(وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢)
ويجعلون ما يكرهونه، أي ما كان غير مرغوب فيه منهم يجعلونه للَّه، فيجعلون للَّه البنات، لأنهن مكروهات عندهم، ويجعلون مما ذرأ من الأنعام والحرث ما يكرهون، ويجعلون لآلهتهم ما يحبون، ويستخفون برسله لأنهم يكرهونهم وفي الجملة كل شيء لَا يهْوَوْنه يجعلونه لِلَّهِ تعالى.
(وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ)، أي تقول ألسنتهم الكذب، وعبر عن القول بالوصف لأنهم يصفون الباطل، بأنه حق، فهو قول يتضمن وصفا باطلا، يصفون
стр. 5987
(أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى)، الحال الحسنى التي لَا يعلو عليهم في الحسن شيء في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإنهم قد زين لهم سوء عملهم فرأوه حسنا، وما هو بالحسن، وغرهم الغرور فاستطابوا ما هم عليه من فساد، وحسبوا أنهم بظلمهم الأعلون، وغرهم باللَّه الغرور، وأما في الآخرة فقد قاسوا حالهم في الدنيا على حال في الآخرة، كما قال اللَّه تعالى عن أحدهم: (. . . ولَئِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسنَى. . .).
وقد رد اللَّه تعالى قولهم بقوله سبحانه: (لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ)، أي حقا لَا كسب لهم من خير أو حسن (أَنَّ لَهُمُ النَّارَ) يدخلونها، وليس لهم الحسنى ينالون خيراتهم، وأكد سبحانه ذلك فقال: (وَأَنَّهُم مُّفْرَطونَ)، أي مقدمون في النار، كالمفرط إلى الماء أي المقدم، وهذا على قراءة فتح الراء مع تخفيفها، وقرئ بكسر الراء مع التخفيف، ويكون المعنى مفرطين في الظلم والمعاصي، وبذلك استحقوا النيران، وقرئ بكسر الراء مع التشديد ويكون المعنى أنهم مفرطون في طاعة اللَّه تعالى أهملوها، وتركوها فتركهم اللَّه تعالى وصاروا نسيا منسيا.
والقراءات الثلاث متواترة، فيصح أن تراد كلها، فهم في مقدمة أهل النار فيردونها كما يرد القوم إلى الماء، وهم مفرطون في المعاصي، ومفرطون في الطاعات، واللَّه من ورائهم محيط.
* * *
رسالات الله والعظة في خلقه
قال اللَّه تعالى:
(تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ
(تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)
أكد بالقسم، وباللام وبـ قد، وكان القسم بالباء، لَا بالباء ولمعنى الشدة في مخرجها، كان في القسم بهذه الصيغة تشديدا، و (أَرْسَلْنَا) أضاف الإرسال إليه وليعلم أن الرسالة من اللَّه رب هذا الوجود، والأعلم بما يصلح الناس، وما يخاطبون به، وما يبلغون الرسالة عن طريقهم، وأنهم رجال يأكلون ويشربون ويمشون في الأسواق، ويموتون، كما قال اللَّه تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤).
стр. 5990
وقوله تعالى: (إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ) إلى أمم مختلفة أزمانهم متباينة مشاربهم وأجناسهم، ولكنهم التقوا على أمر جامع بينهم، وهو الشيطان يزين لهم أعمالهم الفاسدة المفرقة لجمعهم، ولذا قال سبحانه: (فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ) و (الفاء) للترتيب والتعقيب، أي أن اللَّه تعالى أرسل إليهم الرسل بالهداية، فكان وراء الرسول الهادي تزيين الشيطان يهدم ما يدعو إليه الرسول يزين في قلوبهم الخبيث فيجعله حسنا في زعمهم، واللَّه تعالى يقرر على لسان رسوله أنه باطل ما يصنعون.
وتزيين الشيطان لهم، أنه يأتيهم من قبل أهوائهم وشهواتهم فيزين لهم الشر فيما نهى اللَّه عنه، كما قال جد الأبالسة لأبي الخليقة آدم (. . . مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠).
(فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ) الفاء لترتيب ولايته لهم، أي الولاء والمحبة على التزيين، أي أنه إذ زين لهم الشهوات فحسبوها المصلحة والحقيقة الحسنة العقبى صار صاحب الولاية، والولاء والمحبة منهم يسيرهم كما يشاء.
والضمير في (وَلِيهُمُ) يصح أن يعود إلى الأمم، أي أن الشيطان بعد هذا التزيين صار صاحب الولاية عليهم، يصرفهم اليوم كما يشاء فأسلموا زمامهم له، وفى ذلك سلوى للنبي ﷺ ، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، ويصح أن يكون الضمير يعود على قريش بقياسهم على من سبقوهم، وتقرير أنهم أولياء الشيطان بهذا التزيين المستمر، ثم ذكر العاقبة، فقال عز من قائل: (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، أي مؤلم إيلاما لَا نعرف له في الدنيا حدودا، وولايتهم على أي حال في الدنيا، وأما في الآخرة فيتبرأ منهم.
وقد بين : أنه أنزل الكتاب على محمد ﷺ ليكون جامعا لما سبقه مبينا الحق فيه فقال:
(وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)
стр. 5991
ولقد بين أن الكتاب مهيمن على الكتب قبله، وحاكم على الناس فيما اختلفوا فيه، وما يختلفون إلى يوم القيامة، فإن رجعوا إليه اهدوا إلى الحق، وإلا فهم في ضلال بعيد.
قال سبحانه: (وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ) فقد اختلفوا في البعث، وقالوا: عيسى ابن اللَّه، وقالوا: عزير ابن اللَّه، وحرفوا في الرسالات، وبدلوا وغيروا، وأحل اليهود الربا، وقد حرم عليهم وأكلوا السحت والرشا، فكان لَا بد من مرجع يرجع إليه في معرفة الحق فيما اختلفوا فيه، فكان محمد الذي نزل القرآن عليه هو المبين، وأسند البيان إلى النبي ﷺ مع أن المبين هو القرآن وذلك لسببين:
السبب الأول: بيان أن النبي ﷺ هو من القرآن،) وإن القرآن نزل من عند اللَّه تعالى عليه.
والسبب الثاني: أن القرآن يحتاج إلى مبلغ يبلغ حقائقه، ويعلم الناس به، يبين مجمله، ويخص عمومه، ذلك المبلغ هو النبي ﷺ ولذا أضيف التبين إليه ﷺ ، وهو تكليف كلفه. وقوله تعالى: (وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْم يُؤْمِنُونَ) هنا أمران في القرآن غير الأمر الأول، وهو أن فيه بيانًا للشرائع السائغة، وما اختلفوا فيه حولها، فهو شاهد على الكتب السابقة، ومبين الحقائق في الرسالات الإلهية، وحكم عليها، لأنه آخر لبنة في صرح النبوة، وهو كمال الرسالات كلها.
وهو أيضا هدى ورحمة - ففيه الهداية من الضلال في متاهات الأوهام، فيه التوحيد، وقد زينت الأوهام الشرك، وفيه تحريم ما لم يحله اللَّه، وإحلال الحلال وتبيين الحرام، فهو الهادي المرشد، كما قال الحق: (. . . إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢).
стр. 5992
وفيه الرحمة، وهي شريعته المحكمة، فهي رحمة للناس، وهي الشفاء لأدوائهم والرحمة بالمهديين منهم؛ ولذا قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)، ففيها الرحمة بالمجتمع، وفي عقوباتها الزاجرة رحمة بالكافة ووصفه سبحانه بأنه هدى كأنه ذاته هداية ورحمة لفرط ما فيه من هداية ورحمة.
وهنا أمران بيانيان يشير إليهما سبحانه:
الأمر الأول - أن قوله تعالى: (وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ. . .) فيه نفي وإثبات، وهو يفيد الحصر، أي ما أنزلنا عليك الكتاب إلا لبيان ما جاء به من رسالات للأمم، ولما فيه من هدى ورحمة، وشريعة محكمة صالحة، وفيه إشارة إلى أن هذا الكتاب خاتم الرسالات.
الأمر الثاني - أنه ذكر الكتاب معرفا بأل الدالة على كماله، وإنه الكتاب الجدير بأن يسمى كتابًا وحده، وقد بين سبحانه أن هدايته ورحمته لمن يؤمن به ويذل ويذعن لحقائقه، وينفذ أحكامه بحذافيرها لَا يغادر منها صغيرة ولا كبيرة إلا نفذها لأنه خير كله، واللَّه أعلم.
بعد أن بين سبحانه ما يحيي النفوس أخذ يذكر سبحانه ما منَّ به على خلقه مما يحيي الأجسام:
стр. 5993
(وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥)
ابتدأ سبحانه بما يحيي النفوس، وكان ذلك بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين رحمة من عنده، وأنزل الكتاب الكريم الذي هو حكم ومهيمن على كل ما أنزل قبله من كتب، وما كان من الناس راشدين أو ضالين، وكيف كان ضلالهم، وكان ابتداؤه سبحانه بما يحيي النفوس التي كانت ميتة من غير هداية، واتباع للنبيين كقوله تعالى: (أَوَ مَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ. . .)
стр. 5994
لأن حياة الروح أزكى وأغلى، وهي التي تليق بالإنسان، وبغيرها يكون سدى، والجسم يشترك فيه مع البهائم التي هي مسخرة لخدمة الإنسان في هذه الأرض كما خلقها سبحانه.
(وَاللَّهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً) المراد ما علا، وأنزل الله السماء من أعلى حيث تتكون السحب الثقال حاملة الماء عذبا فراتا في بخار يتكاثف، ويصير ماء ينزل مطرا مدرارا، ويكون غيثا، كما قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣).
ينزل اللَّه سبحانه الماء فينبت الزرع، ويسقى به الشجر، ويكون منه الثمر، فمن الماء كل شيء حي، وقال تعالى: (وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) الإحياء بإنبات الزرع فيكسوها بخضرة ناضرة يجعلها ذات منظر بهيج تزيد به، كأنه حلية لحسناء، وتبسق به الباسقات من الأشجار تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.
وسمى اللَّه تعالى الأرض من غير نبات بالميتة تشبيها للأرض القفر الجرداء بالميتة؛ لأنه ليس على ظهرها حياة، وجعل الماء سببا لإحيائها، كما قال تعالى: (. . . وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ).
إن إنزال المطر الذي فيه الحياة لآيات لقوم يسمعون الحق ويتبعونه، ويؤمنون به، وكان ظاهر السياق أن تكون هذه لقوم ينظرون، ولكنه عدل إلى السماع فقال عز من قائل: (لِّقَوْمِ يَسْمَعُونَ) للإشارة إن النظر لَا يبصر المعاني إذا لم يكن قد سمع الحق، وأذعن له، وكذلك العقل لَا يفكر إذا لم تكن هداية من السماء له، فلا يعتبر بنعم اللَّه تعالى إلا من سمع الحق وآمن به وأذعن له، وإلا فهي غاشية لا يبصر ولا يدرك، إن هو إلا كالأنعام أو أضل سبيلا.
стр. 5995
وقد أخذ يقص اللَّه تعالى نعمة الأنعام التي تجيء من إحياء الأرض بالزرع والغراس التي تغرس من أشجار وفاكهة فقال تعالى:
стр. 5996
(وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)
(وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً)، الأنعام جمع نعم أو اسم جنس للنعم على كلام سيبويه، والنعم هي الإبل والبقر والغنم، ويشبهها طائفة لها خواصها، وطهارة لحمها وأكله مثل الغزال، وذوات القرون وغيرها من الأنواع التي تشابه بها في الخلق والتكوين والأكل والمرعى، والذي كان معروفًا فى الدواجن عند العرب الإبل والبقر والغنم، وهي التي وجبت فيها الزكاة ابتداء، وثبتت في غيرها إذا أمكن اقتناؤها للنماء، وصارت ذات نتاج يكون نماء لها، فالزكاة سببها أو وعاؤها مال نامٍ.
والعبرة التي ذكرها القرآن الكريم في خلق النعم من نواحٍ كثيرة، فهي في خلقها وجمالها حين تريحون وحين تسرحون، وفي تذليلها للإنسان وإلفها له لتذل له وتخضع وتستكين فبها يحرث الحرث وعليها يحمل أثقلاء ومن أرواثها يكون السماد الصالح، ومنها يتخذ الدفء والغطاء ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها يتخذ متاعا إلى حين.
وهكذا تتكاثر أوجه الانتفاع وكل ذلك بتسخير اللَّه تعالى لمن أراد أن يعتبر ويؤمن بنعم اللَّه تعالى ويشكرها كما أنعم، وقد ذكر بعض العبرة في الخلق والتكوين، وفيما يكون منها من لبن سائغ للشاربين، فقال عز من قائل: (نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ).
(نُسْقِيكُمْ) تقرأ بالضم وفعلها أسقى وهي لغة جاءت في قوله تعالى:
(وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا)، وهناك قراءة بالفتح وفعلها سقى، وهي تستعمل بمعنى أسقينا، وبمعنى أسقى من البئر، كقوله تعالى:
стр. 5997
(فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤).
وقوله: (نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَم لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ).
الضمير في (بُطُونِهِ) يعود إلى النعم، أو بعض هذه النعم، وهو الإناث منها، وفي عودته لبعضها لَا بد من مسوغ يدل عليه، فنقول: إن (من) الأولى تدل على التبعيض فهي تشير إلى أن الضمير يعود على بعض، وإن ذلك وإن كان جائزا هو بعيد في السياق، والأقرب منه أن يعود إلى الأنعام، والأنعام لفظ مفرد عند سيبويه، فصح أن يعود بلفظ المفرد المذكر، وذلك معقول، لأن الأنعام على فرض أنها جمع هي جمع النعم، ونعم اسم جنس يدل على الكثير، ولكن لفظه مفرد فصح أن تكون الأنعام بمعنى نعم، ولكن ورد مثل هذه الآية الضمير بلفظ المؤنث كما قال تعالى: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١).
وقوله تعالى: (مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ)، و (مِن) للابتداء، أي تكون بين فرث ودم، والفرث فضلات الطعام، وقد قال ابن عباس: إن الدابة كل العلف فإذا استقر في كرشها طبخته، فكان أسفله فرثا، وأوسطه لبنا وأعلاه دما، وهذا معناه أنه في الوسط بينهما اللبن، وقد يكون ذلك التفسير من الناحية العلمية مقربا، ذلك أن أكل البهائم يهضم، ثم يتمثل جزء منه في الدم، وجزء ينزل لبنا درا.
وقد وصف اللبن بوصفين:
الوصف الأول - أنه خالص ليس فيه اعتكار بدم، ولا بقية من روث، بل هو صاف نقي لَا عكرة فيه.
والوصف الثاني - أنه سائغ للشاربين، أي يستسيغونه ولا يمجُّونه، وفيه إشارة إلى أنه طعام سهل سريع الهضم والتمثيل وكل طعام تقبله معدات بعض
стр. 5998
الأشخاص، وتعافه الأخرى، إلا اللبن، فإنه سائغ للجميع، واللَّه ولي النعم، والمستحق وحده لشكرها.
وقد ذكر سبحانه نعمة أخرى للماء ينزل على الأرض فقال:
стр. 5999
(وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧)
فذكر أن المطر ينزل فيكون الزرع ويكون العشب الكثير ومن هذا العشب يأكل الغنم، وفيها أن اللَّه تعالى يسقينا من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين.
وقد بين بعد ذلك الثمرات التي تؤخذ من الأشجار فقال عز من قائل:
(وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ والأَعْنَابِ) هنا كلام محذوف تقديره يتخذون ما تتخذون مما يسخر لكم منها فتأخذون ثمرات طيبات وأكلها حلو دائم، وأنكم تتخذُونَ مِنهُ سَكَرًا، أي شيئا مُسكِرًا، والمسكر مبغض إلى أهل الإيمان، وهي تدل على أن الخمر مشروب غير مباح، وإذا كان قد ترك زمانا فهو في هذه الأزمان كان محل عفو، حتى جاء التحريم القاطع الذي لَا ريب فيه في آية سورة المائدة، كما بينا ذلك في موضعه.
وإن السكر مقابل بالرزق الحسن فيكون السكر رزقا غير حسن، وإذا كانت هذه السورة مكية فإن معنى مجيء هذا الكلام في سورة مكية يدل على أن القرآن الكريم ومحمد ﷺ لم ينظر إلى الخمر نظرة رضا، أو نظرة غير كارهة بل نظرته لها نظرة كارهة من أول مجيء الإسلام إلى أن بين اللَّه فيها بيانا شافيا بالتحريم القاطع.
ويلاحظ أن اللَّه تعالى ذكر النخيل والأعناب في هذه الآية ولم يذكر غيرهما لأنهما كانا الكثير عند العرب، وهناك نعم أخرى كثيرة في أغراس كثيرة، كالرمان والتفاح، وغيرهما من الأغراس التي يتخذ منها سكرًا ورزقًا حسنًا. وقد قال
стр. 6000
تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً)، أي في هذا الذي ذكره اللَّه تعالى لآية دالة على قدرة الخالق (لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)، أي يُعمِلون عقولهم، وذكر الفعل في نهاية الآية التي جاء فيها السكر، إيماء إلى ما يفعله السكر في العقول.
стр. 6001
(وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨)
الحيوانات كلها تسير بإلهام اللَّه تعالى، فأم الحيوان ترضع وليدها، وتحنو عليه وترعاه بفطرتها، وكأنها أم مثل أمهات بني آدم تدفئه وتقيه الحر والبرد.
وإن ذلك الإلهام يصح أن يسمى وحيا؛ لأنه إلهام من اللَّه تعالى، ولذلك قال تعالى: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ).
واختص النحل بتسمية إلهامها وحيا، لأنها ألهمت نظاما محكما دقيقا يعجز عنه بعض العقلاء، فهي ألهمت أن يكون لها رئيس وهو يسوسها وهو ينصف بينها ويحكم بالعدل، وينفي القذى حتى إنه لو رميت على إحداها نجاسة قتلها تطهيرًا للجماعة، وأن تعيش طهورا، وإذا ظهر فيها رئيس قاتل الأصيل ذلك الرئيس ونصروه عليه، وإنها لتبني بنيانها بإحكام فتجعله على شكل مسدسات لكي يكون البناء محكما، ولكي يكون كل فراغ مسدود، وتجتمع جموع النحل، تذهب مجتمعة في غدوها ورواحها وفي غذائها وفي ريها حتى إنها تكون ذات منظر بديع يدل على إحكام الاتحاد بحيث لَا تنأى عن الجمع واحدة، وهي تراقب نفسها بحيث إذا هلكت إحداها أخرجته، وكأنها تدفعها خارج الأحياء، وهكذا، وفي طبعه النظافة فرجيع النحل يخرجونه خارج الخلية، ويقول الغزالي في الإحياء " لا يأكل من العسل إلا مقدار شبعه، وإذا قل العسل في الخلية قذفه بالماء ليكثر، خوفا على نفسه من نفاده، وإذا نفد النحل أفسد بيوت الملكات، وبيوت الذكور، وربما قتلت ما كان منها هناك ".
ولهذا التنظيم العجيب الذي يعجز عن بعضه أصحاب العقول، قال اللَّه
стр. 6002
تعالى بالنسبة للنحل، (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) وأضاف الإيحاء إلى الرب سبحانه، لأن ذلك الوحي فيه فائدة للإنسان، وهو من مقتضى الربوبية، ومن النعم التي أنعم اللَّه تعالى بها على عباده فيما تخرجه من بطونها من شفاء للناس.
(أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ)، (أَن) تفسيرية، وما بعدها تفسير لما قبلها، فالوحي هو أمر الله تعالى لها أن تتخذ من الجبال بيوتا تعيش في كهوفها، وتبيض بيضها فيها، (وَمِنَ الشَّجَرِ)، أي تأخذ من فروع الأشجار بيوتا تصنع فيها ما يصنعه صاحب البيت فيه، (وَمِمَّا يَعْرِشُونَ)، أي مما يعرشون على سقوفهم، ومما يعرشونه لها من خلايا.
و (مِنَ) للتبعيض، أي يتخذون بعض الجبال وبعض الشجر وبعض مما يعرشون، وما يخصص لها من خلايا يكون كله لها بهذا التخصيص، ثم قال تعالى:
стр. 6003
(ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)
عطف بـ (ثُمَّ) للتراخي بين اتخاذ البيوت من الجبال والأشجار ومما يعرشون، وذلك إشارة إلى أنها تبذل في البيوت نظاما محكما دقيقا مما يأخذ وقتا طويلا، والله تعالى يأمرها بمقتضى الفطرة التي فطرها تعالى: (ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ) فلا تفرق بين الزهور فكلها طعام لها، فتأخذ من نوار كل زهرة، لَا فرق بين زهر مر، وزهر حلو، وتأخذ من كل الثمرات تأخذ البنفسج والبرتقال والخوخ، والقطن ثم ينساغ في بطنها، ثم تخرجه بعد ذلك عسلا حلوا، مشتبه طعمه ويختلف لونه، ويكون لونه على حسب المرعى، فلون البنفسج يبدو إذا كان غذاؤه من البنفسج، ورائحته تكون مثله، ولون البرتقال إذا كان كذلك، وقال تعالى: (فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا) وهي حال من السبل، أي أن طرائق الله التي ألهمك إياها مذللة سهلة غير مجهولة تغدو من هذه السبل، وتروح منها غير مجهولة لها، ولو ذهبت في طلب الرزق إلى آماد بعيدة.
стр. 6004
وهذا كله على أن (ذُلُلًا) حال من السبل، ويصح أن تكون حالا من ضمير (فَاسْلُكِي) فيكون حالا من النحل، والمعنى اسلكي سبل ربك حال كونك مذللة لما خلقك اللَّه تعالى وهو أن تأخذي الثمرات وقد تمكنت منها ومن الطريق إليها، مسخرة لما خلقك اللَّه تعالى له سبحانه.
ويقول سبحانه: (يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مخْتَلِفٌ أَلْوَانهُ) فما بين أبيض وأصفر وبنفسجي ووردي، وذلك على حسب الغذاء الذي يتغذى به النحل، وعلى حسب سن النحلة التي تخرجه.
وقد قالوا: إن العسل تمجه لعابا، ولا يخرج من بطنها، والجواب عن ذلك أنه ينساغ في بطونها عسلا ثم تمجه لعابا، وهو يتكون أولا في البطن، ومع اختلاف ألوانه ورائحته يجتمع فيه وصف الحلاوة له.
وقال تعالى: (فِيهِ شِفَاءٌ للنَّاسِ) والتنكير هنا للتعظيم، أي فيه شفاء عظيم للناس، ولقد قال بعض العلماء إن فيه شفاء عاما، لأن التنكير للتعظيم لأن فيه شفاء لكل الأسقام، وعن ابن عمر أنه لَا يشكو قرحة إلا جعل عليه عسلا، حتى الدمل إذا خرج عليه طلى عليه عسلا.
وحكى عن بعض التابعين أنه كان يكتحل بالعسل ويتداوى بالعسل في كل مرض.
وإن النص القرآني يدل على أن فيه شفاء عظيما، ولكن لَا يدل على أنه تعالى يشفى به كل الأمراض، وحسبه أن يكون فيه شفاء عظيم، وكان النبي ﷺ يداوي به أمراض البطن، روى البخاري ومسلم أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إن أخي استطلق بطنه، فقال ﷺ : " اسقه عسلًا "، فذهب فسقاه عسلا ثم جاء فقال: يا رسول اللَّه سقيته عسلا فما زاده إلا استطلاقا، قال: " اذهب فاسقه عسلًا " ثم جاء فقال: يا رسول اللَّه ما زاده إلا استطلاقا، فقال رسول اللَّه ﷺ : " صدق الله وكذب بطن أخيك، اذهب فاسقه عسلًا فبرأ (١).
стр. 6005
ويقول ابن كثير في التعليق على هذا الحديث:
قال بعض علماء الطب: كان هذا الرجل عنده فضلات فلما سقاه عسلا وهو حار تحللت فأسرعت في الاندفاع فزاده إسهلاء فاعتقد الأعرابي أنه يضره، وهو مصلحة لأخيه، ثم سقاه فازداد التحليل والدفع ثم سقاه فكذلك فلما اندفعت الفضلات الفاسدة استمسك بطنه وصلح مزاجه.
وختم الله الآية بقوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلكَ لآيَةً لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، أي أن في خلق النحل وإلهامه وتدبيره وخروج العسلَ المصفى من بطونه لآية دالة على قدرة اللَّه وعظيم خلقه لقوم يتفكرون ويتدبرون في آياته وما تدل عليه، واللَّه أعلم.
* * *
أطوار الإنسان وأحواله
قال تعالى:
(وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠) وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)
* * *
стр. 6006
هذا بيان للأدوار التي يمر بها الإنسان وهي تدل على عظم قدرة اللَّه فيه، وفيها بيان واضح إلى قدرته على الإنشاء والإدبار وقدرته على الإخفاء، وتحلل جسم الإنسان شيئا فشيئا حتى يكون الموت، وفي ذلك إيماء إلى قدرته سبحانه على الإعادة (. . . كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ).
قال تعالى:
стр. 6007
(وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَاكُمْ)، خلقكم أي أنشأكم من العدم، وجعل من الطين إنسانا في الخلق وفي عبارة (خَلَقَكُمْ) إشارة إلى إنشائه جنينا في بطن أمه من علقة فمضغة مخلقة وغير مخلقة، كما قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥).
وإن هذا الخلق بعده الوفاة يعيش ما يعيش إن طويلا، وإن قصيرا والمآل الوفاة؛ ولذا قال تعالى: (ثُمَّ يتَوَفَاكُمْ)، (ثُمَّ) هنا للتفاوت بين الموت والحياة، ومنكم من يموت في صباه أو في شبابه أو كهولته، (وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ)، ومعنى الرد إلى أرذل العمر أن يرجع منكوسًا إلى ابتدائه، فهو في أرذل العمر يسير في السن إلى الأمام، ولكن في القوى يرد إلى الوراء فقواه تضعف، وتفنى بعض أجزاء جسمه شيئا فشيئا، كأنه من قبل الهرم كانت قواه تسير إلى الأمام حتى تقف، فإذا أرذل العمر أي أخسَّه وأعدم حمده يرجع إلى الصبا الذي لا يعلم شيئا.
قال تعالى: (لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا)، أي لتصير حاله ألا يعلم، بل ينسى، وأن يكون كل ما يعلمه من جديد مآله النسيان، فلا يزداد علمه، بعد أن كان عالما شيئا، وقد لوحظ أن الذين يصيبهم أرذل العمر ينسون ما كسبوه من علم بعد الشيخوخة ولا ينسون ما كان لهم من حوادث قبل ذلك، فهم يتكلمون عن الماضي ولا يتذكرون ما كان من حوادث بعد أن تصيبهم الشيخوخة، ونلاحظ هنا أمرين:
стр. 6008
الأمر الأول - أن أرذل العمر يختلف باختلاف الناس، فمنهم من يصيبه الهرم مبكرًا، ومنهم من لَا يصيبه إلا مؤخرا.
الأمر الثاني - أن بعضهم يصيبه خرف الشيخوخة، والصادقون المؤمنون لا يصيبهم خرف الشيخوخة، وإن كانوا ينسون، ومهما يكن فإن الموت قبل بلوغ أرذل العمر أفضل، ولقد كان النبي ﷺ يدعو ربه ألا يرد إلى أرذل العمر، فقد روي عنه ﷺ أنه كان يدعو " أعوذ بك من البخل والكسل وأرذل العمر " (١)، وإن ذلك كله بتقدير اللَّه تعالى وعلمه، ولذا قال بعد ذلك: (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) إن اللَّه بمقتضى علمه قدر كل شيء ونفذه، وهو القادر العليم.
وإن اللَّه تعالى لم يجعل الناس على سواء في الغنى والفقر فقال تعالى:
стр. 6009
(وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١) هذه بيان حال الإنسان من الغنى والفقر، والسعة في الرزق، ومن قدر عليه رزقه، وفيه تهيأ الأسباب ليكسب رزقا وفيرا وخيرا عميما فقال: (وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ) يسير الأسباب فمنكم من سلك السبيل فنال مالا، ومنكم من لم يكن له سبيل إلى مال فكان فقيرا، (فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ)، أي فما الذين أوتوا سعة في المال ومالا كثيرا وخيرا عميما بِرَادِّي رِزْقِهِمْ أي بجعلهم رزقهم عائدا على ما ملكت أيمانهم من الإماء والعبيد، ليكونوا هم وعبيدهم في المال على سواء فيكون المال لهم جميعا ويكونون فيه سواء.
يقول الزمخشري: إن هذا ما ينبغي، فالآية تدل على ما ينبغي أي يجب أن تكون النعمة التي ينالونها في الرزق تكون ثمرتها عامة بينهم وبين ضعفائهم فلا
стр. 6010
يرفلون في النعيم، والضعفاء في الشقاء المقيم، يروى أن أبا ذر الغفارى عندما سمع قول النبي ﷺ بالنسبة للعبيد: " أطعموهم مما تطعمون واكسوهم مما تكسون "، كان لَا يلبس رداء إلا ألبس عبده مثله، ولا يلبس إزارًا إلا ألبسه مثله (١) وقوله تعالى: (أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) الفاء مؤخرة عن تقديم أفبنعمة اللَّه يجحدون ويكفرون، فلا يشكروها فيصروفها في مصارفها، ويضنوا بها عن مواطنها.
هذا هو ظاهر الآية، وقد قال بعض المفسرين: إن المعنى أنكم لَا تسوون ما ملكت أيمانكم في الرزق الذي يرزقكم اللَّه تعالى إياه فكيف عبيد اللَّه والمخلوقات التي خلقها اللَّه تعالى في العبادة، إنكم تجحدون بهذا ويقولون: إن هذا مَثلٌ ضربه اللَّه تعالى (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ. . .)، وهذا تفسير ابن عباس.
وكان هناك تخريج ثالث، وهو أن المعنى أن الله رازق الناس جميعا غنيهم وفقيرهم فلا يحسب الموالي أنهم يرزقون، وأنا أرى أن الواضح البين هو الأول، وهو المتسق مع نظام الغنى والفقر، ويروى أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى أبي موسى الأشعري: إن الرحمن فضل بعض الناس في الرزق، بلاء يبتلى به كلا فيبتلى من بسط له كيف شكره، وأداؤه في الحق الذي افترض عليه فيما رزقه وحوله.
وقد بين الله تعالى عمارة الأرض بالوجود الإنساني، فقال سبحانه:
стр. 6011
هذا بيان الخلق والتناسل، وأنه من الزوجين، وأن اللَّه جعل الزوج من الزوج، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)، وقوله تعالى: (جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفسِكُمْ)، أي خلق لكم من ذات أنفسكم أزواجا، فتضمنت معنى الخلق، وصيرورتها زوجا، كما في قوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا. . .).
وإن هذه الآية وما يماثلها من الآيات تدل على أن الزوجة خلقت من ذات الزوج ونفسه، وأنهما أصل الوجود الإنساني وأن عمران الأرض ابتدأ بالأسرة، والأسرة هي وحدة الجماعة الإنسانية، واللبنة الأولى في بنانه، وقد ابتدأ بالأسرة ومنها تتوالد الأسر فقال سبحانه: (وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً)، والحفدة جمع حافد ككتبة جمع كاتب، والحافد هو المسرع في الطاعة والخدمة ومنه قول القانت في قنوته: " وإليك نسعى ونحفد "، والحفدة تشمل أولاد الأبناء وأولاد البنات.
والكلام في الذرية الذين يتوالدون من الزوجين، وحكى الزمخشري قولا غريبا فقد جاء فيه " وقيل وجعل لكم الغنى وجعل لكم حفدة، أي خدما يحفدون في مصالحكم ويعينونكم " وهو قول غريب بعيد عن معنى الآية، لأن الآية في بيان التوالد الإنساني منِ الزوجين والبنين والأحفاد كقوله فيما تلونا (. . . وَبَثَّ مِنْهُمَا مَا رِجَالًا كثِيرًا وَنِسَاءَ. . .)، فما مناسبته الخدمة وهم أناسي كسائر الأناسي، ولا يكون نعمة على الجميع أن يكون بعضهم خدما؟!.
وإنه سبحانه وقد عمر الكون الإنساني بهذا التناسل الذي باركه رب العالمين فلم يخرجهم إلى الوجود غير مرزوقين محرومين، بل خلق معهم أرزاقهم، (وَرَزَقَكم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ)، و (مِّنَ) هنا بيانية، والمعنى رزقكم الطيبات، والطيبات
стр. 6012
هي الأطعمة والزِينة واللبس، والكسب الحلال، كما قال تعالى: (قلْ مَنْ حرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَج لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ. . .)، والطيبات هي غير الخبائث، وهي الأمور المقززة التي تعافها النفس كالميتة والدم ولحم الخنزير، كما قال الله تعالى في وصف النبي الأُميّ في بشارة التوراة والإنجيل به: (. . . الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتوبًا عِندَهُمْ فِي التَوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ. . .).
ومع أنه أنعم عليهم بنعمة الوجود ونعمة التوالد وأكرمهم بالرزق الطيب الحلال، كما قال تعالى: (وَمَا مِن دَابَّة فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا. . .).
مع كل هذا أشركوا باللَّه، واتبعوا الباطل وكفروا بالحق، فقال تعالى:
(. . . أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ)، الفاء للإفصاح عن شرط مقدر وتقديم (بالباطل) على الفعل للإشارة إلى أنهم لَا يؤمنون إلا بالباطل، ولا يؤمنون بحق قط، وبنعمة اللَّه نعمة الإيجاد والرزق يكفرون ولا يشكرون، وأكد سبحانه كفرهم بالنعمة بتقديم النعمة على الفعل، وبالضمير (هُمْ) والجملة الاسمية. قال تعالى في توضيح باطلهم:
стр. 6013
(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣)
هذا باطلهم وهو أوضح باطل آمنوا به يعبدون غير اللَّه من دونه وهو إشارة إلى مقام معبودهم من اللَّه تعالى ما لا يملك لهم رزقا في السماوات والأرض فلا يملك في السماء مطرًا يحيي به الأرض بعد موتها، ولا في الأرض نباتًا يأكل منه الإنسان والحيوان، ولا النعم الذي تكون في الأرض، ولا الثمرات التي تثمرها الغراس والأشجار، (وَلا يَسْتَطِيعُونَ)، أي لا تستطيع تلك المعبودات المزعومة أن تأتي بشيء من هذا، ولكنه ضلال العقل والوهم الذي يسيطر، وأعيد الضمير لمن يعقل تهكما بهم وعلى زعمهم، إذ يعبدونهم.
стр. 6014
و (شَيْئًا) مفعول مطلق، أي أي رزق كان ولو رزقا قليلا، لأنه حجر لا يقدر على شيء وليس فيه حياة فكيف يعبده حي؟! ويصح أن يكون في معنى الصفة لرزق، أي لَا يملكون في السماوات والأرض شيئا أي: أي قدرٍ كان.
وأنهم إذ يعبدون ما لَا يملك رزقا في السماوات والأرض ولا في شيء، يشبهونهم باللَّه ، ويجعلونهم مثله ﵎ عن الشبيه والمثيل، ولذا قال تعالى:
стр. 6015
(فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤) الأمثال جمع مثل أو مثل، ضرب بمعنى بين وجعل والمعنى فلا تبينوا وتجعلوا للَّه تعالى الأمثال، وهي الأنداد والأشباه والنظائر في زعمكم، فاللَّه أعلى وأعظم وأنتم لَا تعلمون مكانه بل أنتم جاهلون في ذات أنفسكم؛ ولذا قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَعْلمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، أي واللَّه تعالى يعلم حالكم، وأوهامكم، وما يجيش في صدوركم، وأنتم لَا تعلمون مغبة زعمكم وإشراككم، وهو العذاب الأليم.
* * *
ضرب الأمثال الصادقة
قال اللَّه تعالى:
(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)
стр. 6016
وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧) وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨) أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩)
* * *
بعد أن نهاهم عن ضرب الأمثال التي شيدوا فيها الأحجار التي كانوا يعبدونها أخذ يبين لهم الأمثال التي تصور الحقيقة وتهدى إليها، فقال تعالت كلماته:
стр. 6017
(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥)
العبد هو الفتى الملوك، وذكر وصف مملوك ليتميز عن الحر، الذي لَا مالك له، وكان التمييز ضروريا؛ لأن الجميع مملوك للَّه تعالى، يستوي في المالك، ومن يملكه من الرقيق، ومعنى (لَا يَقْدِرُ علَى شيْءٍ)، أي لَا يقدر على التصرف في شيء من الأشياء وفي ذلك بيان لأنه مقيد، قد وجد غل الرق في رقبته، وأثقله، فهو لا يقدر على شيء مادي، ولم تكن له إنابة من مالكه أو عقد مكاتبة، يستطيع به التصرف ليطلق نفسه، بل هو قن مقيد بالرق، ومقيد بأنه لَا سلطان له في التصرف، أي فيه العجز المطلق ".
(وَمَن رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا)، (من) هنا نكرة تدل على ما هو في مقابل المملوك، وهو إلى المالك لكل تصرفاته التي يقدر على كل شيء، ومع هذه القدرِة التي ثبتت له بمقتضى الحرية رزقه اللَّه تعالى رزقا حسنا؛ ولذا قال تعالى: (وَمن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا) والحسن هنا معناه الطيب في ذاته، في خبيثا في سببه فسببه طيب حلال لَا حرام فيه ولا شبهة حرام، وإضافته إليه لبيان أنه جاء إليه سهلا ميسرا من غير جهد، وإن كان حلالا، ولبيان أن كل الأرزاق من اللَّه وليست الأسباب مؤثرة بإيجاد الرزق إنما هي أسباب جعلية وليست بأسباب
стр. 6018
حقيقية لأن كل شيء بيد اللَّه ، فليس سبب الزرع والسقي والرعي والبذر وحدهما، بل السبب الأكبر هو رزق اللَّه العليم القدير، (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ).
وقد جعل اللَّه تعالى الخير الذي يجيء من الرزق الحسن، فقال تعالى:
(فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا)، (الفاء) لترتيب ما بعدها على ما قبلها، الإنفاق هو صرف المال في مصارفه التي لَا يكون الصرف فيه إسرافا، وأطلق في القرآن على الصرف في سبيل الخير، فإذا أطلقت كلمة الإنفاق لَا يكون إلا في الصدقات إلا إذا عنى الموضوع غيرها، مثل قوله تعالى: (لِيُنفِقْ ذُو سَعَة مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ. . .)، فالإنفاق هنا في نفقة الزوجية، وإن كان يومئ إلى أنها صلة وليست أجرا محضا، كما يقرر الفقهاء.
وقوله: (سِرًّا وَجَهْرًا)، يؤكد أنها للصدقات، وإن السرية لها موضعها، وخصوصا لأهل التجمل ذوي المروءات، والجهر في موضعه عندما تكون دعوة إلى البر فإن الجهر يدعو إلى المنافسة (. . . وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ).
ثم قال تعالى مقررا النتيجة البديهية وهو أنهم لَا يستوون فقال: (هَلْ يَسْتَوُونَ) الاستفهام للإنكار، أي إنكار الواقع، وكان النفي بالاستفهام لتأكيد النفي كأن النفي مقرر بالبداهة، وعند المخاطب، فكانه قد جاء من عنده، (الْحَمْدُ لِلَّهِ) كان هذا تأكيدًا للنفي وهو عدم التساوي، أي أنه يحمد اللَّه تعالى للوصول إلى هذه النتيجة التي أخذت من إقرارهم، ثم قال تعالى: (بَلْ أَكثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ)، (بَلْ) للإضراب، أي كان الإضراب عن علمهم البدهي الذي طمس فيه الهوى على مداخل الفكر والعلم، وكان القرآن الكريم منصفا لحكم على الأكثر لَا الجميع بأنهم لَا يعلمون أي طمس على قلوبهم بغشاء من الهوى المانع من إدراك الحقائق.
стр. 6019
وكانت الموازنة بين اثنين في ظاهر اللفظ، وهما العبد المملوك، (ومَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا)، ولكن لأن (ما) يدخل في عموم ما تدل عليه كثيرون، كان الذين لَا يستوون كثيرين فعاد الضمير بالجمع.
وبعد ذلك يقول هذه هي معاني الألفاظ وما تدل عليه بمفرداتها، ولكن ما هو المثل؛ إن المثل تشبيه حال بحال فما موضع التشبيه، وما هو وجه التشبيه؟.
قال أكثر المفسرين: إنه تشبيه ففي حال عبادة الأوثان، والشرك باللَّه تعالى بحال من يسوي بين العبد المملوك، العاجز عن كل شيء والحر المالك الذي رزقه اللَّه رزقا حسنا، أنهم لَا يستوون بالبداهة، فكيف يسوي أولئك المشركون بين اللَّه خالق كل شيء وبين الأحجار التي يعبدونها.
واعترض على تخريج المثل هذا التخريج الرازي بأن العبد المملوك حي، والأحجار لَا حياة فيها، وقد أجيب عن ذلك بأن التشبيه ليس بين الأجزاء، إنما التشبيه بين حالين، لَا بين الأحجار والآدميين.
وقال ابن عباس: إن التشبيه بين الكافر والمؤمن، فالكافر كالمملوك الذي لا يقدر على شيء وهو عاجز، وبين من رزقه اللَّه تعالى رزقا حسنا، فهو كقوله تعالى: (. . . هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ. . .)، (. . . هَلْ يَسْتَوِي الَّذِين يَعْلَمُونَ وَالَّذينَ لَا يَعْلَمُونَ. . .)، وكذلك التشبيه في قوله تعالى في الآية الآتية:
стр. 6020
(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ. . .) وهو فيها أوضح وكلاهما واضح، واللَّه أعلم.
ولولا أننا مقيدون إلى حد ما بما قاله من قبلنا لقلنا: إن اللَّه تعالى قال من قبل ذلك بآيتين (وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) وفي هذه الآية والتي تليها، يبين سبحانه كيف كان التفضيل في الرزق، وهو أن الفقير اختبره اللَّه تعالى بالعجز، وبتقدير منه ، فضاقت أمامه السبل، وأن الغني آتاه الله تعالى قدرة على الكسب ومكن
стр. 6021
له من أسباب الرزق، وبذلك ينتهي البيان القرآني في زعمنا إلى تقرير حقيقتين الحقيقة الأولى - أن العجز والكسب والكَيْس بتقدير من اللَّه وباختيار منه، فليس لأحد أن يستطيل أو يستكبر فاللَّه هو الرازق.
والحقيقة الثانية - أن الفقر والغنى حقيقتان ثابتتان؛ لأن اللَّه تعالى خلق القوي متفاوتة، والفرص متفاوتة، والأسباب في الحياة مختلفة فكان جهلا أن يدعي مغرور أنه يذيب الفوارق بين الغنى والفقر، وقد شاع هذا الغرور في هذه الأزمان كالذي جهل طبائع الإنسان فأفقر ناسا من ذوي الإنتاج، وأغنى العجزة، وكانت أسباب الرزق الحرام طاغية على الحلال المنتج.
قال تعالى في المثل الثاني، وهو في معنى الأول، وهو من تصريف اللَّه البيان في قرآنه المجيد.
(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)
وهذا مثل آخر كالمثل الأول، وكان الأول موازنة بين عبد مملوك لَا يقدر على شيء، وآخر حر قد رزقه اللَّه وهو ينفع الناس بما رزقه اللَّه تعالى يعطيهم سرا وجهرا على حسب ما يرى، وعلى حسب نيته المحتسبة، والثاني كان موازنة بين رجلين آخرين؛ ولكن أحدهما عاجز لَا يقدر على شيء وهو في حياته كل على قريب له هو مولاه لَا نفع منه، وآخر قادر في عقله مستقيم في خلقه عادل في ذاته.
قال سبحانه: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ)، أي بين حالا لرجلين موازنا بينهما (أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ)، أي أخرس لَا يستطيع أن ينطق فلا يجيب إذا دعاه الداعي، والأخرس في أكثر الأحوال ناقص في مداركه؛ لأنه قد سدت عليه
стр. 6022
مسالك العلم ولا يحس بمعنى الأشياء، والأخرس عادة يفقد النطق لأن النطق بالمحاكاة فهو لَا يعلم ولا يستطيع أن يبين هواجسه وخواطره فلا يحس بما حوله، وقد فقد المجلس والأنس، ولا يجلب لنفسه نفعا -، (وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ)، أي حمل وثقل، والمولى هنا القريب أو ذو الصلة به من أي أنواع الصلات الإنسانية، ومن كانت هذه حاله لَا ينفع الناس، وقد أشار مع ذلك إلى أنه ناقص المواهب ليس متفتح النفس والإدراك، وعبر اللَّه تعالى عن هذه الحال (أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لا يَأتِ بِخَيْر)، وثاني الرجلين الموازن بينهما رِجل فيه حكمه جعلته يلى بعض الأمر، وقد عبر سبحانه عن ذلك بقوله: (هَلْ يسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مسْتَقِيم) الاستنهام هنا لإكار الوقوع أي للنفي المؤكد كأنه سئل السائل وأجيب بالنفي وكان الرجل الثاني الذي ينفي المقابلة بينه وبين الأول قد اتصف بصفتين جليلتين مما يعلو الرجال بهما في الأوساط الإنسانية:
الصفة الأولى - أنه يأمر بالعدل، ولا يأمر بالعدل إلا إذا كان هو عادلا في ذاته، والعدل صفة في النفس وهي الفضائل التي تدخل في تكوين المزاج الإنساني الكامل، فالعدالة في النفس تزكيها وتنميها وتتجه بها نحو الفضائل، فحيث كانت العدالة النفسية كان الصدق وكان الاعتدال وكانت القدرة على الصبر، فلا تحكمها الشهوات ويكون الانتصاف منها، ويكون تأديب النفس.
وربما يكنى بأنه يأمر بالعدل بتوليه أمور الناس أو بعضهم أو أن يكون الحكم، وهو يشير إلى أنه لَا يتولى أمور الناس إلا عدل يأمر بالعدل يأمر كل نوابه وحاشيته ويقوم بالقسطاس المستقيم بين الناس.
الصفة الثانية - من يكون مستقيم النفس مخلص القلب، وقد عبر سبحانه عن ذلك بقوله تعالت كلماته: (وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)، أي مستقيم النفس ذو طريق حسن وهذه أعلى صفات الإنسان، فهو مخلص وإخلاصه يوجهه إلى السبيل المستقيم، والإدراك المستقيم، والكلام المستقيم، والعمل المستقيم والسلوك العام المستقيم، وعبر بعبارة تؤكد استقامته بعدة إشارات:
стр. 6023
الإشارة الأولى - أنه عبر بالجملة الاسمية.
الإشارة الثانية - أنه جعله كراكب صراط الاستقامة الجالس عليه؛ ولذا عبر بـ (على) الدالة على التمكن من صراط الاستقامة.
الإشارة الثالثة - أنه عبر بالصراط، وهو في ذاته مستقيم، إذ إنه الخط المستقيم، ووصفه مع ذلك بالاستقامة فكان هذا تأكيدا لفظيا لمعنى الاستقامة في النفس والخلق والعمل.
وإن الأقوال التي ذكرناها في المثل الأول تقال هنا، فأكثر المفسرين على أنه سبحانه ضرب حال عبادة المشركين، بحال من يسوي بين رجلين بينهما تمام التباين، فيسوي بين اللَّه تعالى والأحجار، كمن يسوي بين رجل ناقص الإنسانية ورجل آخر كاملها.
وإن كلام ابن عباس ينطبق هنا أيضا، فيكون نفيا للتساوي بين الكافر المشرك، والمؤمن الموحد.
وما بدر إلينا من أنه بيان لاختلاف القوى والأحوال، وتوافر أسباب الرزق وعدم توافرها، وقدر الله ، وأنه يرزق هذا ويحرم هذا، لعدم السير أو عجزه عن السير في أسباب الثروة، وأن الوجود الإنساني يشتمل على هذه الحقيقة، وأن الناس فيهم الغني والفقير ومن يقول إنه يعمل على إذابة الفوارق بين الغنى والفقر جاهل مغرور، وإن فرض ذلك بالقوة كان ظالما غشوما، وسلب الحقوق ممن ينتجون الحلال، وترك الباب مفتوحا، ليغني طائفة أخرى بالحرام الذي لا ينتج شيئا.
وإنه من بعد ضرب الأمثال، ومنها يتبين أن اللَّه يدير العالم بحكمته، وأنه وحده القادر على كل شيء وأن الحساب يجيء لَا محالة، ولذا قال تعالى:
(وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧)
стр. 6024
أحسب أن هذه الآية تشير إلى ما قدره في علمه المكنون مما كتبه على الناس من غنى وفقر، وإن كل شيء بقدره، وفي غيبه حتى العجز والكيس، ومع ذلك فيها بيان لما يستعجله الناس من وعيد، ومن قيام الساعة مع أنه قريب وأنه ليس بعسير على اللَّه تعالى بل كلمح البصر أو هو أقرب، واللمح النظر السريع، يقال لمحه لمحًا ولمحانا إذا أدركه بطرف العين أو مجرد حركتها بحركة الرمش، وهو زمن لَا يتجاوز ثواني من دقيقة.
والمعنى وإن أمر الساعة وزمانها وإن استطلتم الزمن الذي يمضي هو عند اللَّه كلمح البصر، أي تحسبونه بعيدا، وهو عند اللَّه تعالى قريب كلمح البصر، فالأزمان تجري عليكم بالطول والقصر، أما عند اللَّه فإنه لَا زمان يحكمه، ولا ظرف يحيط إنما ذلك أعراض لَا تكون إلا عند الحوادث، وذلك كقوله تعالى:
(إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)، وكقوله تعالى: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمَا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ ممَا تَعُدُّونَ)، أي إن الزمن لَا يحكم إرادة اللَّه، بل إرادة اللَّه تعالى هي الخالقة للأفلاك والأزمان ومعنى (أَمْرُ السَّاعَةِ) مهما طال زمنها في نظركم، هو عند اللَّه قريب (أَوْ هُوَ أَقْرَبُ)، (أو) للإضراب عن وصف أمرها بأنها كلمح البصر، بل هي أقرب من ذلك إن بالغْتُم في الاستغراب.
وإنه يراد مع استطالة الزمن أن الساعة إذا جاءت واضطربت السماوات والأرض وكورت الشمس وانفطرت الأرض والكواكب اندثرت، كل ذلك يتم في لمح البصر أقرب من ذلك، فاللَّه تعالى على كل شيء قدير؛ ولذا ختم الآية بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كلِّ شَيْء قَدِيرٌ) وقد أكد قدرته بعدة مؤكدات أولها الجملة الاسمية، وثانيها: (إن) الدالة على تأكيد الخبر وهو قدرة الله تعالى، وتقديم (كل شَيْء) على (قَدِيرٌ)؛ لأنه يدل على الاهتمام ووصف (قَدِيرٌ)، واللَّه أعلم.
стр. 6025
وبعد أن بين سبحانه أن الغيب كله في علمه سبحانه وقدرته، وأن اللَّه تعالى قدير على كل شيء، وأنه خالق العاجزين والقادرين، والمنافقين، ومن لَا خير فيه، (أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأتِ بِخَيْرٍ) بين سبحانه أنه خلق الإنسان وعلمه، فقال تعالى: