أكد اللَّه تعالى أنه يصرف القول في القرآن، فقال: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ)، أي صدقنا عباراته ومعانيه، فأحيانا تكون قصصا فيها العبر، وأحيانا تكون بالأمثال يضربها، وأحيانا يقرر الحقائق بطريق الاستفهام، وأحيانا ينفيها، ويستنكرها، وهو في كل ذلك ينتقل من إقرار حكيم معجز إلى مثله، وقد قال بعض العلماء في تصريف القرآن: لم يجعله نوعا واحدا بل وعدا ووعيدا ومحكما ومتشابها وأخبارا وأمثالا، مثل تصريف الرياح من صبا ودبور وجنوب وشمال، وهكذا كان التصريف من أسرار الإعجاز وهو أعلى درجات البلاغة وأسرارها.
وإنك وأنت تقرأ القرآن وهو مأدبة اللَّه تعالى تنتقل فيها من طيب سائغ إلى طيب سائغ، في حلاوة طعم، وجمال منظر وكله هنيء مريء، لأنه مائدة رب العالمين.
وقد صرف الله سبحانه في القرآن ذلك التصريف (لِيَذَّكَّرُوا)، أي ليملأوا قلوبهم بذكر اللَّه وليعتبروا بعبره، وليروا فيه الكلام المعجز الذي يذكرهم برسالة النبي ليؤمنوا.
ولكن المتعنت المعاند لَا يقنعه الدليل ولا يزيده إيمانا بل إن عناده وطغيانه يزيده استمساكا بضلاله وإصرارا على كفره، ولذا قال: (وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا)، أي إلا بعدا عن الحق نافرين منه.
والتذكر هنا هو التدبر كما قال تعالى: (. . . قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ)، والنفور كما أشرنا الإيغال في الضلال والإمعان فيه، وأي ضلال أشد من النفور من الحق واجتنابه.
ولقد قال تعالى موجها القول إلى النبي ﷺ لإبطال شركهم:
(قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣)
стр. 6267
هذه الآية الكريمة متصلة بقوله تعالى: (وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا) وتوسط بينهما وهم أن الملائكة بنات، وتصريف القرآن ليتذكرون وذلك للإشارة إلى أن الذين يجعلون مع اللَّه آلهة أخرى يتبعون الأوهام ويصيبهم الخبال بهذه الأوهام، ولا يجد الدليل الإيجابي مجازا إلى قلوبهم، فصرف اللَّه تعالى القرآن ليتذكروا فأبوا إلا نفورا كشأن أعداء الحق، ويبين اللَّه تعالى على لسان نبيه بطلان ما يعبدون، فيقول سبحانه:
стр. 6268
(قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢)
ذو العرش هو اللَّه تعالى، وعبر بهذا التعبير لبيان كمال سلطانه في ملكه وأنه لَا شريك له، فأظهر بعد الإضمار لذلك، والمعنى كما يقرر ابن عباس: لو كان مع الله تعالى آلهة غيره كما يدعون لنازعوه السلطان في الوجود، ولعاندوه في خلقه، ولكن لَا يمكن ذلك، وإلا فسد الكون، كما قال تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢).
ويكون هذا الكلام لإبطال زعمهم بدليل يؤدي إليه من نزاع وذلك باطل، وقد خرج الآية آخرون تخريجا فيه مثل هذه من حيث إنه إبطال الدعوة التي يدعونها، وذلك التخريج الآخر أنهم قالوا: إن المعنى أنه لو كان هناك آلهة كما يقولون (لَابْتَغَوْا)، أي لطلبوا سبيلا لذي العرش ليعبدوه، كما قال تعالى في آية (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِم الْوَسِيلَةَ. .. ) فأتى سبحانه ببرهان التوحيد من دعواهم، أي أن التي يدعون لها الألوهية خاضعة للَّه؛ لأن كل من في الوجود خاضع للَّه تعالى؛ لأن له السلطان الأعلى في ملكوت السماوات، والأرض.
ومهما يكن التخريج فإن الآية إبطال لعبادة الأوثان وأنها من الأوهام وأنها من أنهم يقفون ما ليس لهم به علم، فيقعون في الباطل وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
ولقد قال تعالى منزها ذاته العلية عن هذه الأوهام:
стр. 6269
(سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣)
أي تقدست ذاته العلية عن أن له شريكا، وتعالت وسمت. (عُلُوًّا كَبِيرًا)، أي علوا بعيدا في علوه، كبيرا في ذاته بحيث لَا يكون ثمة علاقة بأي نوع من أنواع العلاقة بينه وبين رب البرية، لأن الوجود كله يخضع له، ويسبح بحمده، ولذا قال تعالى:
стр. 6270
(تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)
(تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ)، أي طبقات النجوم وبروجها، وكل سماء زينت بمصابيح هي نجومها، والتسبيح الخضوع له ، وكونها طائعة له سبحانه فكل الوجود في قبضته، وإن هذا التسبيح يرشح للتفسير الثاني، لقوله تعالى: (إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا)، أي الذي يقول: إن المعنى أن آلهتهم خاضعة للَّه يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة.
والتسبيح هو بمعنى الخضوع الكامل للَّه تعالى، لَا يخرج شيء مما في الوجود أو أحد عن طاعته سبحانه، ويصح أن يراد بهذا الخضوع مع ذكر اللَّه تعالى بالتنزيه عن الشريك وأنه الواحد الأحد الفرد الصمد، وإنه يكون خاشعا مسبحا عابدا، وإن كان غير مكلف كما يكلف العقلاء وإن الحجارة طوع يمينه سبحانه، ولقد قال تعالى: (. . . وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ. . .).
