← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 6336–6375 · переход к 6341.

стр. 6336

كان محمد ﷺ محبوبا في قومه يألفونه، ويكبرونه ويعدونه فيهم خيرهم أمانة وصدقا وقوة خلق، حتى إذا بعث رسولا، فرق شعور بعضهم بينه وبينهم بسبب الحق الذي جاء به، وما هم عليه من باطل يستمسكون به، ومحمد ﷺ كان يحب هدايتهم، لأنهم قومه ولأنه داعية الحق يريد أن يؤمن الناس به فهو يحاول أن يستدنيهم ويتمنون بجدع الأنف أن يترك هداية اللَّه إلى ضلالهم، ولذا قال تعالى:

стр. 6337

(وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) الكلام موصول لما قبله بالواو، وإن هي المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن، واللام هي اللام الفارقة وهي مؤكدة، يفتنونك معناها يزيلونك عما أنت عليه أو يصرفونك، وقال الراغب الأصفهاني إن معناها يوقعونك في الفتنة، بالنزول على ما يريدون. وأوضح المعاني أن تكون بمعنى يصرفونك عن الذي أوحينا إليك وهو القرآن الكريم، بأن تنصرف عن أحكامه وعن شريعته وعن المبادئ المقررة فيها التي تسوي بين الغني والفقير، (لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا)، أي لتكذب على اللَّه وتدعي أنه نزل عليك غيره، وفي هذه الحال تكون خليلهم وحبيبهم كما كنت، ولذا قال سبحانه: (وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا)، أي إذا كان ذلك منك وتحولت عن اللَّه تعالى إليهم يتخذونك وليا وخليلا، و (اللام) هي الواقعة في جواب (إذًا). ويذكر المفسرون روايات تدل على هذه المحاولة منهم، فيقولون إن ثقيفا حاولوا أن يستنزلوا من أحكام الإسلام ما يهوون فأرادوا أن يكون الربا حلالا لهم إذا كانوا دائنين وأن يكون حراما إذا كانوا مدينين، وأن يستمتعوا بعبادة اللات إلى آخر ما ذكروا، ونقول: إن وفد ثقيف الذي طلب ما طلب كان بعد الهجرة بسنين فهو كلام يحمل في نفسه دليل بطلانه.

стр. 6338

وقيل: إنهم منعوه من استلام الحجر الأسود إلا إذا كان معهم فلان، وهذا أيضا كلام يحمل في نفسه دليل بطلانه ولا يوجد من الصحاح ما يؤيده أو يشير إليه. ولعل أقرب الروايات في أسباب نزول هذه الآية هو ما ذكر أن قريشا خلوا برسول الله ﷺ ذات ليلة يكلمونه ويفخمونه ويسودونه ويقاربونه، فقالوا: إنك تأتي بشيء لَا يأتي به أحد من الناس، وأنت سيدنا، وما زالوا به حتى يقاربهم في بعض ما يريدون فعصمه الله، وخير من هذا هو قول أكابر قريش للنبي ﷺ : اطرد عنا هؤلاء السقاط والموالي حتى نجلس معك ونستمع منك فهمَّ النبي ﷺ بذلك (١)، هذه أصح الروايات في محاولاتهم، ولها شاهد من القرآن الكريم فقد قال تعالى: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢). وقوله تعالى: (وَإِن كَادُوا) ذكر محاولتهم ولم يذكر استجابة النبي ﷺ ومعاذ الله أن يستجيب خاتم النبيين، ولكن رغبة النبي ﷺ في أن يجذبهم إلى الإسلام ربما كانت سببا في أن يقارب بما دون الاستجابة، ولذا قال تعالى:

стр. 6339

(وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) (لولا) يقول علماء اللغة أن (لولا) حرف امتناع لوجود، أي امتناع الجواب لوجود، أي امتنع أن تركن إليهم لوجود التثبيت، أي أن إغراءهم لتعدل عن دعوتك دائم مستمر، ولكن لَا جدوى لأن تثبيت الله دائم مستمر. وإن هذا يفيد أمورا ثلاثة: الأمر الأول: تحريض النبي ﷺ على الاستمرار على دعوته الحق غير مباليهم في شيء وأن يصر على قوله، ولا يتهاون قيد أنمله فيما يدعو إليه.

стр. 6340

الأمر الثاني: أن اللَّه مؤيده في الحق وفي دعوة الحق المستمرة والله تعالى عاصمه منهم نفسيا وماديا، فهم لَا ينالون من جسمه ولا يمكن أن ينالوا من نفسه، فالله معه، وحامي الحق. الأمر الثالث: أن إرادتك هدايتهم لَا يصح أن يأتوك من قبلها. وقد أكد الله تعالى أن إغواءهم من شأنه أن يميل إليهم، ولكن محمدا في عصمة ربه وتثبيته، واللَّه تعالى يثبت القلوب كما يثبت الألسنة: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧). ويقول: (لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا). أكد سبحانه أنه كاد يميل إليهم، وكان التأكيد باللام وبقد، ولكنه وصف الكيدودة بأنها شيء قليل لم تَمِل معه النفس، وكان تأكيد الميل لقوة الإغراء وقوة ما يحاولون أن يميل قلب النبي ﷺ ، و (تَرْكَنُ) معناه تميل، ولم تكن استجابة ولكن مظنة الاستجابة لولا عصمة الله تعالى. وقد حذر اللَّه تعالى نبيه من هذه الاستجابة بقوله تعالى:

стр. 6341

(إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥) (إِذًا)، أي إذا كان منك أنك ركنت إليهم، وجرَّك هذا إلى الاستجابة لهم (لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ) اللام جواب (إِذًا) أذقناك عذابا هو ضعف عذاب الحياة بعجزك عن التبليغ والخزي، والهوان والذلة، فيكون عذابا مضاعفا يكون معه الخزي والهوان وهذا ضعف عذاب الحياة، أما ضعف الممات فهو أن العذاب يكون يوم القيامة مضاعفا، والعذاب يكون على مقدار العلم ومقدار ما أوتي من بيان وأي علم أعظم من علم النبوة، وأي آيات أعظم من تأييد الحق، وإن العذاب يكبر بكبر من وقع في سببه.

стр. 6342

ولقد قال الزمخشري في هذا المقام: في ذكر الكيدودة وتقبلها مع إضافة العذاب الشديد المضاعف في الدارين دليل بين على أن القبيح يعظم قبحه بمقدار عظم شأن فاعله وارتفاع منزلته، وفيه دليل على أن أدنى مداهنة للغواة مضادة للَّه تعالى، وخروج عن ولايته وسبب موجب لغضبه ونكاله، فعلى المؤمن إذا تلا هذه الآية أن يجثو عندها ويتدبرها فهي جديرة بالتدبر وأن يستشعر الناظر فيها الخشية. وإنه إذا كان قد ذكر القرآن الكريم أنه كاد يركن، فليس معنى النص يفيد أنه ركن، وقد ذكر اللَّه عقابا مضاعفا للركون لَا لقرب الركون، فمعنى (إِذًا لأَذَقْنَاكَ. . .)، أي إذا ركنت أذقناك، وهذا خطاب للنبي ﷺ ، ولا يمكن أن يكون منه ركون، وهو تحذير لأمته من أن يخطوا مع الظالمين وأن يركنوا إليهم، كما قال تعالى: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣). ولقد قال تعالى محذرًا محمدا وأمته: (ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا)، العطف بـ (ثُمَّ) بعد النصرة إذا كان منه الركون، وقال: (عَلَيْنَا)، أي ليس لك علينا أن ننصرك إنما نتركك لمن ركنت إليهم، وإن ذلك تحذير للأمة من أن تركن لظالم قط، أو تقع تحت إغوائه، وأنهم كانوا يحاولون إخراج النبي ﷺ من مكة، ولذا قال تعالى:

стр. 6343

(وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (٧٦) كان كفار مكة يكيدون للنبي ﷺ ولأصحابه، فلقد آذوا أصحابه إيذاء بالغا، حتى إن منهم من مات تحت حر العذاب كأم عمار بن ياسر وأبيه، وحتى إن منهم من نطق بالكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، وقد هاجر منهم فرارا من الأذى إلى الحبشة طائفة من المؤمنين استنقاذا لإيمانهم وقد هاجروا مرتين، والنبي ﷺ ثابت في مكانه مقيم يشارك من لم يستطع السفر الأذى والمصابرة، ولو خرج لضاقوا في أنفسهم، واشتد بهم الألم بعدم من يشاركهم، وهو قطب الدعوة.

стр. 6344

رأى المشركون ذلك ورأوا أن يزيدوا في إيذائه ليزعجوه ويستفزوه ليخرج، وبلغ ذلك أقصاه عندما هموا بقتله أو تثبيته أو إخراجه، وإلى هذا يشير قوله تعالى: (وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا) و (إن) هنا هي المخففة من الثقيلة كما هي في الآية السابقة في التلاوة، واللام لام التوكيد فارقة بينها وبين (إنْ) النافية، ومعنى استفز، أي طلب الفزَّ بألا يكون قارا ثابتا، وهؤلاء طلبوا أن يفز النبي ﷺ من الأرض بألا تكون مستقرا له يأمن فيها ويسكن حتى لا يبقى بها؛ لأنهم علموا أنه لَا محالة مضيع شركهم قاضٍ على أوثانهم مزعج لهم فأزعجوه منها ليخرج، والأرض هي أرض مكة؛ لأنها المعهودة، فـ (أل) للعهد، ولأنها الجديرة بأن تسمى الأرض الحرام؛ لأنها الحرم الآمن الذي يُجبى إليه ثمرات كل شيء ولأنها أم القرى، إنهم يفعلون ذلك ليخرجوك من أرض مكة، ولكنه إن خرج فإنه يبتدئ زوال سلطانهم وهي تضطرب من تحتهم، ولذا قال تعالى: (وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا)، أي أنه نتيجة لخروجه من بينهم لن يستمروا بعده إلا زمنا قليلا فإن دولتهم تأخذ في الزوال، وذلك بأحد أمرين: الأمر الأول: أن يجد قوما غيرهم يستجيبون لدعوته وتكون له بهم قوة فيردون اعتداءاتهم، وفتنهم وقد كان ذلك، فإن اللَّه تعالى أمره بالهجرة في ميقاتها عندما وجد من استجاب من أهل يثرب، فكانوا هم ومن هاجروا قوة الإسلام استنصفوا منهم، ثم زالت دولة الأوثان بعد ذلك ويئس الشيطان أن يعبد في هذه الأرض. الأمر الثاني: أن ينزل اللَّه بهم ما أنزل بالذين آذوا أنبياءهم وأخرجوهم أو سدوا سبل الحق عليهم حتى يئسوا من أن يؤمنوا، وقال اللَّه لكل نبي منهم: (. . . لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ. . .)، فإنه ينزل عليهم من آياته خسفا، أو زلزالا، أو حاصبا، أو ريحا صرصرا عاتية. وقد كان الأول وإن ذلك سنة الأولين، وقد قال تعالى: (سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (٧٧)

стр. 6345

(سُنَّةَ) منصوبة على أنها مفعول مطلق كمصدر، والفعل المحذوف سننا سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا، أو نسُنُّ لك سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا، وهو أنه لَا يخرج قوم أنبياءهم إلا أدلنا منهم؛ فآل لوط أخرجوا نبيهم فجعل عليهم الأرض عاليها سافلها، وثمود عقروا الناقة وآذوا صالحا فدمدم عليهم ربهم بذنبهم، وموسى أخرجه فرعون وملؤه فأغرقهم اللَّه تعالى وأدال منهم، كما قال تعالى: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥). (وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا)، أي تغييرا؛ لأنها لها منهاجا معلوما لَا تتحول عنه، وهو أن ينصر رسله، وقال تعالى: (إِنَّا لَنَنصُرُ رسُلَنَا. . .)، وقد كان الأمر بالنسبة كذلك لمحمد ﷺ فإنه بعد بضع سنين من هجرته دخل مكة محطما أوثانها، وقد آمَن أهلها وذهبت دولة الشرك. * * * في شريعة محمد دواء النفس ونصر الحق قال الله تعالى: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩) وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (٨٠) وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١) وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)

стр. 6346

وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (٨٣) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (٨٤) * * * نحسب أن هذه الآيات كانت قبيل الهجرة، بل إن سورة الإسراء كلها كانت قبيل الهجرة؛ إذ فيها الإسراء، وقد كان قبيل الهجرة إيناسا للنبي ﷺ بعد أن فقد عمه أبا طالب الذي كان يحميه، وزوجه خديجة التي كانت السكن المواسية، ولذا نقول: إن قوله تعالى:

стр. 6347

(أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨) وإن الآيات السابقة تدل على ما كان يحاوله المشركون ليفتنوا المؤمنين في دينهم، وتطاولوا فحسبوا أنهم يفتنون محمدا ﷺ عما أوحى اللَّه تعالى به إليه، ثم أشار إلى ما كانوا يفعلونه لكيلا تكون له مكة مقاما ومستقرا، بعد ذلك أمره بالصلاة مبينا أوقاتها له ولأمته، فقال: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) والصلاة فيها ابتلاء النفس بالقوة لأنها انصراف ولجوء إلى اللَّه تعالى واستحضار ذاته العلية، والصلاة هي ركن الإيمان السديد، ولقد قال تعالى: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨). ويقول تعالى: (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠)، فكان الأمر بالصلاة والإشارة إلى أوقاتها؛ لأنها مادة الصبر. والإيمان وفيها أعلى درجات السلوان عن متاعب الحياة ولأوائها. اللام في قوله تعالى: (لِدُلُوكِ) للتوقيت، كما تقول في توقيت أعمالك أو الحوادث كان هذا لخمسٍ خَلَوْنَ من جمادى أو نحو ذلك، ويصح أن تكون

стр. 6348

للتعليل، أي أقم الصلاة لأجل دخول وقت دلوك الشمس إلى غسق الليل. . . . ولهذا يقول علماء الأصول: إن الوقت سبب وجوب الصلاة، من حيث إن الصلاة لا تجب إلا بدخوله. وإقامة الصلاة التي هي مصدر أقام، و (أَقِمِ) معناها أداؤها مقومة مستقيمة مستوفية الأركان الظاهرة، من قيام وركوع وسجود وقراءة ودعاء وأركانها الباطنة من خشوع واستحضار لمعانيها، ومعاني قراءتها وأدعيتها حتى تكون كلها ذكرًا للَّه تعالى، وهو لب معناها. و (دلوك الشمس) معناه ميلا من وقت زوالها، وكونها في كبد السماء إلى غسق الليل، وبهذا تشمل الآيات الأوقات كلها؛ لأنها شملت الظهر والعصر والمغرب والعشاء في غسق الليل، والفجر في قوله تعالى: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا). وفسر بعض الصحابة الدلوك بالغروب لأنه نهاية ميل الشمس؛ إذ تختفي. ومن فسر الدلوك بميلها في الزوال، فسرها بابتدائه، وقال الماوردي: من جعل الدلوك اسما لغروبها، فلأن الإنسان يدلك عينيه براحتيه لتبينها حالة الغروب، ومن جعله اسما لزوالها فلأنه يدلك عينيه لشدة شعاعها. ونرى أن تفسير الدلوك بميلها، وقت الزوال هو الأوضح؛ لأن الآية بهذا التفسير تشمل كل أوقات الصلاة، ولأن (دَلَك) معناها (مال). جاء في تفسير البيضاوي ما نصه: " وأصل التركيب للانتقال، ومنه الدلك فإن الدالك لَا تستقر يده وكذا كل ما تركب من الدال واللام كدلج، ودَلَحَ، ودلع، ودلف ". وقوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ)، أي ميلها من الزوال شيئا فشيئا، فيكون الظهر ثم يشتد الميل فيكون العصر، واتساع الميل علامته طول كل الأشياء، ويكون العصر، ثم تغيب وينقطع الميل فيكون المغرب وتختفي الشمس وآثارها، فيكون غسق الليل وهو اجتماع ظلمته، وذهاب كل شفق ينير، فيكون

стр. 6349

العشاء ثم نبه إلى الفجر وصلاته، فقال: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) عبر عن صلاة الفجر بقوله: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ)؛ لأن القراءة ركنها ولأنه يجب أن يكون الجهر بها، ولأنه يندب أن تكون القراءة فيها بطوال السور أو ببعضها، ولأن القرآن فيها مشهود مستحسن، وقوله تعالى: (إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا)، أي تشهده الملائكة إذا لم تدرن النفس بعوجاء الحياة، واختلافات الأهواء والمنازع؛ ولأن الفجر ينبغي أن يؤدي في جماعة، ويجب أن يشهده أكثر المؤمنين القريبين من المسجد، ولأنه أول ما تستقبل به الحياة، ويصح أن نقول: إن (مَشْهُودًا) كناية عن رفعته ومقامه عند اللَّه وعند المؤمنين، وهذه الأوقات تتلاقى مع قوله تعالى في سورة الروم المكية: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨). وبعد ذكر اللَّه تعالى الفرائض، أشار إلى النوافل فقال:

стр. 6350

(وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩) من هنا للتبعيض، والفاء عاطفة على فعل محذوف وتقدير الكلام قم جزءا من الليل فتهجد به نافلة (عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مُّحْمُودًا)، أي رجاء أن يبعثك ربك مقاما محمودا، والتهجد معناه قطع الليل في العبادة وخاصة الصلاة، وقالوا: إنه سلب الهجود أي النوم فمادة تفَعَّل تأتي أحيانا بمعنى سلب الفعل، فالتهجد سلب الهجود وهو النوم والاستراحة كالتأثم سلب الإثم أو إبعاده، والتحرج إبعاد الحرج إلى آخر أمثال هذه الألفاظ. والمقام المحمود هو المقام الذي يحمد قائمه، وهو مقام العبادة، وهو بالنسبة للنبي ﷺ مقام الشفاعة يوم القيامة، فهو المقام الذي يشفع فيه النبي ﷺ لمن يؤمر بالشفاعة، كما قال تعالى: (. . . وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ). وقوله تعالى: (نَافِلَةً لَّكَ)، أي هذا التهجد نافلة أي زائدة، أي أن هذا التكليف بالتهجد كنافلة زائدة هو لك أنت مثل قوله تعالى: (. . . وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن

стр. 6351

وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِي إِنْ أَرَادَ النَبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ. . .). ولقد قدمت هذه النافلة في الذكر عن قراءة الفجر وتأخرت عن صلاة الغسق، وكانت بينهما؛ لأن التهجد ليس فرضا على المؤمنين، ولقد قال تعالى في هذه النافلة المطلوبة من النبي ﷺ : (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨). وإن العبادة إذا أديت على وجهها وخصوصا الصلاة كان العبد قريبا من ربه، يدعوه فيستجيب له، ولذا قال تعالى:

стр. 6352

(وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (٨٠) الإدخال متعدي دخل، والإخراج متعدي خرج، وقيل: إن هذه الآية نزلت عندما أذن للنبي ﷺ أن يخرج من مكة مهاجرا، وأن يدخل المدينة داعيا مستنصرا، ويصح أن يفسر الإدخال والإخراج بهذا المعنى الخاص، ونرى أنه عام في كل أمر يقدم عليه الإنسان ويريد منه خيرا، وهو بالنسبة للنبي ﷺ هو الدخول في تبليغ رسالة اللَّه ، وأداؤه لها والاستمرار في أدائها والزود عنها، حتى يقبضه اللَّه إليه. وما معنى الصدق في هذا المقام، يقال قول صدق، وعمل صدق، وموقعة صدق، ووقفة صدق، ونقول: الصدق هو الكمال في الأفعال والأقوال والواقع، والمواقع ومعنى صدقها أي يبتدئ بها الشخص مخلصا متجها إلى الغاية في أكمل صورها، مالكا الحق في طلبها سلوكا مستقيما من غير التواء ولا مراء، معطيا ما يحتاج إليه الأمر من وسائل الاستقامة والخلق الكريم، وفي الصدق صدق النفس بالإخلاص، وصدق العمل بالنية الطيبة، وصدق اللسان والجوارح. فالدعاء بأن يدخله مدخل صدق، وأن يخرجه مخرج صدق دعاء بأن يحاط في المدخل والمخرج بالفضائل الإنسانية، والمكارم كلها، والحق من كل نواحيه،

стр. 6353

هذا الدعاء الذي علمه اللَّه تعالى، وكل خطاب للنبي ﷺ هو خطاب لكل أتباعه لأنه الأسوة المتبع. وآخر الدعاء قوله تعالى: (وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا) كان الدعاء الأول بلفظ المتكلم المفرد، أما في هذا الدعاء فكان بلفظ المتكلم الذي معه غيره، و (لَدُنكَ)، أي من عندك، وهي تكاد تكون في اللغة العربية خاصة بالعندية لدى الذات العلية. وكان الدعاء بأن يكون للنبي ﷺ ومعه غيره بأن يهبه ومن معه السلطان أي القوة، و (نَّصِيرًا)، أي قوة تنصره وتؤيده ويستعمل السلطان بمعنى الحجة، وبمعنى التسلط، وبمعنى القوة، وهي في هذا الموضع تشمل الحجة والقوة الناصرة التي لَا تنهزم، وقد أعطاه اللَّه كل ما طلب، وأعطاه سلطانا له ولمن معه فأجيبت دعوته وعصمه اللَّه تعالى من الناس وجعل حزبه هو الغالب وقال: (. . . فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ)، وأظهر دينه على الدين كله، واستخلفهم في الأرض ونزع اللَّه ملك فارس وممالك أخرى، وهكذا. ونلاحظ أنه عندما طلب القوة، لم يطلبها لنفسه، بل طلبها لمن معه وهو بينهم، لتكون القوة الجماعية، ومن يطلبها لنفسه فإنما يطلبها للغلبة وقهر المؤمنين كما رأينا من رؤساء المسلمين في هذا الزمان. وإن وراء المدخل الصدق والمخرج الصدق، والسلطان للجماعة المؤمنة يكون انتصار الحق، وخذلان الباطل، ولذا قال تعالى:

стр. 6354

(وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١) هذه الآية تؤذن بما سيقع بعد أن يكون الخروج الصدق من مكة بالهجرة والدخول بالمدينة وهو النصرة والإيواء. وبعد أن أعطاهم السلطان النصير، والقوة ومجابهة الشرك، أمر اللَّه تعالى نبيه أن يقول ذلك مقررا مثبتا جاهرا بهذه الحقيقة وإن لم يكن ذلك ظاهرا، ولكن

стр. 6355

أسباب النصر القريب قد وجدت وتضافرت، وكان اشتدادهم في الإعنات بشيرا للمؤمنين بقرب الفرج، وكان دعاء النبي ﷺ بأن يدخله مدخل صدق وأن يخرجه مخرج صدق، إيذانا بالهجرة التي كان من بعدها النصر المؤزر. يروى أن المؤمنين ابتدءوا الهجرة من بعد أن بايع النبي ﷺ الأوس والخزرج البيعتين على النصرة، وأن يحموا محمدا ودعوته كما يحمون نساءهم وأولادهم (١)، ومن هذا الوقت ابتدأت الهجرة فرادى وجماعات صغيرة يستخفون بها ولا يعلنون، ويظهر لمن المساق التاريخي أن دعوة الرسول بأن يدخل مدخل صدق، ويخرج من مكة مخرج صدق كان في هذا الإبان وكانت قريش تأتمر به لتقتله أو تثبته أو تخرجه وانتهت إلى قتله في مؤامراتها، وهذا في قوله تعالى: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠). هاجر النبي ﷺ وقاتل المؤمنون وقوتلوا ثم كان النصر بأمر اللَّه، فقوله تعالى: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ)، أي قل مبثرا مثبتا جاء الحق غالبا منصورا وزهق الباطل أي ذهب وضاق من زهوق الروح، (إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا)، أي مضمحلا غير ثابت. ولو أننا نأخذ من روح النصوص القرآنية ما اقترن بها من حوادث، لقلنا إن هذه الآيات، والنبي ﷺ قد التقى بوفد الأوس والخزرج وبايعهم بعد أن آمن من آمن منهم ولكن لم نجد في كتب التشمير ما يؤيد ما نقول وحسبنا القرآن مبينا أو مُسَيِّرا. ولقد قال تعالى في القرآن الذي هو الحق، وبه علا الحق وكل ما فيه حق، (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)

стр. 6356

بعد أن ذكر إشراق النفوس بالحق وطمس الباطل أشار سبحانه إلى مصدر الحق في الإسلام وهو القرآن فليس فيه إلا الحق، ولا يلتمس إلا منه ولا يطلب إلا من آياته، فقال تعالى:

стр. 6357

(وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ)، (من) هنا يقول بعض علماء اللغة: إنها بيانية، أي ننزل القرآن الذي هو شفاء للناس ورحمة للمؤمنين؛ لأن القرآن كله شفاء ورحمة، وإذا جعلنا (مِنْ) للتبعيض يكون معنى الآية أن بعضه ليس فيه شفاء ولا رحمة وذلك باطل فيبطل ما يؤدي إليه. وقال ابن عطية من المفسرين: " إن جعل (من) للتبعيض لَا ينافي أن القرآن كله شفاء؛ لأن (ننزل) معناه النزول شيئا فشيئا فيكون المعنى على هذا " وننزل من القرآن شيئا فشيئا ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين " فالتبعيض في طريقة النزول لَا في الحكم بأنه كله شفاء ورحمة للمؤمنين ". والشفاء والرحمة للمؤمنين؛ لأنهم الذين ينتفعون به، والشفاء الذي اشتمل عليه القرآن هو شفاء النفوس من أوهام الباطل، وشفاء العقول من رجس الوثنية والأخلاق الجاهلية ومفاسد الأخلاق والرذائل الأثيمة، وتلك تخلية وبعدها التحلية، وتلك هي الرحمة، فتملأ النفوس بمكارم الأخلاق وتنظم المعاملات بين الناس في شريعة محكمة وحقائق ثابتة، وتنظم أعمال الناس بنظم اجتماعية واقتصادية تحفظ للفرد حقه في التصرف والامتلاك، وتصريف أموره في ظل جماعة عادلة رحيمة مترابطة غير متقاطعة، ولا متنازعة لَا تسلب فيها الحقوق بكلام لَا معنى له. وإن هذا النص الكريم يتقارب في مؤاده مِن قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَوْعِظَةٌ من رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ للْمُؤْمِنِين)، وإن المؤمنين هم الذين ينتفعون بالغذاء الطيب الذي يغذي النفوس والدواء الناجع الذي يزيل أمراض القلوب، أما غير المؤمنين فلأنهم أعرضوا عن الحق، وصموا آذانهم عنه إذا سمعوا القرآن لَا يشفيهم ولا يُغذيهم بل يزيدهم خسارا، ولذا قال:

стр. 6358

(وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا)؛ لأن الكافر لجوج في كفره معاند ولا تزيد الحجة المعاند إلا عندا وخسارا. ولقد قال في وقع نزِول القرآن على المنافقين: (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥). وإن الإنسان تطغيه النعمة فيبطرها ويوئسه البلاء، إلا الصابرون، وهذا قوله تعالى:

стр. 6359

(وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (٨٣) (الإِنسَانِ) (أل) للجنس، أي جنس الإنسان أنه تبطره النعمة وتطغيه، وتوئسه النعمة وتضعفه، وإن هذه طبيعة الإنسان إلا من هداه اللَّه تعالى بالصبر والإيمان، أو (أل) للعهد، وهو كما يدل عليه آخر الآية السابقة وهو الظالم الذي لا يزيده علم القرآن إلا خسارا، وإن هذه طبيعته الضالة التي جانف بها الفطرة ومال عنها. ويقول في توجيه الحق في ذلك: إن الغريزة الإنسانية تنشأ منفعلة بما أحاطها وما منحت، فإن منحت القوة والصحة والمال ربما تطغى وتعرض عن الحق إلا أن تتهذب بتهذيب الدين، ويصيبها اليأس من روح اللَّه إن أصابها أمر يضرها ويسرها إلا أن تؤمن وتصبر. وهذا قوله تعالى: (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ) بنعمة الصحة والمال وتوفير الرزق، والسكن (أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبهِ)، أي أعرض عن الحق والتطامن له، وعن الطاعة للَّه تعالى، وقد صور فقال: (وَنَأَى بِجَانِبِهِ)، أي ثنى وجهه واستدبر من يخاطبه وأدار وجهه وواجه بظهره؛ وهذه صورة حسية لمن يعرض مطرحا الأمر وراء ظهره، غير ملتفت إليه.

стр. 6360

(وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا)، أى كان يائسا يأسا شديدا من روح اللَّه وإنقاذه مما نزل به يأسا شديدا، (. . . إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ). والشر هو ما يسوء ويؤلم ولو كانت عاقبته خيرا، وقوله تعالى: (مَسَّهُ) إشارة إلى أنه يصيبه ولو قليلا يجعله يائسا من رحمة اللَّه، فالقوة تغريه وتطغيه، والضعف ولو صغيرا يهده ويوئسه. وهذا كقوله تعالى: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١). معنى الآيات السابقة والقرآن الكريم في محكم آياته يبين أن الناس على أصناف شتى فمنهم المهتدي الذي يتجه إلى الحق اتجاها من غير اعوجاج، ومنهم الضال المعرض عن الحق إعراضا، ومنهم المنافق، ومنهم الذين يسلمون ولم يؤمنوا أو يرجى لهم الإيمان، وكل يسير في طريقه مختارا منتهيا إلى ما كتب له، وهذا قوله تعالى:

стр. 6361

(قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (٨٤) (قُلْ) يا نبي اللَّه (كلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ)، أي كل فريق، فالتنوين في (كُلٌّ) قائم مقام المضاف إليه الذي يقدر بما يناسب المقام، والشاكلة الناحية أو الطريقة أو المذهب، أي كل يعمل على ناحيته التي اختارها والمذهب الذي اعتنقه، وهذا كقوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦). لقد حاولوا أن يفتنوا النبي ﷺ عن دينه، فكأن هذه الآية رد عليهم؛ ومعناها قد اخترتم ما اخترتموه فاتركوا الناس أحرارا في اختيارهم، ولا تفتنوهم

стр. 6362

عن دينهم والحكم في هذه الشواكل عند اللَّه تعالى، ولذا قال تعالى: (فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا). وربكم الذي خلقكم ورباكم هو العالم علما ليس فوقه علم بمن هو أهدى وأسلك طريقا، وهو الذي يحكم بينكم يوم القيامة وهو خير الحاكمين، وأفعل التفضيل ليس على بابه كما ذكرنا مرارا. * * * الروح والقرآن قال اللَّه تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥) وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (٨٦) إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (٨٧) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٨٩) وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ

стр. 6363

لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣) * * * إن المشركين كانوا يعنتون في أسئلتهم وإجاباتهم، ويستعينون بأهل الكتاب في إحراج النبي ﷺ . ويروى أنهم قد قالوا لهم: سلوه عن ثلاثة: عن الروح، وعن العبد الصالح، وعن ذي القرنين، فإن أجاب عن بعضها فهو نبي (١)، وقد بين حال العبد الصالح الذي صحب موسى، وعن ذي القرنين في سورة الكهف، وعن الروح فقال:

стр. 6364

(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥) سألوه عن الروح ما ماهيتها أهي عرض أم جوهر، والروح أهي الروح التي تكون في الأجسام فتجعلها تتحرك بإرادتها وتسير باختيارها، ويقصد من الناس، ويصح أن يراد منها النفس التي تتجه بالحق إلى مقاصده وغاياتها، سألوه عنها فأجاب سبحانه، أو أمر نبيه أن يجيب بقوله: (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي)، أي أنها خلق من خلقه والعلم بها من شأنه وأمره الخاص به، (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا)، أي ما الذي أوتيتموه من العلم إلا قدرا ضئيلا، والعلم بها فوق طاقتكم إنما اختص الخلاق العليم، وعبر بـ (رَبِّي) للإشارة إلى أنها سر خلقه وتكوينه، وقد شرف اللَّه تعالى الروح فقال تعالى: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ)، فأضاف سبحانه روح آدم إليه تشريفا وتكريما للروح الإنسانية.

стр. 6365

وإن التوراة التي بأيدينا فيها النص على أن نفس كل إنسان دمه، أما القرآن كلام اللَّه الصادق الذي لَا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فهو يقرر الحقيقة الثابتة الخالدة وهي أن الروح من أمر إنشاءِ اللَّه وخلقه وسر اللَّه تعالى في إبداعه وتكوينه، وما أوتي الإنسان إلا العلم بالمحسوسات واستخدام قواها، وهو لا يعرف حقيقة الأشياء ولكن يعرف مظاهرها وقوانينها الظاهرة لديه، وهذا مؤدى قوله تعالى: (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) وهو العلم بالمحسوسات وظواهرها البيئية التي تتكشفها العقول وتعرفها الفهوم. ألم تر الإنسان قد علا من الأرض وجعل النجوم له مراما، ووصل إلى القمر والمريخ، ويحاول أن يتعرف ما وراء هذا الفضاء فهل تراه استطاع أن يخلق ذبابا، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣. قولوا للذين يقتعدون الفضاء وينقلون أجهزة العلم إليه: أيستطيع أحد أن ينشئ روح إنسان أو حيوان أو بعوضة في الأرض أو هامة من هوام الأرض؟ إن ذلك من شأن منشئ الوجود بديع السماوات والأرض والأجسام والأنفس والأرواح وكل شيء عنده بمقدار. وإن القرآن هو روح الشريعة، وأنه من أمر اللَّه ومن شأنه، ولذا جاء ذكره بعد ذكر الروح التي من أمر اللَّه تعالى، فقال تعالى:

стр. 6366

(وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (٨٦) ذهب به يستعملها القرآن الكريم بمعنى أذهبه وكأن الباء تنوب عن همزة التعدية، كقوله تعالى: (. . . وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ. . .)، أي لأذهبها ذهابا مؤكدا ومعناه ذهب بالذي أوحينا أي محاه وصحبه وأخذه معه فهو يتضمن المحو عند الناس والأخذ به عند اللَّه.

стр. 6367

واللام في قوله تعالى: (وَلَئِنْ شِئْنَا) اللام الموطئة للقسم، واللام في قوله تعالى: (لَنَذْهَبنَّ) هي اللام الواقعة في جواب القسم، ولنذهبن القسم وهو قائم مقام جواب الشرط. والمعنى أن الله تعالى يؤكد أن اللَّه تعالى قادر على أن يذهب بهذه المعجزة التي بهرت العقول والأفهام وعجز العرب عن أن يأتوا بمثلها لو شاء ذلك وأراده، ولكنه لم يشأه ولم يرتضيه وقوله: (بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) التعبير بالموصول فيه إشارة إلى أنه لَا يشاء ذلك لأنه هو الذي أوحاه إليه، وقال تعالى: (ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا)، (ثُمَّ) هنا في موضعها من التراخي المعنوي، أي لو ذهبنا به، بَعُدَ أن تجد من يتوكل بإعادته علينا، أي بإلزامنا وبغير مشيئتنا، فالباء متعلقة بـ (وَكِيلًا)، أي لَا تجد لك وكيلا به يرده إليك علينا من غير مشيئتنا يلزمنا، معاذ اللَّه تعالى أن يكون ذلك. وإن هذا النص الكريم يفيد أمرين: الأمر الأول: منزلة القرآن ومكانه العظيم ومَنَّ اللَّه تعالى على الخلق به؛ لأن فيه الشفاء والرحمة والهداية والموعظة وهو فضل اللَّه على عباده وأنه لو شاء لاسترده. الأمر الثاني: سنة بقائه إلى يوم القيامة نور الوجود الإنساني وهاديه ومرشده عندما تفسد الضمائر وتطمس القلوب. والنص فوق دلالته المحكمة على مكانة القرآن الكريم وهدايته الدائمة يدل على أنه فاعل مختار وعلى أن قوله تعالى:

стр. 6368

(إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (٨٧) (إِلَّا) الاستثناء فيها من النفي في الجملة الأخيرة من الآية السابقة [لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا] (١)، ويكون المعنى لَا تجد لك من يوكل باسترداده علينا إلا رحمة من ربك ويكون الاستثناء متصلا، أي أنه إن شاء سبحانه إذهابه

стр. 6369

لا يعود، إلا رحمة من اللَّه رب العالمبن بنبيه وبالناس لينتفعوا من شفائه وهدايته ورحمته ومواعظه، فهو القرآن العظيم، ويصح أن يكون الاستثناء منقطعا ويكون متعلقا بالآية السابقة كلها، ولكن (إلَّا) بمعنى (لككن) ويكون سياق الكلام فيما نعلم هكذا: " (وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا) لكن رحمة من ربك الذي علمك ما لم تكن تعلم، وشفى صدرك واصطفاك، وهذه الرحمة قامت فلم يشأ أن يذهب به ". ولقد ختم اللَّه تعالى الآية بقوله: (إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا) وإن فضل اللَّه تعالى على هذه الأمة ونبيها كان عميما بإنزال القرآن الكريم وبقائه حجة قائمة إلى يوم القيامة وبما اشتمل عليه من شفاء ورحمة وهداية، والضمير يعود إلى اللَّه، وقوله: (كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا) قدم (عَلَيْكَ) للاهتيام بمنزلة النبي ﷺ وفضل اللَّه تعالى عليه، وقد أكد فضله بـ (إنَّ) المؤكدة و (كان) الدالة على الاستمرار. ولماذا أكد فضله في نزول القرآن على قلبه، وأن يكون معجزته الكبرى؛ الإجابة لأن المشركين حسبوا أن المعجزات. الحسية التي انقضت بانقضاء أزمانها مثل معجزات عيسى تدل على فضل هؤلاء الرسل، فبين سبحانه أن فضله عظيم على نبيه في أن اختصه بمعجزة القران الخالدة الباقية التي كانت هي المعجزة الكبرى وسجلت كل المعجزات السابقة، فلولا القرآن ما عرفتها الأجيال التالية. ثم بين سبحانه أنه معجز للأجيال كلها إنسهم وجنهم، فقال:

стр. 6370

(قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) الخطاب للنبي ﷺ وهذا الخطاب فيه إعلام النبي ﷺ بمكانة القرآن وأنه ليس كمثله كتاب قط، وأنه معجز يستطيع أن يتحدى به الإنس والجن في كل الأجيال،

стр. 6371

ولو اجتمعوا على أن يأتوا بمثله لَا يأتون ولو كان بعضهم يظاهر بعضهم الآخر، وفيه أيضا أن القرآن يعجز الجميع من الجن والإنس لَا العرب وحدهم ما توهم بعض الناس أنه لَا يعجز غيرهم، ولا يخاطب به غيرهم؛ لأنه ليس بلغتهم وأن حَسْبه أن يعجز عن الإتيان بمثله العرب. (لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ) (اللام) هي الموطئة للقسم، والتي تدل على أن في الكلام قسما مطويا في القول، وجواب القسم لَا يأتون، ولولا اللام لكان جواب الشرط؛ لأنه لَا يجزم الجواب إذا كان فعل الشرط ماضيا، وقوله اجتمعت يتضمن معنى انقضت واجتمعت في صعيد واحد وأرادوا أن يأتوا بمثله أو كتاب مثله لا يأتون (وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا)، أي لو تعاونوا جميعا ولظاهروا على أن يأتوا بمثله؛ وذلك لأول معجز بذاته في ألفاظه وعباراته ونظمه ونسقه ونغمه، حتى إن كل جملة من جمله لها نغم وموسيقا منفردة، ولا يوجد في أية لغة من اللغات مثل هذا النغم الذي يسمع في عباراته ومعانيه، وكل ذي ذوق موسيقى يرى فيه من روائع النغم ما ليس في أي كلام بأي لغة، حتى إن كاتبا أوربيا كان يعلم العربية بعض العلم حكم بأنه لا يزال معجزا بتآخي عباراته، وموسيقا فواصله من غير أن تعتدي الألفاظ على المعاني، بل إنه يتآخى في أداء المعاني، ألفاظه وعباراته وفواصله ونغماته، ولا تدري أيها أشد تأثيرا في نفسك، وفوق هذا كل شيء فيه معجز، فشرائعه إذا قيست بشرائع عصره كان معجزا، وعلمه من أخبار وتنبيه إلى الكون معجز لأنه ينبه إلى أمور من شئون الكون لم تكن معلومة عند علماء الكون في عصره، وغير ذلك مما أحاط به علم القرآن، ثم ذكر معرض إعجاز القرآن فقال:

стр. 6372

(وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٨٩) (اللام) لتوكيد القول، و (قد) لتوكيده، (صَرَّفْنَا) أي حولنا فيه ضروب القول من خبر إلى إنشاء ومن استنكار إلى إقرار ومن قصص فيها الموعظة الحسنة

стр. 6373

والعبرة المرشدة إلى أحكام شرعية مصلحة للآحاد والأسر والجماعة والأقاليم، رابطة بين الإنسانية في مجتمعات إلى آيات مبينة للحقائق الإنسانية والطبائع في الجواب والكون والإنسان، وكان ذلك التصريف في هذا القرآن للناس من كل مثل، و (من) هنا بيانية، أي صرفنا لهم كل مثل، أي كل حال ذكرناها لتشاكلها مع الوجود الإنساني. وكان حقا على الناس أن يؤمنوا به، ولكنهم لم يؤمنوا، ولذا قال سبحانه: (فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا) وموضع الاستثناء هنا أن الإباء دخل على في فيقدر هكذا: فأبى أن يكثر كل شيء (إِلَّا كُفُورًا)، أي إلا أن يكونوا كافرين كفورا لازمهم، وصار وصفا من أوصافهم ولا حول ولا قوة إلا باللَّه. إن القرآن معجزة غير مزعجة ولا قارعة، ولكنها مخاطبة للعقل الذي يذعن الحقائق والقلوب المشرقة بنور الهداية ولذا طالب أهله بمعجزات قارعة، لَا لنقص في معجزة القرآن، بل لأنهم لَا يؤمنون ولأنهم ناقصون في مداركهم، ولذا قال سبحانه عنهم: (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣) لم تصل أفهامهم إلى القرآن حتى يقتنعوا به معجزة، أو اقتنعوا به معجزة ولكنهم يمارون ويستمسكون بما هم عليه من جهل وضلال، ويتعللون بالرفض وهم في ذات أنفسهم غير رافضين، أخذوا يطلبون ما يحسبونه يعجز النبي ﷺ ، فإذا عجز يعدل عن دعوته ويستريحون منه، ومن هذا الدين الجديد. (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠)

стр. 6374

(وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ) " أكدوا بـ (لَنْ نُؤْمِنَ) أي لن نؤمن مسلمين بصدق ما تدعونا إليه، حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا، الينبوع العين التي يخرج الماء منها، (تَفْجُرَ)، أي تشق لنا هذا الينبوع المستمر، وكانت أرضهم جافة من الماء وهي صخرية فهم يطلبون منه أن يشقق هذه الأرض الصلبة فيخرج منها الماء المستمر الذي يكون كالغيث يشربون منه، ويسقون زرعهم. فإن لم تكن هذه يكون الأمر الآخر الذي ذكرته الآية التالية:

стр. 6375

(أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أو تكون لك (جَنَّةِّ) حديقة من نخيل وعنب تجري خلالها الأنهار لتكون ذات منظر بهيج، والتفجير بالتضعيف يفيد كثرة الأنهار وأنها تجري من خلال النخيل والكروم. وإن هذين الطلبين أو أحدهما فيه تشبيه لحال النبي ﷺ بحال موسى إذ ضرب بعصاه، فانفجر من الحجر اثنتا عشرة عينا فهم يطلبون معجزة كمعجزة موسى ﵇، وقد علموها فهم يطلبون مثلها، وقد جاءتهم الآيات بأقوى منها كشق القمر، فقالوا سحر مستمر، وأسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ففتنوا الناس في دينهم، حتى ارتد من ارتد من ضعاف الإيمان ومرضي القلوب. هذا الطلب الأول أو أحد مطالبهم، وهو أولها: وهو ذو شعبتين إحداهما فَجْر ينبوع يسح بالماء طول الزمان، الثانية: أن تكون حديقة من نخيل وعنب تجري خلالها الأنهار، وهذه الشعبة يتضمن أن يكون غنيا له حدائق غناء تجري من تحتها الأنهار ليكون عظيما، والعظمة عندهم بالمال الوفير والتنعم والترفه لأنهم حسيون لا يعرفون إلا الحس والمادة والنعيم المادي الحسي. والمطلب الثالث: الذي جعلوه أحد المطالب وكان التخيير بينها بأمر قد نقل القرآن تعبيرهم بقوله تعالى:
следующие страницы →