ولو اجتمعوا على أن يأتوا بمثله لَا يأتون ولو كان بعضهم يظاهر بعضهم الآخر، وفيه أيضا أن القرآن يعجز الجميع من الجن والإنس لَا العرب وحدهم ما توهم بعض الناس أنه لَا يعجز غيرهم، ولا يخاطب به غيرهم؛ لأنه ليس بلغتهم وأن حَسْبه أن يعجز عن الإتيان بمثله العرب.
(لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ)
(اللام) هي الموطئة للقسم، والتي تدل على أن في الكلام قسما مطويا في القول، وجواب القسم لَا يأتون، ولولا اللام لكان جواب الشرط؛ لأنه لَا يجزم الجواب إذا كان فعل الشرط ماضيا، وقوله اجتمعت يتضمن معنى انقضت واجتمعت في صعيد واحد وأرادوا أن يأتوا بمثله أو كتاب مثله لا يأتون (وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا)، أي لو تعاونوا جميعا ولظاهروا على أن يأتوا بمثله؛ وذلك لأول معجز بذاته في ألفاظه وعباراته ونظمه ونسقه ونغمه، حتى إن كل جملة من جمله لها نغم وموسيقا منفردة، ولا يوجد في أية لغة من اللغات مثل هذا النغم الذي يسمع في عباراته ومعانيه، وكل ذي ذوق موسيقى يرى فيه من روائع النغم ما ليس في أي كلام بأي لغة، حتى إن كاتبا أوربيا كان يعلم العربية بعض العلم حكم بأنه لا يزال معجزا بتآخي عباراته، وموسيقا فواصله من غير أن تعتدي الألفاظ على المعاني، بل إنه يتآخى في أداء المعاني، ألفاظه وعباراته وفواصله ونغماته، ولا تدري أيها أشد تأثيرا في نفسك، وفوق هذا كل شيء فيه معجز، فشرائعه إذا قيست بشرائع عصره كان معجزا، وعلمه من أخبار وتنبيه إلى الكون معجز لأنه ينبه إلى أمور من شئون الكون لم تكن معلومة عند علماء الكون في عصره، وغير ذلك مما أحاط به علم القرآن، ثم ذكر معرض إعجاز القرآن فقال:
стр. 6372
(وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٨٩)
(اللام) لتوكيد القول، و (قد) لتوكيده، (صَرَّفْنَا) أي حولنا فيه ضروب القول من خبر إلى إنشاء ومن استنكار إلى إقرار ومن قصص فيها الموعظة الحسنة
стр. 6373
والعبرة المرشدة إلى أحكام شرعية مصلحة للآحاد والأسر والجماعة والأقاليم، رابطة بين الإنسانية في مجتمعات إلى آيات مبينة للحقائق الإنسانية والطبائع في الجواب والكون والإنسان، وكان ذلك التصريف في هذا القرآن للناس من كل مثل، و (من) هنا بيانية، أي صرفنا لهم كل مثل، أي كل حال ذكرناها لتشاكلها مع الوجود الإنساني.
وكان حقا على الناس أن يؤمنوا به، ولكنهم لم يؤمنوا، ولذا قال سبحانه:
(فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا) وموضع الاستثناء هنا أن الإباء دخل على في فيقدر هكذا: فأبى أن يكثر كل شيء (إِلَّا كُفُورًا)، أي إلا أن يكونوا كافرين كفورا لازمهم، وصار وصفا من أوصافهم ولا حول ولا قوة إلا باللَّه.
إن القرآن معجزة غير مزعجة ولا قارعة، ولكنها مخاطبة للعقل الذي يذعن الحقائق والقلوب المشرقة بنور الهداية ولذا طالب أهله بمعجزات قارعة، لَا لنقص في معجزة القرآن، بل لأنهم لَا يؤمنون ولأنهم ناقصون في مداركهم، ولذا قال سبحانه عنهم:
(وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)
لم تصل أفهامهم إلى القرآن حتى يقتنعوا به معجزة، أو اقتنعوا به معجزة ولكنهم يمارون ويستمسكون بما هم عليه من جهل وضلال، ويتعللون بالرفض وهم في ذات أنفسهم غير رافضين، أخذوا يطلبون ما يحسبونه يعجز النبي ﷺ ، فإذا عجز يعدل عن دعوته ويستريحون منه، ومن هذا الدين الجديد.
(وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠)
стр. 6374
(وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ) " أكدوا بـ (لَنْ نُؤْمِنَ) أي لن نؤمن مسلمين بصدق ما تدعونا إليه، حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا، الينبوع العين التي يخرج الماء منها، (تَفْجُرَ)، أي تشق لنا هذا الينبوع المستمر، وكانت أرضهم جافة من الماء وهي صخرية فهم يطلبون منه أن يشقق هذه الأرض الصلبة فيخرج منها الماء المستمر الذي يكون كالغيث يشربون منه، ويسقون زرعهم.
فإن لم تكن هذه يكون الأمر الآخر الذي ذكرته الآية التالية:
стр. 6375
(أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١)
أو تكون لك (جَنَّةِّ) حديقة من نخيل وعنب تجري خلالها الأنهار لتكون ذات منظر بهيج، والتفجير بالتضعيف يفيد كثرة الأنهار وأنها تجري من خلال النخيل والكروم.
وإن هذين الطلبين أو أحدهما فيه تشبيه لحال النبي ﷺ بحال موسى إذ ضرب بعصاه، فانفجر من الحجر اثنتا عشرة عينا فهم يطلبون معجزة كمعجزة موسى ﵇، وقد علموها فهم يطلبون مثلها، وقد جاءتهم الآيات بأقوى منها كشق القمر، فقالوا سحر مستمر، وأسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ففتنوا الناس في دينهم، حتى ارتد من ارتد من ضعاف الإيمان ومرضي القلوب.
هذا الطلب الأول أو أحد مطالبهم، وهو أولها: وهو ذو شعبتين إحداهما فَجْر ينبوع يسح بالماء طول الزمان، الثانية: أن تكون حديقة من نخيل وعنب تجري خلالها الأنهار، وهذه الشعبة يتضمن أن يكون غنيا له حدائق غناء تجري من تحتها الأنهار ليكون عظيما، والعظمة عندهم بالمال الوفير والتنعم والترفه لأنهم حسيون لا يعرفون إلا الحس والمادة والنعيم المادي الحسي.