وإذا كانت هذه حال الوجود كله من أنه يسبح اللَّه تعالى، وإن كنا لَا ندرك تسبيحه فكان ذلك دليل وجوب عبادته وحده لَا يعبد سواه، وقد استدرك اللَّه تعالى على حكمه سبحانه بتسبيح الوجود بقوله: (وَلَكِن لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)، أي لَا تنفد بصائركم ومدارككم إلى إدراك تسبيحه، لأنه لَا يعلمه إلا اللطيف الخبير (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)، .
стр. 6271
ولقد ذكر الزمخشري أن معنى يسبح بحمده أنها تسبح بلسان الحال، حيث تدل على الصانع وعلى قدرته وحكمته، فكأنها تتعلق بذلك وكأنها تنزه الله مما لَا يجوز عليه من الشركاء وغيره، ويقول: إن قوله تعالى: (وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) خطاب للمشركين من حيث إنهم لم يأخذوا بمقتضى دلالة الحال، وما توجبه من إيمان باللَّه وحده.
وفى الحق، إن الزمخشري أخرج النص من ظاهره إلى مجاز صحيح في ذاته، ولكنه بعيد من جهة، ولا ينقل الكلام من الحقيقة إلى المجاز إلا بقرينة توجب الخروج، وإلا بتعذر الحقيقة أو يكون في المجاز جمال لفظي خاص يليق بمقام البيان القرآني، وقد فند الناصر كلام الزمخشري بقوله: " ولقائل أن يقول فما تصنع بقوله تعالى: (كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) وهو لَا يغفر للمشركين ولا يتجاوز عن جهلهم وإشراكهم، وإنما يخاطب بهاتين الصفتين (حَلِيمًا غَفُورًا) المؤمنين والظاهر أن المخاطب المؤمنون، وأما عدم فقهنا للتسبيح الصادر من الجمادات، فكأنه والله أعلم من عدم العمل بمقتضى ذلك، فإن الإنسان لو تيقظ حق التيقظ إلى النملة والبعوضة، وكل ذرة من ذرات الكون لوجدها تسبح اللَّه وتنزهه وتشهد بجلاله وكبريائه وقهره، وعندي أن قوله تعالى: (وَلَكِن لَا تَفْقَهُونَ تَسْبيحَهُمْ) خطاب لكل من هو أهل للخطاب.
وقوله تعالى:، (إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) لَا يعاجل بالعقوبة ويفتح الغفران لمن يتوب، ولو كان مشركًا يتوب عن شركه، كما قال: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ. . .)، وأكد سبحانه وصفه بهذين الوصفين بـ (إن) المؤكدة، وكان الدالة على الاستمرار، وصفة التشبيه الدالة على كمال الاتصاف.
* * *
стр. 6272
القرآن حجاب مستور عن المشركين لشركهم
قال اللَّه تعالى:
(وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧)
* * *
يقول اللَّه تعالى مخاطبا نبيه الذي يدعو إلى الحق والقرآن بالقرآن:
стр. 6273
(وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)
وذكر سبحانه الذين لَا يؤمنون بالآخرة؛ لأن الذين لايؤمنون بالبعث تجمد قلوبهم على الحس فلا يؤمنون بغيره، وتغلظ على الهدى، لأنهم يحسبون أنه لا حياة غير هذه الحياة، فيرتقبون ويلعبون ويلهون وكأنما خلق الإنسان عبثا، وذلك أداهم إلى الكفر فصاروا لَا يؤمنون بشيء.
و (حِجَابًا مَسْتُورًا): الحجاب هو الحاجز عن الوصول إلى أمر أو اعتقاد، وقال بعض العلماء: إن مستورا معناه ساتر، وإن ذلك مجاز أساسه تلاقي المشتقات، وأحسب أن ذلك مبالغة في ستره، حتى إنه من ستره للحقائق عليهم صار هو كأنه مستور عندهم، ويصح أن يقال: إنه مستور عليهم لَا يدركونه ولا يعرفونه ويحسبون أنهم يعرفونه، أو أن القرآن مستور عليهم بحجاب، فهم لا يعرفون مغزاه ولا مرماه، أو أن هذا الحجاب ليس بمحسوس بل أمر معنوي مستور
стр. 6274
عليهم، وكلها معان تتجه إلى بيان أنهم لَا ينتفعون من القرآن ولا يتدبرون معانيه لهذا الحجاب الذي يسترهم عنه، ويسترون بفعلهم وبأهوائهم أنفسهم، وكان التعبير يقوله تعالى: (مَّسْتورًا) إشعار بأنهم الذين صنعوا الحجاب بإعراضهم وهم الذين ستروه عن أنفسهم بأنفسهم، وقد أكد هذا المعنى وهو ستره عنهم وكونهم محجوبين عنه بقوله تعالى:
стр. 6275
(وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦)
الأكنة جمع كنان، و (جعلنا) معناها صيرنا وأنشأنا أكنة تكون غلافا مانعا قلوبهم عن أن تدرك وتصل إلى النور، (وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا)، أي صمما وثقلا فيها يمنعها من أن تستمع إلى القرآن الحق، فالأكنة تمنع أن يفقهوه لأن غلافا وضع بينها وبين النور، فلم تفقه أي لم تدرك وتتدبر في بلاغته، ومعانيه، وقصصه، وعبره، وما فيه من نور الحق فلا تراه، وجعلنا في آذانهم وقرا عن سماع القرآن وتذوق ألفاظه ونغمه، وجمال عباراته ونسق بيانه.
ويصح أن نقول إن الكلام السامي ممثل لحالهم في عدم فقههم للقرآن وعدم سماعهم لآياته سماع فهم وتدبر وتعرف لبلاغته بحال من جعل اللَّه تعالى على قلبه. غشاوة فلا يصل إلى الحق، وحال من في آذانه ثقل فلا يسمع، ثم يصور سبحانه نفورهم من الحق وتأثرهم بالأصنام التي جعلتهم يعتقدون فيها الألوهية فقال تعالى: (وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا).
