← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.

стр. 6056

(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) العدل يتضمن الرحمة بأعلى معاني الرحمة، وإن كان العدل يوجب الشدة والغلظة على الجناة، لأنه إذا كان فيه غلظة على الجاني، ففيه رحمة بالمجموع، والرحمة بالجرم تشجع الجريمة، ولذا قال ﷺ : " من لَا يَرْحَمْ لَا يُرَحْمْ " (١)؛ لأن العطف على الجاني إيذاء للكافة، ولقد قال النبي ﷺ في الرحمة المطلوبة: " هى الرحمة بالكافة " (٢)، وإذا كانت شريعة اللَّه تعالى رحمة للعالمين، فلأن قوامها العدل. * * * العدالة في الإسلام: تجري في الشرائع كلمات ثلاث المصلحة أو المنفعة، والواجب أو الفضيلة، والعدالة، ونجد أن كلمة العدالة أشملها، بل هي تشمل الأمرين الآخرين، فإن العدل يتضمن المصلحة العامة والمنفعة الشاملة، إذ يكون الجميع في أمن ويمنع الظلم والبغي والعدوان، وهو بذلك يدفع أضرار هذه الموبقات، والعدل فيه حماية للأنفس، وقمع للرذائل، فالرذائل في جملتها اعتداء، وكل دفع للاعتداء يكون عدلا، وإن كل شيء في الشريعة قام على العدل، حتى عقود المعاملات فإنها قامت على المساواة، فأساس التعاقد هو المساواة بين العوضين، فإذا دخل التعامل

стр. 6057

غُبن أو تغرير أو مماكسة أثر ذلك في صحة العقد مما أدى إلى كلام طويل بين الفقهاء في ذلك. والعدل الذي يأمر اللَّه تعالى به ليس هو فقط الإنصاف بين الناس المأمور به في قوله تعالى: (. . . وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ. . .)، بل إن العدل له شعب ثلاث: ١ - العدل في حق اللَّه تعالى بشكر نعمته، والقيام بما أمر من فرائض، والانتهاء عما نهى من منهيات، فذلك عدل مع اللَّه؛ لأنه في جملته من شكر النعمة، وهو عدل لأنه قيام بالواجب نحو ما أعطى . ٢ - وعدل في ذات نفسه بأن يكون مستقيم النفس، لَا انحراف ولا تجانف، ولا ميل عن الطريق السوى. ٣ - وعدل مع الناس بأن يحب لهم ما يحب لنفسه، كما قال ﷺ : " عامل الناس بما تحب أن يعاملوك "، وبأن ينتصف للناس من نفسه، ولا يلجئهم إلى الحاكم. ثم أخيرًا إنصاف الناس إذا حكم. وتعجبني كلمة قالها ابن العربي، فقد قال: " العدل بين العبد وربه إيثار حقه تعالى على حق نفسه، وتقديم رضاه على هواه، والاجتناب للزواجر والامتثال للأوامر، وأما العدل بينه وبين نفسه، فمنعها مما فيه هلاكها، قال اللَّه تعالى: (. . . وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى)، وعزوب الأطماع عن الاتباع، ولزوم القناعة في كل حال ومعنى، وأما العدل بينه وبين الخلق فبذل النصيحة وترك الخيانة فيما قَلَّ أو كثر، والإنصاف من نفسه لهم بكل وجه، ولا يكون منك إساءة إلى أحد بقول ولا فعل، ولا في سر ولا في علن، والصبر على ما يصيبك منهم من البلوى، وأقل ذلك الإنصاف وترك الأذي ".

стр. 6058

ولم يذكر العدالة في الحكم؛ لأن ذلك أمر لَا يحتاج إلى تنبيه بعد نص القرآن في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وإِذَا حَكَمْتُم بَيْن النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ. . .). هذا هو العدلى الذي أمر اللَّه تعالى به قد ذكرناه، وإن كان بيانه أعلى مما تشمله عقولنا، وقد ابتدأ به؛ لأنه يتعلق بالكافة، وهو مطلوب في كل حال، وهو إعطاء كل ذي حق حقه، ثم أمر بعد ذلك بالإحسان وهو أكثر من العدل فيوضأ، وخيره يمتد ويزيد؛ ولذا عقب العدل بالإحسان. * * * الإحسان: والإحسان مصدر أحسن، وأحسن تتعدى بنفسها، وتكون بمعنى الإتقان والإحكام، ومنه الإحسان في العبادة كيفًا بأن ينصرف الوجه للَّه تعالى، ويقرب منه، ومنه أداء النوافل لإتقان الفرائض، ومنه حديث جبريل في التعريف بالإحسان " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " (١). وأحسن تتعدى بـ (إلى) بمعنى أعطاه حقه وزاد عليه فضلا من عنده، حماية لنفسه من الظلم ووقاية له من التعدي، والإحسان بهذا المعنى يكون في المال فيكون بإعطاء الزيادة عما يستحق، ويكون في القول فيقابل القول السيئ بالقول الحسن، كما قال تعالى: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم)، ويكون بالصفح عمن ظلم، وبالعفو عمن أساء، ويكون بالربط بين الناس بالمودة والعفو فما زاد عبد بعفو إلا عزاء. والإحسان يكون بين الخلطاء والعشراء، والتعامل الأحادي، ويكون الأمر بالإحسان بعد الأمر بالعدل انتقال من الأمر العام الذي هو صالح وواجب في كل الأحوال، وفي كل الأوقات إلى أمر آحادي تطيب له النفوس، وتتلاقى به بالمحبة والمودة، يكون التألف والتراحم والتآخي في الجماعة.

стр. 6059

إيتاء ذي القربى: وبعد ذلك نزلت الأوامر إلى الأسرة بربط آحادها، فقال تعالى: (وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى) والقربى مؤنث أقرب، والمعنى إيتاء الأقربين ومعونتهم، وألا يضن عليهم بخير يقدمه لهم، وهو صلة الرحم التي أمر الإسلام بها، والإيتاء الإعطاء والأصل المال، ولكنه يشمل كل ما يكون خيرًا يسديه إليهم مالا أو معروفا. والأسرة في الإسلام ليست مقصورة على الزوجين والفروع، بل هي الأسرة الممتدة الشاملة للأصول والفروع والحواشي من الإخوة والأخوات وأولادهم، والأعمام والعمات وأولادهم، والأخوال والخالات وأولادهم، وقد أوجبت الشريعة الإسلامية وجوب نفقة القريب على قريبه إذا عجز عن الكسب، ولم يكن ذا مال، ووضعت مقياسا دقيقا أساسه الغرم بالغنم فمن كان يرثه إذا مات، تجب عليه نفقته إذا عجز. هذه هي التي أمر اللَّه تعالى بها، وعليها يقوم بناء المجتمع الصالح، وبعد ذلك نهى سبحانه عما يخرب ذلك المجتمع وينخر في عظام المجتمع الحمى، فقال تعالى: (وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْي). نهى عن أمور ثلاثة هي أدوات الهدم في البناء الاجتماعي: الأمر الأول - (الْفَحْشَاءِ)، وهي بمعنى الزيادة والإفراط فيها، وكل المعاصي فيها إفراط في الزيادة عن مقتضى الفطرة، ويقول البيضاوي في تفسير معنى (الْفَحْشَاءِ): هي الإفراط في متابعة القوي الشهوية كالزنى، فإنه أقبح أحوال الإنسان، ونقول إن الفحشاء تشمل كل متابعة للهوى الجامح الخارج عن حدود الاعتدال كشرب الخمر والقمار والزنى، ومجاوزة الحد في أي أمر من أمور الشهوة حسيا أو معنويا. الأمر الثاني - (وَالْمُنكَرِ) هو ما تنكره العقول المستقيمة، ويخرج به المرء عن حد المعقول كقول الزور والبهتان، والإفراط في الاستهانة بحقوق غيره،

стр. 6060

والاندفاع وراء غضب جامح يخرج عن حد المعقول، إلى حد ما ينكره المجتمع ويتجافاه، ويقطع المودة وينقض ما أمر اللَّه تعالى به أن يوصل. الأمر الثالث - (وَالْبَغْي) هو الاعتداء على الناس، والتجبر والاستعلاء عليهم، وأن يمنعهم حقوقهم ويأخذها بغير حق، وإن ذلك من آثار الوهم بأنه من صنف أعلى من صنفهم، فيغالي في الاستهانة بهم، ويبغي عليهم في حقوقهم، ويبخسهم حقهم، كما نرى الآن من بغى بعض الناس على بعض باسم أنهم سود، أو باسم أنهم من الأمم النامية، أو باسم الطبقات، فكل ذلك من وهْم الاستعلاء والغلو في إعطاء أنفسهم حقوقا ليست لهم، ولكنهم يفرضونها لأنفسهم، وسببها بغيهم وظنهم أنهم من صنف فوق الناس وأن الناس دونهم، ولقد قال البيضاوي في البغي ما نصه: " والاستيلاء على الناس والتجبر عليهم، فإنها الشيطنة التي بمقتضى القوة الوهمية، ولا يوجد في الإنسان شر إلا وهو مندمج في هذه الأقسام صادر بتوسط إحدى هذه القوى الثلاث (أي الشهوة أو الغضبية أو الوهمية). وختم الله الآية بقوله تعالى: (يَعِظُكُمْ لَعَلَّكمْ تَذَكَّرُونَ)، أي رجاء منكم بأن تذكروا هذه الأوامر فتطيعوها، وهذه المنهيات فتجتنبوها، وتكون لكم موعظة تتعظون بها، وتعتبرون في اتصالكم بالناس والحياة بها. لقد قال ابن مسعود: إن هذه أجمع آية لمعاني الإسلام، ويروى عن عثمان ابن مظعون أنه قال: أسلمت حياءً من النبي ﷺ فلما سمعت هذه الآية آمنت بالإسلام حقا وصدقا. ويروى أن أكثم بن صيفي حكيم بني تيم وخطيبهم، وكبيرهم في سنه لما بلغه مخرج النبي ﷺ أراد أن يذهب وقد بلغه الكبر، فأبى عليه قومه، وقالوا: أنت كبيرنا لم تكن لتخف إليه، قال: فليأت من يبلغه عني، ويبلغني عنه، فدعا رجلين، فأتيا النبي ﷺ فقالا: نحن رسل أكثم بن صيفي، وهو يسألك: من

стр. 6061

أن)، وما أنت؟، فقال الرسول ﷺ : " أما من أنا فأنا محمد بن عبد الله، وأما ما أنا فأنا عبد الله ورسوله، ثم تلا قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) "، قالوا: ردد علينا هذا القول فردده عليهم حتى حفظوه، فأتيا أكثم فقالا: أبى أن يرفع نسبه، فسألنا عن نسبه فوجدناه زاكي النسب، وسطا في مضر - أي من أشرف مضر - وقد رمى إلينا بكلمات قد سمعناها، فلما سمعها أكثم قال: إني أراه يأمر بمكارم الأخلاق، وينهى عن ملائمها. . كونوا في هذا الأمر رءوسا، ولا تكونوا أذنابا. هذا ويجب التنبيه إلى أن أبلغ ما في المأمورات العدالة، فهي أقواها أثرا في بناء المجتمع، وأقبح المنهيات البغي، فكلها يمس ناحية فيه، ولقد قال النبي ﷺ فيه وفي قطيعة الرحم: " ما من ذنب أحق أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم " (١). * * * العهد في الإسلام: دعا اللَّه تعالى في هذه الآية إلى العدل في وسط الجماعة الإسلامية، ودعا إلى العدل بين المسلمين وغيرهم، وميزان العدالة الدولية الوفاء بالعهد؛ ولذا جاء الأمر بالوفاء بالعهد بعد الأمر بالعدل، فقال عز من قائل:

стр. 6062

(وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١) أمر الله تعالى بأن يعدل المؤمنون مع غيرهم، ولو كانوا يبغضونهم، فقد قال تعالى: (. . . ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى. . .)، وإذا كان في بعض الديانات جاء عمن ينسبونها إليه: استغفروا لأعدائكم. فشعار الإسلام: اعدلوا مع أعدائكم، وشعار العدالة أقوى

стр. 6063

وأثبت وأليق، وكيف يستغفر للعدو إذا مات على ضلالة، ولكن العدل معه معقول في ذاته، وتحقيقه وهو الأكرم والأنسب. ومن العدالة مع الأعداء الوفاء بالعهد؛ ولذا قال تعالى: (. . . وَأَوْفُوا بِالعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا)، وقد قال تعالى: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ). قيل إنها جاءت في بيعة المسلم عند دخوله في الإسلام يبايع اللَّه ورسوله على الإسلام، وقيل: إن هذا في النذور، والحق إن الأمر في الآية عام في وجوب الوفاء بالعهد سواء أكان عهدا فرديا أم كان جماعيا أم كان دوليا، والوفاء بالعهد من العدالة، والعهد اتفاق بين طرفين يوجب على كل واحد منهما التزاما، وهو كأي عقد بين طرفين يوجب إلزاما والتزاما، فلا ينقضي إلا بتراضي الطرفين، وليس هذا داخلا في عموم قول النبي ﷺ : " من حلف على شيء، فرأى خيرا منه فليحنث وليكفر " (١)، فإن ذلك في الأيمان التي هي التزام شخصي كان يحلف ألا يفعل كذا، أو ألا يصلح بين خصمين، فإن ذلك واقع تحت النهي في قوله تعالى: (وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضةَ لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ. . .). وقد سمى اللَّه تعالى العهد الذي يعاهد عليه، ويكون فيه التزام من الجانبين؛ ولذا كان بصيغة المفاعلة، (عَاهَدتُّمْ)، وسماه عهد اللَّه لأنه موثق بيمين اللَّه عادة، ولأنه بين دولة الإسلام وغيرها، فكان كأنه عهد اللَّه الذي وثقه المسلمون في ظل اللَّه ﵎. وهو يشمل كل عهد عاهدته الدولة الإسلامية بعهد اللَّه تعالى، وهو عدل وقوة، أما أنه عدل فلأنه وفاء بما التزموا ومن العدل الوفاء لهم، وكما أنهم ملزمون بالوفاء فيجب علينا أن نلتزم به، وأما أنه قوة، فلأن من يطمئن إلى عدله

стр. 6064

يكون آمنا من جانب من عاهدهم، وينصرف لتنمية ثروته، وتمكين قوته، والانفراد بأعدائه الذين لم يعاهدوه، وانظر إلى عهد الحديبية الذي عقده النبي ﷺ مع المشركين، فإنه انصرف في المدة التي كان فيها عهد الدعوة إلى الإسلام، حتى كان من دخلوا في الإسلام بعد العهد أضعاف من دخلوا من قبله بل أضعاف أضعاف وانفرد ﷺ لليهود، فغزاهم في خيبر، وخرج للرومان في خيبر. والعهد ليس أبديا بل ينقض إن كانت خيانة، أو مظنة خيانة كما قال تعالى: (وَإِمَّا تخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ. . .). وإن العهد لَا يكون بين دولة الإسلام وغيرها من الدول فقط، بل يكون في داخل الدولة الإسلامية كالإخاء الذي كان بين المهاجرين والأنصار والمهاجرين بعضهم مع بعض والأنصار بعضهم مع بعض. وقد أكد سبحانه الأمر بالوفاء بالنهي عن النقض معللا النهي، فقال تعالت كلماته: (وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا). أي لَا تنقضوا العهود لأنها نقض للأيمان بعد توكيدها، والتوكيد هو التأكيد، وهما لغتان جائزتان وتوكيد الأيمان معناها أن تكون باسم اللَّه، وبأن تكون أمام شهود وفي مجالس تقرها وتؤيدها، والكفيل هنا هو الرقيب الضامن، فمن عاهد بيمين اللَّه، فقد جعل اللَّه تعالى كفيلا له ضامنًا لقوله فعليه أن يحترم، وكفيلا - هنا تتضمنه معنى الرقابة؛ لأن الكفيل يراقب المكفول، حتى يؤدي ما التزم أداءه. وقد بين سبحانه مضار النقض، وأشار إلى ذلك فقال: (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ)، أي عليم بما فعلتم وقد عقد العهد، ووثقتموه بيمين اللَّه تعالى، وعليم بفعلكم إذا أردتم النقض، وقد أكد علمه الأزلي بالجملة الاسمية، وبـ إن، وبلفظ الجلالة، وبتقديم الجار والمجرور على الوصف؛ لأنه يفيد مزيد العناية بأفعالكم وشدة رقابته عليها.

стр. 6065

وقد أكد اللَّه الأمر بالوفاء وإثبات أن الوفاء قوة فقال عز من قائل:

стр. 6066

(وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢) الأنكاث: جمع نكث كنقض الفَتْل هو الشعر الذي كان مفتولا ثم نقض، وصار أجزاء متفرقة بعد الفتل وشد الفتل، والمعنى أن العهد قوة، وقد شبه القرآن الكريم الذي ينقض عهده بالمرأة التي تفتل غزلها فتلا شديدا، ثم بعد فتله تنقضه أجزاء وصوفا متناثرا، وهو مثل يضرب لكل من يعمل عملا يكون له ثمرة طيبة ثم ينقض ما تم من جهة ويبطل عمله، فتفقد ثمرة العمل الذي عمله بحقها وجهها، وقوله تعالى: (تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكمْ)، أي بهذا الحمل وإبرام العقد وتوثيقه بالأيمان تتخذون الأيمان والحلف باللَّه (دَخَلًا)، أي غشا وخديعة وتضليلا بينكم. وقوله تعالى: (أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةِ)، (أَرْبَى) أي تكون أكثر عددا، وأوسع أرضا، وأكثر مالا، وأقول قوة فكلمةَ (أَرْبَى) تشمل كل هذا. والأمة التي هي أربى هي الناقضة للعهد بعد الأيمان الموثقة، أو هي المنقوض للعهد بالنسبة لها، وعلى المعنى الأول أن النقض للعهد أو الرغبة فيه سببها إرادة أن تكون أمة هي أربى من أمة، فتنقض العهد ليتسع حيزها، وليكثر عدد من هم في ولايتها، فمعنى الآية على هذا التخريج لَا تكونوا كالتي نقضت غزلها رغبة في أن تكون أمة هي أربى من أمة، أو إرادة ذلك أي لتكون أربى عددا أو أكثر ولدا وأوسع أرضا، أو أقوى عدة من أمة. وإذا كان المنقوض عهدها هي الأربى، فمؤدى ذلك أن يكونوا قد عقدوا معها لقوتها، وأنها أربى ويكون قد عقد دخلا وغشا لينقض في أول فرصة. وإني أميل إلى التخريج الأول لأنه أوضح بيانا، وأظهر برهانا، ومؤدى القول أنه لَا يصح نقض العهد لإرادة الاستعلاء، كما كان يفعل المشركون، وكما

стр. 6067

كان يفعل الذين لَا يرقبون في المؤمنين إلَّا ولا ذمة وإن هذا النص السامي يدل على ثلاثة أمور: الأمر الأول - أن العهد قوة، وأن الوفاء به استمساك بما فيه قوة، وأنه يكون كالحمقاء تفعل ما هو سبب للقوة ثم تنقضه، وأن الأمم مهما تكت قوتها إذا استهانت بالعقود لَا يثق الناس في رجائها، فإذا كانت الشديدة تلفتت فلا تجد أحدًا حولها؛ لأنه لَا ثقة فيها، وقد رأينا ذلك رأي العين في أمم شرقت وغربت، ثم تزايلت حتى زال سلطانها. الأمر الثاني - أن العهد إن زحم نقضه غشا وخديعة لَا يقدم عليه أهل المروءة والأعزَّاء، وعبث بأيمان اللَّه . الأمر الثالث - أن علو الأمم في الوفاء بعهدها لَا يصح أن تتخذ النقض أمة لتنمو وتربو فإنها إن ربت ونمت بالإخلاف بالوعد، فهو نمو يحمل في نفسه ما يوجبه انحلاله وذهاب قوته. وإن الوفاء بالعهد بين الأمم احترام الإنسانية التي يعقدون معهم، فهم يعدونهم أناسي مثلهم يعوفون حقوقهم ويراعون الواجبات نحوهم، والذين ينقضون العهد تسول لهم قوتهم أنه ليس لأحد حقوق قِبلهم، ولا يعاملونهم إلا كمن هم دونهم، وقد رأينا ذلك في حكومة عاتية أزالها فساد عهودها، ونراها الآن في وريثة لها تكبر من غير عهد ولا ذمة ولا ضمير ويحسبون الناس قد أباحتهم لهم قوتهم. وإن الوفاء بالعهد، وهو من مكارم الأخلاق وملاحظة حقوق الإنسان لأخيه، ونقض العهد نقيض ذلك وكثرة الأمم وقلتها وهو من ابتلاء الله تعالى للأمم وللناس؛ ولذا قال تعالى: (إِنَّمَا يَبْلُوكمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقيَامَةِ مَا كنتُمْ فِيهِ تَختَلِفُونَ)، الضمير في (بِهِ) يعود إلى أن تكون أمة أربى من أمة أو إلى نقض العهد لذلك، أي يختبركم اللَّه تعالى بأن تكون أمة كثيرة العدد واسعة

стр. 6068

الأرض كثيرة المال وأخرى ضعيفة فإن صبرت القوية الرابية واستمسكت بالوفاء زادها اللَّه تعالى، وإن غلب عليها هواها، فاستهانت بالعهد لاستهانتها بمن عقدته معها، فإن مآلها الضعف والخذلان، واللَّه عليم بما يفعلون، هذا عقاب الدنيا، أما عقاب الآخرة، فقد ذكره بقوله: (وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتلِفُونَ)، وبيان اللَّه تعالى يوم القيامة يكون مقترنا بجزائه، إن خيرًا فخير، وإن شرا فشر، وقد أكد بيان ذلك الجزاء لهم أولا بلام القسم، وثانيا بنون التوكيد الثقيلة وبالقسم، وما كانوا يختلفون فيه هو الشرك والإيمان ثم الوفاء والنقض ثم احترام الإنسانية والاستهانة بها، فكل ذلك جزاؤه يوم القيامة، ولا تستوى الحسنة ولا السيئة ولا الإيمان والكفر، ولا الوفاء بالعهد ونقضه. وإن ذلك الاختلاف بين الحق والباطل هو إرادته سبحانه ليبلوكم أيكم أحسن عملا؛ ولذا قال سبحانه:

стр. 6069

(وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣) والمعنى لو أراد ذلك سبحانه وتعلقت مشيئته بأن أمة واحدة آخذة بالحق مهدية لجعلكم كذلك، ولكن خلقكم سبحانه، ولكم إرادات مختارة تسلك الحق أو الضلال، ويختبر أهل الباطل بأن يعطيهم قوة يهتدون بها، أو يضلون، ومعنى أمة واحدة أمة مهدية أو أمة شقية، وتكونون حينئذ على سواء في الهداية أو الشقاء، ولكن كانت لكم هذه الإرادات التي بها تضلون إن سرتم في طريق الضلال، وتهتدون إن سرتم في طريق الهداية. ولكن إرادة اللَّه تعالى اتجهت إلى ذلك الاختلاف لتكون الحياة ولتكون المعاقبة بين الخير والشر، ويتنازع أهل الشر مع أهل الخير وليكون الخير بعمل أصحابه، والشر بعملِ أصحابه، ويكون الضلال وتكون الهداية؛ ولذا قال: (وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) إضلال الله هو كتابة العبد في أهل الضلال وهداية اللَّه كتابته في أهل الهدى، وذلك لأن العبد له إرادة يشعر بها،

стр. 6070

وأنه ليس بمجبر فيها، وأنه يختار إما الضلالة ليشقى وإما الهداية فيسعد، وما يعمله مكتوب في اللوح المحفوظ، فهو في هذا اللوح، إما شقي وإما سعيد، وقد غيب عنه المكتوب ليفعل ما يفعل حرا مختارا، هذا أمر شعوري بدهي، لَا يحتاج إلى فلسفة أهل الجبر ولا أهل الاختيار. والاستدراك في قوله تعالى: (وَلَكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ. . .) إنما هو عن خلقهم أمة واحدة بل هو للتفرقة بين الضلال والهدى فيما يكتبه اللَّه تعالى، ويقدره، ولقد قال سبحانه بعد ذلك (وَلَتُسْألُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)، أي أن أعمالكم باختياركم وبقوتكم الذاتية وتسألون عنها: أهي خير فتثابوا أم هي شر فتعذبوا، وكل أعمالكم مكتوبة عليكم وبكتابتها يضلكم أو يهديكم. وبعد أن بين سبحانه أن كون أمة أربى من أمة هو بمشيئة اللَّه وإرادته مع بقاء الاختيار للعباد أكد النهي عن نقض الوفاء بالعهد فقال:

стр. 6071

(وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٩٤) كان النهي عن اتخاذ الأيمان دخلًا أي غشا وخديعة في العهود؛ لأن الكلام كان في العهود ونقضها، إذ ابتدأ القول: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ) أما النهي في هذه الآية عن اتخاذ الأيمان دخلًا، فهو نهي عن الحلف الكاذب خديعة وغشا ومكيدة بعهد كان يعتزم فعل أمر أو يظهر اعتزامه ويوثقه بيمين، ولا يتجه إلى المعاهدة عليه، فإن ذلك منهي عنه، أو يؤكد كلامه عن أمر سابق باليمين وهو كاذب في يمينه، فإن اليمين في هذه الحال غش وخديعة ويكون ممن لَا يطاع ولا يستمع إليه إذ يقول اللَّه تعالى: (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١). وعلى ذلك يكون النهي عن اتخاذ الأيمان للغش والخديعة يشمل العهود والبيعات ويشمل توثيق يمين منعقدة لَا ينوي التنفيذ فيها، أو يمين غموس هو فيها كاذب، كشهادات الزور، ونحوها مما تتخذ اليمين للغش والخديعة، وضياع الحقوق والدعاء الباطل وتأكيده بهذه الأيمان.

стр. 6072

ولقد قال تعالى فيما يترتب على اتخاذ الأيمان الباطلة غشا وخديعة وتثبيتا للكذب (فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا)، هذا تشبيه جيد وهو استارة من قبيل تشبيه المعنوي بالحسي أي شبه الانحراف الديني الذي يؤدي إليه الأيمان الباطلة بعد الإسلام والاستظلال بظله كزلَّة القدم بعد ثبوتها قوية، فمعنى الزلل الانتقال من الخير إلى الضرر. (وَتَذوقُوا السُّوءَ)، والسوء هو الأمر السيئ وشبه بالشيء الذي يذاق كأنه بعد أن ذاق حلاوة الإيمان ذاق السوء وهو الكفر، ذلك لأن الأيمان الكاذبة تفسد اليقين، وتضعف الإيمان بالحق، وفوق ذلك إذا شاعت ضاعت الثقة بين الناس، وصار الناس لَا يؤمنون بشيء، وإن ذلك يؤدي إلى الضلال، والضلال يؤدي إلى الصد عن الحق، والحق هو سبيل اللَّه المستقيم، وصراطه الهادي؛ ولذا قال تعالى: (وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) فإنه لَا يضيع الحق ولا يسير الناس في ضلال من أمورهم إلا الكذب، فإذا وثق بأيمان فاجرة كان الصد عنه بل ضياعه. ولذا قال تعالى في عقابه: (وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)، أي كبير شديد ونكر لإفادة أنه عظيم أبلغ العظم لَا يعرف مقداره، ونكرت (قَدَمٌ) وأفردت لأنه تتعدد الأقدام الزالة بتعدد الأيمان، وأكد سبحانه النهي عن نقض العهد مهما يكن الثمن، فقال تعالى:

стр. 6073

(وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥) عهد اللَّه تعالى هو عهده سبحانه الذي أمر بالوفاء به في قوله: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ) فكل عهد تعاهد المؤمن أو دولة الإيمان عليه هو عهد اللَّه تعالى لَا يصح أن ينقض؛ لأنه يؤدي إلى الخذلان وإلى الصد عن سبيل اللَّه سبحانه، وتشتروا هنا معناها تبيعوا؛ لأن الباء داخلة على المتروك، وقوله تعالى: (ثَمَنًا قَلِيلًا) قد وصف سبحانه ما يترك لأجله العهد بأنه ثمن قليل مهما يكن مقداره؛ لأن ما يضيع بسبب ترك العهد من فقد الثقة والشك في العهود والمواثيق أمر كبير لَا يقدر بقدر؛ لأنه يكون الوهن والخزي والضياع وقد ضربنا الأمثال على

стр. 6074

ذلك كثيرا، وفوق ذلك عذاب اللَّه تعالى يوم القيامة وجزاؤه على الوفاء في الدنيا والأخرة فقال تعالى: (إِنَّمَا عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ). (ما) اسم موصول بمعنى الذي، أي أن الذي ادخره اللَّه في الدنيا والآخرة خير لكم، ففي الدنيا تكون عزة الحق، وقوة الوفاء وهو في ذاته قوة، وخصوصا إذا كان العقد مع الضعفاء، وفي الآخرة نعيم مقيم. * * * الله أبقى وخيره أبقى قال اللَّه تعالى: (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧) فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) * * * في الآية السابقة، قال تعالى: (وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) وختم الآية بقوله تعالى: (إِنَّمَا عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ). وفى هذه الآيات الكريمات يبين وجه الخيرية لما عند اللَّه تعالى؛ ولذا قال تعالى:

стр. 6075

(مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦) (ما) اسم موصول بمعنى الذي، أي الذي عندكم أعراض فانية فإن كانت مالا فإنها تنفدُ ينهيها الزمان مهما يكن الحرص، وإن بقيت فإنما تبقى بقدر حياة الذي يقتنيها، وإن حياته لقصيرة في أزمان الناس، (وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ)، أي والذي عند اللَّه باق يبقى ببقاء الجنة، وإن نعيمها الخالد والذين ينالونها خالدون فيها أبدا، والفرق بين ما عند الناس حلالا وحراما وما عند اللَّه هو الدوام فنعيم الآخرة مقيم، ونعيم الدنيا فأقصى مدته هي مدة الدنيا. وقد بين الذين يستحقون ما عند اللَّه وهو الباقي فقال: (وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، و (صَبَرُوا) صلة الموصول، وهي تشير إلى أن الصبر سبب هذا النعيم الباقي الذي لَا ينفد، فالصبر وهو ضبط النفس في ظل الأوامر والنواهي، فضبط النفس عند الأمر بالوفاء بالعهد يوجب ألا يتدفع الناس وراء بارقة تحمل على النقض، ويوجب ألا يستطار وراء مطمع فلا يفي، والصبر هو الذي يضبط النفس فيحملها على الطاعة، ويحملها على اجتناب المعاصي، والجهاد بالصبر على كف أهواء النفس ونزعاتها جهاد سماه النبي ﷺ الجهاد الأكبر. وقال تعالى: (أَجْرَهُم) جزاء بأحسن الأعمال التي عملوها فقال: (بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)؛ أي بأحسن الأعمال التي عملوا، يعني يتخير اللَّه تعالى لهم من أعمالهم أحسنها، ويغفر لهم اللمم والهنات، والجزاء على أحسن الأعمال يتناول الجزاء الأوفى على كل عمل يعملونه، وإن اللَّه لَا يضيع أجر المحسنين، وإن الصابرين لهم أجران: أجر الصبر وهو جهاد، وأجر العمل وهو إحسان، وهنا أمران بيانيان: الأمر الأول - في المقابلة بين ما عند الناس، وما عند اللَّه، فقد وصف ما عند الناس بأنه ينفد، وما عند اللَّه بأنه باق، أي له صفة البقاء والدوام والاستمرار وفرق بين ما يوجد لينتهي وما يوجد ليبقى.

стр. 6076

الأمر الثاني - أن اللَّه تعالى أكد جزاء الصابرين بالقسم ولامه، ونون التوكيد الثقيلة فقال: (وَلَنجْزِيَنَّ الَّذِين صَبَرُوا) وإن الجزاء يتخير فيه أحسن الأعمال ويعفو عن كثير. . . . . وقد بين جزاء العالمين الصابرين فقال عز من قائل:

стр. 6077

(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧) (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ. . .). (مَنْ) هنا شرطية أو موصولة، و (الفاء) تدخل في خبر الموصول لما بينه وبين الشرط من صلة إذ هو في معناه، و (مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثَى) بيانية ليعمها الجزاء بعد أن عمها الفعل، وذكر (صَالِحًا) والموصوف والعمل غير مذكور سواء أكان مقدرا أم كان غير مقدر، وذلك ليتجه النظر إلى نية الصلاح والمصلحة في العمل، فإن الاعتبار للنية ككل خير في قانون الأخلاق العبرة فيه إلى النية، كما قال ﷺ : " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى " (١). وذكر هنا الذكر والأنثى مع أن الكل تشملهم التكليفات، والخطاب يشمل الذكر والأنثى، فيدخل الذكر ابتداء، ويدخل الأنثى بقانون المماثلة من حيث التساوي بينهما، ذكر الأنثى في هذا؛ لأن الجزاء بالحياة الطيبة والاطمئنان وهذه تهم الأنثى بالذات فكان ذكر الأنثى فيه فضل حث وتحضيض للأنثى على عمل الصالح لتطيب حياتها بسعادة واطمئنان في ظل زوج صالح. وقال تعالى في جزاء الصلاح بنيته المعتزمة للخير، والحال أنه مؤمن ثابت الإيمان قوى اليقين استمر في إيمانه حتى لقي ربه راضيا مرضيا: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً)، أي يحييه اللَّه تعالى حياة طيبة في الدنيا، و (الفاء) في جواب الشرط أو ما هو في معنى الشرط، وهو الموصول وقد أكد سبحانه أنه يحييه حياة طيبة بالقسم

стр. 6078

وباللام الموطئة للقسم، وبنون التوكيد الثقيلة، وما الحياة الطيبة التي وعد اللَّه بها عباده المؤمنين الذين يعملون العمل الطيب بقلوب قاصدة الخير والصلاح، والصلاح غايتها ومبتغاها؛ الحياة الطيبة هي أن يكون رزقها حلالا، وأن يجملها اللَّه تعالى بالرضا بكل ما يأتي به، والقناعة في حال العسر، والرزق الحلال، أو طلب الحلال في اليسر، والصبر في الضراء والشكر في السراء، وبرد اليقين وذكر اللَّه تعالى دائما، في حال البأساء والضراء وحمال الباس (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)، وفي الجملة الحياة الطيبة هي الحياة الراضية القانعة الشاكرة الصابرة ولا يكون ذلك إلا لمؤمن، وإن هذه الحياة الطيبة جزاء عاجل للإيمان والصالح من الذكور والإناث فلا سعادة خير من سعادة الرضا بالعمل الصالح، واطمئنان القلب بذكر الله والتوكل عليه في الشديدة والكريهة بعد أخذ الأسباب والاتجاه إلى اللَّه، أما الجزاء الآجل المؤكد الذي لَا مرية فيه، فهو في الآخرة، وقد قال تعالى فيه: (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ)، ولم يذكر في الحياة الطيبة أنها أجر، بل ذكرها على أنها ملازمة للعمل الصالح الصادر من قلب سليم، فهي ثمرة للصالح كثمرة الشجرة، وكإنتاج الزرع وحيثما وجد العمل الصالح كانت الحياة الطيبة ولو كانت جهادًا مستمرا، ومع ذلك له أجر هو ثواب الآخرة يجزيهم اللَّه تعالى بأحسن ما يعملون، وقد ذكر أنه سبحانه يجازي (بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) فجعل عملهم الصالح أو أحسنه هو الجزاء، لأنه يماثله أو يساويه كأنه هو، وهو مانح النعم ومجريها، وقد ذكر بعد صالح الأعمال والأقوال وهو أعلاها، قراءة القرآن وذكره فقال تعالى:

стр. 6079

(فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) ذكر اللَّه تعالى بعد الصالح من الأعمال والأقوال، والإصلاح يين الناس قراءة القرآن، فقال: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ).

стр. 6080

ذلك لأن قراءة القرآن ذكر للَّه، واستماع لحديث اللَّه وترداد له فهو إصلاح للقلوب وللنفوس، ولم يطلب من النبي ﷺ والمسلمين قراءته بل إن الإيمان يقتضي قراءته؛ لأنه أحسن الحديث، بل كان الأمر بقراءته ضمنيا في ضمن الأمر بالاستعاذة من الشيطان الرجيم، وكان أمرا بالقراءة والاستعاذة معا، وفيه فائدة أن القراءة لَا تجدي جدواها إلا إذا كانت معها الاستعاذة الحقيقية من الشيطان بإبعاد وساوسه في تمنيات الإنسان إذ إن الأماني ذريعة الشيطان، يدخل قلب المؤمن من جانبها كما أتى قلبي آدم وحواء بالأماني، ثم سول لهما الأكل من الشجرة، (الفاء) في قوله: (فَاسْتَعِذْ) هي فاء الإفصاح لأنها تفصح عن شرط مقدر، أي إذا اتجهت بالعمل الصالح والقول الصالح إلى القرآن (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ. . .). و (قَرَأْتَ) هنا تطوى في ذاتها نية القراءة أي إرادتها، فمعنى فإذا قرأت أي أردت القراءة، كما في قوله تعالى: (. . . إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ. . .)، وكقوله تعالى: (. . . وَإِذَا قلْتُمْ فَاعْدِلُوا. . .)، وكقوله تعالى: (. . . وَإِذَا حَكمْتم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ. . .)، وقوله في شأن حجاب نساء النبي ﷺ عن السائلين متاعًا (. . . وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ. . .)، ففي كل هذه الآيات ذكر الفعل وطويت النية والإرادة لأنها ملازمة له ومقترن بها لَا بتحقق من غيرها، بل الإرادة والنية هما الحقيقتان والقول مظهرها ولا ينفصل الباعث عن المظهر إذا كانا متصلين في الوجود، ولذا كانت الاستعاذة مقدمة على القراءة بإجماع العلماء، ومنهم من جوز الاستعاذة بعد القراءة، والاستعاذة معناها الالتجاء إلى اللَّه تعالى، والابتعاد عن وسوسة الشيطان وقت القراءة، ووسوسته تجيء من بث الأماني في النفس، وقد قلنا إنها ذريعة الشيطان وطريق دخول الهوى إلى النفس و (الرَّجِيمِ) معناه المطرود الملقى عليه الحجارة، تثبيتا للإبعاد والطرد، والخطاب للنبي ﷺ ابتداء، ولأمته تبعا، وهم من يقتدى ويتبع، فالأمر بالاستعاذة أمر للأمة كلها، وهي بها أجدر وأحق.

стр. 6081

وقد أكد سبحانه معنى الاستعاذة ببيان أنه ليس له سلطان على الذين آمنوا فقال عز من قائل: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) يحصن المؤمنين من الشيطان أمور ثلاثة: الحصن الأول - الاستعاذة منه بالقلب واللسان كما أمر الله تعالى: (فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)، كما قال النبي ﷺ قال: " علمنيها جبريل " (١) فإن الاستعاذة تحصين للقلب من وساوس الشيطان ودخول هذا الحصن قراءة القرآن الكريم. والحصن الثاني - الإيمان فإن الإيمان حصن الحق من الغرور والأوهام والأهواء، وكلها ذرائع الشيطان؛ ولذا قال في وعيده بالإغواء: (. . . وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠). والحصن الثالث - التوكل على الله حق توكله، وأخذ الأسباب وتفويض الأمر إليه تعالى، وهو العلي القدير. وهذا هو مؤدى قوله تعالى:

стр. 6082

(إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا) والضمير في (إنه) يعود إلى الشيطان المذكور في قوله تعالى: (فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ) والسلطان الحجة والبرهان والاستيلاء على النفس المؤمنة، ولا يمكن أن يكون له ذلك عليها؛ لأنها تعرف أنه عدوها ومرديها ومفسدها، وماضيه في ذلك عندها معروف علمها إياه الحكيم العليم، وهي تتوكل على الله وحده، فلا يمكن أن يستولي عليها، فالنفس المؤمنة ليست فارغة حتى يتولاها. وقوله تعالى: (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)، فيه تقديم الجار والمجرور على الفعل يفيد القصر، أي لَا يتوكل المؤمنون إلا على الله فليس في قلوبهم فراغ للشيطان يحتله، والتعبير بـ (رَبِّهِمْ) يزكي: توكلهم، لأنه الذي ذرأهم ورباهم

стр. 6083

وكوَّنهم، وإنما الشيطان يحتل بولايته من لَا ولاية له مع اللَّه، وفي نفوسهم فراغ من سلطان اللَّه تعالى، ولذا قال تعالى:

стр. 6084

(إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) قصر سبحانه سلطانه (عَلَى الَّذِين يَتَوَلَّوْنَهُ)، أي على الذين جعلوا ولايتهم له فاختاروا الهوى على الحق والأوهام على الفعل، وكان سلطانه بمعنى حجته عليهم، لأنه أغواهم أولا بالأوهام الضالة والأهواء الجامحة المغيرة فكانت حجته الباطلة رائجة عندهم، وإنما أداة قصر، أي لَا سلطان ولا ولاية على غيرهم إذا ضلوا سواء السبيل، فأضلهم وفرغت نفوسهم عن الإيمان فملأها بالأوهام. وقد قال تعالى في وصفهم إذ صار سلطانه عليهم: (وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ) وفي هذا توكيد لتوليهم له، فهم مشركون بسببه أن اعتقدوا في الأحجار الوهمية وهي لَا تضر ولا تنفع بسببه، وأشركوهم مع اللَّه بسبب تحكمه بأوهامه فيهم. * * * معجزة القرآن وقولهم فيها قال اللَّه تعالى: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)

стр. 6085

إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥) * * * كان المشركون لَا يعدون القرآن معجزة تساوى معجزات النبيين السابقين كعصا موسى وإبراء عيسى للأكمه والأبرص، وإخبار الناس بما في بيوتهم وما يدخرون فيها وإحياء الموتى، وإخراجهم من قبورهم بإذن الله وإنزال المائدة من السماء ليأكلوا منها، كانوا يطالبون النبي ﷺ بمعجزات مادية حسية، ولا يقنعون بأن تكون المعجزة قرآنا يقرأ فبين اللَّه تعالى أنه الذي يأتي بالمعجزات الدالة على أنه أرسل الرسل فهي إمارات الرسالة يعلم بها من الرسول ﷺ بأنه من عنده. فقال تعالى ردا على طلبهم آية: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا. . .).

стр. 6086

(وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ)، أي إذا جئتنا بالقرآن آية على صدق الرسول مكان آية أخرى حسية رفضناها وجئنا بهذه الآية المعنوية مكانها، واللَّه صاحب الآيات والرسالات أعلم بالصالح منها، و (أعلم) أفعل تفضيل على غير بابه لأنه لَا مفاضلة بين علم الله تعالى، وعلم غيره. وعلم اللَّه تعالى بما ينْزل البالغ أقصى كمال العلم اقتضى أن تكون معجزته قرآنا يقرأ، وباق يتحدى الأجيال جيلا بعد جيل إلى يوم القيامة، وهو القادر على كل شيء؛ لأن المعجزات الحسية، إعجاز وقتي ينقضى بعد وقته، ولا يعجز إلا من رآه أو تواتر خبره من بعده، وإن القرآن المعجزة الكبرى الخالدة الباقية إلى يوم القيامة هي التي سجلت معجزات النبيين من قبله. يقولون غير مصدقين محجزة النبي ﷺ : (إِنَّمَا أَنتَ مفْتَرٍ) أي إنما أنت كذاب قد افتريت الرسالة وادعيتها من غير حجة ولا برهان، وقد رد الله تعالى

стр. 6087

قولهم بقوله سبحانه: (بَلْ أَكرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)، (بَلْ) للرد عليهم، والإضراب عن قولهم الناشئ عنه، وقال سبحانه: (أَكْثَرُهُمْ)، للدلالة على الذين صدقوا وآمنوا بالمعجزة هم الأقل عددًا، وإن كانوا الأكثرين إدراكا وعلما. ذكرنا في كلامنا أن معنى الآية المعجزة الدالة على رسالة الرسول، وأن اللَّه تعالى يرفع معجزات كانت قد جاءت مؤيدة رسالات الأنبياء السابقين قد بدلها اللَّه تعالى، وأتى بمعجزة صالحة للبقاء تتناسب مع رسالة خاتم النبيين الذي تكون رسالته حجة على العالمين إلى يوم القيامة فتكون قائمة ثابتة تنادي بحجية ما يدعو إليه يوم القيامة. ولكن أكثر المفسرين يفسرون الآية بالآية المتلوة حتى الزمخشري، ويقولون إن معنى الآية، وإذا بَدَّل الله آية فنسخها ورفعها وجاء بآية أخرى لمصلحة في الأولى في حكمها في زمانها، والإتيان بآية أخرى لمصلحة حكمها في هذا الزمان الذي جاءت، وإن ذلك جرى على أقلام أولئك المفسرين لرواج فكرة النسخ تلاوة وحكما، وحكما لَا تلاوة، وتلاوة لَا حكما كما ادعى في الرجم، وإن ذلك أداهم إلى التساهل في دعوى الرجم، ولو كان الجمع بين الآيتين ممكنا لَا تخالف بينهما. وإن الذي ذكرناه أولا هو المقبول عندنا، فلا نسخ في هذا الموضع على الأقل في آية من القرآن للوجوه الآتية. الوجه الأول - أن الكلام في موضوع القرآن ذاته وكونه مفترى أو قام الدليل على صدقه لظاهر قوله عنهم: (قَالوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ) فحصروه في الافتراء فنفوا الرسالة كلها، ويناسب ذلك أن يكون التبديل في المعجزات السابقة، ووضع القرآن في موضعها. الوجه الثاني أنه تعالى قال بعد ذلك ردا على الافتراء وعلى الاعتراض بقوله:

стр. 6088

(قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ ... (١٠٢) فتبين أن موضوعها القرآن كله، لَا نسخ آية، واستبدال آية أخرى بها.

стр. 6089

الوجه الثالث - قوله تعالى بعد ذلك:

стр. 6090

(وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) الوجه الرابع - أن هذه السورة مكية، والآيات المكية تتجه نحو التوحيد وإثبات الخالق، وأحكامها قليلة، والتجربة فيها قليلة. لهذا كله سمحنا لأنفسنا بأن نخالف كثرة المفسرين، وإن كان لهم أجر فيما اجتهدوا، وهو أجر واحد. وقد رد اللَّه تعالى افتراءهم بأمر النبي ﷺ أن يقول لهم: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ). الخطاب للنبي ﷺ بالأمر من ربه والضمير في (نَزَّلَهُ) للقرآن المذكور آنفا في قوله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)، و (نَزَّلَهُ) مصدره التنزيل، وهو الإنزال المتدرج على حسب المناسبات، وليتمكن الذين يكتيون من كتابته، وهم أميون، لَا يستطيعون الكتابة الطويلة، وليحفظوه فيسجل في الصدور بدل السطور فيصعب بل لا يمكن تحريفه، وقد تواتر جيلا بعد جيل، و (رُوحُ الْقُدُسِ) وهو الروح الطاهر، وهو جبريل ﷺ ، وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة، كقولهم حاتم الجود، وعليٌّ البيان، ونحو ذلك، وهذا مبالغة من اللَّه في وصفه بالطهر والصدق، وأنه رسول من اللَّه صادق أمين وهو الذي نزل بالقرآن على قلب النبي ﷺ ، كما قال تعالى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤). وقد ذكر سبحانه أن غاية نزوله أن يزيد الذين آمنوا تثبيتا على الحق، ولذلك قال تعالى: (لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا) التثبيت زيادة ما يكون ثابتا قوة وثباتا، (الَّذِينَ آمَنُوا) الذين يدركون الحق بمداركهم الفطرية، ويتجهون إليه اتجاها مستقيما،، فيدركونه بمواهبهم، والشرائع السماوية تثبت الحق في قلوبهم، (وَهُدًى وَبُشْرَى)، أي أنه ذاته هدى، وهذا

стр. 6091

تأكيد لمعنى أنه يهدي، فهو يهدي إلى الخق وإلى صراط مستقيم، وكأنه الهداية ذاتها (وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)، أي هو بشرى للذين يسلمون وجوههم للَّه تعالى، ويخلصون للحق من غير مراء ولا جدال. وهنا إشارات بيانية نشير إليها، فإنها تبين معاني التنزيل: الإشارة الأولى - قوله تعالى: (مِن رَّبِّكَ)، أي من الخالق البارئ الذي ربك ورباك، وربَّى الوجود كله، وهو الحي القيوم. الإشارة الثانية - في قوله تعالى: (بِالْحَقِّ)، أي متلبسا بالحق، فهو الحق، وما جاء به هو الحق من عند اللَّه، وكان في ذاته لَا يمكن أن تتمادى فيه العقول المستقيمة، فهو في ذاته حق، كما هو في ذاته هداية. الإشارة الثالثة - الإشارة إلى أنه نازل من عند اللَّه تعالى، ونزل به أمين طهور صادق. ولقد راعهم ما اشتمل عليه من قصص صادق للنبيين، وعظات مرشدة هادية، وتوجيه إلى الكون، وما اشتمل عليه من مكارم الأخلاق ونهيه عن ملائم الضلال، وأمره بالوفاء بالعهد، وغير ذلك. راعهم ذلك، وبدل أن يذعنوا للحق إذ جاءهم ماروا فيه، فإن المبطل المماري لا تزيده الحجة إلا عنتا وإمعانا في الضلال؛ لذلك كذبوا وافتروا، وادعوا أمرًا غير معقول، فزادوا بعدا عن الحق، وزادوا ضلالا؛ ولذا قال عنهم، إذ رأوا القرآن واسترعاهم. (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ... (١٠٣) تحداهم أن يأتوا بمثله فعجزوا، ولكن لم يقولوا إنه من عند اللَّه، بل بالغوا في الكذب، وأوغلوا في الكفر، ولقد أكد اللَّه تعالى قولهم هذا لأن غرابته تسوغ تكذيبه بادئ ذي بدء، ولذا أكد علمه سبحانه بـ (اللام) وبـ (قد)، وتأكيدًا للمعلوم، والتأكيد حيث مظنة عدم التصديق.

стр. 6092

و (بَشَرٌ)، أي لم يجئ من عند اللَّه، فلم يعلمه اللَّه تعالى إياه، ولكن الذي علمه بشر، وعينوا ذلك البشر إنه رجل رومي كان غلاما لبعض العرب، وقيل رجلان كان يصنعان السيوف بمكة، ويقرءان الإنجيل والتوراة، وقيل غيرهما من أسماء سماها بعض المفسرين. وقد رد الله تعالى قولهم بقوله تعالى: (لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ)، و (يُلْحِدُونَ)، أي يشيرون إليه مائلين بكلام مضطرب نحوه، والمعنى لسان هذا الرجل أعجمي فكيف يأخذ منه النبي ﷺ علما؟! وإذا كان يأخذ منه علما فكيف يمكن أن يكون هذا الكلام المبين، أي البين في ذاته، والذي أعجزكم ببيانه حتى إنكم تقولونه فيه، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق. إن دليلكم يلتوي عليكم بمقدار نتائجه، فلا يجديكم شيئا أي شيء. وقد بين بعد ذلك لجاجتهم في الباطل وسببه، فقال عز من قائل:

стр. 6093

(إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) آيات اللَّه تعالى ثلاثة أقسام: القسم الأول - الآيات الكونية وهي الآيات الدالة على أنه وحده الخالق لكل شيء، وفي كل آية دلالة على الوحدانية فالسماء وبروجها، والقمر ونوره، والشمس وضياؤها، والليل والنهار، والنعم وما فيه خلق وتكوين، كل هذه آيات اللَّه الكبرى الدالة على أنه فعال لما يريد مختار. والقسم الثاني - المعجزات التي تقترن بدعوى النبوة ويتحدى بها النبي من يكذبونه أن يأتوا بمثلها كعصا موسى، وبياض يده من غير سوء في تسع آيات أجراها اللَّه تعالى على يديه لقوم فرعون، فلم يؤمنوا إيمانا مستقرا، وإن كانوا في

стр. 6094

ضعفهم يقولون ادع لنا ربك، فيدعو اللَّه تعالى فيرفع عنهم المقت، ويذهب عنهم السوء، ولكن ما إن يرفعه عنهم ويؤمنهم حتى يعودوا إلى كفرهم المقيت. والقسم الثالث - الآيات القرآنية، والإيمان بها فرع الإيمان بمحمد ﷺ ، لأن الإيمان بها الإيمان بالقرآن، والإيمان بالآيات الذي نفاه القرآن عنهم، وترتب على نفيه نفي الإيمان والهداية هو الإيمان بالآيات الكونية، والإيمان بالمعجزة الكبرى معجزة النبي ﷺ ، وهي المعجزة التي تحداهم أن يأتوا بمثلها لعجزوا. وإنما كان عدم الإيمان بآيات اللَّه مؤديا إلى ألا يهديهم؛ لأن الهداية إنما تكون لمن يفكرون في آيات اللَّه ونعمه، ومن لَا يفكر لَا يهتدي فلا يهديه، ولأن المعجزة الكبرى ضل من لَا يؤمن بها، وهي واضحة بينة، وهي وحدها تدل على أن من يبلغها يبلغ عن اللَّه فلا يهديه اللَّه إلى الحق؛ لأنه ضل سواء السبيل، ولم يبق إلا أن يسير في طريق الضلال إلى نهايته، ويكون له العذاب الأليم يوم القيامة، والأليم: المؤلم. ولقد قالوا للرسول محمد ﷺ (إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ)، وهو المعروف بينم قبل البعثة بالصدق والأمانة، حتى إن اسم الأمين إذا أطلق لَا ينصرف إلا إليه، وكان لا ينادي إلا به، حتى بعث رسولا، ولما سأل هرقل أبا سفيان عن صفات النبي ﷺ : " هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، قال: لَا. قال هرقل: ما كان ليدع الكذب على الناس، ويكذب على اللَّه " (١). فلما قال المشركون عن النبي ﷺ إنه مفتر رد اللَّه قولهم بقوله تعالت كلماته:

стр. 6095

(إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥) حيثما كان إنكار الحقائق الثابتة كانت مظنة الكذب، فمن لَا يؤمن بالآيات الثابتة لَا يؤمن باللَّه ولا يكون صادقا أبدا؛ لأن الكذب مباهتة الواقع الثابت، ولا
следующие страницы →