والمطلب الثالث: الذي جعلوه أحد المطالب وكان التخيير بينها بأمر قد نقل القرآن تعبيرهم بقوله تعالى:
стр. 6376
(أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢)
هذا هو التحدي الثالث المخير فيه (أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ) والمراد الكسف، وهي بدل بعض من كل من السماء، والكسف جمع كسفة وهي القطعة من السماء التي تنزل فتلقي الرعب، وقد تكون نارا تلهب وتفزع، وعبر بالسماء ثم البدل منها للإشارة إلى أن نزول القطع تساوى من حيث الرعب والإفزاع والإنذار نزول السماء كلها، وقوله: (كَمَا زَعَمْتَ) من أن السماء تنشق وتنفطر يوم البعث في مثل قوله تعالى: (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣)، وكما زعمت من أنه فيه نزل ذلك بنا، كما في قوله تعالى: (. . . إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِم الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ. . .).
(أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا) وهو اسم جنس جمعي لقبيلة، أي تأتي بهم قبيلة قبيلة ليشهدوا بصدق نبوته ويتضافرون على الحكم بصدقها.
وهذا الطلب فيه تحَدٍّ للرسول ﷺ من ناحيتين:
الناحية الأول: أن قوله: (. . . إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ. . .) فيه إنذار فهم يتحدون بأن يكون ذلك الإنذار.
الناحية الثانية: أنهم يتحدون النبي ﷺ بأن ينزل عليهم الملائكة قبيلا يشهدون بالصحة وهم يعلمون أن الملائكة لَا ينزلون أفواجا بهذا الشكل، وهذان مطلبان وإن كانا في آية واحدة.
ولقد كان النبي ﷺ فقيرا يتيما، فطلبوا منه للمرة الخامسة واحدا من أمرين كما في المطلب الرابع: أولهما: أن يكون له بيت من زخرف أو يرقى إلى السماء عارجا، وأن يرسل كتابا يقرءونه، وهذا ما عبر اللَّه سبحانه عنه بقوله تعالى:
(أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)
стр. 6377
صدرت الآية بـ (أَوْ) الدالة على التخيير، يتحدون به النبي ﷺ وكرر (أو)، وكلاهما مزدوج، وهذا الأمر الثالث مكون من جزءين: الجزء الأول أنهم رأوا النبي ﷺ كان يتيما ثم كان فقيرا، وقد حسبوا أن النبوة مقترنة بالثروة، فالنبي يجب أن يكون ثريا ليكون عظيما، فالعظمة عندهم بالمال ولا عظيم من غير مال، ولذا قال عنهم: (وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرآنُ عَلَى رَجُلٍ منَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمً)، أي الطائف أو مكة.
هم يعيبون نبوة محمد بأنه فقير، فيقولون له: أما كان يغنيك بالمال ما دمت في الأرض، أو يرفعك إلى السماء إذا كنت ذا منزلة عند ربك (أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ) الزخرف هو الذهب، أي بيتا مموها بماء الذهب مزخرفا، فإن لم يعطك هذا ويجعلك غنيا من الأغنياء وعظيما من العظماء فليعرج بك إلى السماء (وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ) ونعلم منه أنك ارتفعت وعلوت، ونعلم هذا الكتاب رقيك إلى السماء.
والمعنى الذي يتحدون به رسالة رسول اللَّه ﷺ أنك إن كنت رسولا من أهل الأرض فليجر عليك حكم أهل الأرض وأهل الأرض العظمة فيهم بالمال والثروة، وليكن لك بيت مزخرف كأهل الترفه والتنعم، وإن كنت لَا تريد أن تكون كأهل الأرض فلتكن من أهل السماء، ولترق إلى السماء لنؤمن برسالتك ولن نسلم بأنك ارتفعت إلى السماء إلا إذا نزل علينا كتاب نقرؤه.
هذا هو تحديهم وهو إلى الهزل أقرب، وقد أمر اللَّه تعالى نبيه أن يجيبهم عن هذه المطالب المتحدية بقوله: (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا) تقدست ذات ربي الذي خلقني ورباني وكملني (هَلْ كنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا).
والاستفهام هنا إنكاري بمعنى النفي، فهو إنكار للوقوع، معناه ما كنت إلا بشرا أرسلت من عند اللَّه تعالى. وكانت صيغة النفي على شكل الاستفهام تقريرا للنفي والإثبات وانحصار الوصف الكامل للنبي ﷺ بأنه بشر رسول، وليس وصف غير هذا وهو أعلى أوصاف الكمال الإنساني.
стр. 6378
هذه اعتراضات المشركين ومطالبهم التي يتحدون بها النبوة، والآيات الكريمات صور من المجادلات التي كانت تقع بين النبي ﷺ . ولنقبض قبضة من السيرة الطاهرة تبين وقائع هذه الآيات الكريمات الساميات:
ذكر ابن إسحاق في السيرة أن رؤساء قريش الذين كانوا يقودون الشرك اجتمعوا عند ظهر الكعبة، ثم قال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد ﷺ فكلموه وخاصموه حتى تُعذروا، فبعثوا إليه فجاءهم رسول اللَّه ﷺ وهو يظن أن قد بدا لهم بَدْو، وكان حريصا يحب رشدهم، ويعز عليه عنتهم، فلما جلس إليهم قالوا له: يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنكلمك، وإنا واللَّه لَا نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء وعبت الدين وسفهت الأحلام وفرقت الجماعة، فما من أمر قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك، فإن كنت إنما جئت بهذا تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا فنحن نسودك علينا، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه غلب عليك بذلنا أموالنا في طلب شفائك حتى يُبرئك منه أو نعذر فيك.
قال لهم رسول ﷺ : ما بي ما تقولون، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم، ولكن بعثني اللَّه إليكم وأنزل عليَّ كتابا أمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالات ربي، ونصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جئت به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليَّ أصبر حتى يحكم اللَّه بيني وبينكم.
قالوا: يا محمد فإن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضناه عليك، فإنك قد علمت أنه ليس من الناس من أحد أضيق بلدا ولا أقل ماء ولا أشد عيشا منا، فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به، فليسيِّر عنا هذه الجبال التي ضيَّقت علينا وليبسط لنا بلادنا، وليخرق لنا أنهارا كأنهار الشام، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث قصي بن كلاب فإنه شيخ صدق.
стр. 6379
قال لهم الرسول صلوات اللَّه وسلامه عليه إنما جئتكم من اللَّه تعالى بما بعثني به، وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه عليَّ أصبر لأمر اللَّه حتى يحكم بيني وبينكم.
قالوا: سل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك، واسأله فليجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تَقْدُم الأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم.
قال لهم الرسول صلوات اللَّه تعالى وسلامه عليه: ما أنا بفاعل وما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت بهذا إليكم ولكن اللَّه بعثني بشيرا ونذيرا، فإن تقبلوا منى ما جئت به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليَّ أصبر لأمر اللَّه حتى يحكم اللَّه بيني وبينكم.
قالوا: فأسقط علينا كسفا كما زعمت أن ربك إن شاء فعل، فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل.
قال الرسول ﷺ : ذلك إلى اللَّه إن شاء أن يفعله بكم فعل.
قالوا: يا محمد فما علم ربك أننا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه، ونطلب منك ما نطلب فيقدم إليك فيعلمك بما تراجعنا به، ويخبرك ما هو صانع في ذلك.
وقال قائل منهم: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا.
وقد انصرف النبي ﷺ وانفض جمعهم ولكن تبعه بعضهم وهو عبد اللَّه بن المغيرة ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب ولم يكن قد أسلم، فقال كلاما ختمه بقوله: فواللَّه لَا أومن بك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلَّما ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتي ثم تأتي معك بصكٍّ معك يصحبك معه أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول، وأيم اللَّه لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك (١).
стр. 6380
هذه كلمة عبد اللَّه بن أمية بن المغيرة تصور لك أنهم ما طلبوا الذي طلبوا إلا عناتا، فيقول: إنه إذا أجيب إلى كل ما طلب ما أظنه يؤمن ولكنه من بعد ذلك آمن وحسن إيمانه.
* * *
الرسالة لَا تكون إلا من البشر
(وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٩٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨)
* * *
إن المشركين لم يكونوا يطلبون حجة غير القرآن لنقص في الحجة إنما لنقص في إدراكهم وعمى في قلوبهم، إنما يعنتون بما يطلبون، ولقد قال تعالى: (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ)، ولقد قال تعالى: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥).
стр. 6381
ولقد رأينا منهم من يقول: لو جاء ما نطلب ما ظننا أننا نؤمن. إنما الداء الذي أمرض نفوسهم هو استبعادهم أن يبعث اللَّه تعالى رسوله من البشر، ولذا قال تعالى:
стр. 6382
(وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)
كان الوحي قد غاب عن العرب أمدا طويلا بعد إبراهيم وإسماعيل ولوط وصالح وهود، فكانوا يجهلون النبوات ولا يعلمون الرسالات السماوية إلا ما بقي لهم من ملة إبراهيم أبيهم، وقد كانت العصبية الجاهلية مسيطرة عليهم، وقد جعلتهم أوزاعا متفرقين، وقد جاء محمد ﷺ من أوسطهم نبيا بشيرا ونذيرا، فاستغل الذين ينافسون بني هاشم الشرف وينافسون بني عبد مناف الشرف ذلك الاستغراب أن يكون من البشر رسول وأثاروها به عليهم.
(وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا).
أي ما منع الناس الإيمان أن يدخل قلوبهم، فـ (أنْ) وفعلها ينسبك منهما مصدر هو المفعول الثاني، و (الناس) المفعول الأول، والفاعل (أنْ) التي بعد (إلا) وفعلها هو قولهم، ومعنى الكلام وما منع الناس الإيمان إلا قولهم أبعث اللَّه بشرا رسولا، والاستفهام إنكاري بمعنى النفي، أي ما منع الناس الإيمان إلا قولهم لم يبعث اللَّه بشرا رسولا، وجاء النفي على صورة الاستفهام لبيان معنى الاستغراب والتساؤل الذي أدى إلى النفي، ويلاحظ هنا أمران:
الأمر الأول: قوله تعالى: (إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى) هذه إشارة إلى أنهم لا يؤمنون بالرسالة مع أنها تحمل في نفسها دليلها؛ لأنها هادية مرشدة مقنعة مع ما تقتضيه أحكام العقول ومكارم الأخلاق.
стр. 6383
الأمر الثاني: أن نفيهم لأن يكون البشر رسولا إنما هو قولهم لَا حقيقة أمرهم، فهم لَا يؤمنون بألا يكون البشر رسولا ولكنهم يقولونه قولا من غير برهان ولا إيمان.
وإذا كانوا مستبعدين أو مستغربين أن يكون البشر رسولا فهلا تكون رسالة أو يكون الرسول من الملائكة، لَا جائز أن يترك الإنسان من غير رسالة، وإذن فعلى زعمهم يكون من الملائكة، ولكن الملائكة لَا يتجانسون مع البشر فلا يهدوهم، ولذا قال تعالى:
стр. 6384
(قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)
أمر اللَّه نبيه الكريم أن يعلمهم أن الطبيعة الملكية لَا يمكن أن تعيش قارة ساكنة مع طبيعة الأرض، وأن كل جنس في هذا الوجود له ما يشاكله، فالأرض تشاكل الإنسان والملائكة يشاكلهم مكانهم الذي يعيشون فيه، والرسول يكون من بين المرسل إليهم بل من قومهم، ولذا بين الرسالة لهم هذه الاستحالة قال قل لهم يا نبي اللَّه (لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ. . .)، أي لو كان في الأرض مكان مهيأ للأرواح الطاهرة المطهرة يمشون فيه مطمئنين، أي ساكنين سكونا يتفق مع طبائعهم الروحية (لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا)، أي رسولا من الملائكة.
و (لَوْ) كما يقول علماء البيان: حرف امتناع لامتناع، أي امتنع أن ينزل الله عليهم ملكا رسولا لامتناع أن يكون لهم في الأرض مكان يمشون فيه ويسكنون ويتفق مع روحانيتهم.
أما وجه امتناع المقدَّم، وهو الشرط؛ فذلك لأن الأرض مادة فيها زرع وغرس وفيها أحجار ورمال وغير ذلك من شئون المادة، والملائكة أرواح لَا تُرى، فكيف يمكن أن يكون لهم مكان في هذه الأرض المادية يروحون فيه ويغدون
стр. 6385
ويخاطبون من أرسلوا إليهم، إنه لابد من أن تجسد هذه الأرواح ليمكن أن تُرى وأن تسير في الأرض وفي هذه الحال لَا يكون ثمة فارق بينهم وبين الآدميين، وقد قال تعالى في سورة الأنعام: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩).