وإذا ذكرت ربك الذي خلقك وخلقهم وربهم وحده من غير ذكر آلهتهم على أنه المتفرد وحده بالألوهية اعتراهم إعراض أشد، فأعرضوا سائرين على أدبارهم نافرين من الحق كما يفر ذو الرمد من ضوء الشمس، أي يسارعون بالتولي والإعراض نافرين مدبرين، سائرين بظهورهم لَا بإقبالهم، وهذا النص يصور شخصا رأى شيئا فهاله ما رأى فولى مدبرا، رجع مدبرا نافرا كأنه رأى شيئا مخيفا، اقشعر له بدنه، وهذا يصور مقدار نفورهم من التوحيد الحق، وإقبالهم
стр. 6276
على الوثنية الباطلة، فالأوهام التي استكنت في نفوسهم صورت لهم الحق مخوفا مرهوبا، والباطل طيبا حسبوا فيه السلامة وما وراءه إلا الحسرة والندامة وساء ما كانوا يصنعون.
وإن هذه النفوس التي تنفر من الحق هذا النفور نفوس مريضة، عرتها آفة حولتها عن الحق وصرفت فطرتها وطمست فؤادها فقال تعالى:
стр. 6277
(نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧)
يتكلم اللَّه تعالى معبرا عن ذاته العلية فيذكر أنه يعلم علما ليس فوقه علم يالحال التي يكونون عليها ومتلبسين بها، إنهم حين يستمعون إليك تكون قلوبهم مصروفة عنك، وعما تقرأ وذلك باستهواء باطل، وهم في نجوى مع إخوانهم الكفار فيودعون نفوسهم المنحرفة، وعقولهم المستهواة بالباطل التي تريهم الباطل حقا والحق باطلا، إذ يقول أولئك الظالمون (إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا) هو مريض في ذاته، (مَّسْحُورًا) يحتاج لأن يطبب من الخبال الذي أوجد السحر في نفسه.
هذه الخلاصة الواضحة المنيرة لمعنى الآية، وكلام اللَّه تعالى أسمى وأعلى وهو ذروة البيان وأعلاه، ولنعرج باستقاء هذه المعاني من ألفاظها التي هي نور على نور.
(نَحْنُ أَعْلَمُ) أفعل التفضيل ليس على بابه؛ لأنه لَا مفاضلة بين علم الله تعالى وعلم أحد من خلقه، وإنما المراد به أقصى العلم الذي ليس فوقه علم، (بِمَا يسْتَمِعونَ بِهِ) " ما " هنا دالة على الحال، (به) الضمير عائد على لفظ " ما "، ويكون المعنى أعلم بالحال التي يكونون متلبسين بها عند سماعهم هذا القرآن الكريم، وقد صور اللَّه هذه الحال، إذ يستمعون إليك وهم في نجوى يتذاكرون فيها القول الصارف عن الحق، إذ يقول الظالمون في هذه النجوى، (إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا) والسرية مدرجة الفتنة فهم يسرون إليهم في النجوى
стр. 6278
ظالمين للحق وللنبي لَا تتبعوه، (إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا) والمسحور هو الذي أفسد تفكيره السحر، وجعله في خبال يحتاج إلى طب الأطباء، إن النجوى دائما تكون أفعل في نفس الذين لَا يريدون اتباع الحق، ألم تر أنك إذا أردت أن تخدع إنسانا تخفت في صوتك، وتتسار معه فيؤثر فيه، هؤلاء الذين ينفرون من الحق نفورا يتولون على أدبارهم لَا يكونون في حال طبيعية بل يكونون قد استهوا بالباطل استهواء، فعندما يذكر اللَّه وحده في القرآن يولون الأدبار نفورا.
* * *
الداء الذي يسبب الكفر عدم الإيمان بالبعث
قال اللَّه ثعالى:
(انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨) وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢)
* * *
إنهم في نجواهم يقول الظالمون بسبب ظلمهم: (إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا)، فهم يشبهون حاله بما لَا يشابهها، ونقيض ما كانوا يعرفونه عنه من الكمال الإنساني من صدق وأمانه وعدالة، واستقامة في القول والعمل، ولقد قال تعالى في قولهم:
стр. 6279
(انظُرْ كيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا).
المثل هو تشبيه حال بحال أو وصف بوصف، وضربه: بيانه، فالمعنى انظر كيف شبه حال الرسول أحيانا بالشاعر، وأحيانا بالساحر، وأحيانا بالمسحور وأحيانا بالكاهن، وكلما ضربوا مثلا باطلا أوغلوا في الفساد النفسي والفكري، وانحرفوا عن الحق، فإن كل مثل بالباطل تنحرف به النفس عن الطريقة المثلى، ولذا قال تعالى مرتبا على كثرة الأمثال الباطلة (فَضَلُّوا)، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي أنهم أكثروا من التشبيهات الباطلة، وكلما ضربوا مثلا زادوا انحرافا وضلالا، وكلما أوغلوا لَا يستطيعون سبيلا فإن مثارات الضلال تبعد عن الطريق المستقيم فلا يهتدون، وأنهم يعجبون من أن يكون هناك بعث بعد أن يصيروا عظاما نخرة، ولذا قال تعالى:
стр. 6280
(وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩)
العظام هي العظام التي خلت من اللحم الذي كسيت به، وهو عظام الموتى، والرفات ما تكسر وبلي، وعن أبي عبيدة والفراء والأخفش تقول منه رفت الشيء رفتا أي عظم مرفوت.
وهنا في الآية الكريمة كأنهم تعجبوا من ثلاثة أمور:
الأمر الأول: التعجب من أنها بعد أن تصير عظاما مرضوضة مكسورة محطومة تجتمع وتكون إنسانا سويا.
الأمر الثاني: التعجب من البعث في ذاته.
الأمر الثالث: أن هذه العظام النخرة تكون خلقا جديدا.
فالتعجب الأول هو قولهم (أَئِذَا كنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا)، وأفرده بالاستفهام، لأن بعثه خلقا جديدا بعد أن صار عظاما ورفاتا فكان إفراده بالاستفهام مع أنه مع البعث خلقا جديدا كل مثار تعجب، للإشارة إلى أنه موضع عجب في ذاته، وكذلك كان إفراد (أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا).
стр. 6281
والتعجب في الأجزاء جزءا جزءا وفي الهيئة الاجتماعية.
والاستفهام إنكاري يفيد الاستبعاد والتعجب، ولا عجب في خلق الله تعالى، إذ يقول: (. . . كَمَا بَدَأَكمْ تَعودُونَ).
وقال تعالى ردا لتعجبهم:
(قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١)
قالوا في مثلهم الذي ضربوه: (أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا)، هذا مثلهم الذي ضربوه ناسين حقائق الوجود وحقيقة نشأتهم كما قال
تعالى: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ. . .)، (وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا. . .)، أنبعث بعدها؛ فأمر اللَّه تعالى نبيه
стр. 6282
(قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا) و (كُونُوا) هنا من معنى كنا، أي أئذا صرنا عظاما ورفاتا فيكون المعنى صيروا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم، أي إنكم تعودون لَا محالة، ولو صرتم حجارة أو حديدا فاللَّه على ذلك قادر، ولا يعجز.
ولنا في هذه الآية الكريمة نظران غير متباينين:
النظر الأول: أنه يشير سبحانه إلى أنه لَا يعجز عن الحجارة والحديد، ومما يكبر في صدوركم أي في قلوبكم فتأخذكم به رهبتكم، وإذا كان اللَّه تعالى لا يعجز عن أن يوجد الحياة في حجارة أو حديد، أو نحو ذلك فأولى أن يعيد الحياة فيكم، وقد كانت من قبل، فالإعادة أسهل من الإنشاء في نظر الإنسان وإن كانت كلها عند اللَّه سواء، هذا هو النظر الأول.
أما النظر الثاني: فهو أن المعنى صيروا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم وادخلوا في أجزائها وكونوا في صلابتها، وتظنون أنه يصعب
стр. 6283
استخلاصكم منها فإنه سيعيدكم كاملي الأجسام منها، ويقوي هذا قوله تعالى:
стр. 6284
(فَسَيَقولُون من يُعِيدُنَا. . . (٥١)
إلى آخر الآية الكريمة.
وقد بين اللَّه تعالى ما يثير استغرابهم فقال سبحانه: (فَسَيَقُولُونَ) الفاء هنا للإفصاح عن شرط مقدر، أي إذا كنا حجارة أو حديدا. . . فقد أمر اللَّه تعالى نبيه أن يقول لهم: (قلِ الَّذِي فَطَرَكُم أَوَلَ مَرَّةٍ)، أي الذي أنشأكم النشأة الأولى وهي الفطرة أول مرة، وإذا كان أنشأ هذا الإنسان الأول فهو على الإعادة أقدر، كما جاء في سورة " يس " (. . . قَالَ مَن يُحْصيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) ق ل يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مرَّةٍ. . .) وبعد أن رد عليهم ذلك الرد المقنع لمن يتدرن قلبه بالشرك ويتعصب له ويعاند فيه، فإنهم يستمرون في عجبهم واستغرابهم، ولذا قال اللَّه تعالى عنهم: (فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ) ويقولون في تحد جاهل (مَتَى هُوَ).
والإنغاض تحرك الرأس من أعلى إلى أسفل، ومن أسفل إلى أعلى استغرابا وتعجبا فما زادهم الدليل إلا إيغالا في الاستغراب وما زادهم الحق إلا ضلالا، والفاء في (فَسَيُنْغِضُونَ) لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي ترتب على بيان الحق أن استهزءوا وتهكموا، وهؤلاء لَا يجدي معهم الدليل ولا يزيدهم إلا خسارا، ويقولون متحدين: (مَتَى هُوَ)، أي متى يكون أي يستعجلون تحديا وإمعانا في الكفر، فأمر اللَّه تعالى نبيه: (قُلْ عَسَى أَن يَكونَ قَرِيبًا)، أي أنه يرجى أن يكون قريبا.
ونرى في هذه الآيات وما قبلها يأمر اللَّه تعالى نبيه أن يتولى المجاوبة معهم؛ لأنه الداعي إلى الحق المبلِّغ عن اللَّه تعالى الهادي المرشد.
وقد بين اللَّه تعالى ذلك اليوم فقال:
стр. 6285
(يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢)
(يَوْمَ) هو جواب للمشركين عن تحديهم (مَتَى هُوَ) ويكون الخطاب للمشركين، ويكون قوله تعالى: (يَدْعوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ) معناه الإشارة إلى
стр. 6286
أن إعادتهم لَا تكون إلا بأمره سبحانه وإجابتهم كقوله تعالى: (. . . كن فَيَكُونُ)، فالدعوة لَا مجاز فيها، والاستجابة تكون بالإيجاز كما ذكرنا في الآية الكريمة.
وقال طائفة من المفسرين وعلى رأسهم الزمخشري: إن هذا كناية عن سرعة الإعادة كما يدعو الداعي فيجيب المدعو فور الدعوة، والاستجابة هنا معناها الرغبة في الإجابة وطلبها كأنهم كانوا وهم خامدون في قبورهم يتوقعونها، ولا يستغربونها، وقوله تعالى: (بِحَمْدِهِ)، أي حالهم تكون حال الحامد الراغب العالم بقدرة اللَّه تعالى لَا حال المستنكر أو المستغرب، وكأنهم يكونون في حال غير الحال التي كانوا عليها في الدنيا من كفر وإنكار، بل هم على حال الإقرار باللَّه تعالى وأنه وحده المستحق للألوهية .
(وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا)، أي أنهم يحسبون أنهم مكثوا قليلا في الدنيا على حسب ما قرره قتادة وتبعه الزمخشري، فاللبث القليل في الدنيا، وكما قال قتادة تقاصرت مدة الدنيا في نظرهم واعتقدوا أنها متاع وأن الآخرة هي الحياة وأنها أبقى، وفي ذلك إيمان بما لم يكونوا آمنوا به قبل، أي أنهم أدركوا الحقائق على وجهها ولكن كان حمدهم وإدراكهم بعد فوات الوقت، فلم ينفعهم في إبانها ولم ينفعهم حمد، ولا إيمان.
هذا على أن اللبث القليل في الدنيا، ولكن نرى كما رأى كثيرون من علماء السلف أن اللبث القليل كان في القبور قبل البعث، ولقد قال تعالى في ذلك: (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (١٠٤).
ونريد أن نقول كلمة في إعراب قوله: (وَتَظُنُّونَ إن لَّبِثتُمْ إِلَّا قَلِيلًا) إن (إنْ) نافية، أي " ما لبثتم إلا قليلا " ويكون ذلك خبرا لـ (أنَّ)، وتقدير الكلام ويظنون أنكم ما لبثتم إلا قليلا، والآية بينة لَا تحتاج في بيانها إلى هذا الإعراب ولكنه تخريج نحوي ذكرناه حيث لم يذكره المعنيون بإعراب القرآن واللَّه أعلم.
* * *
стр. 6287
دعوة الله الحق
قال الله تعالى:
(وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (٥٤) وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)
* * *
كانت العلاقة بين المشركين والمؤمنين إيذاءً مستمرا من جانب المشركين، وصبرًا ومصابرة من المؤمنين حتى اضطروا إلى الهجرة إلى الحبشة مرتين، وقد أفرط المشركون في أذاهم، وربما حسب بعض المؤمنين أن ذلك صغار للمؤمنين، وتفريط في حق الإيمان، فكان منهم من دعا إلى المقاومة، وإن المصابرة حسبها استرخاء يغريهم، وإن من له عصبية لَا تسلمه، وروي أن رجلا من المشركين شتم عمر بن الخطاب، فهمّ عمر بأن يقتله وكان على ذلك قديرا، فأمر اللَّه تعالى نبيه والمؤمنون بأن يصبروا، وأن يقولوا التي هي أحسن، فقال تعالى:
قل يا محمد مطمئنا ومهدئا لعبادي: (يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحسَنُ) و (يقولوا): مجزوم في جواب الأمر، وهو في معنى المعلل لأمر بالقول، أي قل لهم داعيا إلى الصبر، وألا يقابلوا الإساءة بمثلها، ليقولوا التي هي أحسن، أي الكلمة التي هي أحسن، والفعلة التي هي أحسن، وإن رد الإساءة لكون عندما يكون للمسلمين قوة يؤدبون بها المعتدين، ويحملونهم على الحق وتكون كلمة اللَّه هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، وكان ذلك قبل الهجرة إلى المدينة كما يدل السياق، وقد استشرفت النفوس لمعرفة السبب في ذلك الأمر وفي نتيجته، فهدَّأ اللَّه هذه النفوس المستشرفة بقوله: (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ)،، أي إن الشيطان ينزغ بينهم، أي يهيج الشر بينهم فتكون المخاشنة داعية إلى الجفوة والمهاترة، والجفوة تبعد النفوس عن الحق أو تزيدها بعدا، بينما الكلمة الطيبة والمعاملة الجسنة، والمودة في غير إثم تقرب، ولا تنفر، وأكد اللَّه هذا النزغ الشيطانى بقوله تعالى: (إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا)، أَى إن الشيطان كان مستمرا للإنسان عدوا مبينا للعداوة.
ظاهر العداوة وإن حكمة اللَّه تعالى اقتضت كَما ذكرنا أن يصبر النبي ﷺ على الأذى لأتباعه، والأذى لشخصه، حتى تستمر المودة من جانبه موصولة، فإن المودة تدني، وتجعل المؤذي يتردد في استمرار أذاه، بينما المخاشنة أو المغالبة تجعل للكافر معذرة فيلج في كفره، وقد كان في المؤمنين من يستطيع المغالبة بشخصه وعشيرته، ولكن لم يرد اللَّه؛ حتى لَا تضيع دعوة الحق وسط المنافرة فيكون النفور، وقد خاطب الله تعالى المشركين مقربا منذرا، فقال:
стр. 6290
(رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (٥٤)
صدّر الكلام بقوله تعالى: (رَبُّكمْ) للإشارة إلى أنه الذي خلقهم وربهم، وهو الحي القيوم الذي قام على حياتهم وشئونهم، وهو يهدي؛ لبيان علمه (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ. . .)، (أَعْلَمُ بِكُمْ) أي يعلم أنفسكم وأحوالكم، وما أنتم إليه علما ليس فوقه علم، وهذا معنى أفعل التفضيل؛ إذ إنه ليس على بابه،
стр. 6291
لأنه لَا مفاضلة بين علم اللَّه تعالى وعلم غيره، والمراد كما أشرنا يعلم علما لا يسامى ولا يناهد.
وإن مع علمه المحيط بحالهم يعمل بمشيئته المطلقة، (إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ) ورحمته بأن يهديكم إلى السير في طريق الإيمان، وإذا سرتم فيه رحمكم بالإيمان، وهو أكبر رحمة للإنسانية، (أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ)، بأن تسيروا في طريق الضلالة فتصلوا فيه إلى غايته، فيكون منكم الضلال والشرك، فيكون ذلك الضلال عذابا لكم في الدنيا باضطراب نفوسكم وبعدكم عن الفطرة، وفي الآخرة يكون العذاب الأليم، ألا يكلمهم اللَّه يوم القيامة ولا يزكيهم.
