فكانوا إذا علموا برجل يريد أن يوئد ابنته فدوها بالإبل، وقد قالوا: إن صعصعة بن ناجية عم الفرزدق إذا أحس بشيء من ذلك وجه إلى والد البنت إبلا يستحييها، وقد قال الفرزدق مفتخرا بعمَه هذا. وعمِّى الذي منع الوائدات ... وأحيا الوئيد فلم يوده وإن امتهان المرأة ذلك الامتهان لم يكن عند العرب وحدهم، بل كان عند الفرس، وكان عند الرومان، ولم يكن في القانون الروماني أي حماية للمرأة، بل كانت تعد المرأة أمة في بيت أبيها، لو قتلها لَا يسأل لم قتلها، وإذا انتقلت إلى بيت زوجها كانت أمة أيضا، ولو قتلها لَا دية لها، ولا ملام، وقال تعالى: (أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) ألا للتنبيه وساء في فعل التعجب فالمعنى ما أسوأ ما يحكمون لأنه سخط وظلم وفساد في التفكير.

стр. 5981

ولما جاء القرآن كرمها وجعل لهن من الحقوق مثل الذي عليهن من الواجبات، وواجب تأديبها وتعليمها، فقال ﷺ : " من كانت عنده بنت فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها، وأسبغ عليها من نعم الله التي أسبغ عليه كانت له سترا أو حجابا من النار ". وإن سبب ذلك الانحدار في التفكير بالنسبة للأنثى هو الكفر باليوم الآخر، ولذا قال تعالى:

стр. 5982

(لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠) إن الإيمان بالآخرة إيمانا صادقا مذعنا يلقي في النفس الاطمئنان على المستقبل، فلا يكون في لهج وهلع من الناحية المالية؛ لأنه يعرف أن هناك يوما آخر، يعطي فيه من حرم من ملاذ الدنيا وشهواتها، ولا يكون حريصا شحيحا، ولا يكون خائفا من فقر ينزل به ما دام عاملا، وإن أصابه فقر فإلى ميسرة، وأما من لَا يؤمن بالآخرة فإنه في فزع، وخوف وتقتير، ويظن الظنون في قابله غير معتمد على اللَّه تعالى، فهو في الولد، يخشى الفقر فيئد البنت ويفرح بالولد؛ لأنه يكفيه عيشه، والبنت يخشى عليها القهر والذل، وفوات الكفء وغير ذلك. ولذا قال تعالى في حال البشرى بالبنت، وخشية الفقر والعار والقهر لها مشيرا إلى أن سبب ذلك هو عدم الإيمان بالآخرة، فقال تعالى: (لِلَّذِين لَا يُؤْمِنونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ)، أي حال السوء دائما يخشون الفقر والقهر، والجوع كمثل الذين يحددون نسلهم الآن خشية الجوع، واللَّه تعالى يقول: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ. . .)، فمن لَا يؤمن بالآخرة تكون حاله حال سَوْء وخوف، وهمٍّ دائم، وفي مقابل ذلك من يؤمن بالآخرة، فإنه مطمئن إلى ربه، طالبًا رضاءه يفوض أموره للَّه، وهو العزيز الحكيم، ولذا قال تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، وللَّه الحال العليا التي لَا سَوْء

стр. 5983

فيها، ولا خوف من الفقر، والمقابلة بين الذين لَا يؤمنون بالآخرة، وبين اللَّه وهي مقابلة بين كان منهم من الإنسانية في المنزلة الدنيا، واللَّه العلي القدير العزيز الحكيم، وأنى يكون ذلك؟ والجواب عن ذلك: إن المقابلة بين من هم في أدنى الإنسانية، ومن هم في أرقاها من بني الإنسان أيضا؛ لأن اللَّه تعالى يدعوهم إلى أن يكونوا مع اللَّه تعالى. ليؤمنوا بعظمته، ويتوكلوا عليه، فيكونوا في أحسن حال، وأعلى مثل وصورة، لأنهم يكونون مع اللَّه، متوكلون عليه ومتبعون لأوامره، ومجتنبون لنواهيه. وختم سبحانه الآية بقوله تعالى: (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، أي وهو الغالب الحكيم الذي قدر كل شيء تقديرا (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا. . .). وإن اللَّه تعالى يعلم ظلم الناس وظلمهم للنساء؛ ولذا قال تعالت كلماته:

стр. 5984

(وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١) إن اللَّه تعالى هو الرزاق ذو القوة المتين، وهو القادر على كل شيء وهو العليم بما يفعله الناس، ولكنه لَا يؤاخذ الناس على ظلمهم، وقت نزول الظلم، بل يؤخرهم، ولذا قال تعالى: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ). (لو) حرف امتناع لامتناع، أي امتنع عذاب اللَّه تعالى لأنه سبحانه لَا يؤاخذ الناس بظلمهم، وإن الناس منهم من يشركون باللَّه، وإن الشرك لظلم عظيم ومنهم من يقترف الآثام المخزية المفسدة للجماعات، ومنهم من يعتدي، ولا يعد القوي قويا إلا إذا اعتدى كما قال الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سُلْمَى. والظلم من شيم النفوس ... فإن تجد ذا عفة فلعله لا يظلم

стр. 5985

والظلم ماحق للخير، وإن اللَّه إذا آخذ الناس بظلمهم المستمر المتوالي لعمهم بعذاب من عنده، بريح صرصر عاتية، أو يخسف بهم الأرض، أو يجعل عاليها سافلها، أو بأن تجف السماء فلا تمطر، فيكون الجدب ثم الموت، وبذلك يهلك الناس والدواب، ولم يبق على ظهرها غاثية أو راغية، وبذلك يموت الجميع ولا تبقى دابة، وخلاصة المعنى أن اللَّه تعالى لو آخذ الناس لعمهم بعذاب لَا يترك منها دابة تدب على وجه الأرض، فنقمة الظالم تعم ولا تخصه، كما قال تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذينَ ظَلَمُوا مِنكمْ خَاصَّةَ. . .)، والتعبير بالمضارع في قوله تعالى: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ. . .) فيه نفي للمؤاخذة في المستقبل، كما لم يؤاخذ في الماضي، لأن الله عدل لَا يأخذ المطيع بجريمة العاصي، ولا يأخذ العجماء بجريمة الإنسان. (وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى)، حيث يمكن تمييز الظالم من العادل، والمسيء من المطيع، والمسئول من غير المسئول، فإذا جاء أجلهم الموقوت لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، والسين والتاء للطلب، والمعنى ليس لهم أن يطلبوا التأخير والتقديم، بل هو لاحقٌ بهم ما يستقبلهم واللَّه أعلم. وبعد ذلك أشار سبحانه إلى ظلمهم في النساء، وهو ظلم مستمكن في نفوسهم.

стр. 5986

(وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢) ويجعلون ما يكرهونه، أي ما كان غير مرغوب فيه منهم يجعلونه للَّه، فيجعلون للَّه البنات، لأنهن مكروهات عندهم، ويجعلون مما ذرأ من الأنعام والحرث ما يكرهون، ويجعلون لآلهتهم ما يحبون، ويستخفون برسله لأنهم يكرهونهم وفي الجملة كل شيء لَا يهْوَوْنه يجعلونه لِلَّهِ تعالى. (وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ)، أي تقول ألسنتهم الكذب، وعبر عن القول بالوصف لأنهم يصفون الباطل، بأنه حق، فهو قول يتضمن وصفا باطلا، يصفون

стр. 5987

(أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى)، الحال الحسنى التي لَا يعلو عليهم في الحسن شيء في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإنهم قد زين لهم سوء عملهم فرأوه حسنا، وما هو بالحسن، وغرهم الغرور فاستطابوا ما هم عليه من فساد، وحسبوا أنهم بظلمهم الأعلون، وغرهم باللَّه الغرور، وأما في الآخرة فقد قاسوا حالهم في الدنيا على حال في الآخرة، كما قال اللَّه تعالى عن أحدهم: (. . . ولَئِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسنَى. . .). وقد رد اللَّه تعالى قولهم بقوله سبحانه: (لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ)، أي حقا لَا كسب لهم من خير أو حسن (أَنَّ لَهُمُ النَّارَ) يدخلونها، وليس لهم الحسنى ينالون خيراتهم، وأكد سبحانه ذلك فقال: (وَأَنَّهُم مُّفْرَطونَ)، أي مقدمون في النار، كالمفرط إلى الماء أي المقدم، وهذا على قراءة فتح الراء مع تخفيفها، وقرئ بكسر الراء مع التخفيف، ويكون المعنى مفرطين في الظلم والمعاصي، وبذلك استحقوا النيران، وقرئ بكسر الراء مع التشديد ويكون المعنى أنهم مفرطون في طاعة اللَّه تعالى أهملوها، وتركوها فتركهم اللَّه تعالى وصاروا نسيا منسيا. والقراءات الثلاث متواترة، فيصح أن تراد كلها، فهم في مقدمة أهل النار فيردونها كما يرد القوم إلى الماء، وهم مفرطون في المعاصي، ومفرطون في الطاعات، واللَّه من ورائهم محيط. * * * رسالات الله والعظة في خلقه قال اللَّه تعالى: (تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ

стр. 5988

الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤) وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦) وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧) وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩) * * * الكلام مفصول عما قبله باللفظ، وإن كان المقام بيان أحوال الشرك، وكيف يزين للمشركين سوء عملهم، فيرونه حسنا، وهو السوء فقال تعالى:

стр. 5989

(تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣) أكد بالقسم، وباللام وبـ قد، وكان القسم بالباء، لَا بالباء ولمعنى الشدة في مخرجها، كان في القسم بهذه الصيغة تشديدا، و (أَرْسَلْنَا) أضاف الإرسال إليه وليعلم أن الرسالة من اللَّه رب هذا الوجود، والأعلم بما يصلح الناس، وما يخاطبون به، وما يبلغون الرسالة عن طريقهم، وأنهم رجال يأكلون ويشربون ويمشون في الأسواق، ويموتون، كما قال اللَّه تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤).

стр. 5990

وقوله تعالى: (إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ) إلى أمم مختلفة أزمانهم متباينة مشاربهم وأجناسهم، ولكنهم التقوا على أمر جامع بينهم، وهو الشيطان يزين لهم أعمالهم الفاسدة المفرقة لجمعهم، ولذا قال سبحانه: (فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ) و (الفاء) للترتيب والتعقيب، أي أن اللَّه تعالى أرسل إليهم الرسل بالهداية، فكان وراء الرسول الهادي تزيين الشيطان يهدم ما يدعو إليه الرسول يزين في قلوبهم الخبيث فيجعله حسنا في زعمهم، واللَّه تعالى يقرر على لسان رسوله أنه باطل ما يصنعون. وتزيين الشيطان لهم، أنه يأتيهم من قبل أهوائهم وشهواتهم فيزين لهم الشر فيما نهى اللَّه عنه، كما قال جد الأبالسة لأبي الخليقة آدم (. . . مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠). (فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ) الفاء لترتيب ولايته لهم، أي الولاء والمحبة على التزيين، أي أنه إذ زين لهم الشهوات فحسبوها المصلحة والحقيقة الحسنة العقبى صار صاحب الولاية، والولاء والمحبة منهم يسيرهم كما يشاء. والضمير في (وَلِيهُمُ) يصح أن يعود إلى الأمم، أي أن الشيطان بعد هذا التزيين صار صاحب الولاية عليهم، يصرفهم اليوم كما يشاء فأسلموا زمامهم له، وفى ذلك سلوى للنبي ﷺ ، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، ويصح أن يكون الضمير يعود على قريش بقياسهم على من سبقوهم، وتقرير أنهم أولياء الشيطان بهذا التزيين المستمر، ثم ذكر العاقبة، فقال عز من قائل: (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، أي مؤلم إيلاما لَا نعرف له في الدنيا حدودا، وولايتهم على أي حال في الدنيا، وأما في الآخرة فيتبرأ منهم. وقد بين : أنه أنزل الكتاب على محمد ﷺ ليكون جامعا لما سبقه مبينا الحق فيه فقال: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)
следующие страницы →