ولو كان المشركون يريدون أن يخاطبوهم وهم أرواح لَا يرونها ويسمعونها فإن الأوهام تسيطر عليهم ويقول الضالون المضلون: رئى من الجن خيل لهم.
إذا كان ذلك كذلك، فمن المستحيل أن يجد الملائكة في الأرض ما يصلح لدعوتهم، وألا يكون المرسل إليهم صالحين لخطابهم والاستماع إليهم، وإذا إمتنع المقدم (لو) فإن الثاني يمنع أيضا بهذه البدهيات العقلية، يأمر اللَّه تعالى نبيه ﷺ أن يرشدهم إن كان في قلوبهم متسع للإرشاد ولكنهم لَا يطلبون دليلا جديدا لنقص في الدليل، أو تغيير للرسول لعجز فيه، بل يكابرون ويعاندون.
وإذا كانوا معاندين فلا جدوى وكفى باللَّه شهيدا، وقد قامت دلائل شهادته، ولذا قال تعالى:
стр. 6386
(قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٩٦)
الخطاب للنبي ﷺ لأنه قام الجدل بينهم وبينه، واللَّه من ورائهم محيط، وهو المؤيد والناصر لنبيه، ويقول اللَّه تعالى لنبيه: قل يا أيها النبي لهؤلاء المعاندين الضالين الذين يطلبون دليلا على رسالتك غير القرآن أو يريدون رسولا من الملائكة (كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) الباء هنا لتأكيد معنى الكفاية بشهادة اللَّه تعالى، و (شَهِيدًا) إما أن تفسر الشهادة بمعنى الحكم، وهي تستعمل في ذلك، كقوله تعالى: (. . . وَشَهِدَ شَاهِدٌ منْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ. . .)، إلى آخر الآية، ويكون معنى النص السامي، وكفى باللَّه حاكما بيني وبينكم، بأني رسول، وأن المعجزة الكبرى وهي القرآن كافية ملزمة وقد ألزمتكم الحجة، وإن حكم اللَّه واضح، وشَهادته قائمة بصدق ما جئتكم به.
стр. 6387
وإما أن نقول: إن شهيدا معناه شاهد، للفصل بيني وبينكم، وحاسمة لخلافكم، والشاهد حاكم، لأن الحكم يبنى على شهادته، كما قال علي كرم اللَّه وجهه: إنما قتلك شاهداك.
والمعنى على ذلك إنما يشهد اللَّه وحده فيما بيني وبينكم، وإن شهادة اللَّه تعالى هي المحكَّمة، ولذا قال سبحانه: (إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِه خَبِيرًا بَصِيرًا)، أي عليما علما دقيقا، و (بَصِيرًا) علم من يبصر، فيعرف ما يَصلح لكم وما لَا يصلح، ومن يكون رسولا ومن لَا يكون وهو على كل شيء قدير.
ثم قال تعالى:
стр. 6388
(وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧)
بعد أن بين سبحانه أن شهادته كافية لصدق الرسول، وصحة معجزته في الدلالة على نبوته، أشار سبحانه إلى أنه قد قام الدليل، وما بقي إلا أن يسير المهتدي فى ضوئه، ويتردى الضال في مهواة الضلالة (وَمن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ).
(الواو) عاطفة جملة على جملة، كانت الأولى بمثابة مقدمة الدليل للثانية، ومعنى (وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ)، أي من اهتدى بنور الحق، وسار في طريقه، فهو المهتد حقا وصدقا وهو البالغ الكمال في الهداية، والآخذ بالرشاد، والسالك طريق النجاة، وقد عبر عن هداية المهتدي بقوله تعالى: (وَمَن يَهْدِ اللَّهُ)، أي من سلك سبيل الحق مستقيما فإن اللَّه يهديه، فهداية الله تعالى ليس معناها الإجبار على الهداية، وإلا ما كان الجزاء الوفاق، فإنه لَا جزاء إلا مع الاختيار، وإن المهتدي يكون مختارًا في ابتداء السير، ثم أخذه في النهاية إلى الطريق الموصل للغاية بلطف اللَّه تعالى وتوفيقه، ثم قال سبحانه: (وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ) الإضلال ليس معناه الإجبار على الضلال، وإلا ما ساغ العقاب بعد
стр. 6389
الحساب، وإنما الإضلال معناه أن يسير الضال في طريق الضلال متبعا هواه وإغواء الشيطان، فيصل إلى نهايته بتقدير اللَّه تعالى وكتابته في سجل الضالين، وقوله تعالى: (فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِن دونِهِ)، أي أنصارا غير اللَّه من الآلهة التي كانوا يعبدونها أو غيرها، إنما هم يهوون إهواء في طريق الضلال من غير منجٍ منه.
والضمير يعود على معنى " مَنْ "، ومعنى (من) جمع، وكان عود الضمير في (وَمَن يَهْدِ اللَّهُ) على لفظ، وهو مفرد ومعناه جمع، وإنما أعيد في حال الضلال على المعنى لتعدد الضلال وكثرته وتشعب مسالكه، وأعيد على لفظ (من) في الهداية لتوحد طريقها، إذ يقول تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ. . .)، ولقلة المهديين بالنسبة لكثرة الضالين، ولأن (أل) التي للجنس تدل على الكمال والعموم، فهي مغنية عن لفظ الجمع.
وجواب الشرط يشير إلى أن أوثانهم لَا تجديهم شيئا، ولا يصلحون لأية ولاية، ثم بين بعد ذلك عقاب اللَّه تعالى (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ) فسرها بعض المفسرين بتقدير محذوف، أي مسحوبين على وجوههم، وذلك لأنهم يسحبون فعلا على وجوههم إذلالا لهم وهوانا بهم، وإظهارا لمقت اللَّه تعالى عليهم، وقد سئل النبي ﷺ : أيسيرون على وجوههم، فقال ما مؤداه: كما سيرهم على أرجلهم سيرهم على وجوههم (١)، ويصح أن يكون ذلك مجازا لإذلالهم وأنهم لَا إرادة لهم في سير، بل يدفعون دفعًا إلى جهنم.
وقال بعض المفسرين: إن معنى (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهمْ) أنهم يسيرون منكسي الرءوس، خائفين، فالوجه يعبر به عن الذات، وذلك معقول في ذاته، ويستقيم عليه معنى النص القرآني السامي.
стр. 6390
ومعنى قوله: (عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا) أنهم يكونون في عماء من أمورهم، ولا يسمعون ما تطيب به نفوسهم، ولا يتكلمون بحجة فهم يصيبهم العمى والصمم والبكم، كما عموا عن الحق فلم يبصروه، وعن الاستماع إليه، وعن النطق.
ويقول البيضاوي في معنى ذلك:
" لا يبصرون ما تقر به أعينهم، ولا يسمعون ما يلذ لهم سماعه ولا ينطقون بما يقبل منهم؛ لأنهم في دنياهم لم يستبصروا بالآيات والعبر، وتصاموا عن اسنماع الحق، وأبوا أن ينطقوا بالصدق " وقد نقله عن الكشاف، وهذا كقوله تعالى: (وَمن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا) وقد بين سبحانه الغاية من حشرهم، وهو أن يصلوا إلى مأواهم، فقال: (مَأوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا).
أي أنهم يسكنون جهنم، والتعبير بالمأوى، وهي عادة موضع القرار والاطمئنان فيه تهكم بهم لأن جهنم لَا تكون موضع استقرار واطمئنان بل تكون موضع قلق وآلام.
وإن العذاب فيها مستمر، (كُلَّمَا خَبَتْ)، أي سكنت أو أطفئت لاستغراقها كل العظام ولحومهم (زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا) وبدلناهم جلودا غيرها، كما قال تعالى: (. . . كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا. . .).
وقد بين اللَّه تعالى سبب ذلك العذاب الأليم المباشر، وغير المباشر فقال:
стр. 6391
(ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨)
" ذلك " إشارة إلى ما مضى من جزاء المشركين أنهم يحشرون منكسي الوجوه لا يبصرون ما يلذ لهم أن يبصروه، ولا يسمعون ما يطيب لهم سماعه، ولا ينطقون بما يدفعون له عن أنفسهم، ومأواهم جهنم يذوقون العذاب فيها دفعة بعد
стр. 6392
دفعة، والإشارة إلى هذه الصفات تتضمن أنها العقاب، وقد صرح اللَّه فوق الإشارة بالسببية، وهو الكفر بالآيات الدالة على وحدانية اللَّه، والمعجزات الدالة على إرسال الرسل وخصوصا معجزة القرآن، وهو المعجزة الكبرى.
وأشاروا إلى السبب الأصلي لكفرهم بكل الحق، وهو إنكارهم للبعث، وأشار إلى ذلك بقوله تعالى عنهم: (أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا).
أي أنهم ينكرون البعث، ويستغربونه، كيف يعودون وقد صاروا عظاما نخرة، ورفاتا ورميما، أيكونون خلقا جديدا؟! وقد ذكرنا ذلك، ورد اللَّه تعالى ذلك الاستغراب.
* * *
قدرة الآيات والكفر بها من المشركين
قال اللَّه تعالى:
(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (٩٩) قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (١٠٠) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (١٠١) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢) فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ
стр. 6393
فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤)
* * *
أنكروا الإيمان باليوم الآخر، وعجبوا من أن يُعادوا خلقا جديدا، وقد صاروا عظاما ورفاتا، وأنكروا أن يكون القرآن معجزة، وطلبوا معجزات حسية محادة للَّه تعالى، ولتكون معجزته ﷺ كمعجزات الأنبياء السابقين فرد اللَّه قولهم في الأمرين، ففي الأمر الأول أشار إلى قدرته على خلق أمثالهم، وأن قدرة اللَّه واسعة ولا يحاسب بها خشية الإنفاق، وفي الأمر الثاني ذكر اللَّه تعالى قدرته أنه أعطى موسى تسع آيات بينات، وقد قال فرعون بعد أن رآها، وعاينها آية بعد آية: (. . . إِنِّي لأَظنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا).
قال تعالى في الأمر الأول:
стр. 6394
(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادرٌ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ) (الواو) عاطفة على فعل مقدر بما يناسب الكلام، وتقديره أقالوا ذلك ولم يروا أن اللَّه الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم، والاستفهام داخل على لم يروا، ومعناه النفي مع التنبيه، يعني قد قالوا قولهم، وقد رأوا أن الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم، وإذا كان قادرا على أن يخلق مثلهم، فبالأولى وهو قادر على أن يعيد بعضهم أو كلهم، فهذا إثبات لإعادتهم خلقا جديدا بطريق دلالة الأولى، ذكر مقدم الدليل، وترك لهم أن يأخذوا التالي من المقدم.
وقوله تعالى: (وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ) (الواو) عاطفة " جعل لهم أجلا " على " خلق السماوات والأرض ". . . فهو جعل لهم أجلا ينتهي ولا يتغير في نهايته، (. . . فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةَ وَلا يَستقْدِمُونَ)، فمعنى (لَا رَيْبَ) أنه لَا شك فيه؛ لأنهم يرون الناس ينتهون ولا يخلدون، ولا ريب فيه أيضا؛ لأن اللَّه أخبر أن له نهاية ينتهي إلى أجل مسمى، فالنجوم مسخرات لأجل مسمى، وقد قدم قوله: (قَادرٌ عَلَى أَن
стр. 6395
يَخْلُقَ) على قوله (وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا) للمبادرة بالنتيجة قبل أوصاف الفعل الأول، لأنها ثابتة بالرؤية والحس، وكل ما في الوجود له دور ينتهي عنده، فالليل والنهار في ميقاته، والشمس والقمر، يظهران كل في ميقاته.
والأجل الذي يذكره اللَّه تعالى أجلان: أحدهما أجل يرى ويحس، وهو أفول النجوم والكواكب، ونحوهما بالنسبة لكل ما تراه في السماء ذات البروج، والموت بالنسبة للإنسان والأحياء بشكل عام، وهو أجل تراه ينتهي كل يوم، والأجل الثاني هو أجل هذه الدنيا فإنها إلى أجل محدود هو يوم القيامة، وقد أقام القرآن الأدلة القاطعة على نهاية هذا العالم، وهو أيضا لَا ريب فيه، لقيام الأدلة بالنقل والعقل على أن الدنيا إلى فناء وبعدها الآخرة.
ومع قيام هذه الأدلة القائمة الثابتة لم يؤمن أكثر الناس، ولذا قال تعالى (فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا) الفاء هنا للترتيب والتعقيب، وهي بهذه الدلالة فيها توبيخ لهم على كفرهم، لأن مؤدى القول أنه كان يترتب على هذا النظر والعلم الذي لَا ريب فيه أن يؤمنوا، ولكنهم بدل ذلك كفروا كأنهم يرتبون على الحكم المؤيد بالدليل نقيضه، والناس هنا أهل مكة أو الناس جميعا، فإن أكثر الناس لا يذعنون للحق إذا تبين، (فَأَبَى)، أي لم يرتب على ذلك أكثر الناس (إِلَّا كُفُورًا)، أي إلا كفرا بهذه الحقائق البينة، فـ (كُفُورًا) معناه كفر ملح لاح في الكفر، فزيادة المبني تدل على زيادة المعنى.
هذه حقائق ونتائجها في قلوب الكافرين، وهي عند اللَّه أوسع وأعظم هم يضيقون مدلول الآيات التي تحت أيديهم، واللَّه يريد أن يوسعوا عقولهم وتفكيرهم، ولا يقترون في مداركهم، وإن كان من أوصاف الإنسان أنه قتور ولذا قال تعالى:
(قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (١٠٠)
стр. 6396
كان الكلام من اللَّه تعالى؛ لأنه ذكر لحقائق الوجود، ولطبائع الأشياء والخلق والتكوين فلما اتجه سبحانه إلى بيان الطبائع الإنسانية أمر من وجب عليه التبليغ أن يبلغهم طبائعهم، فقال عز من قائل: (قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي. . .)، قل لهم يا رسولي إليهم لو كنتم تملكون خزائن رحمة اللَّه إذًا لأمسكتم، أي إنكم تضيقون على أنفسكم دانما ولا توسعون في مدارككم وتفكيركم، فلو أنتم بهذا التفكير الضيق تملكون أو تسيطرون على خزائن رحمة اللَّه على أصحابها كما ضيقتم عقولكم، ومدارككم وتفكيركم، وخزائن رحمة اللَّه هي الرزق والصحة، والقوة، وكل ما ينعم اللَّه به تعالى على عباده، وقوله: (إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ)، أي إذا كان ذلك لأمسكتم، و (اللام) هي الواقعة في جواب (إِذًا)، أي، أمسكتم على الناس ما رزقوا من رحمته (خَشْيَةَ الإِنفَاقِ)، والإنفاق هنا معناه الافتقار بمعنى الإملاق، كقوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ. . .)، أي إنكم تبخلون حتى في مال غيركم، وتمنعون أصحاب الحقوق من حقوقهم، ثم قال تعالى: (وَكَانَ الإِنسَانُ قَتُورًا)، أي بخيلا، لأنه يطلب دائما المعاوضة، وهو بالخير ضنين، وإنه يشعر بالاحتياج دائما؛ لأنه بالنسبة للدنيا يخشى النفاد، ويحرص على أن يبقى لنفسه في كل الأزمان، وهو لَا يحض على طعام المسكين خشية الفقر، وهذا في طبع الإنسان، ولكنه لَا يمنع أن المؤمنين منهم الجواد السخي الذي يعطي المال على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا، ولذا قال تعالى: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢)، وإن الإنسان إذا لم يهذبه دين الحق، ولا مجتمع فاضل يبدو فيه أمران: حرص شديد ليحفظ لنفسه في عزمه نفقته في القابل، وخوف الفقر، حتى تتحقق الحكمة: " الناس من خوف الفقر في فقر " فهم فقراء في ذات أنفسهم إذا خافوا الفقر، وإن هذا النص الكريم يدل على أمور ثلاثة: الأمر الأول: أن خزائن رحمة اللَّه تعالى لَا تنفد تشمل البر والفاجر، وتعم الغني والفقير، والقادر والعاجز.
стр. 6397
الأمر الثاني: أن العبد هو الذي يقتر، ويحس بالفقر دائما إلا أن يكون مؤمنا يؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة.
الأمر الثالث: أنه على الإنسان أن يهذب غرائزه، فإذا كان قتورا يجب أن يُعَوَّدَ السخاء والإيثار.
ذكرنا أن الآيات من قوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ. . .) تدل على قدرة اللَّه على البعث، وإعادة الخلق كما بدأه، وتدل على طبيعة الإنسان وخلقه، وأنه حريص على هذه الحياة الدنيا، ومن حرصه عليها أنه قتور ضنين، ومن ضنه أنه لَا يؤمن باليوم الآخر؛ لأنه لَا يؤمن إلا بما في قبضة يده، ويحرص عليه.
وذكر أن الآيات من بعد هذا رد بالوقائع الصادقة على الذين يقولون لو جاءتهم آية حسية لآمنوا، فبين اللَّه تعالى لهم أن من سبقوكم جاءتهم آيات حسية كثيرة.
ولقد ضرب اللَّه مثلا من ذلك فرعون مع موسى فقال تعالى:
стр. 6398
(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (١٠١)
(الواو) واصلة الكلام بما قبله، وهي عاطفة جملة على جملة، و (آتَيْنَا) معناها أعطيناه حجة ودليلا (تِسْعَ آيَاتٍ)، أي معجزات بينات في دلالتها على رسالة موسى إلى فرعون وبني إسرائيل، وتلك الآيات التسع كما ذكرها ابن عباس إجمالا فيما روي عنه هي: العصا التي لقفت ما ألقاه السحرة إذ أمره بأن يلقى السحرة حبالهم وعصيهم، (فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأفِكُونَ)، واليد إذ قال اللَّه تعالى: (وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى)، كما قال تعالى: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣).
стр. 6399
والآية الثامنة أنه أخذهم بالجدب والسنين الشديدة، التي يقل الخير والثمر، ولذا قال تعالى: (ولَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ منَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ).
والآية التاسعة، فلق البحر، وفتح الطريق لبني إسرائيل، وكان عليهم أن يعتبروا بهذه الآية، ولكنهم اغتروا فاتخذوا الشق سبيلا ليتبعوا بني إسرائيل، فاتبعوهم فكانوا من المغرقين.
هذه آيات، واجه موسى بها فرعون، (فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ)، أي إذ واجه بها موسى فرعون (فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا)، أي أنه بدل أن يذعن بها ويؤمن بالحق إذ جاءته بينات، كابر واستمر في غيه، وضلاله القديم وما أجدت تلك الآيات الحسية شيئا، بل قال مؤكدا، (إِنِّي لأَظُنُّكَ) الظن هنا بمعنى العلم، وقد أكد علمه بسحر موسى بـ " إن " و " اللام " و (مَسْحُورًا) قال الفراء والزجاج: إنها بمعنى ساحر، وأقول: إن معناها بمعنى مفعول لأن معناها أنك فيما تدعيه مسحور، أي مخدوع أو مخيل لك، فأنت لَا تقول الحق، بل إنك واهم.
أجابه موسى عليه موسى مستيقنا بما يقول، ومبينا له أنه يناقض حسه بما زعم من أنه مسحور أو واهم.
стр. 6400
(قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢)
ضمير الفاعل يعود إليه، لأنه المتحدث عنه في الآيات التي أُعطيها (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ) (التاء) ضمير المخاطب بالفتح على قراءة الأكثرين (١)، وفيه تأكيد موسى لفرعون أنه علم أنه ما أنزل هذه
стр. 6401
الآيات إلَّا رب السماوات والأرض بصائر، أي آيات مبصرة، وبصائر جمع بصيرة، أي من شأنها أن تبصر من له بصيرة ينظر فيها بعين قلبه متذكرا متدبرا مؤمنا مذعنا غير متمرد، وقد يقال: كيف يعلمها وينكرها كافر به وبأنعمه؛ والجواب عن ذلك أنه علم ولم يذعن لقوله تعالى: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ. . .)، من شأنها أن تلقي باليقين في نفس كل من يراها، ولكن ألْقَت في نفوسهم بالجحود، والجحود يزداد قوة كلما قويت أسباب العلم.
وقرأ علي بن أبي طالب (علمتُ) بضم التاء على أنها للمتكلم، والمعنى على هذه القراءة لقد علمت أنا بأنها نزلت من رب السماوات، والبصائر منيرة للحق، ومعجزات مثبتة للحق، وحسبي اللَّه تعالى شاهدا بها، وأما أنت يا فرعون فقد قدمنا الحجة، ولك أن تؤمن، وإن كفرت فالإثم عليك، ولذا ختم موسى ﵇ بقوله: (وَإِنِي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا)، أي هالكا وملعونا وناقص الإدراك؛ والثبور الهلاك والمنع من الخير، يقال ثبره اللَّه تعالى يثبره ثبرا، أي أهلكه ومنعه.
وهنا نلاحظ أن قوله: (وَإِنِّي لأَظُنُّكَ) المراد بالظن العلم المحقق، وعبر عن العلم بالظن مجاراة لما جاء عن فرعون، وقد أكد هذا العلم أولا بـ (إن)، وثانيا بـ (اللام)، وذلك بالقسم.
ويلاحظ أنه ناداه باسمه لأنه إذا كان فرعون قد استعلى بجبروته فموسى قد أعلاه اللَّه تعالى بمقام الرسالة، فحق له أن يخاطبه باسمه الصريح، وألاحظ أن فراعنة هذا الزمان الذين مات آخرهم قريبا كان يظن نفسه أكبر.
زادت فرعون الآيات الحسية عتوا في الأرض وفسادا، ولم تقنعه، وكذلك لم تقنع أشباه فرعون من طواغيت ملكه، ولقد خرج فرعون عن عهده، فحاول إخراج موسى وبني إسرائيل بزيادة طغيانه عليه، ولذا قال تعالى:
стр. 6402
(فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣)
(الفاء) لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي أنه ترتب على إيتاء موسى الآيات التسع التي أقام بها الحجة أمام فرعون، ترتب عليها أن اشتد طغيان
стр. 6403
فرعون، ولم يترك العناد إلى الإيمان، بل ازدإد ولوجا في الإعنات، ففيه تهكم بهم، وبمن يسلكون مخرفه، وهو طريق الشيطان. واستفزازهم إزعاجهم بالأذى، والاستخفاف: القتل والذبح، والنفي في الأرض، وقد هموا بالخروج، فأتبعهم فانفلق البحر، وكان كل فرق كالطود العظيم فدخلوه، وهذا قوله تعالى في سورة الشعراء الآيات المبينة للاستفزاز وتنجية موسى ومعه بني إسرائيل، قال تعالى:
(فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨).
هذه نتائج الآيات الحسية التسع، فهل آمن فرعون بها، لم يؤمن، ولكن ازداد إعناتا وطغيانا، وكذلك يفعلون، ثم قال تعالى في آل بني إسرائيل:
стр. 6404
(وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤)
أي بعد أن نجاهم من فرعون إذ خرجوا من البحر ناجين، وغرق هو وجيشه الذي يسيطر به، ويقول لقومه بقوته: (. . . مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلًهٍ غَيْرِي. . .)، مغترا باغترارهم، ومستقويا بضلالهم، يقول قلنا لهم بلسان الحال والواقع من بعده (اسْكُنُوا الْأَرْضَ) والأرض هنا أهي أرض مصر، ومن يحكمهم فرعون بعد أن زال هو وجنوده، وصاروا عبرة للمعتبرين أم هو جنس الأرض؟.
إننا نميل إلى أرض مصر، لعلهم دخلوها مستباحة لهم ثم عادوا طالبين الأرض؛ لأن ظاهر الآيات في سورة القصص يفيد ذلك، إذ يقول اللَّه تعالى:
(إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ
стр. 6405
وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦).
وهذا الفساد لبني إسرائيل وأهل مصر وملأ فرعون، والخلق أجمعين لأمد محدود، وهو يوم الآخرة، ولذا قال تعالى: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ) وهو الميعاد الذي تنتهي به هذه الدنيا، ويجيء وعد الحياة الآخرة (جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا)، أي مختلطين من أشتات شتى سود وبيض وصفر وحمر، وحاكم ومحكوم، وطاغ وعادل، فاللفيف ما اجتمع من الناس من قبائل شتى، أي يجيء الأذلاء والطلقاء، والأعزاء والكرماء، وكل يقوم في مقام، ويحاسبون بميزان الحق الذي لَا شطط فيه، ولا نقص ولا بخس، فأما من كان قد جاء بالخير فله الحسنى، وأما من جاء بالأخرى فله عذاب مقيم.
بعد ذلك بين اللَّه مقام القرآن وأنه بعد أن بين أن الآيات الحسية لَا تجدي مع الضلال.
قال اللَّه تعالى:
* * *
(وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩) قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)
* * *
стр. 6406
بعد أن بين اللَّه تعالى أن المعجزة الحسية لم تُجد مع من سبقوهم، وضرب مثلا بفرعون وكيف زادته الحجة الحسية التي كثر عددها حتى صارت تسعا لما تزده إلا إعناتا واستمرارا في غيه، وهم يقلدون فرعون في طغيانه، فاتخذوه أسوة لهم في كفره بالآيات التسع، وليقصدوا القرآن، فهو حجة اللَّه تعالى الخالدة إلى يوم القيامة، ولذا قال تعالى:
стр. 6407
(وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥)
أي بالحق وحده نزل، وأفاد القصر، هو تقديم الجار والجرور على الفعل أنزلناه، أي أنزلناه من عندنا بالحق حكمة ثابتة أردناها، فإن كل معجزة تكون مناسبة لرسالة الرسول، ولما كانت رسالة محمد ﷺ للناس أجمعين، وهو خاتم النبيين فناسب أن تكون معجزة ليست حادثة تقع، ثم تنقضي بانقضاء زمانها، بل تبقى خالدة باقية تتحدى الأجيال إلى يوم الدين، فاللَّه تعالى هو الذي اختار بحكمته لنبيه هذه المعجزة، وهذا كقوله تعالى: (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦)، (وَبِالْحَقِّ نَزَلَ) يفيد الاختصاص، أي نزل مشتملا على الحق لَا بعضه، فقد اختاره الله معجزة لمحمد ﷺ بالحق، وللحكمة العالية التي قدرها رب العالمين، وهو وحده الذي يشتمل على الحق من بين الكتب السماوية، فهو مهيمن عليها يبقي منها من يستحق البقاء، وينهي ما يبقى من أحكام نسخها، كالتي كانت فرضت على بني إسرائيل تهذيبا لنفوسهم، وفطما لشهواتهم.
وإذا كانت معجزة القرآن هي التي اختارها سبحانه لك، فما عليك إذا لم يؤمنوا بها، وما عليك إذا لم يهتدوا إذا قام الدليل، وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا، أي مبشرا للمؤمنين الذين آمنوا بالحق واهتدوا، ومنذرا للذين كفروا وأصموا آذانهم عن الحق، وعميت أبصارهم عن رؤيته، وضلت أفئدتهم سواء السبيل.
стр. 6408
وإن هذا الكتاب الحكيم الذي هو معجزة النبي ﷺ نزل مقروءا ليبقى إلى يوم القيامة حجة خالدة، ويحفظ في الأجيال بحفظ اللَّه تعالى كما قال: (إِنَّا نَحْن نَزَّلْنَا الذكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، ولقد قال تعالى في نزول القرآن.
стр. 6409
(وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)
(قُرآنًا) مفعول لفعل محذوف يناسب المقام، ويبينه ما جاء بعده، وتقديره، ونزلنا قرآنا، أي نزلنا كتابا مقروءا، لَا مكتوبا فقط، ولقد علم اللَّه محمدا ﷺ طريق قراءته، وهو ترتيله، فقال تعالى: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩).
أي إن علينا أن نقرأ القرآن قراءة مرتلة مبينة، كما قال تعالى: (أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا).
فالقرآن الكريم محفوظ بكل عباراته، وكلماته وقراءاته، وتلاوته، ومنهاج هذه التلاوة؛ لأن ذلك كله متواتر عن النبي ﷺ تواترا يُعَدُّ العلم به علما ضروريا لا يرتاب فيه إلا كافر. والتنكير في قوله تعالى: (قُرْآنًا) للتعظيم، وليذهب العقل في عظمته كل مذهب، ولأن المقصود وصفه بأنه مقروء غير مكتوب فقط، بل هو محفوظ في الصدور قبل السطور، وكان حفظه في الصدور حماية له من التحريف.
وقوله تعالى: (فَرَقْنَاهُ) فيها قراءة بالتخفيف، وأخرى بتشديد الراء، والمعنى واحد، ومتلاق، وهو أنه نزل مفرقا، ولم ينزل دفعة واحدة، بل نزل منجما نجما بعد نجم على حسب ما تقتضيه حكمته تعالى وإرادته فكان ينزل مع الحوادث، وهي تشير إلى بيانه، وليستطيع النبي وصحابته حفظه، ولو نزل دفعة واحدة ما وجد من يكتبه، لأنهم قوم أميون، ولأن الكتابة قد يصيبها التحريف، وما في الصدور لَا يحرف، ولا يصحف، ولا يذهب حفظه كشأن الكتب السابقة التي حرفت، ونسي النصارى واليهود حظا مما ذكروا به.
стр. 6410
وذكر سبحانه السبب في نزوله مفرقا بقوله تعالى: (لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ) أي على تمهل وتطاول في المدة، فيحفظوه حفظا بدل أن يلقوا بكتابته على رقاع أو قطع من مواد أخرى كما في الشجر، وهكذا.
و (مُكْثٍ) تتضمن امتداد الزمن امتدادا يمكثون فيه من قراءته وحفظه، وتفهمه، وتعريف غاياته ومراميه، وكان الصحابة كلما جمعوا عدة آيات حفظا وترتيلا، سألوا النبي ﷺ عن جملة معانيها إن كانوا لم يفهموها.
ثم قال تعالى: (وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا)، أي نزلناه متدرجا منجما، وآكد نزَّل بالمصدر ليعلموا أنه تنزل بمعانيه وألفاظه، ولعل في هذا ردا على الذين افتروا الكذب، وقالوا إنه نزل بمعناه، والعبارة كيف نزل، ولقد كذبوا في ذلك وأعظموا الفرية، وإن ذلك من افتراء الكفار عليه، ووهن إيمان بعض من ينتسبون للإسلام.
هذا ما ساقه اللَّه تعالى لبيان مقام القرآن وسط آيات اللَّه تعالى، وأنه أعظم آيات اللَّه تعالى في الدلالة على رسالة الرسول، وأدومها، وأتقاها، وبين أن الآيات الحسية قد جاءت في أحوال كثيرة، ولم تنتج إيمانا بل تبعها من الطغاة عتوا واستكبارا، وتوالي المظالم، وبعد هذا البيان قال اللَّه تعالى: