← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 6301–6340 · переход к 6306.

стр. 6301

روى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: سأل أهل مكة النبي ﷺ أن يجعل لهم الصنفا ذهبا، فأوحى إليه قد سمعت الذي قالوا، فإن شئت أن تفعل الذي قالوا، فإن لم يؤمنوا نزل العذاب، فإنه ليس بعد نزول الآية مناظرة، وإن شئت أن تستأني بقومك استأنيت بهم، قال: " يا رب استأن بهم " (١). وقد ختم اللَّه سبحانه الآية بقوله: (كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا)، أي أنه مسجل في اللوح المحفوظ كما أشرتا من قبل، لقد تبين من هذا أن المشركين كانوا يطلبون آيات حسية كآيات النبيين السابقين كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص لعيسى، وكإخراج الموتى من القبور أيضا، وقد أجابهم اللَّه تعالى بأنه أنزل هذه الآيات، ومع ذلك لم يؤمنوا، وإن هذه الآيات لَا تبقى بقاء المعجزة الكبرى، وهي القرآن الكريم التي ما زالت تغالب كل باطل، وتؤيد كل حق، ولذا قال تعالى:

стр. 6302

(وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩) المنع هنا هو الترك، وهو لازم لمنع، فأطلق الملزوم، وأريد لازمه وما أحد بمانع رب البرية أنى هو ترك، لحكمة أرادها، وأمر قدره، وهو أنه يعلم - وهو علام الغيوب أن الآيات الحسية لَا يؤمنون بها كما لَا يؤمن بها من سبقهم، ولأن الآيات الحسية، كحاصب من اأسماء، أو خسف أو ريح صرصر ينقضي بعد ساعته، ويكون خبرا من الأخبار، ولو أن القرآن سجل معجزات عيسى وموسى ونوح وإبراهيم ما علم بها أحد علما متواترا لمن غير تحريف. وقوله تعالى: (أَنْ نُرْسِلَ) مصدر منسبك من " أن " وما بعدها في المفعول للمنع، وقوله تعالى: (إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ) وهم الذين نزلت إليهم، و " أن " وما بعدها في مصدر منسبك في موضع الفاعل للمنع، وقد علمت أن المنع أريد به الترك وإنما عبر بالمنع ولا يوجد من يمنع؛ للإشارة إلى أن الحكمة التي أرادها رب

стр. 6303

العالمين من الآيات هي التي تمنع، فاللَّه تعالى هو الذي منع ذاته العلية، كقوله تعالى: (. . . وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ). وقد ذكر اللَّه تعالى آية كان العرب يعلمون بها، وقد كانت في أرضهم، وقريبا من دارهم، فقال تعالى: (وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً)، أي مبينة هادية ليبصروا بها الحق، ولكنهم بعد أن أبصروه تجنبوه، وقال تعالى: (وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ)، أي أنه سبحانه آتاها لثمود، مع أنه آتاها لصالح حجة له، ولكن ذكر الإيتاء لهم، وقد كفروا وضلوا بها، ولأنها نزلت فيهم حجة عليهم؛ لأنهم هم الذين طلبوها. (فَظَلَمُوا بِهَا)، أي بسببها، أو تضمُّن الظلم معنى الكفر، فيكون المعنى فكفروا بها، ولم يصدقوا، ولم يذعنوا لما تهديهم إليه، ويقول: (وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا)، أي ما نرسل الرسل مؤيدين بالآيات إلا تخويفا، إلا ليعلموا رسالة الرسل الذين جاءوا مبشرين ومنذرين، فمعنى التخويف هو ما تدل عليه من الرسالة المنذرة المخوفة من عذاب اللَّه تعالى. ويقول تعالى في آيات حسية جاء بها النبي ﷺ وكانت فتنة فقال:

стр. 6304

(وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (٦٠) " إذ " متعلقة بمحذوف تأويله " اذكر "، أي اذكر الوقت الذي قلنا: (إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ)، الناس إما أن يريد بهم الناس جميعا، وهو الظاهر، فالعام لَا يراد به بعض من يشملهم إلا بقرينة تدل على الخصوص، ومعنى الإحاطة العلم أو القدرة أو الإهلاك، فمن العلم قوله تعالى: (. . . أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا)، والقدرة أي أن كل شيء في قبضته، والإهلاك مثل (. . . وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ. . .)، أي تعرضوا للهلاك. والمعنى إنا أعلمناك بوحي أن الناس قد أحيط بهم، وأنهم في قبضة اللَّه تعالى، واللَّه عاصمك منهم فبلغ دعوتك غير خائف، فإنه سبحانه وتعالى

стр. 6305

عاصمك من الناس كما في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ. . .). ويفسر الزمخشري الناس بأنهم أهل مكة، والإحاطة الإهلاك، وقد بلغ اللَّه نبيه يوم بدر بأن يهلكهم، ويفسر الرؤيا المنامية بأنها رؤياه أنه مهلكهم في هذه الغزوة، وأنه إن لم يهلكهم بالإبادة فقد أضعف سلطانهم، وقد قال في ذلك: " واذكر إذا أوحينا إليك أن ربك (أَحَاطَ بالنَّاسِ)، أي بقريشِ، يعني بشرناك بوقعة بدر، وبالنصرة عليهم، وذلك قوله: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُولُّونَ الدُّبُرَ)، (قُل لِّلَّذِين كفَرُوا سَتُغَلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ. . .)، وغير ذلك، فجعله كأنه قد كان وجد، فقال أحاط بالناس على عادته في إخباره، وحين تزاحف الفريقان يوم بدر، والنبي ﷺ في العريش مع أبي بكر ﵁ كان يدعو ويقول: " اللهم إني أسألك عهدك ووعدك " (١) ثم خرج وعليه الدرع يحرض الناس إلى آخر ما جاء في أخبار بدر ". وخلاصة تفسير الإمام الزمخشري أنه يفسر الناس بأهل مكة، وأن الرؤيا رؤيا منامية، وأنه رؤيا النبي ﷺ التي رآها عندما التقى الجمعان في يوم الفرقان، وأن الهلاك ذهاب شوكة المشركين، وإن أخبار القرآن الكريم تكون عن وقائع المستقبل كأنها وقعت الآن، وكان النبي ﷺ قد أخبر بذلك عندما اشتد أذاهم وإثباتهم، وكانت الفتنة في أنهم كذبوا. ونحن مع إجلالنا لمقام الإمام الزمخشري في البيان لَا نرى رأيه. أولا: لأنه تأويل بعيد، ولأنه لَا تكون فتنة، ولم يحدث كفر لهذه المناسبة. ثانيا: لأن الأصل إطلاق العام على عمومه، حتى يقوم دليل أو قرينة على إرادة التخصيص.

стр. 6306

ثالثا: أن الآية مكية، وقد أجاب عن ذلك بأن الكلام كان تبشيرا بما سيكون يوم بدر، ونقول: إن الالفاظ لَا تساعده، ولا تومئ إليه، والقرآن كتاب عربي مبين. ولذلك نرى أن اللَّه أحاط بالناس، وأنهم في قبضته، وأنه قادر على كل شيء، وعاصم نبيه منهم، وحافظه حتى يؤدي رسالة ربه تعالى. ولكن ما هي الرؤيا؟ قال أهل اللغة: الرؤيا تستعمل في الرؤية البصرية في اليقظة، والرؤيا المنامية في النوم، ويصح أن يراد بها هنا البصرية في اليقظة، وهي الإسراء، " فقد أسرى به ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ". وقد كانت فتنة للناس؛ لأن من أهل مكة من ذهب به الاستغراب والدهشة إلى حد الردة بعد الإيمان، أو على الأقل الشك بعد اليقين، ويصح أن يراد الرؤيا التي تكون بالروح، وهي ما كان بالعروج إلى الملأ الأعلى على ما اخترنا واتبعنا فيه كثرة من السلف الصالح. ونلاحظ هنا أن المشركين كانوا يطالبون بآيات كآيات عيسى وموسى، فلما جاءتهم كفروا، فلما جاءتهم في انشقاق القمر، قالوا سحر مستمر ولما جاءتهم في الإسراء كفروا فصدق فيهم قول اللَّه تعالى: (وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ)؛ لأنهم طبع على قلوبهم فلا يفقهون، هذا ما نراه، ولا مانع من أن نذكر أمرا يتعلق بتاريخ الإسلام، وإن كنا لَا نرى ذلك في هذه الآية، وربما نراه في غيرها. لقد قال سهل بن سعد: إنما هذه الرؤيا هي أن رسول اللَّه ﷺ كان يرى بني أمية ينزون على منبره نزو القردة فاغتم لذلك، وما استجمع ضاحكا من يومئذ حتى مات رسول اللَّه ﷺ (١). وإن ذلك يؤيده التاريخ، فقد صيروا الحكم ملكا

стр. 6307

عضوضا، وذهبت الشورى، وقد قال الحسن البصري في شأن بيعة معاوية (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ). قال تعالى: (وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ) وذلك لسوء مذاقها، وقبح مكانها، وأنها تخرج من أصل الجحيم، فليس معنى لعنها أنها مطرودة كما يطرد العصاة المسئولون، لأنها لَا توصف بالعصيان والمسئولية، وإنما هي مذمومة، فيقال للطعام القبيح المذاق ملعون، وهي معطوفة على قوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ) فهي فتنة لهم كما أن الرؤيا كانت فتنة لهم، وقال تعالى مشيرا إلى أنها فتنة: (أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥). وإنها كانت فتنة لهم، لأنهم بدل أن يعتبروا بما فيها من إرهاب، وإفزاع فتنوا بالألفاظ، فقالوا: إنها تخرج في أصل الجحيم، ونار الجحيم تأكل الحجارة فكيف تنبت فيها الأشجار، وأخذوا مفتونين يرددون هذا القول كأنهم أخذوا على القرآن أمرا مختلفا، فكانت هي الأخرى فتنة لهم، والضال لَا يتجه إلى الحق اتجاها مستقيما، فهو يتعرج به في المعارج من غير اتجاه إلى صراط مستقيم. وقد ذكر الزمخشري أن النار ربما لَا تحرق في طبائع الأشياء، فقال: " قالوا إن محمدا يزعم أن الجحيم تأكل الحجارة ثم يقول ينبت فيها الشجر، وما قدر اللَّه حق قدره من قال ذلك، وأنكروا أن يجعل اللَّه الشجرة من جنس لَا تأكله النار فهذا وبر السمندل، وهو دويبة ببلاد الترك تتخذ منه مناديل إذا اتسخت طرحت في النار، فيذهب الوسخ ويبقى سالما لَا تعمل فيه النار، وترى النعامة تبتلع الجمر، وقطع الحديد المحمر كالجمر بإحماء النار فلا تضرها، ثم أقرب من ذلك أنه خلق في كل شجرة نارا فلا تحرقها ". وقد قرب الزمخشري وجود شجر ينبت أصلها بالجحيم بالواقع المشاهد، ولكن تقرر أن قدرة اللَّه تعالى فوق ما يتصور المشركون، وكل شيء عنده بمقدار،

стр. 6308

وكل أمر يذكر لغاية يتخذونها على النقيض، ولذا قال عن الشجرة الملعونة، (وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا) بهذه السخرية والاستهزاء والتهكم على أهل الإيمان. * * * إبليس والكرامة الإنسانية قال اللَّه تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١) قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢) قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥) * * * نبه إلى أصل الخلق والتكوين، ونبه إلى أن أصل عداوة إبليس لآدم هو أنه يحسد آدم على ما أتاه اللَّه تعالى من تكريم حرم إبليس وذريته منه، فناصب آدمَ العداء لهذه الكرامة، وحاول أن يفض (١) فيها بالإغراء بالمعاصي، وبذلك فهم أنه بمقتضى الفطرة أن الكرامة والعصية نقيضان لَا يجتمعان فمن كان

стр. 6309

عاصيا يتفحش في المعاصي لَا كرامة له، وإن ظهر بين الناس متغطرسا طاغيا، فإن الكرامة ليست هي السلطان، إنما هي الحق، فإن كان مع السلطان الحق توافرت الكرامة، وإن خلا منها فهو المهين المتغطرس، وهذا يشير إلى أن المشركين في إشراكهم لَا كرامة لهم، وإن تعصبوا وغلبت عليهم العنجهية الجاهلية. ولذا قال تعالى:

стр. 6310

(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ). " الواو " لوصل الكلام، إذ إنهم يتغطرسون ويطيعون الشيطان فيبين اللَّه أنهم إذ يطيعونه يذهبون بالتكريم الذي كرمهم اللَّه تعالى، وينزلون برءوسهم وأجسامهم، إلى كرامة أبيهم آدم، و " إذ " متعلقة بمحذوف، ويذكر اللَّه تعالى أمره للملائكة بالسجود مضيفا الأمر إلى ذاته العلية بيانا لمركز آدم، واللَّه تعالى بذاته العلية وجه الأمر إلى الملائكة بالسجود، وإن إبليس كان يدخل في عموم المخاطبين بهذا الأمر أكان من الملائكة أم كان من الجن، كما صرحِ بأنه من الجن في آية أخرى، إذ قال: (. . . إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ. . .)، والسجود كان لآدم بوصف الآدمية، فكأن الآدمية مكرمة لذاتها، والمهانة تعتريها من المعصية، (فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ)، أي أطاعوا، وخروا ساجدين إِلَّا إِبْلِيسَ، فقد تمرد، وفسق عن أمر ربه، وقال متمردا متعاليا من غير علو، كشأن أتباعه (أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ) الاستفهام هنا إنكاري بمعنى إنكار الوقوع أي النفي، أي: لَا أسجد، معترضا على ربه، كما قال سبحانه في آية أخرى: (قَالَ أَنَا خَيْرٌ منْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ)، وقوله: (أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا)، أي لمن خلقته من طين، ولكنه أتى بكلمة (طينا) على أنه حال، أي: أأسجد لمن خلقته من طين، أي أنه ينكر أن اللَّه سوَّاه، وكأنه إلى وقت السجود كان طينا حتى إلى هذه الحال، وكان هذا من مظاهر الاستكبار. وقد بين نية الشر الذي دفع إليه الحسد، وسبب ذلك الحسد، قال:

стр. 6311

(أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ ... (٦٢) الكاف لتأكيد الخطاب، ويقول بعض اللغويين، لَا محل لها من الإعراب، وأرى أنه لَا مانع من أن تكون في موضع

стр. 6312

المفعول لرأى، والهمزة للاستفهام، ومعنى الكلام أخبرني أهذا الذي كرمت على، وفى هذا معنى التصغير لآدم، والاستكبار عليه، كأنه يقول ما هذا الذي كرمت عليَّ، أي كرمته مفضلا له عليَّ، وأنه لَا يستحق التكريم دوني، ويقول إبليس: أنا الجدير بالتكريم، كما توهم أن كونه من نار يجعله أكرم ممن هو من طين، وذلك من فرط الغرور؛ لأن الذي أمر بذلك الأمر الجازم هو الذي جعلك من نار وجعله من طين، وذلك من تغفيله، واستعلائه بالباطل، وكان قياسه هذا باطلا، واستدل نفاة القياس على بطلانه بقياس إبليس. ثم يقول متوعدا آدم وذريته، ومتحديا ربه عن جهالة: (لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا) اللام للقسم، ولأحتنكن جواب القسم، ودخلته نون التوكيد الثقيلة، وهو يؤكد ذلك، كقوله في آية أخرى: (. . . وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)، والاحتناك: الاستئصال، من احتنك الجراد الزرع إذا لم يبق منه شيئا، وكقولك: الرجل احتنك شاتين أي أكلهما، ويصح أن يكون من احتنكت الفرس وضعت في فمها الرسن أو الحبل، يجرها منه، والمعنيان يصلحان، إذ يكون المعنى استأصلهم بالإغراء والإغواء حتى يجرهم كما يجر الرجل دابته، ويجعلهم له تبعا، وقد استثنى من ذريته فقال: (إِلَّا قَلِيلًا)، أي إلا عددا قليلا، وهو كقوله: (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)، وفي هذه الآية قال: إلا قليلا، وباجتماع يكون المخلصون من عباد اللَّه عددا قليلا. وكيف علم ذلك؟، نقول: إنه اعتزم أن يفعل ذلك، ويريد أن يكون أتباعه عددا كبيرا، وأطمعه في ذلك أن الملائكة عندما قال الله تعالى لهم: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ. . .)، ولأنه أدرك أنه يؤتى من قبل شهوته وهواه وأنه أوتي غِرَّة بحيث يكون قابلا للانخداع لَا يستمسك، كما قال اللَّه تعالى في آدم: (. . . ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا).

стр. 6313

ولقد أجاب اللَّه سبحانه إبليس على ما قاله بقوله:

стр. 6314

(قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣) (اذْهَبْ) معناها هنا امض فيما أنت معتزم عليه فإن لهم اختيارا وإرادة، فلا نستمكن منهم إلا بإرادة يريدونها، ويبتغونها، ولذا قال تعالى: (فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ) والفاء هنا للإفصاح عن شرط مقدر، والمعنى إن ذهبت وأغريت، وحاولت السيطرة على نفوسهم فمن تبعك إلى ما تدعوه إليه: (فَإِنَّ جَهم جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُورًا) فمن يتبعك مختارا مستجيبا لإغرائك، فأنت وهم قد صرتم جمعا واحدا، جزاؤك وجزاؤهم واحد، ولذا خاطبهم جميعا باعتبار أنهم جميعا صاروا جمعا واحدا، وكان الخطاب بالجمع، لأن الخطاب له ابتداء، ولهم بالتبع، ووصفت بأنها جزاء موفور أي كامل على قدر ما أساءوا، وهي كاملة ووفاق لما أجرموا، وقد قال في وصف جزائهم في آية أخرى في قوله تعالى في سورة الحجر: (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤). وكان الخطاب بالجمع لما ذكرنا من الخطاب لإبليس، وهم له تبع. وقد دعاه سبحانه لأن يبذل أقصى جهده، لأن اللَّه تعالى قضى أن يهبطوا منها جميعا، بعضهم لبعض عدو، وأنه خُلِق لإغواء من يستطيع إغواءه من ذرية آدم، ولذا قال تعالى:

стр. 6315

(وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤) أي استخفهم، وحرضهم، وحركهم إلى اتباعك ليجيئوا إليك تابعين، لصوتك الداعي، وجاهر به في الدعوة إلى المعاصي، (وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم)، أي صِحْ عليهم بجلبة وصياح كما يُدعَى الجيش للقتال، فأعد عدتك وأجلب من يكونون في جلبة لك (بِخَيْلِكَ) بالذين يناصرونك من خيالة، (وَرَجِلِكَ) اسم جامع لراجل، وفي الكلام تشبيه، وهو تشبيه حال الشيطان في دعوته الغاوية الضالة

стр. 6316

والمستعد للشر والإغواء بحال جيش من الأشرار يستفز الأنصار والأتباع، ويكون جلبة من خيَّالة وراجلين، فهذه الحال تشبه حال جيش فساد مستعد للإغارة على الخير، وجاء فى أمر اللَّه تعالى: (وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ) في الأموال التي يكتسبونها بالسحت، ومن غير الحلال، وفي الأولاد الذين يجيئون أيضا من غير طريق حلال، وقال الزمخشري في هذه الجلبة وهذا الاستفزاز ما نصه: " مثلت حاله في تسلطه على من يغويه بمغوار أوقع على قوم وصوَّت بهم صوتا يستفزهم من أماكنهم، ويقلقهم من مراكزهم، وأجلب عليهم بجند من خيالة ورجالة حتى استأصلهم " أي حتى أزال كل ما فيهم من عناصر، أو غلب عليهم عناصر الشر، ثم تكلم عن المشاركة في الأموال، فقال: " وأما المشاركة في الأموال والأولاد فكل معصية يحملهم عليها، كالربا والمكاسب المحرمة، والبحيرة والسائبة والإنفاق في الفسوق، والإسراف، ومنع الزكاة. والتوصل إلى الأولاد بالسبب الحرام، ودعوى ولد بغير سبب ". ومعنى هذه المشاركة في الأموال أنه يشاركهم في إثمها، والعذاب عليها لا أنه يشاركهم فيها بالأخذ، إنه لَا يريد منهم إلا الإغواء، فهو يغويهم، ويشاركهم في كل ماثم الإغواء. (وَعِدْهُمْ) المواعيد الباطلة من المعبودات الأخرى غير اللَّه التي تشفع لهم - في اعتقادهم - عند اللَّه، وتمنع عنهم، وأن ذوي الأنساب هم يوم القيامة لهم المنزلة، كما هي لهم في الدنيا، واذكر لهم أيضا أن الحياة الدنيا هي كل شيء، (وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا)، أي إلا أمورا تخدعهم، ولا يكون فيها جزاء، بل هي أوهام في أوهام، وإن الشيطان يولد فيهم الأوهام الكاذبة فيتصورون غير الواقع واقعا، وبذلك يُدَلون بغرور. هؤلاء هم الذين رضوا بأن يكونوا أتباعا للشيطان حيث أغواهم، أما عباد اللَّه المخلصون فليس للشيطان عليهم سلطان، وقد تخلصوا من غوايته، وقال اللَّه تعالى فيهم: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)

стр. 6317

أحس الشيطان بأنه لَا يستطيع إغواء عباد اللَّه المخلصين، وقد قال: (. . . وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ منْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)، وقال تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ)، وفي التعبير عنهم بـ (عِبَادِي) فيه إشارتان: الإشارة الأولى: أن لهم شرف الانتساب إلى اللَّه تعالى؛ لأنهم قاوموا غرور الشيطان وخداعه وإغواءه، فكانوا جديرين بأن يختصهم اللَّه بأنهم عباده، وإن كان الجميع عبادا لأنه خلقهم، فالطائع والعاصي عباد اللَّه، لكن الاختصاص هنا للطائعين. الإشارة الثانية: الإشارة بأن الآخرين أتباع الشيطان، فهم كعبادهم، ولذلك يقال عنهم عبدة الشيطان وعبدة الطاغوت. . . ويقول سبحانه: (لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ)، أي تسلط، لأنهم تحصنوا بالعزيمة والإرادة والعزم القوي، والاتعاظ بعظات اللَّه تعالى، والاهتداء بهدْي رسله: (وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا)، أي كفى ربك وكيلا يتوكلون عليه، ويكفيهم غرور الشيطان ويرد إغواءه عنهم؛ لأنهم استمسكوا بالعروة الوثقى وارتضوا طريق الخير طريقا. * * * في الوجود آيات الله تعالى ونعمه قال اللَّه تعالى: (رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦٦) وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ

стр. 6318

بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (٦٩) * * * هذه آيات اللَّه البينات تحوطنا فيما حولنا وفي ذات أنفسنا، وفي مجريات أمورنا توقظنا فلا نستيقظ، وهي تذكير من اللَّه ، وروي عن ابن مسعود أنه جفت الكوفة، فقال: " يا عباد اللَّه إن يستعتبكم فأعتبوه ". ذكر اللَّه تعالى نعمته على الناس في الفلك المشحون فقال سبحانه:

стр. 6319

(رَبُّكُمُ الَّذِي يُزجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِه)، وإزجاء الفلك سوقه وإجراؤه، كما قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣). فكلمة يزجي تتضمن أن اللَّه يسوق السفينة وأحمالها، وهو الذي يجريها في وسط الأمواج المتلاطمة، وهو سبحانه حفيظ عليها في وسط الرياح التي تهزها هزا، والأمواج التي تعلو حتى تكون كالجبال، وتهبط حتى تكون كأنها تسير على بساط الأرض. وقال تعالى: (لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلهِ) ويصف الفلك بأنه الفلك المشحون، أي المملوء بالأمتعة والبضائع التي تنقلها من بلد إلى بلد، أو إقليم إلى إقليم. وهنا نذكر معجزة للقرآن الكريم، في إخباره عما يكون في المستقبل، فكل ملم بالتاريخ يعلم أن المتاجر في بلاد العرب كانت تسير بالقوافل في باطن الصحراء، حتى كان المثل: الجمل سفينة الصحراء، ويندر من العرب من كان يرى

стр. 6320

البحر، ولكن القرآن تنبأ بأن الفلك ستكون هي الطريق لنقل البضائع من إقليم لإقليم، من أقصى الأرض إلى أقصاها، والآن نرى أن البلد يكون مقدار اقتصاده تبعا لمقدار سواحله، ومقدار المنشآت التي تمر بمراسيه، وتمخر عباب البحر إليه. ولا تكاد تجد سورة من القرآن خلت من وصف البحر والجواري المنشآت، ولقد اطلع بعض البحارة على بعض تراجم القرآن - وإن لم تكن قرآنا - فعجب عندما علم أن محمد ﷺ لم يركب البحر، فآمن. وقوله تعالى: (لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ)، أي لتطلبوا مبتغين مريدين بعض فضله، ومن هنا للتبعيض؛ لأن الفضل الذي يبتغى بالسفائن، إنما هو سبب واحد من أسباب الكسب الحلال، وهو الاتجار، ونقل البضائع بين الأمصار عمل ذي أخطار، وهناك فضل كثير للَّه غيره، فهناك الزراعة، وهناك استخراج المعادن من باطن الأرض، واللآلئ والجواهر من باطن البحار، فكل أولئك من رحمة اللَّه، ولذا ختم الآية بقوله تعالت كلماته ونعمه: (إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) الضمير يعود إلى (رَبُّكُمُ) الذي صدر به القول و (كَانَ) دالة على الاستمرار، وقدم (بِكمْ) على (رَحِيمًا) لكمال العناية بخلقه، وللاهتمام بالإنعام وبالرحمة بهم، فالإنسان محوط بنعمه مغمور بها، ولكن قليل الشكور من بين عباده، وكثير الكفور. وإن اللَّه كما يجري السفائن في البحار يحفظ راكبيها من كل ضر يسببه ركوب البحار أو لَا يكون به، ولذا قال تعالى:

стр. 6321

(وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧) الضر هو ما يصيب الإنسان في جسمه من مرض أو خوف أو اضطراب، وإن أهوال البحر كثيرة، وخصوصا عندما كان السير فيه بالمراكب الشراعية، ولا تزال الأهوال قائمة، فمنها دوار البحر، ومنها تلاطم الأمواج وعلوها أحيانا

стр. 6322

حتى تصير كالجبال، ومنها المرض حيث يكون منقطعا عن أهله، فإنه يكون في هذه الحال منقطعا عن الناس لَا يعلم به أحد ممن يستغيثهم فيغيثونه، فهل يذكر الأوثان التي يدعوها من دونه قال سجانه: (ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ)، أي غاب عن خواطركم من تدعونها آلهة وبدت لكم حقيقتها وهي أنها أحجار لَا تنفع ولا تضر ولا تسمع ولا تبصر ولا تغيث ولا تستغاث، ولعلكم لَا تدركون هذه الحقيقة وقت سرابكم وتغمركم الأوهام التي أضلتكم وقوله تعالى: (إِلَّا إِيَّاهُ)، أي غاب كل ما تزعمون قوة، ولا يحضر اللَّه ، و (إياه) ضمير منفصل في محل النصب، والكلام يشير إلى وحدانية اللَّه تعالى في الخلق والتكوين والعبادة. وقوله تعالى: (وَإِذَا مَسَّكُمُ) معناه أصابكم، وقال : (وَإِذَا مَسَّكُم) للإشارة إلى أن البحر مخوف مرهوب، فالمس يشمل الإصابة التي تصيب الأبدان، ويشمل خوف الغرق والفزع عندما تضطرب الأمواج ويعلو الفلك وينخفض، وقد وجفت القلوب واضطربت الأفئدة. وقال تعالى: (فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنسَانُ كَفورًا). الفاء هنا عاطفة لترتيب ما بعدها على ما قبلها، وهو ترتيب عكسي، أي أنه كان يترتب على هذا الشكر، ولكن ترتب العكس، فهذا دليل على الجحود، وعمقه في نفوسهم وتغلغله بسبب قلوبهم الكافرة غير الشاكرة. وقوله تعالى: (فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ) يشير إلى أنهم وهم في البحر هم في مخاطره، ولذلك جعلت غاية النجاة البر، (نَجَّاكُمْ) فيها معنى الإنقاذ، وأنهم ما داموا في البحر فهم عرضة لأهواله، وبعد أن جاء عصر البخار الذي تسير به السفن وسائر المراكب من قطر إلى قطر وغيرها ما تزال في البحر مخاطرة. ويقول سبحانه: (أَعْرَضْتُمْ)، أي انصرفت نفوسكم عن معاني الضراعة ونسيتموها وكأن لم يكن ضر ولا صرف، وكذلك شأن الإنسان دائما لَا يذكر الأهوال إلا وقت نزولها فإذا زالت نسيها، كما قال تعالى: (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠).

стр. 6323

وقد قال البيضاوي في معنى (أَعْرَضْتُمْ): اتسعتم، أي صرتم في سعة بعد ضيق واستشهد بقول ذي الرمة: عطاء فتى يمكّن في المعالي ... فأعرض في المكارم واستطالا وقد ذكره على أنه احتمال في المعنى، ونرى أن المعنى بعمومه يشمله. هذا، وإن السير بالمراكب في البحار أمر شديد أو كان شديدا جدا في العصر الأول، وكان يدفع للإيمان إذا كانت النفس مدركة، ويروى أنه عند الفتح الإسلامي لمكة نفر ناس من أن يخضعوا لحكم النبي ﷺ وهربوا وركبوا الفلك إلى الحبشة ومنهم عكرمة بن أبي جهل، فركب البحر، فجاءتهم ريح عاصف فقال القوم بعضهم لبعض: إنه لَا يغني عنكم إلا أن تدعوا اللَّه وحده، فقال عكرمة في نفسه: واللَّه إن كان لَا ينفع في البحر غيره، اللهم لك على عهد لئن أخرجتني منه لأذهبن فلأضعن يدي في يد محمد، فلأجدنه رءوفًا رحيما، فخرجوا من البحر فرجع إلى رسول اللَّه ﷺ ، فأسلم وحسن إسلامه. وإذا كانوا قد أعرضوا بعد أن زالت عنهم شدة البحر، فإن اللَّه يذكرهم، وهو العليم الحكيم أنه ينزل بهم الشدة في البر أيضا، إذ هم في قبضة الله تعالى فيقول:

стр. 6324

(أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨) (الفاء) عاطفة على فعل محذوف تقديره أنجوتم فأمنتم. . . . والهمزة للاستفهام الإنكاري بمعنى إنكار الواقع، لأنهم زعموا أنهم إذ نجوا أمنوا الخسف في الأرض، أو الريح الحاصب من السماء. وإذا كانوا كذلك فهذا توبيخ لهم على هذا الغرور وظنهم الآمن المطلق بعد النجاة من البحر، وهكذا الغرور دائما تحكمه الساعة التي يكون فيها، وهي التي توحي إليه بالغرور.

стр. 6325

ومعنى قوله تعالى: (أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ)، أي أن غرورهم ليس في موضعه وأنهم أمنوا حيث لَا مأمن، وظنوا أنهم قد خرجوا عن قدرة اللَّه تعالى مع أنهم قد دخلوا في قدرته، وما هم بخارجين منها، فإذا نجوا من البحر وأهواله، ففي البر أهوال، والخسف أن تنهار الأرض، ويقال: بئر خسيف إذا انهدم أصلها، وجانب البر ناحية الأرض، والخسوف يقع في جانب منها، وقال الله تعالى في قارون عندما بغى على قومه: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ. . .). فإذا نجوا من البحر فلن ينجوا من خسف الأرض، أو يرسل اللَّه تعالى حاصبا، أي ريحا شديدة، وهي التي ترمي بالحصباء وهي الحصى الصغيرة، والحجارة من السماء تحصبهم كما فعل بقوم لوط، فقد جاء الخسف والحاصب معا، قال اللَّه تعالى: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣). فجاءهم الخسف، وجاءهم الريح الحاصب معا وكانوا يستحقون. وقوله تعالى: (جَانِبَ الْبَرِّ) منصوب مفعول لـ (يَخْسِفَ)، وعلل الزمخشري ذكر الجانب بقوله: " معناه أن الجوانب والجهات كلها في قدرته، وله في كل جانب برا كان أو بحرا مرصد من أسباب الهلكة ليس جانب البحر وحده مختصا بذلك، بل إن كان الغرق في جانب البحر، ففي جانب البر ما هو مثله وهو الخسف، فهو تغيب تحت التراب كما أن الغرق تغيب تحت الماء ". ويستفاد من هذا أن ذكر الجانب في البر في مواجهة الجانب من البحر، وليس جزءا خاصا من الأرض إنما الأرض، كلها جانب في مقابل جانب البحر كله، وكان على العاقل المدرك أن يعرف أنه لَا يغيب عن قدرة اللَّه تعالى في بر أو

стр. 6326

وإذًا فهو تحت سلطان اللَّه تعالى في البحر والبر، فلا يتوهمن أنه يوجد من ينجيه من عذابه إلا إياه، وليس لأحد قدرة في أن يمنع قدر اللَّه تعالى فقال: (ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا) تتكلون عليه، ويصرف عنكم ما يقدره عليكم.

стр. 6327

(أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (٦٩) (أَمْ) هي أم المعادلة، أأمنتم أن يخسف بكم جانبا من البر، أم أمنتم أن يعيدكم إلى البحر تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا إلى آخره، والمعنى واضح أن غير المؤمن في غرور دائم، لَا يفكر إلا في الحال الوقتية كشأن كل مادي فيه قصر فكر وإدراك، لَا يفكر في العواقب، إنك إذ نجوت من البحر وأهواله، ونجوت من ضره وأسقامه فقد حسبت أن الوجود قد استقام كله لإرادتك وهواك، وإنه لا يجيء ما يجعلك تلجأ إلى اللَّه تعالى وحده، أفأمنت جانب البر أم أمنت أنك لا تعود إلى البحر مرة أخرى فتتعرض لعقاب على كفرك. (تَارَةً)، أي مرة أخرى لرغبة قويت في نفوسكم أنسيتم ما أصابكم أولا، كما نسيتم رحمة اللَّه وأن ذلك بإرادة اللَّه فهو وحده الذي يعيدكم بتقوية هذه الرغبة (فيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا) (الفاء) عاطفة تفيد الترتيب والتعقيب، أي أأمنتم أن يعيدكم فيرسل، فهو في قضائه وقدره قد رتَّب على إعادتكم أن يرسل عليكم قاصفا؛ وهي الريح التي يكون لها صوت شديد مزعج كأنها تنقصف أي تنكسر، وهي لَا تمر بشيء إلا قصفته فتهز الدوح (١) وتكسرها وكل ما يقف في سبيلها تكسره، ويترتب على قصفها الفلك وشراعها أن تغرق بمن فيها، ولذا قال تعالى: (فَيُغْرِقَكُم) ولا منجاة لكم بسبب كفركم بالنعمة التي أنعمها عليكم في النجاة إذ مسكم الضر وبسبب كفركم باللَّه تعالى. (ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا) أي مطالبا بحق لكم لأنه لَا حق لكم، إنكم بكفركم أُخذتم، فالتبيع هو من يتبع الغريم المطلوب منه أداء ما عليه، كقوله

стр. 6328

تعالى: (. . . فَاتِّبَاع بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ. . .)، والمعنى أنهم يصنع بهم ما يصنعه اللَّه فيهم ولا مطالب لهم بحق أو ما يشبهه. * * * كرامة بني آدم قال اللَّه تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠) يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١) وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢) * * * كرم اللَّه بَنِي آدَمَ من وقت أن خلق آدم وأمر الملائكة أن يسجدوا له، ولأن اللَّه خلق شهوة، ومَلكية فإن غلبت ملكيته فهو أفضل من الملائكة وإن غلبت شهوانيته، فهو أحط من البهائم فكان من تكريمه تكليفه، فإن ذلك التكليف علو به من البهيمية إلى الملكية أو إلى خاصة الإنسانية، ومن هذا التكريم أن كان يُبعث ويُنشر؛ لأن هذه ضريبة العقل، ولا يكون الحساب والعقاب إلا للعقلاء المختارين الذين يميزون بين الخبيث والطيب، وإن العلاقة بين هذه الآيات وما سبقها من آيات أن الآيات السابقة كانت تتعرض لاعتراض إبليس على تكريم اللَّه تعالى لآدم دونه، ثم ذكرت فضل اللَّه ونعمه وكفر المشركين بهذه النعم، وعدم شكرها. وفى هذه الآية يذكر تكريمه للإنسان في هذه الدنيا كما كرم أباه منذ النشأة الأولى.

стр. 6329

قال تعالى:

стр. 6330

(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) التكريم يتناول التكريم الأول بأمر الملائكة بالسجود لآدم، فإن ذلك تكريم للخلق الإنساني منذ الابتداء، وليس معناه أن كل إنسان أكرم عند اللَّه من الملائكة، بل معناه أن آدم ذاته قبل أن يعصي كان مستحقا للكرامة فوق الملائكة، ولكنه بعد ذلك عصى آدم ربه فغوى، وهذا يشير إلى أن آدم يستحق الكرامة التي كرمه بها إلا إذا عصى. وإن تكريم اللَّه للإنسان ابتداء كما رأيت منذ النشأة الأولى، ثم كان من تكريمه أن خلقه في أحسن تقويم، ثم كان من تكريمه أن أعطاه العقل المميز، ثم كان من تكريمه أن جعل له إرادة يختار بها الخير والشر فيعلو عن الملائكة إن اختار الخير، وذلل كل الصعوبات التي تعترض طريقه، ثم كان من تكريمه أن سخر له السماوات والأرض والنجوم وصار كل من في الوجود له، كما قال تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا. . .). وذكر اللَّه تعالى من تكريمه أنه تمكن من الأرض يُحمل فيها بالركائب التي سخرها له من بغال وحمير وخيل مسوقة وغير مسوقة وجِمالٍ له فيها جَمَالٌ حين تريحون وحين تسرحون، وكان حمله في البحر بالفلك المشحون كما ذكر سبحانه في آيات أخرى. وإن الحمل في البر يدخل فيه الحمل في الجو بالطائرة التي تسبح في الهواء كما يجري الفلك في الماء، كما قال تعالى: (. . . وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمونَ)، وقوله تعالى: (فَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ ممَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) وإن كل المخلوقات التي لم تؤت مثل ما أوتي ابن آدم من عقل مدبر وإرادة للخير والشر وابتلاء بالخير والشر، كما قال تعالى: (. . . وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتنَةً. . .)، كل هؤلاء فضل الإنسان عليهم بالفعل والتمييز والإرادة لما يفعل وتحمل التبعة. وقوله تعالى: (مِمَّنْ خَلَقْنَا)، (من) بمعنى بعض وهم كثرة، فالإنسان من بين ما خلق قليل محدود، وغيره كثير غير محدود، وإن هذه الكرامة يستحقها

стр. 6331

الإنسان بوصف كونه إنسانا لَا لأنه عربي أو أعجمي أو أبيض أو أسود أو متخلف أو متعلم، فهي حق كل إنسان، وإن البعث والنشور والحساب والعقاب والثواب من أسباب تكريم الإنسان؛ لأنه يكون مسئولا عما يفعل، والمسئولية تكريم للإنسان لأن غير المسئول هَمْل، والمسئول من له كرامة وأدَّته إلى الجحيم، ولذا قال تعالى:

стр. 6332

(يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١) (يَوْمَ) منصوب بفعل محذوف تقديره (اذكر) (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ)، ومجيء هذا بعد آية التكريم يدل على أن ذلك له صلة بالتكريم فكان من تكريم الإنسان أنه لم يخلق سدى، بل خلق متحملا التبعة التي لَا يتحملها إلا الكرماء، فمنكرو البعث رافضون للكرامة التي أكرمهم اللَّه تعالى إياها لو كانوا يعقلون. وقوله تعالى: (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ) أضاف سبحانه الدعاء إليه للإشارة إلى أنهم يلقونه، وقد كذبوا من قبل بلقاء ربهم، وخسروا بذلك خسرانا مبينا كما قال تعالى: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلقاءِ اللَّهِ)، و (إمامهم) أي بما يأتمون به ويتبعونه من بين هاد أو مرشد أو كتاب تدارسوه واتبعوه، وغير ذلك مما يكونون له تبعا، وفسره ابن كثير بأنه كتاب أعمالهم، فإنه فى هذا الوقت تكون الأعمال هي الناطقة التي تقدم أصحابها، كما قال تعالى: (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩). وإنه يرشح لذلك قوله تعالى: (فَمَنْ أُوتِيَ كتَابَهُ. . .). ولكن كيف يسمى كتاب الأعمال في الدنيا إماما، وهو نتيجة لاتباع غيره من هاد أو ضال، ولهذا رجح الأكثرون بأن الإمام هو القدوة المتبع هاديا مرشدا، أو غاويا مضلا.

стр. 6333

وقد يجاب عن الرأي الأول بأن الكتاب سمي بذلك، لأنه حجة عليه لا يستطيع معه إنكارا، (فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ) الفاء تشير إلى أن هناك من يعطى بيمينه، ومن يعطى بشماله، أو هي تفصح عن كلام مقدر، (أُوتِيَ)، أي أعطي كتابه بيمينه وإعطاء الكتاب بيمينه يشير إلى أنه من أهل اليمين وهم أهل الجنة كما قال الله تعالى: (وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩)، ويقول سبحانه عن أصحاب الشمال: (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤). وقوله تعالى: (فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ)، أي أنهم يقرءون كتابهم مستمتعين بهذه القراءة مدركين جزاءهم متوقعين له، (وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا)، أي مقدار فتيل، وهو ما يكون بين جزأي النواة وهو ضئيل، كما قال تعالى: (. . . وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا)، وكما قال تعالى: (. . . فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا). وقد ذكر سبحانه أن أهل اليمين يقرءون كتابهم ولم يذكر أهل الشمال أنهم يقرءون كتابهم، لأنهم لَا يقرءونه استخزاء من أفعالهم وهو كتاب لَا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. وإن هذه حال أهل اليمين، أما حال أهل الشمال فقد أشار إليها بقوله تعالى:

стр. 6334

(وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢) العمى هنا هو عدم إدراك النعمة أو عدم شكرها والكفر بها، ففي الكلام استعارة حيث شبه عمى القلب بعمى البصر بجامع عدمِ الإدراك في كُلٍّ، فمن عمى في الدنيا لَا يدرك النعم أو يدركها ولا يشكرها (فَهُو فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا)، أي فهو في الآخرة أكثر عمىً وأضل سبيلا، أي أبعد عن إدراك الطريق المستقيم؛ لأنه في الآخرة قد انتهى وقت العمل وفيها الجزاء، أو لأن عمى الدنيا

стр. 6335

قد يعوض بجارحة أخرى كالسمع واللمس، أما عمى الآخرة فلا يوجد فيه معوض عن البصر، ولأن عمى الدنيا قد تدركه التوبة ففي الزمان متسع لها، أما الآخرة فالعمى فيها لَا يستدرك بتوبة، إنما زمن الاستدراك في الحياة الدنيا، وإن التعبير بالعمى في الدنيا مجازي كما أشرنا وفي الآخرة هو مجازي أيضا، وقيل: إن كلمة (أَعْمَى) الثانية هي أفعل تفضيل ويجوز ذلك في عمى القلب، ولعل ذلك أخذوه من العطف عليها بـ أضل وهي أفعل تفضيل. ولقد روي أنه جاء نفر من أهل اليمن إلى ابن عباس فسألوه عن هذه الآية، فقال اقرأ ما قبلها (رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ) إلى قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) قال ابن عباس: من كان في هذه النعم والآيات التي رأى أعمى، فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا. * * * محمد يحاول هدايتهم وهم يريدون تحويله قال اللَّه تعالى: (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥) وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (٧٦) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (٧٧) * * *

стр. 6336

كان محمد ﷺ محبوبا في قومه يألفونه، ويكبرونه ويعدونه فيهم خيرهم أمانة وصدقا وقوة خلق، حتى إذا بعث رسولا، فرق شعور بعضهم بينه وبينهم بسبب الحق الذي جاء به، وما هم عليه من باطل يستمسكون به، ومحمد ﷺ كان يحب هدايتهم، لأنهم قومه ولأنه داعية الحق يريد أن يؤمن الناس به فهو يحاول أن يستدنيهم ويتمنون بجدع الأنف أن يترك هداية اللَّه إلى ضلالهم، ولذا قال تعالى:

стр. 6337

(وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) الكلام موصول لما قبله بالواو، وإن هي المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن، واللام هي اللام الفارقة وهي مؤكدة، يفتنونك معناها يزيلونك عما أنت عليه أو يصرفونك، وقال الراغب الأصفهاني إن معناها يوقعونك في الفتنة، بالنزول على ما يريدون. وأوضح المعاني أن تكون بمعنى يصرفونك عن الذي أوحينا إليك وهو القرآن الكريم، بأن تنصرف عن أحكامه وعن شريعته وعن المبادئ المقررة فيها التي تسوي بين الغني والفقير، (لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا)، أي لتكذب على اللَّه وتدعي أنه نزل عليك غيره، وفي هذه الحال تكون خليلهم وحبيبهم كما كنت، ولذا قال سبحانه: (وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا)، أي إذا كان ذلك منك وتحولت عن اللَّه تعالى إليهم يتخذونك وليا وخليلا، و (اللام) هي الواقعة في جواب (إذًا). ويذكر المفسرون روايات تدل على هذه المحاولة منهم، فيقولون إن ثقيفا حاولوا أن يستنزلوا من أحكام الإسلام ما يهوون فأرادوا أن يكون الربا حلالا لهم إذا كانوا دائنين وأن يكون حراما إذا كانوا مدينين، وأن يستمتعوا بعبادة اللات إلى آخر ما ذكروا، ونقول: إن وفد ثقيف الذي طلب ما طلب كان بعد الهجرة بسنين فهو كلام يحمل في نفسه دليل بطلانه.

стр. 6338

وقيل: إنهم منعوه من استلام الحجر الأسود إلا إذا كان معهم فلان، وهذا أيضا كلام يحمل في نفسه دليل بطلانه ولا يوجد من الصحاح ما يؤيده أو يشير إليه. ولعل أقرب الروايات في أسباب نزول هذه الآية هو ما ذكر أن قريشا خلوا برسول الله ﷺ ذات ليلة يكلمونه ويفخمونه ويسودونه ويقاربونه، فقالوا: إنك تأتي بشيء لَا يأتي به أحد من الناس، وأنت سيدنا، وما زالوا به حتى يقاربهم في بعض ما يريدون فعصمه الله، وخير من هذا هو قول أكابر قريش للنبي ﷺ : اطرد عنا هؤلاء السقاط والموالي حتى نجلس معك ونستمع منك فهمَّ النبي ﷺ بذلك (١)، هذه أصح الروايات في محاولاتهم، ولها شاهد من القرآن الكريم فقد قال تعالى: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢). وقوله تعالى: (وَإِن كَادُوا) ذكر محاولتهم ولم يذكر استجابة النبي ﷺ ومعاذ الله أن يستجيب خاتم النبيين، ولكن رغبة النبي ﷺ في أن يجذبهم إلى الإسلام ربما كانت سببا في أن يقارب بما دون الاستجابة، ولذا قال تعالى:

стр. 6339

(وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) (لولا) يقول علماء اللغة أن (لولا) حرف امتناع لوجود، أي امتناع الجواب لوجود، أي امتنع أن تركن إليهم لوجود التثبيت، أي أن إغراءهم لتعدل عن دعوتك دائم مستمر، ولكن لَا جدوى لأن تثبيت الله دائم مستمر. وإن هذا يفيد أمورا ثلاثة: الأمر الأول: تحريض النبي ﷺ على الاستمرار على دعوته الحق غير مباليهم في شيء وأن يصر على قوله، ولا يتهاون قيد أنمله فيما يدعو إليه.

стр. 6340

الأمر الثاني: أن اللَّه مؤيده في الحق وفي دعوة الحق المستمرة والله تعالى عاصمه منهم نفسيا وماديا، فهم لَا ينالون من جسمه ولا يمكن أن ينالوا من نفسه، فالله معه، وحامي الحق. الأمر الثالث: أن إرادتك هدايتهم لَا يصح أن يأتوك من قبلها. وقد أكد الله تعالى أن إغواءهم من شأنه أن يميل إليهم، ولكن محمدا في عصمة ربه وتثبيته، واللَّه تعالى يثبت القلوب كما يثبت الألسنة: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧). ويقول: (لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا). أكد سبحانه أنه كاد يميل إليهم، وكان التأكيد باللام وبقد، ولكنه وصف الكيدودة بأنها شيء قليل لم تَمِل معه النفس، وكان تأكيد الميل لقوة الإغراء وقوة ما يحاولون أن يميل قلب النبي ﷺ ، و (تَرْكَنُ) معناه تميل، ولم تكن استجابة ولكن مظنة الاستجابة لولا عصمة الله تعالى. وقد حذر اللَّه تعالى نبيه من هذه الاستجابة بقوله تعالى:
следующие страницы →