ولقد كان النبي ﷺ حريصا على إيمان المشركين، حتى قال له ربه: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)، ولذا قال تعالى: (وَمَا أَرْسلنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا)، أي موكولا إليك أمورهم بقسرهم على الإيمان، بل إنا أرسلناك بشيرا ونذيرا، وقد بشرت وأنذرت فما عليك بعد ذلك تبعة كفرهم وضلالهم:
(إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ).
ولقد بين سبحانه بعد ذلك أن اللَّه يعلم من في السماوات ومن في الأرض، وأنه هو الذي يعلم حيث يجعل رسالته فقال:
стр. 6292
(وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥)
صدر الكلام بـ (ربك) للإشارة إلى أنه الخالق والقائم على خلقه، وهو الذي يعلم ما خلق، وقلنا: إن أفعل بالنسبة للَّه تعالى لَا يكون على بابه؛ لأنه لا مفاضلة بين الذات العلية وغيرها، وذكر سبحانه علمه بمن في السماوات ومن في الأرض، وذكر العقلاء في السماوات إشارة إلى الملائكة، وعقلاء الأرض هم بنو الإنس والجن.
стр. 6293
يعلم الله تعالى طبيعة من في السماوات، وهم الملائكة أرواح طاهرة مطهرة لا تنزل إلى الأرض بطبعهم وحالهم، بل لو كان ملك في الأرض لجعله اللَّه تعالى في صورة إنسان، كما قال تعالى: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ)، ويعلم من في الأرض، ويجعل الأنبياء من جنسهم، ليكونوا أقرب إلى إرشادهم، ويتعذر على من في السماء بمقتضى طبعهم أن ينزلوا، وليس في طاقة أهل الأرض أن يتلقوا الإرشاد من الملائكة، فالنبي محمد ﷺ كان يتصبب عرقا، عندما يخاطبه جبريل الأمين، وعند أول لقاء به رجع إلى خديجة يرجف فؤاده.
اللَّه يعلم من في السماوات ومن في الأرض، ولذلك كان اختيار الرسل من أهل الأرض، وبيان اللَّه لعلمه من في السماوات ومن يشير إلى اختياره الأنبياء منهم، ولذا قال بعد ذلك:
(وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ) ففضل اللَّه تعالى أولي العزم من الرسل وهم نوح وإبراهيم، وموسى وعيسى ومحمد - صلى الله عليهم وسلم -، وقد ذكرهم بأسمائهم في القرآن، فقال تعالى في سورة الأحزاب: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ. . .) وقال تعالى في سورة الشورى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣).
وإن أولئك الأنبياء أمروا بشرائع إلا ما كان من أمر عيسى، فإنه أحيا شريعة التوراة، وزاد عليها، وإن ثمة كتبا ثلاثة كانت قبل النبي محمد ﷺ ، وهي التوراة والإنجيل، وقد ذكرهما القرآن في عدة مواضع، وذكر التحريف فيهما، وقال : (. . . يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِرُوا بِهِ. . .).
стр. 6294
ولقد ذكر سبحانه كتاب داوود فقال: (وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا) وهو لم يكن فيه أحكام غير التوراة، ولكن كانت فيه أدعية للَّه تعالى أوحى بها.
وإن داود كان حاكما كما قال تعالى: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ. . .)، وكان له مع شرف الحكم الخلافة من اللَّه في الأرض، قد أنزل عليه الزبور، وهو بهذا شرف أعظم، وأكرم.
وفى ذكر الزبور إشارة إلى التوراة والإنجيل، وكان بعد التوراة وقبل الإنجيل.
في ذكر هذا وذكر تفضيل بعض النبيين، وذكر محمد خاتم النبيين إشارة إلى كمال الرسالة الإلهية إلى أهل الأرض برسالة محمد خاتم النبيين، وأنه لَا نبي بعده، واللَّه أعلم.
وإن الأوثان التي يعبدونها، والآلهة التي يقدسونها من ملك أو بشر أو جن لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، ولا يغيثون، ولذا قال تعالى:
стр. 6295
(قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦)
من صفات الربوبية القدرة المطلقة، ولا يعبد إلا من يكون قادرا على كشف الضر، والعرب كانوا يعرفون الله تعالى وأنه القادر وحده على كل شيء، فكانوا يستغيثون به إذا أصابهم بأس في البر والبحر، ويعتقدون أنه لَا ينجيهم سواه، وإذا مسهم ضر لَا يلجأون إلا إليه كما قال: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ. . .)، ولكنهم عند العبادة يعبدون مع اللَّه غيره من الأوثان، أو الملائكة، أو عيسى كالصابئة، والنصارى لَا يعرفون المسيح على أنه عبد خَلَقه اللَّه.
لهذا يقول لهم: (قُلِ ادْعُوا الَّذينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ) الخطاب للنبي ﷺ يقول لهم (ادْعُوا الَّذِينَ زعمْتُم مِّن دُونِهِ)، أي زعمتم أنهم آلهة من دون اللَّه : ادعوهم ساعة أن ينزل بكم الضر أو الشدة في البر أو البحر، أو عندما
стр. 6296
يداهمكم ريح صرصر عاتية، (فَلا يَمْلِكُونَ كشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ)، الفاء هنا للإفصاح، لأنها تفصح عن شرط مقدر يبين ما قبله وبعده يأن يزول عنكم أو تحويله لغيركم، ولذا قال تعالى: (وَلا تَحْوِيلًا).
وإذا كانوا لَا يستطيعون لكم جلب نفع، ولا دفع ضر، فكيف تعبدونهم، والعجز ظاهر حالها، وعجيب أمركم عبادتها مع هذا العجز.
وأن بعض الذين يدعون كالملائكة، والجن، والمسيح، وعزير، وكانت عبادة هؤلاء من صابئة العرب ويهودهم ونصاراهم، يتضرعون إلى اللَّه ويعبدونه، ولذا قال تعالى فيهم:
стр. 6297
(أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)
يقول ابن جرير الطبري: إن هذه الآية نزلت في بعض مشركي العرب الذين كانوا يعبدون الملائكة وعزير والمسيح وهؤلاء جميعا كانوا في أطراف الجزيرة العربية في اليمن والأقاليم التي تصاقب العراق، من الصابئة وغيرهم الذين كانوا يعبدون النجوم والأرواح، وكانوا إلى النصرانية أقرب، ومنهم إلى المجوسية أقرب.
وهذه المعبودات المزعومة لَا تضر ولا تنفع، وينطبق عليها بالنسبة للضر والنفع ما ينطبق على الأوثان تماما، ولكن فيها عباد مكرمون كالمسيح، فلن يستنكف أن يكون عبدا للَّه، ولا الملائكة المقربون.
قوله تعالى: (أوْلئِكَ) الإشارة إلى المعبودات غير اللَّه تعالى، والمخصوص منهم بالقول من يعبد اللَّه تعالى، (الَّذِين يَدْعُونَ) والدعاء هنا بمعنى العبادة أو الالتجاء إلى اللَّه تعالى، (يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ)، أي يبتغون الوسيلة إليه وهي الطاعة، والمعنى يبتغون الطاعة، ومجيء الوسيلة بمعنى الطاعة جاءت في آية أخرى وهي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ. . .)، أي اطلبوا الطاعة، وهي الوصيلة الموصلة إليه .
стр. 6298
وقوله تعالى: (أَيُّهُمْ أَقْرَبُ)، " أي " اسم موصول بدل من الواو في يبتغون والمعنى على هذا من غير افتيات على النسج القرآني الكريم، يبتغون (أُخصُّ) الذين هم أقرب، أي أن هؤلاء الذين يبتغون الطاعة ويطلبونها ويريدون عبادة اللَّه وحده هم الأقرب إلى اللَّه.
فإذا كان أولئك المقربون الأطهار يبتغون إليه الطاعة، ويرجونها فكيف تكون حال من يعبدونهم أنهم بذلك أولى أو أجدر.
ثم ذكر سبحانه، وصفين أو حالين ينافيان أن يكونوا معبودين، فقال:
(يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ) الواو عاطفة، عطفت (يَرْجونَ) على (يَبْتَغُونَ)، أي أن أولئك العباد المقربين يدعون اللَّه وحده، ويبتغون مزدلفين إليه بالطاعات، ويرجون رحمة اللَّه لأنه هو الغفور الرحيم، ويخافون عذابه، لأنه هو المنتقم الجبار: (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا) كان من شأنه أن يحذر أن يخاف، وإن مقام الربوبية والعبودية أن يرجو الرحمة ويخاف العذاب، ومن الأتقياء من يغلب الرجاء على العذاب، ومنهم من يغلب الخوف على الرجاء، وكلاهما في طاعة اللَّه وفي أعلى مقامات العبادة للَّه تعالى.
وإذا كان ذلك شأن من يعبدونهم، فأولى بالمشركين ثم أولى أن يعبدوا اللَّه وحده لَا يشركون به شيئا.
* * *
العبرة في الماضين
قال اللَّه تعالى:
(وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٥٨) وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ
(وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٥٨)
" إن " هنا نافية، و " من " لاستغراق النفي، والقرية: المدينة العظيمة التي يبعث فيها الأنبياء، والحصر في الهلاك قبل يوم القيامة، أو العذاب في يوم القيامة، إنما هو في القرية الظالم أهلها الذين يكفرون بالنبيين، والهلاك هو اجتثاثهم في الدنيا بخُسُوف تجعل عاليها سافلها كما فعل بقوم لوط، أو بريح صرصر عاتية، كما فعل بعاد وثمود، أو بالغرق كما فعل بقوم فرعون وملئه، وغير هؤلاء، هذه هي الحال التي يكون فيها الاستئصال وقطع الدابر، وذلك يكون قبل يوم القيامة الحالة الثانية أن يتركوا في الدنيا يعصون ويفسدون ويرتكبون المآثم، وأولئك لَا يهلكون في الدنيا، ولكن يعذبون في الآخرة عذابا شديدا، (كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا) والكتاب هو اللوح المحفوظ الذي يسجل فيه ما يقضى به بين عباده.
وإن هذا التنويع لحكمة اللَّه تعالى وتقديره، فإنه إذا كانت الدعوة خالدة باقية، وهي دعوة نبينا ﷺ استأنى بهم لأن فيهم الطائعين، وليسوا قليلين، وفيهم من طغى وبغى، وفي ذرية الذين عاصروا النبي ﷺ من كانوا مجاهدين كعكرمة ابن أبي جهل، وكخالد بن الوليد، وغيرهم ممن كان لهم في الجهاد باع مشهور، وقوله: (إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا) أو (معذبوها) فيها تنوع حالهم، (أَوْ مُعَذِّبُوهَا) و " أو " مانعة خلو، لَا مانعة جميع، فكان منهم من أهلكوا قبل يوم القيامة ومن عذبوا بعدها، وأمة النبي محمد ﷺ لم يهلكها اللَّه بعاصف يقتلعها من الأرض، ولكن أهلك العصاة لينالوا عذاب الآخرة.
стр. 6301
روى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: سأل أهل مكة النبي ﷺ أن يجعل لهم الصنفا ذهبا، فأوحى إليه قد سمعت الذي قالوا، فإن شئت أن تفعل الذي قالوا، فإن لم يؤمنوا نزل العذاب، فإنه ليس بعد نزول الآية مناظرة، وإن شئت أن تستأني بقومك استأنيت بهم، قال: " يا رب استأن بهم " (١).
وقد ختم اللَّه سبحانه الآية بقوله: (كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا)، أي أنه مسجل في اللوح المحفوظ كما أشرتا من قبل، لقد تبين من هذا أن المشركين كانوا يطلبون آيات حسية كآيات النبيين السابقين كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص لعيسى، وكإخراج الموتى من القبور أيضا، وقد أجابهم اللَّه تعالى بأنه أنزل هذه الآيات، ومع ذلك لم يؤمنوا، وإن هذه الآيات لَا تبقى بقاء المعجزة الكبرى، وهي القرآن الكريم التي ما زالت تغالب كل باطل، وتؤيد كل حق، ولذا قال تعالى:
стр. 6302
(وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)
المنع هنا هو الترك، وهو لازم لمنع، فأطلق الملزوم، وأريد لازمه وما أحد بمانع رب البرية أنى هو ترك، لحكمة أرادها، وأمر قدره، وهو أنه يعلم - وهو علام الغيوب أن الآيات الحسية لَا يؤمنون بها كما لَا يؤمن بها من سبقهم، ولأن الآيات الحسية، كحاصب من اأسماء، أو خسف أو ريح صرصر ينقضي بعد ساعته، ويكون خبرا من الأخبار، ولو أن القرآن سجل معجزات عيسى وموسى ونوح وإبراهيم ما علم بها أحد علما متواترا لمن غير تحريف.
وقوله تعالى: (أَنْ نُرْسِلَ) مصدر منسبك من " أن " وما بعدها في المفعول للمنع، وقوله تعالى: (إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ) وهم الذين نزلت إليهم، و " أن " وما بعدها في مصدر منسبك في موضع الفاعل للمنع، وقد علمت أن المنع أريد به الترك وإنما عبر بالمنع ولا يوجد من يمنع؛ للإشارة إلى أن الحكمة التي أرادها رب
стр. 6303
العالمين من الآيات هي التي تمنع، فاللَّه تعالى هو الذي منع ذاته العلية، كقوله تعالى: (. . . وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ).
وقد ذكر اللَّه تعالى آية كان العرب يعلمون بها، وقد كانت في أرضهم، وقريبا من دارهم، فقال تعالى: (وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً)، أي مبينة هادية ليبصروا بها الحق، ولكنهم بعد أن أبصروه تجنبوه، وقال تعالى: (وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ)، أي أنه سبحانه آتاها لثمود، مع أنه آتاها لصالح حجة له، ولكن ذكر الإيتاء لهم، وقد كفروا وضلوا بها، ولأنها نزلت فيهم حجة عليهم؛ لأنهم هم الذين طلبوها.
(فَظَلَمُوا بِهَا)، أي بسببها، أو تضمُّن الظلم معنى الكفر، فيكون المعنى فكفروا بها، ولم يصدقوا، ولم يذعنوا لما تهديهم إليه، ويقول: (وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا)، أي ما نرسل الرسل مؤيدين بالآيات إلا تخويفا، إلا ليعلموا رسالة الرسل الذين جاءوا مبشرين ومنذرين، فمعنى التخويف هو ما تدل عليه من الرسالة المنذرة المخوفة من عذاب اللَّه تعالى.
ويقول تعالى في آيات حسية جاء بها النبي ﷺ وكانت فتنة فقال:
стр. 6304
(وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (٦٠)
" إذ " متعلقة بمحذوف تأويله " اذكر "، أي اذكر الوقت الذي قلنا: (إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ)، الناس إما أن يريد بهم الناس جميعا، وهو الظاهر، فالعام لَا يراد به بعض من يشملهم إلا بقرينة تدل على الخصوص، ومعنى الإحاطة العلم أو القدرة أو الإهلاك، فمن العلم قوله تعالى: (. . . أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا)، والقدرة أي أن كل شيء في قبضته، والإهلاك مثل (. . . وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ. . .)، أي تعرضوا للهلاك.
والمعنى إنا أعلمناك بوحي أن الناس قد أحيط بهم، وأنهم في قبضة اللَّه تعالى، واللَّه عاصمك منهم فبلغ دعوتك غير خائف، فإنه سبحانه وتعالى
стр. 6305
عاصمك من الناس كما في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ. . .).
ويفسر الزمخشري الناس بأنهم أهل مكة، والإحاطة الإهلاك، وقد بلغ اللَّه نبيه يوم بدر بأن يهلكهم، ويفسر الرؤيا المنامية بأنها رؤياه أنه مهلكهم في هذه الغزوة، وأنه إن لم يهلكهم بالإبادة فقد أضعف سلطانهم، وقد قال في ذلك: " واذكر إذا أوحينا إليك أن ربك (أَحَاطَ بالنَّاسِ)، أي بقريشِ، يعني بشرناك بوقعة بدر، وبالنصرة عليهم، وذلك قوله: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُولُّونَ الدُّبُرَ)، (قُل لِّلَّذِين كفَرُوا سَتُغَلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ. . .)، وغير ذلك، فجعله كأنه قد كان وجد، فقال أحاط بالناس على عادته في إخباره، وحين تزاحف الفريقان يوم بدر، والنبي ﷺ في العريش مع أبي بكر ﵁ كان يدعو ويقول: " اللهم إني أسألك عهدك ووعدك " (١) ثم خرج وعليه الدرع يحرض الناس إلى آخر ما جاء في أخبار بدر ".
وخلاصة تفسير الإمام الزمخشري أنه يفسر الناس بأهل مكة، وأن الرؤيا رؤيا منامية، وأنه رؤيا النبي ﷺ التي رآها عندما التقى الجمعان في يوم الفرقان، وأن الهلاك ذهاب شوكة المشركين، وإن أخبار القرآن الكريم تكون عن وقائع المستقبل كأنها وقعت الآن، وكان النبي ﷺ قد أخبر بذلك عندما اشتد أذاهم وإثباتهم، وكانت الفتنة في أنهم كذبوا.
ونحن مع إجلالنا لمقام الإمام الزمخشري في البيان لَا نرى رأيه.
أولا: لأنه تأويل بعيد، ولأنه لَا تكون فتنة، ولم يحدث كفر لهذه المناسبة.
ثانيا: لأن الأصل إطلاق العام على عمومه، حتى يقوم دليل أو قرينة على إرادة التخصيص.