له من أسباب الرزق، وبذلك ينتهي البيان القرآني في زعمنا إلى تقرير حقيقتين الحقيقة الأولى - أن العجز والكسب والكَيْس بتقدير من اللَّه وباختيار منه، فليس لأحد أن يستطيل أو يستكبر فاللَّه هو الرازق.
والحقيقة الثانية - أن الفقر والغنى حقيقتان ثابتتان؛ لأن اللَّه تعالى خلق القوي متفاوتة، والفرص متفاوتة، والأسباب في الحياة مختلفة فكان جهلا أن يدعي مغرور أنه يذيب الفوارق بين الغنى والفقر، وقد شاع هذا الغرور في هذه الأزمان كالذي جهل طبائع الإنسان فأفقر ناسا من ذوي الإنتاج، وأغنى العجزة، وكانت أسباب الرزق الحرام طاغية على الحلال المنتج.
قال تعالى في المثل الثاني، وهو في معنى الأول، وهو من تصريف اللَّه البيان في قرآنه المجيد.
(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)
وهذا مثل آخر كالمثل الأول، وكان الأول موازنة بين عبد مملوك لَا يقدر على شيء، وآخر حر قد رزقه اللَّه وهو ينفع الناس بما رزقه اللَّه تعالى يعطيهم سرا وجهرا على حسب ما يرى، وعلى حسب نيته المحتسبة، والثاني كان موازنة بين رجلين آخرين؛ ولكن أحدهما عاجز لَا يقدر على شيء وهو في حياته كل على قريب له هو مولاه لَا نفع منه، وآخر قادر في عقله مستقيم في خلقه عادل في ذاته.
قال سبحانه: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ)، أي بين حالا لرجلين موازنا بينهما (أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ)، أي أخرس لَا يستطيع أن ينطق فلا يجيب إذا دعاه الداعي، والأخرس في أكثر الأحوال ناقص في مداركه؛ لأنه قد سدت عليه
стр. 6022
مسالك العلم ولا يحس بمعنى الأشياء، والأخرس عادة يفقد النطق لأن النطق بالمحاكاة فهو لَا يعلم ولا يستطيع أن يبين هواجسه وخواطره فلا يحس بما حوله، وقد فقد المجلس والأنس، ولا يجلب لنفسه نفعا -، (وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ)، أي حمل وثقل، والمولى هنا القريب أو ذو الصلة به من أي أنواع الصلات الإنسانية، ومن كانت هذه حاله لَا ينفع الناس، وقد أشار مع ذلك إلى أنه ناقص المواهب ليس متفتح النفس والإدراك، وعبر اللَّه تعالى عن هذه الحال (أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لا يَأتِ بِخَيْر)، وثاني الرجلين الموازن بينهما رِجل فيه حكمه جعلته يلى بعض الأمر، وقد عبر سبحانه عن ذلك بقوله: (هَلْ يسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مسْتَقِيم) الاستنهام هنا لإكار الوقوع أي للنفي المؤكد كأنه سئل السائل وأجيب بالنفي وكان الرجل الثاني الذي ينفي المقابلة بينه وبين الأول قد اتصف بصفتين جليلتين مما يعلو الرجال بهما في الأوساط الإنسانية:
الصفة الأولى - أنه يأمر بالعدل، ولا يأمر بالعدل إلا إذا كان هو عادلا في ذاته، والعدل صفة في النفس وهي الفضائل التي تدخل في تكوين المزاج الإنساني الكامل، فالعدالة في النفس تزكيها وتنميها وتتجه بها نحو الفضائل، فحيث كانت العدالة النفسية كان الصدق وكان الاعتدال وكانت القدرة على الصبر، فلا تحكمها الشهوات ويكون الانتصاف منها، ويكون تأديب النفس.
وربما يكنى بأنه يأمر بالعدل بتوليه أمور الناس أو بعضهم أو أن يكون الحكم، وهو يشير إلى أنه لَا يتولى أمور الناس إلا عدل يأمر بالعدل يأمر كل نوابه وحاشيته ويقوم بالقسطاس المستقيم بين الناس.
الصفة الثانية - من يكون مستقيم النفس مخلص القلب، وقد عبر سبحانه عن ذلك بقوله تعالت كلماته: (وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)، أي مستقيم النفس ذو طريق حسن وهذه أعلى صفات الإنسان، فهو مخلص وإخلاصه يوجهه إلى السبيل المستقيم، والإدراك المستقيم، والكلام المستقيم، والعمل المستقيم والسلوك العام المستقيم، وعبر بعبارة تؤكد استقامته بعدة إشارات:
стр. 6023
الإشارة الأولى - أنه عبر بالجملة الاسمية.
الإشارة الثانية - أنه جعله كراكب صراط الاستقامة الجالس عليه؛ ولذا عبر بـ (على) الدالة على التمكن من صراط الاستقامة.
الإشارة الثالثة - أنه عبر بالصراط، وهو في ذاته مستقيم، إذ إنه الخط المستقيم، ووصفه مع ذلك بالاستقامة فكان هذا تأكيدا لفظيا لمعنى الاستقامة في النفس والخلق والعمل.
وإن الأقوال التي ذكرناها في المثل الأول تقال هنا، فأكثر المفسرين على أنه سبحانه ضرب حال عبادة المشركين، بحال من يسوي بين رجلين بينهما تمام التباين، فيسوي بين اللَّه تعالى والأحجار، كمن يسوي بين رجل ناقص الإنسانية ورجل آخر كاملها.
وإن كلام ابن عباس ينطبق هنا أيضا، فيكون نفيا للتساوي بين الكافر المشرك، والمؤمن الموحد.
وما بدر إلينا من أنه بيان لاختلاف القوى والأحوال، وتوافر أسباب الرزق وعدم توافرها، وقدر الله ، وأنه يرزق هذا ويحرم هذا، لعدم السير أو عجزه عن السير في أسباب الثروة، وأن الوجود الإنساني يشتمل على هذه الحقيقة، وأن الناس فيهم الغني والفقير ومن يقول إنه يعمل على إذابة الفوارق بين الغنى والفقر جاهل مغرور، وإن فرض ذلك بالقوة كان ظالما غشوما، وسلب الحقوق ممن ينتجون الحلال، وترك الباب مفتوحا، ليغني طائفة أخرى بالحرام الذي لا ينتج شيئا.
وإنه من بعد ضرب الأمثال، ومنها يتبين أن اللَّه يدير العالم بحكمته، وأنه وحده القادر على كل شيء وأن الحساب يجيء لَا محالة، ولذا قال تعالى:
(وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧)
стр. 6024
أحسب أن هذه الآية تشير إلى ما قدره في علمه المكنون مما كتبه على الناس من غنى وفقر، وإن كل شيء بقدره، وفي غيبه حتى العجز والكيس، ومع ذلك فيها بيان لما يستعجله الناس من وعيد، ومن قيام الساعة مع أنه قريب وأنه ليس بعسير على اللَّه تعالى بل كلمح البصر أو هو أقرب، واللمح النظر السريع، يقال لمحه لمحًا ولمحانا إذا أدركه بطرف العين أو مجرد حركتها بحركة الرمش، وهو زمن لَا يتجاوز ثواني من دقيقة.
والمعنى وإن أمر الساعة وزمانها وإن استطلتم الزمن الذي يمضي هو عند اللَّه كلمح البصر، أي تحسبونه بعيدا، وهو عند اللَّه تعالى قريب كلمح البصر، فالأزمان تجري عليكم بالطول والقصر، أما عند اللَّه فإنه لَا زمان يحكمه، ولا ظرف يحيط إنما ذلك أعراض لَا تكون إلا عند الحوادث، وذلك كقوله تعالى:
(إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)، وكقوله تعالى: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمَا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ ممَا تَعُدُّونَ)، أي إن الزمن لَا يحكم إرادة اللَّه، بل إرادة اللَّه تعالى هي الخالقة للأفلاك والأزمان ومعنى (أَمْرُ السَّاعَةِ) مهما طال زمنها في نظركم، هو عند اللَّه قريب (أَوْ هُوَ أَقْرَبُ)، (أو) للإضراب عن وصف أمرها بأنها كلمح البصر، بل هي أقرب من ذلك إن بالغْتُم في الاستغراب.
وإنه يراد مع استطالة الزمن أن الساعة إذا جاءت واضطربت السماوات والأرض وكورت الشمس وانفطرت الأرض والكواكب اندثرت، كل ذلك يتم في لمح البصر أقرب من ذلك، فاللَّه تعالى على كل شيء قدير؛ ولذا ختم الآية بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كلِّ شَيْء قَدِيرٌ) وقد أكد قدرته بعدة مؤكدات أولها الجملة الاسمية، وثانيها: (إن) الدالة على تأكيد الخبر وهو قدرة الله تعالى، وتقديم (كل شَيْء) على (قَدِيرٌ)؛ لأنه يدل على الاهتمام ووصف (قَدِيرٌ)، واللَّه أعلم.
стр. 6025
وبعد أن بين سبحانه أن الغيب كله في علمه سبحانه وقدرته، وأن اللَّه تعالى قدير على كل شيء، وأنه خالق العاجزين والقادرين، والمنافقين، ومن لَا خير فيه، (أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأتِ بِخَيْرٍ) بين سبحانه أنه خلق الإنسان وعلمه، فقال تعالى:
стр. 6026
(وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)
(الواو) هنا عاطفة على قوله تعالى: (وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ)، وقد عطف عليها من قبل قوله تعالى: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ
أَزْوَاجًا)، وعطف عليهم قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً)، وما كان بعد كل جملة من هذه المعطوفات، إنما هو لبيان وجه العبرة فيها، وضلال الشرك وأهله، فهي تابعة لمعانيها، فلا يكون ثمة مانع من العطف عليها.
وإذا كانت معطوفة على قوله تعالى: (وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ) فهي لإثبات أن الغنى والفقر أمران مقدوران لله تعالى، وإن الغنى من فضل الله، ويوجب الشكر، والفقر اختبار الله تعالى ويوجب الصبر، ومع الصبر الجزاء، وهو على صورة الصبر شكر للَّه تعالى.
(وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا)، أي شيئا من العلم بالحياة ومشاربها، ومن العلم بحق اللَّه على عباده من إدراك عظمة خلقه في تكوينه الإنسان من سلالة من طين، وجعله نطفة في قرار مكين، وجعل النطفة علقة والعلقة مضغة، وجعل المضغة عظاما، ثم أخرجه من ضيق الرحم إلى سعة الوجود، وهذا ما يشير إليه قوله: (مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ) يخرج الجنين من بطن أمه لا يعلم شيئا من طرق الحياة، ولكن يعطيه الله تعالى أسباب العلمِ بهذه الحياة وما يجري فيها، وهذا قوله تعالى: (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدةَ).
(وَجَعَلَ لَكُمُ)، أي خلق لكم وصيره لكم (السَّمْعَ)، والسمع يتضمن النطق؛ لأن النطق لَا يكون إلا لسميع، إذ إن النطق لَا يكون بالفطرة التي فطر اللَّه
стр. 6027
تعالى الناس عليها إلا بالمحاكاة، والمحاكاة لَا تكون إلا إذا سمع الكلام بحروفه وعباراته، وحاكاها؛ ولذلك من فقد السمع لَا يتكلم، وهو الأخرس كما أشرنا من قبل.
وبالسمع يسمع هداية اللَّه تعالى في كلام الرسل والصديقين، وكلام رب العالمين، (وَالأَبْصَارَ) بها يرى عظمة اللَّه تعالى في خلقه، فيرى السماء وقد زينها للناظرين، والجبال والوهاد، والشمس والقمر، والنجوم مسخرات لأمر اللَّه تعالى وإن كل هذه المعلومات الحسية يستودع اللَّه تعالى الأفئدة فتدرك، فالسمع والبصر يجمعان المسموعات والمرئيات والأفئدة تعتبر وتقدر وتدرك، وتستبصر، فيكون الإنسان المعامل في الحياة المدرك لمعناه الذي يدرك بالبداهة وجوب شكر المنعم؛ ولذا قال تعالى (لَعَلَّكمْ تَشْكُرونَ)، أي رجاء أن تشكروا لتوافر أسباب الشكر، ودواعيه، والرجاء من العباد، ولا من اللَّه .
* * *
نعم الله تعالى توجب الشكر
قال اللَّه تعالى:
(أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ
стр. 6028
الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٨٢)
* * *
في هذه الآيات بيان قدرة اللَّه تعالى في خلقه، وإحكامه وإبداعه، وبيان نعمته على الإنسان ظاهره وباطنه، وكيف سخر الحيوان للإنسان، فتمكن من اتخاذ المأوى، في الظعن وفي الإقامة، وجعل ظلالا تقيهم الحر والبرد، وسخر لهم النبات يتخذون منه لباسا يقيهم الحر، ومن الحديد سرابيل تقيهم في يوم البأس، وكان ذلك إتماما لنعمة الله رجاء أن يسلموا، وقد بلغ النبي ﷺ ، وبين وأقام الأدلة، وما عليه إلا البلاغ.
ابتدأ سبحانه بالإشارة إلى عجائب الخلق، والتكوين في الطير التي تسبح في الفضاء، كما تسبح السفائن في الماء من غير ماء يحملها، إنما خلقها تعالى لتحمل نفسها، وتتوقى السقوط بأجنحتها، وتسير في الفضاء كما تسير الدواب على الأرض لا عائق يعوقها، ولا عقبات تمنعها، حتى إن الإنسان عندما أراد أن يستخدم الفضاء تعلم منها، ولذا قال تعالى:
стр. 6029
(أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩)
الاستفهام هنا لإنكار الوقوع، فيكون بمعنى النفي المؤكد بإقرار السامع كأنه سئل وأجاب بالنفي؛ ولذا كان الاستفهام بمعنى النفي المؤكد، وقد دخلت أداة الاستفهام على حرف النفي، ونفي النفي إثبات.
والمعنى لقد رأوا الطير مسخرات، أي مذللات، سخرها الله تعالى لتسير في الجو، من غير حامل يحملها، ولا ممسك يمسكها، وهي مع هذا مسخرة لخدمة الإنسان، فمنها ما يحمل الرسائل من مكان إلى مكان والشقة بينها بعيدة، ولا يزال يستخدم إلى الآن، ومنه ما هو مسخر للإنسان، يكل الحشرات التي
стр. 6030
هي آفة الزرع، وكان كذلك يمنع مغارم التنقية حتى أباده الإنسان ومنها ما يعلم الإنسان، ويحمي الزرع من صغار الطير، وقد أبدناه الآن بالمبيدات التي نسلطها، وصرنا ننفق النفقات الكثيرة، في الوقاية، ولا وقاء.
وهكذا نجد الطير قد كانت مسخرة في الجو لسيرها، ومسخرة للإنسان في وقد خلقها اللَّه تعالى مهيأة للطيران في الفضاء، وجعل كل أعضائها مناسبة بين كونها، فلم يخلق لها يدين، وخلق رجلين ليمكن ارتفاعها من الأرض، وكانت رجلاه واسعة، وأكثر قوته في صدره، وكان قوتها حبا يبلع؛ ولذا كان لها منقار، ينقي ما تختار، ولأن ما يبلع لَا يكون فيه تفتيت بالمضغ، كانت حرارة الحوية هاضمة، وجعل في أجنحتها ريشا قويا في خوافيه وقوادمه، حتى تكون الخوافي قوة للقوادم وكانت الأجنحة، لجلب الهواء الذي يحملها، وهي طائرة، فهي ترفرف بها لتجلبه، حتى إذا استوى سارت كأنها تسير على مكان صلب، أو ماء.
وهذا معنى قوله تعالى: (مَا يُمْسِكُهنَّ إِلَّا اللَّهُ) فهو خلق فيها هذه القوى التي تقوى بها على الطيران، ومع ذلك حاطها بكلاءته، وحمايته، كما أحاطها بفطرتها، تبارك الله الخلاق العليم، وقد بين سبحانه أن في هذا الخلق آيات، لمن يعتبر ويستبصر، ويفكر في خلق اللَّه تعالى وحكمته فقال تعالت قدرته: (إِن فِي ذَلِكَ لآيَات لِّقَوْم يُؤْمنُونَ) الإشارة إلى الخلق والتكوين والتسخير، واللام في قوله تعالى: (لآيَاتٍ)، (لام) التوكيد أو الابتداء بمعنى التوكيد، و (آيات)، أي دلالات قاطعة (لِّقَوْم يُؤْمِنونَ)، أي الجماعة تتضافر على الحق وتطلبه، وتتهداه، وتتعرفه، ومن شأنهم الإيمان بالحق إذا بدت دلائله، وقامت براهينه، وكان التعبير بالمضارع في قوله تعالى: (يُؤْمِنونَ) يعني من شأنهم وحالهم الإيمان دائما، أما غيرهم فقد غشيتهم غواشي الباطل وطمس عليهم الهوى، فصاروا كالصم البكم الذين لَا يعقلون ولا يدركون.
стр. 6031
بعد ذلك بين نعمه على خلقه في الأنعام التي يتمكنون منها بتأليفها وغيرها فقال تعالى:
стр. 6032
(وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠)
(وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا)، أي صير لكم من بيوتكم التي تتخذوها منها من الحجر والمدر، والآجر، واللبن، أي موضع سكون واطمئنان، فهم في حركة دائبة دائمة كالكواكب والنجوم والأجرام السماوية، ولم يجعلكم في سكون كالأحجار والجبال، ولو في مظهرها وإن كانت ذاتها تمور، بل جعلكم في مضطرب تتحركون وتنامون وتستقرون، فكان من نعمته عليكم أن جعلكم تسكنون وتعملون، فالعمل والسكن كلاهما نعمة من اللَّه، ونرى من هذا التخريج أن جعل لكم ذلك السكن، والاطمئنان بعد اللغوب والتعب، كما أن بناء البيوت من موادها نعمة، وقد يقول قائل: كيف تكون نعمة أسبغها اللَّه، والعبد هو الذي بناها، وتقول: إن النعمة في أن مكنه من ذلك، وسخر كل شيء، فبعقله الذي خلقه اللَّه تعالى فدبر وبنى واهتدى إلى أساليبها، والخلاصة أن النعمة في أمرين: النعمة الأولى - في هدايته إلى البناء من مواده، وجعله مأوى، والثاني في أنه جعله يسكن بعد الكرب والتعب، وهذا يشير إلى أن الراحة لَا تكون إلا بعد جهد كما أن السكن لَا يكون إلا بعد عمل هذه نعمة كبيرة، وهي نعمة الحياة العاملة الكادحة.
والنعمة الثانية - هي تمكين الإنسان من النعم، وهي الإبل والبقر والغنم، وقد ذكر اللَّه سبحانه نعمة فيها بعد نعمة أكلها وتأليفها، وتسخيرها للإنسان في حاجاته، فقال تعالى: (وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْم إِقَامَتِكُمْ)، الظعن الارتحال والتنقل، وانتجاع مواطنِ الكلأ، واستخفافها هو طلب خفتها، أي تطلب لخفتها فالسين والتاء للطلب، (يوْمَ ظَعْنِكُمْ)، (وَجَعَلَ لَكُم مِّن
стр. 6033
جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا)، كالأخبية والفساطيط، تستخفونها يوم ظعنكم، فهي بيوت محمولة، وتلك بخلاف البيوت المبنية من الآجر والأحجار واللبن على نحو ما أشرنا من قبل.
وهي خفيفة في الظعن وفي الإقامة فإذا ظعنتم جعلتموها على ظهور الإبل أو الخيل ونحوها، وإذا أقمتم أنزلتموها من فوق ظهور الإبل، فأقمتم تبتغون الماء والكلأ ما شاء اللَّه تعالى أن تقيموا، ثم ترتحلون.
ويشمل ذلك الذين يقيمون في الخيام في الصحراء، فإنها تكون موضع إقامة دائمة لهم، ويسمون " أهل الوبر "، كما يسمى سكان المدائن بـ " أهل المدر " كأهل مكة والمدينة والطائف.
ويثار هنا كلام، وهو أن الخيام والفساطيط، لَا تتخذ من الجلود، وهي الأدم فقط، بل تتخذ من الأصواف والأوبار والشعر أيضا، فليس ما يؤخذ من الجلود هو ما يأخذ من الأدم فقط، بل ما يؤخذ من الأخبية، في الأصواف والأوبار والشعر يؤخذ من الجلد أيضا؛ لأنه يجز منه أو يقص، وإنما خصت الأصواف وما يمثلها بالأثاث والمتاع، لأنها لَا تؤخذ إلا منها، ولم تكن عند العرب تؤخذ من الأدم، وذلك هو الغالب في عصرنا أيضا.
(وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ) الصوف هو للضان والأوبار للجمال، والأشعار للمعز وهي يتخذ منها أثاث، وهي الثياب والفرش، وقوله متاعا، أي ينتفع فيه بالبيع والشراء والاتجار بشكل عام.
وأظن بأن المتاع هو ما يستمتع به بالنظر والزينة ونحو ذلك مما يكون متعة للإنسان، ونختار ذلك لسببين:
السبب الأول - أن الانتفاع بالاتجار جائز في كل شيء حتى الإبل، ولحمها وعظامها وجلودها وإنما المذكور هو انتفاع شخصي بالاستهلاك لَا بالاتجار.
стр. 6034
والسبب الثاني - أن اللَّه تعالى ذكر متعة النظر والبهجة، وطيب النعمة في آية أخرى، فقال تعالى: (أَثَاثًا وَمَتَاعًا)، أي يتخذون من الأصواف والأوبار والأشعار أثاثا وزينة، والزينة ليست حراما، كما قال تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ. . .).
ولعله مما يرشح لهذا المعنى ويقويه تعالى: (إِلَى حِينٍ)، أي أن ذلك الاستمتاع بهذه النعم، وخصوصا الأثاث والمتاع إلى حين حتى يجيء وعد اللَّه تعالى فيكون الحساب والعقاب والثواب.
كما أن البيوت تتخذ من الآجر والأحجار، ومن الأصواف والأوبار والأشعار والجلود تتخذ أيضا أكنان من الجبال ولذا قال تعالى:
стр. 6035
(وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١)
واللَّه (جَعَلَ) بمعنى صيَّر، بأن خلق لنا أشجارا تظل الناس في الحرور، وبيوتا يكون ظلها دافعا لوهج الشمس وفي الصحارى تجد الأشجار المظلة، والسحاب المطل، وقال مما خلق، ولم يذكر شيئا بعينه؛ لأن أنواع ما خلق وكان منه الظلال كثيرة، فالجنات تتفيأ ظلالها بالغدو والآصال والبيوت فيها ظلال، لمن يكون بجوارها، والغمام يكف وهج الشمس وحرارتها، والسحاب تظلل، والنبي ﷺ ، وهو في رحلته إلى الشام كانت السحاب تظله في سيره، وحيثما انتقل انتقلت معه، وإن هذه الظلال نعمة من اللَّه تعالى في أرض صحراوية جدباء لَا ماء يرطب جوها، ولا نسيم عليل يطفئ حرها؛ ولذلك كانت من نعم اللَّه التي أنعم بها على سكانها الذين آتاهم اللَّه تعالى مع ذلك جلدًا وقوة احتمال، فكانت هذه نعما أنعم اللَّه بها عليهم ليستطيعوا أن يعيشوا وأن ينعموا في خيراتها.
وإن هذه ظواهر طبيعية قد يقول قائل: ما النعمة فيها؟، ونقول في الجواب عن ذلك: إنها نعم تغمرنا وتغمر سكان الصحارى ولا يحسون، ولكن إذا
стр. 6036
حرموها يعرفون مقدار الإنعام، وهي أفعال مختارة يريد وضع الأمور في مواضعها، وكل شيء عند اللَّه تعالى بمقدار وبميزان محكم.
وقال تعالى: (وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكنَانًا)، وهي الكهوف والمغارات، وأكنان جمع كن، وهو ما يتقى بالاستتار فيه تتبع الأعداء، وتربص المتربصين، كما كمن النبي ﷺ هو وصاحبه أبو بكر في غار ثور ثلاث ليال سويا، وكما كان ﷺ قبل البعثة يتعبد في غار حراء الليالي ذوات العدد، وإن هذا كله يدل على أنها أكنان، إما استتارًا للعبادة، أو فرارا من عدو متربص، أو كن من مطر غامر، أو استظلال، ولماذا سماها اللَّه تعالى أكنانا، ولم يسمها بيوتا؛ لأن الناس لم يتخذوها بيوتا يسكنون فيها تكون مطمأنا وسكنا لهم تسكن فيها نفوسهم، ويطمئنون بعد تعب ومكان راحة، لأن جبال البلاد العربية لم تكن موضع اطمئنان كالجبال الخضراء، فلم تكن مساكن تكون لسترة حالهم، بل كانت أكنانا للاستتار من عدو أو مطر منهمر، أو اتقاء لحرارة الشمس أو نحو ذلك، وإذا كان من العرب من ينحتون من الجبال بيوتا فارهين كما جاء ذلك في قصص القرآن الحكيم، فإن ذلك لم يكن عند أهل الحجاز ونجد ونحوها.
وقد مَنَّ اللَّه تعالى بما هيأهم به ومكنهم منه، وهو ما ذكره بقوله تعالى:
(وَجَعَلَ لَكمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَر وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأسَكُمْ)، و (جعل) بمعنى صيَّر وهيأ بأن مكنكم من أن تصنعوا ذلك لأنفسكم، و (السرابيل) جمع سربال وهو القميص، وذكر أن هذه السرابيل نوعان نوع يتقى به الحر، فلا يكون عاريا يتعرض للجو اللافح، كما يتعرض العراة من الزنوج الذين لم يتمكنوا من قمصان يتقون بها الحر، وقد قيل إن السرابيل يتقى بها الحر والبرد، فكيف ذكر الحر فقط، والجواب عن ذلك أن ذكر اتقاء الحر تستدعي لَا محالة ذكر اتقاء البرد، وإن لم يذكر بالنص فقد فهم بالاقتضاء، وقد ذكر سبحانه الدفء من قبل في قوله تعالى، (لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأكلُونَ) وإجابة الزمخشري بأن ذكر الحر يناسبهم
стр. 6037
دون البرد لأنهم لَا يحتاجون إلى اتفاء البرد، وعندي أن البلاد التي جوها قارِّي كبلاد العرب يكون بردها شديدا قارسًا.
والواقع أن الكلام - كله في اتقاء الحر، فذكر الظلال والبيوت والأكنان كل هذا في سياق اتقاء الحر فكان المناسب أن يذكر في مزايا السرابيل أن تقي من الحر.
والنوع الثاني من السرابيل وهو ما يتقى به البأس، وهو دروع الحرب، إذ البأس هو الحرب، كما في قوله: (. . . وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَاسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأسِ. . .)، وأضاف الباس إليهم، لأنهم في الجاهلية هم الذين كانوا يثيرونها حروبا شعواء، تدعو إليها العصبية الجاهلية، وتدفع الحمية غير المدركة العاقلة كحرب البسوس، وعبس وذبيان، وغيرهما مما كانوا يثيرونه من حروب، فلم تكن حروبا عادلة؛ ولذا أضيفت إليهم.
وإن هذه النعم كلها بتسخير هذه الأمور لهم، وتهيئتهم بالفطرة لها، وإن نعم اللَّه تعالى لَا تخص، وختم اللَّه تعالى الآية بقوله تعالت حكمته: (كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ)، أي كذلك التي هيأ لكم ومكنكم، وهداكم بفطرتكم إليه من جعل بيوتكم سكنا ومطمئنا، وعن اتخاذكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم وإقامتكم، ومن اتخاذكم من أصوافها وأوبارها وأشعارها، أثاثا يكون زينة ومتعة، ومن اتخاذكم الظلال مما خلق، ومن جعل البيوت ومن اتخاذكم السرابيل والدروع.
كذلك الذي هيأ لكم تكون نعمه الكلية عليكم دائما (لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ)، أي تسلمون وجوهكم للَّه تعالى، وتتركون عبادة الأوثان لهذه النعم المتوالية عليكم، وأفرد سبحانه النعمة، وهي متعددة لأن المفرد المضاف يعم، ولأنها واحدة باعتبار مصدرها، وهو الله .
وقال تعالى بعد ذلك:
(فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٨٢)
стр. 6038
تقدير القول فإن علموا هذه النعم التي أسبغت عليهم، ومع ذلك كفروا فما عليك من كفرهم من شيء، و (الفاء) ما بعدها ترتب على ما قبلها، (تَولَّوْا)، أي أعرضوا ونأوا بجانبهم، وأنكروا هذه النعم المتضافرة، فإن العذاب نازل بهم لا محالة، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، لأنك قد بلغت وأنذرت، وإنما عليك التبليغ البين الواضح الذي لَا يماري فيه عاقل مدرك، و (الفاء) في (فَإِنَّمَا) واقعة في جواب الشرط، و (إنما) من أدوات القصر، (عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ)، أي ليس عليك إلا البلاغ الواضح، وإنك لَا تهدي من أحببت، ولكن اللَّه يهدي من يشاء.
* * *
جزاء الكفر بنعمة الله
قال تعالى:
(يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (٨٣) وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (٨٦) وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧)
* * *
ساق الله تعالى ذكر ما أنعم به عليهم، والإنسان كله في فيض نعمة اللَّه تعالى من يوم حمله جنينا في بطن أمه إلى أن يولد، ومن بعد أن يولد هو في حياطة اللَّه تعالى ورحمته، إن مرض كشف عنه الضر، ومنحه العافية، وإذا كان
стр. 6039
في المخاطر تحطه رحمة اللَّه تعالى، وهو في مأواه، وملبسه، ونعيمه وراحته بعد تعبه في نعم الله تعالى، وهو يعرف هذه النعم، ويعرف أنها من عند اللَّه تعالى، وبفضل منِّه وكرمه، والعرب في عصر النبوة وقبله، كانوا أعرف الناس في جيلهم لربهم، فهم كانوا يعرفون الله تعالى الذي خلق الكون وما فيه ومن فيه وحده، وهو الواحد في ذاته وصفاته، ولكنهم بتسلط الأوهام يعبدون معه الأوثان؛ ولذا قال سبحانه:
стр. 6040
(يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (٨٣)
هم يعرفون اللَّه ومع ذلك يشركون، ويعرفون أنه الضار النافع، وإذا مسَّ الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما وإذا كانوا في شدة لَا يجأرون إلا إليه، ويعرفون هذه النعم واحدة واحدة ثم ينكرونها فما هي هذه المعرفة؛ إن للمعرفة مراتب ثلاث، تبتدئ بتصور الأمور والوقائع، ومنها النعيم فيتصور أن اللَّه رازقه وخالقه، فإذا تجاوز هذه المرتبة، انتقل من التصور إلى الاعتقاد بالصحة، فإذا اجتاز هذه المرحلة انتقل إلى المرحلة العليا وهي الإيمان، والإيمان مراتب، مرتبة التصديق الجازم المطابق للواقع عن دليل، ثم مرتبة الإذعان، والخضوع لما اعتقد ثم ينتقل إلى أعلى المراتب، وهي مرتبة العمل.
وهذه هي المعرفة الكاملة، ولقد قرر سقراط في الأخلاق أن المعرفة هي مقياس الفضيلة والرذيلة وهي المعرفة في أعلى درجاتها التي يصحبها عمل، وكمال الإيمان تصديق وإذعان وعمل عند العلماء المدركين.
وقوله تعالى: (يَعْرِفونَ نِعْمَتَ اللَّهِ) يبدو أنها مرتبة المعرفة الأولى، التصوير، ثم التصديق من غير إيمان وإذعان؛ ولذا ينكرونها، أي أنهم لَا يذعنون للاعتقاد بها، وتبدو في أعمالهم، و (ثُمَّ) في قوله تعالى: (ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا) لبعد ما بين مرتبة المعرفة والإنكار العملي، ولقد قرر سبحانه أن أكثر الكافرين هم من هذا الصنف الذي ينكر بعمله ما عرفه بتصوره وصدقه بواقعه؛ ولذا قال: (وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ)
стр. 6041
الضمير في (هم) يعود إلى الذين (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا) وهم بعض أهل الجحود وقوله تعالى: (وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ) فيه تعريف الطرفين، وهو يفيد القصر، أي أن أكثر هؤلاء لَا يكونون إلا كافرين، فإن الكفر يكون بإنكار الحق، وعدم الإقرار به كما في قوله تعالى: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ. . .).
بعد ذلك بين الله تعالى حالهم بعد البعث فقال:
стр. 6042
(وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤)
الجملة موصولة بما قبلها، على جزاء للكفر، ومعرفة النعم ثم إنكارها، (وَيَوْمَ) منصوب لفعل محذوف أي اذكر اليوم، وذكر اليوم هو ذكر ما يجري فيه من أحداث وبعث ونشور، وحساب وعقاب وثواب، فإذا كانوا ينكرون النعمة، فليذكروا اليوم وما جرى فيه، وقوله تعالى: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا) والشهيد هو الرسول الذي بعث لها داعيا إلى الحق معرفا به نذيرا وبشيرا وهاديا إلى اللَّه بإذنه وذكر بعث الرسول، ولم يذكر بعث الأمة لأن بعث الشهيد الذي يشهد لها أو عليها هو بعث للأمة، فكان بعث الرسول عليه الدلالة صراحة، وبعث الأمة كان بدلالة الاقتضاء، أو كان ذكر بعث الرسول صراحة لبيان مقام الرسول عند اللَّه، ولبيان أن الرسول الذي يدعوكم هو الذي يشهد لكم وعليكم وعنكم يوم الحساب فأجيبوا داعي اللَّه إذ يدعوكم له لتنجوا من عذاب اللَّه تعالى، وقوله تعالى: (ثمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) التعبير بـ (ثُمَّ) هنا الدالة على التعقيب والتراخي للدلالة على أنهم بعد شهادة النبيين طلبوا أن يعتذروا، فلم يقبل منهم، ولمقام هذا الكلام المطوى كان العطف بـ (ثُمَّ) الدالة على التراخي، فلا يؤذن لهم لأنه لَا حاجة إلى مخاصمة كما هو شأنهم في الدنيا، بل إن اللَّه عليم بهم، وشهادة أنبيائهم فيهم صادقة غير مكذوبة كما كانوا يتوهمون في الدنيا.
стр. 6043
وكما أنهم لَا يمكنون من القول والمخاصمة؛ لأن القيامة ليست مثل الدنيا مغالبة بالبيان، كذلك لَا يستعتبون، أي لَا يمكنون من الاستعتاب، وهو الاسترضاء، إذ الاستعتاب هو طلب العتب، وهي الرضا، فهم لَا يمكنون منها، لأنه قد انتهى وقت التكليف والإرضاء ولم يبق إلا الجزاء.
وفى قوله تعالى: (لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كفَرُوا) فيه إظهار في موضع الإضمار، وذلك لأن الموصول جاء في موضع الضمير، وذلك للإشارة إلى أن السبب في عدم الإذن لهم بالاعتذار، وأنهم لَا يمكنون من الاستعتاب، هو كفرهم الذي عاندوا به النبيين وقد قال تعالى في أحوالهم يوم القيامة:
стр. 6044
(وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥)
(وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ) جواب (إذا) محذوف يذهب فيه العقل كل مذهب، هالهم الأمر، وأحسوا بمقت اللَّه تعالى عليه، وحاولوا طلب التخفيف، وقد أجابهم اللَّه تعالى بقوله: (فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ)، فالفاء عاطفة على محذوف مأخوذ من معنى الخوف والرغبة في التخفيف أو التأجيل عسى أن يعملوا عملا صالحا ينجيهم من ذلك العذاب العتيد، الذي كانوا يترقبونه، فالفاء هنا عاطفة على جواب الشرط المحذوف وليس ما بعدها جواب الشرط؛ لأن الفاء لَا تقع على لا النافية، إنما تكون بما النافية.
حالهم تدعوهم إلى طلب التخفيف إذ يرون عذابًا لم يكن في حسبانهم فتوجب طلب التخفيف أو التأجيل، فلا يخفف عنهم عذابهم، ولا يؤجلون، لأنهم انتقلوا من دار الابتلاء إلى دار الجزاء، فمعنى (لا ينظرون)، أي لا يؤجلون.
وعبر سبحانه بالذين ظلموا؛ لأنهم أشركوا، وإن الشرك لظلم عظيم، ولأنهم ظلموا أنفسهم بكفرهم وعنادهم، وظلموا عقولهم وإدراكهم، وإذا أشركوا مع اللَّه حجارة لَا تنفع ولا تضر، ولا تسمع ولا تبصر وظلموا المؤمنين بإيذائهم
стр. 6045
وفسقهم في دينهم وظلموا الرسول باستهزائهم به، وتسبب هذا التكاثر كان العذاب الهائل الذي لم يعرفوا له حدا ولا نهاية.
هذه حالهم، فما هي حال الأوثان التي يعبدونها لتقربهم إلى اللَّه زلفى، أو لتكون شفعاء لهم، قال الله تعالى عنها في ذلك اليوم الذي لَا تنفع فيه شفاعة الشافعين.
стр. 6046
(وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (٨٦)
هذه حال الذين ظلموا الناس وظلموا أنفسهم وعقولهم بعبادة الأحجار مع اللَّه تعالى، فما هي حالهم من هذه الأنداد التي اتخذوها آلهة من دون اللَّه، أجاب اللَّه تعالى عن ذلك، فقال: (وَإِذَا رَأَى الذِينَ أَشْرَكوا شُرَكاءَهمْ) بالإضافة هنا لملابسة عبادتها شركاء لِلَّهِ، فهي إضافة لأدنى ملابسة، إذا رأى الذين أشركوا ما عبدوه من دونه ظنوا في ذلك فرجا؛ إذ يتحول جزء من العذاب الذي نزل بهم إليها، وكانوا بذلك ضالين في الآخرة، كما كانوا ضالين به في الدنيا، قالوا للأنبياء الذين شاهدوا اللَّه: هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوهم من دون اللَّه. ندعو معناها نعبد، أو نلجأ بأن كنا نحسب ما يقينا عن اللَّه، وكأنهم بهذا يحسبون أنها تكون شريكة في العذاب، فتكون هذه الشركة مخففة ما هم فيها، وقولهم: (مِن دُونِكَ)، أي غيرك، فردوا عليهم بأنهم ليسوا شركاء في العذاب، وإنكم أنتم الذين ارتكبتم بهواكم، ولغلبة الأوهام عليكم، فتصورتم ما ليس بحقيقة، وعليكم وحدكم وزر ما صنعتم وارتكبتم، وهذا قوله تعالى: (فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ) القول هو إنكم لكاذبون، والضمير في ألقوا يعود إلى الشركاء، أي ألقوا ذلك القول إنكم لكاذبون، والشركاء فيها أحجار وأشخاص، وملائكة، وشياطين، وكل هؤلاء ألقوا تبعة ادعاء غير اللَّه تعالى على المشركين؛ لأن أحدًا من هؤلاء الشركاء لم يدع إلى عبادته، فالأحجار لَا تنطق ولا تدعو، والأشخاص الذين عبدوهم كعيسى وكالملائكة يتبرأون منهم، والشيطان، وإن قد أغواهم فهم
стр. 6047
الذين غووا، وعليهم تبعة غوايتهم، كما قال تعالى عنه: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢).
وما هو الكذب الذي أسند إليهم، وأكد ذلك التوكيد؟ الكذب في أنهم ألقوا التبعة عن أنفسهم، وحمّلوها شركاءهم، والكذب في تضمن قولهم أن المسئول أولئك الشركاء، وكذبهم في زعمهم أن أولئك الشركاء أضلوهم، وإنما أضلتهم أوهامهم التي توهموها، وشهواتهم التي أركسوا فيها، حتى حسبوا أنه لَا بعث ولا نشور، فهم أضلوا أنفسهم ووجد الشيطان سربا لنفوسهم من وراء هذا الضلال، و (الفاء) في قوله (فَألْقَوْا) للترتيب والتعقيب.
وقد أكد شركاؤهم كذبهم بالجملة الاسمية، وباللام، وبـ إن المؤكدة، وهكذا يتبرأ منهم حتى الشياطين التي استجابوا لها، وصاروا أمام العذاب وجها لوجه.
وإذا كانوا أمام العذاب، ولا منجاة لهم فلم يبق إلا أن يستسلموا كارهين، ولذا قال تعالى:
стр. 6048
(وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧)
الضمير يعود على المشركين، أي أنهم بعد استسعفوا بالشركاء فلم يسعفوهم، واستصرخوا بهم فلم يصرخوهم، لم يبق إلا أن يستسلموا للَّه، وهذا معنى (وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ)، وتعدى بـ (إلى) لتضمن معنى هذا السلم الاستسلام إليه سبحانه بعد طول العناد (وَضَلَّ عَنْهُم)، أي غاب عنهم ما كانوا يفترونه من أن الشركاء تقربهم إلى اللَّه، وأنها تكون لممعفا عند اللَّه تعالى، و (ما) اسم موصول بمعنى الذي، أو مصدرية، وعلى الأول: غاب عنهم القول الذي كانوا يفترونه، وعلى الثاني: غاب افتراؤهم، ومعنى غيبة الافتراء غيبة موضوع الافتراء، إذ إن موضوع الافتراء، وهو شفعاؤهم قد صار لَا حقيقة له، قكان جديرًا بأن يغيب غيبة منقطعة.
* * *
стр. 6049
الصد عن سبيل الله ومقام الرسالة المحمدية
قال تعالى:
(الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨) وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)
* * *
إن المشركين كانوا لَا يكتفون بشركهم في عصر النبي ﷺ ، بل كانوا يؤذون المؤمنين ليفتنوهم عن دينهم، ويستقبلون وفود الحجيج، ليخبروهم عن النبي ﷺ وقد اقتسموا مداخل مكة ليمنعوا الناس عن تصديق النبي ﷺ ، فهم لَا يكتفون بشركهم، بل كانوا يصدون الناس عن الحق، وهو سبيل اللَّه والطريق الصحيح الموصل لعبادته، فهؤلاء لهم عذابان: عذاب الشرك، وعذاب الصد عن سبيل الله، زاده اللَّه تعالى عليهم، لأنهم زادوا على أنفسهم رجسا بعد رجس؛ ولذا قال تعالى:
стр. 6050
(الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)
(الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن لسَبِيلِ اللَّهِ) وهم الذين لم يؤمنوا بالرسالة المحمدية، والكفر يشمل الشرك باللَّه بعبادة الأوثان، وأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بمحمد ﷺ ، وبعض من نسميهم أهل كتاب يدخلون في الشرك من بابه، وهم الذين يعبدون المسيح، أو يقولون: إنه ابن اللَّه، ويصفونه بالرب ويعبدون روح القدس، ويقولون اللَّه ثالث ثلاثة، فكلمة الذين كفروا يدخل في عمومها أهل
стр. 6051
الكتاب كما قال تعالى: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأتِيَهُمُ الْبَينَةُ)، وقد ذكر اللَّه تعالى ذلك الوصف للمشركين وأهل الكتاب؛ لأن الصد عن سبيل اللَّه وقع من المشركين، ووقع من أهل الكتاب في عصر تبليغ الرسالة، وهو الآن يقع على أشده من أهل الكتاب. وقد كان صد المشركين بالأذى ينزل بالضعفاء، وبالسخرية تنزل بأهل الشرف والمروءة، وبالتضليل ما استطاعوا بالرسالة المحمدية، وشاركهم في ذلك اليهود، وخصوصا بعد الهجرة إلى المدينة الطاهرة، وقد ذكرنا كيف كانوا يقتسمون مداخل المدينة، ليضلوا الناس عن النبي ﷺ ، ومنهم أبو لهب بن عبد المطلب عم النبي ﷺ وحفيد هاشم رأس البيت الهاشمي المجيد.
وقد قال تعالى: في عقاب هؤلاء الصادين: (زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ)، أي أنهم يزاد عليهم عذاب بسبب ذلك التضليل والصد عن سبيل اللَّه، وذلك فساد في الأرض؛ ولذا قال سبحانه: (بِمَا كانُوا يُفْسِدُونَ)، أي بسبب فسادهم، وأي فساد أكبر من الصد عن سبيل اللَّه، وهو سبيل الحق، وتبليغ الرسالة الإلهية.
وقد ذكر وقت ذلك العذاب، فقال عز من قائل:
стр. 6052
(وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)
(وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ)، (يوم) منصوب بفعل محذوف معناه، واذكر يوم نبعث في كل أمة شهيدا (مِّنْ أَنفُسِهِمْ)، أي منهم، ومن أنفس قومه كما بعث النبي ﷺ في العرب من أنفسهم، وكلمة (نَبْعَث) تدل على أنه يبعثه اللَّه تعالى مع قومه شهيدا لهم أو عليهم يوم القيامة، ويذكر النبي ﷺ بأنه بعث في كل أمة شهيدا عليهم يبلغهم في حياته، ويشهد عليهم يوم القيامة (وَجِئْنَا بِكَ شهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ) والجمع بين المضارع في قوله: (وَيَوْمَ نبْعَث
стр. 6053
فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ)، والماضي في قوله تعالى: (وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ) يدل على أن البعث في الدنيا بإرسال الرسل مبشرين، ومنذرين، والنبي ﷺ شهيد على كل الرسل، لأن رسالته هي الكاملة، وهي المتضمنة لكل الرسالات الإلهية كلها، فالإسلام دين اللَّه، وهو دين النبيين أجمعين، وهو خاتم الرسالات كلها.
وتدل بهذا الجمع بين الماضي والمستقبل بأن الله تعالى يبعث مع كل أمة يوم القيامة شهيدًا عليها بأنه أدى الرسالة وشهيدا لمن آمن واتقى، وشاهدًا على من كفر وعصى.
وبالنسبة للبعث الدنيوي وشهادة الرسول على الرسل أجمعين ذكر القرآن الكريم الذيِ نزل مصدقا لما بينِ يديه مِن الكتب وشاهدا للرِسل أجمعين قال تعالى: (ونَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانَا لِّكُلِّ شيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ).
وصفه اللَّه تعالى بأربعة أوصاف كاملة.
الوصف الأول - أنه تبيان كل شيء أي فيه بيان كامل لكل شيء من شئون الرسالات الإلهية للبشر، ففيه خير رسالات النبيين السابقين، وفيه بيان الأحكام المحكمة التي لم يَعْرُها نسخ من الشرائع الإلهية كلها، وفيه المعجزات التي جاءت بها الرسل معجزة معجزة، ولولا القرآن الكريم ما علمت على درجة اليقين معجزة لنبي أو رسول، لأنه الكتاب المحفوظ المتواتر حقا وصدقا.
والوصف الثاني - أنه هدى، فهو يشتمل على الهداية، كما قال قائل الجن:
(يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ. . .)، ويبين السبيل الأقوم والطريق المستقيم.
والوصف الثالث - أنه الرحمة، لأن شريعته رحمة للعالمين فهي بنظامها واقتصادها وحدودها، وكل عقوباتها رحمة للكافة من الأمة، وإن كانت فيها قسوة أحيانا على الآحاد، ففيها رحمة للعباد،
وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥)
* * *
وصف القرآن الكريم في الآية السابقة بأنه تبيان كل شيء وهدى ورحمة، وهو بذلك يشير إلى أنه جامع للشريعة وفيها الهداية، وفيها الرحمة، وقد بين اللَّه الهداية والرحمة وغيرها فقال:
стр. 6056
(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)
العدل يتضمن الرحمة بأعلى معاني الرحمة، وإن كان العدل يوجب الشدة والغلظة على الجناة، لأنه إذا كان فيه غلظة على الجاني، ففيه رحمة بالمجموع، والرحمة بالجرم تشجع الجريمة، ولذا قال ﷺ : " من لَا يَرْحَمْ لَا يُرَحْمْ " (١)؛ لأن العطف على الجاني إيذاء للكافة، ولقد قال النبي ﷺ في الرحمة المطلوبة: " هى الرحمة بالكافة " (٢)، وإذا كانت شريعة اللَّه تعالى رحمة للعالمين، فلأن قوامها العدل.
* * *
العدالة في الإسلام:
تجري في الشرائع كلمات ثلاث المصلحة أو المنفعة، والواجب أو الفضيلة، والعدالة، ونجد أن كلمة العدالة أشملها، بل هي تشمل الأمرين الآخرين، فإن العدل يتضمن المصلحة العامة والمنفعة الشاملة، إذ يكون الجميع في أمن ويمنع الظلم والبغي والعدوان، وهو بذلك يدفع أضرار هذه الموبقات، والعدل فيه حماية للأنفس، وقمع للرذائل، فالرذائل في جملتها اعتداء، وكل دفع للاعتداء يكون عدلا، وإن كل شيء في الشريعة قام على العدل، حتى عقود المعاملات فإنها قامت على المساواة، فأساس التعاقد هو المساواة بين العوضين، فإذا دخل التعامل
стр. 6057
غُبن أو تغرير أو مماكسة أثر ذلك في صحة العقد مما أدى إلى كلام طويل بين الفقهاء في ذلك.
والعدل الذي يأمر اللَّه تعالى به ليس هو فقط الإنصاف بين الناس المأمور به في قوله تعالى: (. . . وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ. . .)، بل إن العدل له شعب ثلاث:
١ - العدل في حق اللَّه تعالى بشكر نعمته، والقيام بما أمر من فرائض، والانتهاء عما نهى من منهيات، فذلك عدل مع اللَّه؛ لأنه في جملته من شكر النعمة، وهو عدل لأنه قيام بالواجب نحو ما أعطى .
٢ - وعدل في ذات نفسه بأن يكون مستقيم النفس، لَا انحراف ولا تجانف، ولا ميل عن الطريق السوى.
٣ - وعدل مع الناس بأن يحب لهم ما يحب لنفسه، كما قال ﷺ : " عامل الناس بما تحب أن يعاملوك "، وبأن ينتصف للناس من نفسه، ولا يلجئهم إلى الحاكم.
ثم أخيرًا إنصاف الناس إذا حكم.
وتعجبني كلمة قالها ابن العربي، فقد قال: " العدل بين العبد وربه إيثار حقه تعالى على حق نفسه، وتقديم رضاه على هواه، والاجتناب للزواجر والامتثال للأوامر، وأما العدل بينه وبين نفسه، فمنعها مما فيه هلاكها، قال اللَّه تعالى:
(. . . وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى)، وعزوب الأطماع عن الاتباع، ولزوم القناعة في كل حال ومعنى، وأما العدل بينه وبين الخلق فبذل النصيحة وترك الخيانة فيما قَلَّ أو كثر، والإنصاف من نفسه لهم بكل وجه، ولا يكون منك إساءة إلى أحد بقول ولا فعل، ولا في سر ولا في علن، والصبر على ما يصيبك منهم من البلوى، وأقل ذلك الإنصاف وترك الأذي ".
стр. 6058
ولم يذكر العدالة في الحكم؛ لأن ذلك أمر لَا يحتاج إلى تنبيه بعد نص القرآن في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وإِذَا حَكَمْتُم بَيْن النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ. . .).
هذا هو العدلى الذي أمر اللَّه تعالى به قد ذكرناه، وإن كان بيانه أعلى مما تشمله عقولنا، وقد ابتدأ به؛ لأنه يتعلق بالكافة، وهو مطلوب في كل حال، وهو إعطاء كل ذي حق حقه، ثم أمر بعد ذلك بالإحسان وهو أكثر من العدل فيوضأ، وخيره يمتد ويزيد؛ ولذا عقب العدل بالإحسان.
* * *
الإحسان:
والإحسان مصدر أحسن، وأحسن تتعدى بنفسها، وتكون بمعنى الإتقان والإحكام، ومنه الإحسان في العبادة كيفًا بأن ينصرف الوجه للَّه تعالى، ويقرب منه، ومنه أداء النوافل لإتقان الفرائض، ومنه حديث جبريل في التعريف بالإحسان " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " (١).
وأحسن تتعدى بـ (إلى) بمعنى أعطاه حقه وزاد عليه فضلا من عنده، حماية لنفسه من الظلم ووقاية له من التعدي، والإحسان بهذا المعنى يكون في المال فيكون بإعطاء الزيادة عما يستحق، ويكون في القول فيقابل القول السيئ بالقول الحسن، كما قال تعالى: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم)، ويكون بالصفح عمن ظلم، وبالعفو عمن أساء، ويكون بالربط بين الناس بالمودة والعفو فما زاد عبد بعفو إلا عزاء.
والإحسان يكون بين الخلطاء والعشراء، والتعامل الأحادي، ويكون الأمر بالإحسان بعد الأمر بالعدل انتقال من الأمر العام الذي هو صالح وواجب في كل الأحوال، وفي كل الأوقات إلى أمر آحادي تطيب له النفوس، وتتلاقى به بالمحبة والمودة، يكون التألف والتراحم والتآخي في الجماعة.
стр. 6059
إيتاء ذي القربى:
وبعد ذلك نزلت الأوامر إلى الأسرة بربط آحادها، فقال تعالى: (وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى) والقربى مؤنث أقرب، والمعنى إيتاء الأقربين ومعونتهم، وألا يضن عليهم بخير يقدمه لهم، وهو صلة الرحم التي أمر الإسلام بها، والإيتاء الإعطاء والأصل المال، ولكنه يشمل كل ما يكون خيرًا يسديه إليهم مالا أو معروفا.
والأسرة في الإسلام ليست مقصورة على الزوجين والفروع، بل هي الأسرة الممتدة الشاملة للأصول والفروع والحواشي من الإخوة والأخوات وأولادهم، والأعمام والعمات وأولادهم، والأخوال والخالات وأولادهم، وقد أوجبت الشريعة الإسلامية وجوب نفقة القريب على قريبه إذا عجز عن الكسب، ولم يكن ذا مال، ووضعت مقياسا دقيقا أساسه الغرم بالغنم فمن كان يرثه إذا مات، تجب عليه نفقته إذا عجز.
هذه هي التي أمر اللَّه تعالى بها، وعليها يقوم بناء المجتمع الصالح، وبعد ذلك نهى سبحانه عما يخرب ذلك المجتمع وينخر في عظام المجتمع الحمى، فقال تعالى: (وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْي).
نهى عن أمور ثلاثة هي أدوات الهدم في البناء الاجتماعي:
الأمر الأول - (الْفَحْشَاءِ)، وهي بمعنى الزيادة والإفراط فيها، وكل المعاصي فيها إفراط في الزيادة عن مقتضى الفطرة، ويقول البيضاوي في تفسير معنى (الْفَحْشَاءِ): هي الإفراط في متابعة القوي الشهوية كالزنى، فإنه أقبح أحوال الإنسان، ونقول إن الفحشاء تشمل كل متابعة للهوى الجامح الخارج عن حدود الاعتدال كشرب الخمر والقمار والزنى، ومجاوزة الحد في أي أمر من أمور الشهوة حسيا أو معنويا.
الأمر الثاني - (وَالْمُنكَرِ) هو ما تنكره العقول المستقيمة، ويخرج به المرء عن حد المعقول كقول الزور والبهتان، والإفراط في الاستهانة بحقوق غيره،
стр. 6060
والاندفاع وراء غضب جامح يخرج عن حد المعقول، إلى حد ما ينكره المجتمع ويتجافاه، ويقطع المودة وينقض ما أمر اللَّه تعالى به أن يوصل.
الأمر الثالث - (وَالْبَغْي) هو الاعتداء على الناس، والتجبر والاستعلاء عليهم، وأن يمنعهم حقوقهم ويأخذها بغير حق، وإن ذلك من آثار الوهم بأنه من صنف أعلى من صنفهم، فيغالي في الاستهانة بهم، ويبغي عليهم في حقوقهم، ويبخسهم حقهم، كما نرى الآن من بغى بعض الناس على بعض باسم أنهم سود، أو باسم أنهم من الأمم النامية، أو باسم الطبقات، فكل ذلك من وهْم الاستعلاء والغلو في إعطاء أنفسهم حقوقا ليست لهم، ولكنهم يفرضونها لأنفسهم، وسببها بغيهم وظنهم أنهم من صنف فوق الناس وأن الناس دونهم، ولقد قال البيضاوي في البغي ما نصه: " والاستيلاء على الناس والتجبر عليهم، فإنها الشيطنة التي بمقتضى القوة الوهمية، ولا يوجد في الإنسان شر إلا وهو مندمج في هذه الأقسام صادر بتوسط إحدى هذه القوى الثلاث (أي الشهوة أو الغضبية أو الوهمية).
وختم الله الآية بقوله تعالى: (يَعِظُكُمْ لَعَلَّكمْ تَذَكَّرُونَ)، أي رجاء منكم بأن تذكروا هذه الأوامر فتطيعوها، وهذه المنهيات فتجتنبوها، وتكون لكم موعظة تتعظون بها، وتعتبرون في اتصالكم بالناس والحياة بها.
لقد قال ابن مسعود: إن هذه أجمع آية لمعاني الإسلام، ويروى عن عثمان ابن مظعون أنه قال: أسلمت حياءً من النبي ﷺ فلما سمعت هذه الآية آمنت بالإسلام حقا وصدقا.
ويروى أن أكثم بن صيفي حكيم بني تيم وخطيبهم، وكبيرهم في سنه لما بلغه مخرج النبي ﷺ أراد أن يذهب وقد بلغه الكبر، فأبى عليه قومه، وقالوا: أنت كبيرنا لم تكن لتخف إليه، قال: فليأت من يبلغه عني، ويبلغني عنه، فدعا رجلين، فأتيا النبي ﷺ فقالا: نحن رسل أكثم بن صيفي، وهو يسألك: من