← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 6406–6445 · переход к 6411.

стр. 6406

بعد أن بين اللَّه تعالى أن المعجزة الحسية لم تُجد مع من سبقوهم، وضرب مثلا بفرعون وكيف زادته الحجة الحسية التي كثر عددها حتى صارت تسعا لما تزده إلا إعناتا واستمرارا في غيه، وهم يقلدون فرعون في طغيانه، فاتخذوه أسوة لهم في كفره بالآيات التسع، وليقصدوا القرآن، فهو حجة اللَّه تعالى الخالدة إلى يوم القيامة، ولذا قال تعالى:

стр. 6407

(وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥) أي بالحق وحده نزل، وأفاد القصر، هو تقديم الجار والجرور على الفعل أنزلناه، أي أنزلناه من عندنا بالحق حكمة ثابتة أردناها، فإن كل معجزة تكون مناسبة لرسالة الرسول، ولما كانت رسالة محمد ﷺ للناس أجمعين، وهو خاتم النبيين فناسب أن تكون معجزة ليست حادثة تقع، ثم تنقضي بانقضاء زمانها، بل تبقى خالدة باقية تتحدى الأجيال إلى يوم الدين، فاللَّه تعالى هو الذي اختار بحكمته لنبيه هذه المعجزة، وهذا كقوله تعالى: (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦)، (وَبِالْحَقِّ نَزَلَ) يفيد الاختصاص، أي نزل مشتملا على الحق لَا بعضه، فقد اختاره الله معجزة لمحمد ﷺ بالحق، وللحكمة العالية التي قدرها رب العالمين، وهو وحده الذي يشتمل على الحق من بين الكتب السماوية، فهو مهيمن عليها يبقي منها من يستحق البقاء، وينهي ما يبقى من أحكام نسخها، كالتي كانت فرضت على بني إسرائيل تهذيبا لنفوسهم، وفطما لشهواتهم. وإذا كانت معجزة القرآن هي التي اختارها سبحانه لك، فما عليك إذا لم يؤمنوا بها، وما عليك إذا لم يهتدوا إذا قام الدليل، وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا، أي مبشرا للمؤمنين الذين آمنوا بالحق واهتدوا، ومنذرا للذين كفروا وأصموا آذانهم عن الحق، وعميت أبصارهم عن رؤيته، وضلت أفئدتهم سواء السبيل.

стр. 6408

وإن هذا الكتاب الحكيم الذي هو معجزة النبي ﷺ نزل مقروءا ليبقى إلى يوم القيامة حجة خالدة، ويحفظ في الأجيال بحفظ اللَّه تعالى كما قال: (إِنَّا نَحْن نَزَّلْنَا الذكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، ولقد قال تعالى في نزول القرآن.

стр. 6409

(وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) (قُرآنًا) مفعول لفعل محذوف يناسب المقام، ويبينه ما جاء بعده، وتقديره، ونزلنا قرآنا، أي نزلنا كتابا مقروءا، لَا مكتوبا فقط، ولقد علم اللَّه محمدا ﷺ طريق قراءته، وهو ترتيله، فقال تعالى: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩). أي إن علينا أن نقرأ القرآن قراءة مرتلة مبينة، كما قال تعالى: (أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا). فالقرآن الكريم محفوظ بكل عباراته، وكلماته وقراءاته، وتلاوته، ومنهاج هذه التلاوة؛ لأن ذلك كله متواتر عن النبي ﷺ تواترا يُعَدُّ العلم به علما ضروريا لا يرتاب فيه إلا كافر. والتنكير في قوله تعالى: (قُرْآنًا) للتعظيم، وليذهب العقل في عظمته كل مذهب، ولأن المقصود وصفه بأنه مقروء غير مكتوب فقط، بل هو محفوظ في الصدور قبل السطور، وكان حفظه في الصدور حماية له من التحريف. وقوله تعالى: (فَرَقْنَاهُ) فيها قراءة بالتخفيف، وأخرى بتشديد الراء، والمعنى واحد، ومتلاق، وهو أنه نزل مفرقا، ولم ينزل دفعة واحدة، بل نزل منجما نجما بعد نجم على حسب ما تقتضيه حكمته تعالى وإرادته فكان ينزل مع الحوادث، وهي تشير إلى بيانه، وليستطيع النبي وصحابته حفظه، ولو نزل دفعة واحدة ما وجد من يكتبه، لأنهم قوم أميون، ولأن الكتابة قد يصيبها التحريف، وما في الصدور لَا يحرف، ولا يصحف، ولا يذهب حفظه كشأن الكتب السابقة التي حرفت، ونسي النصارى واليهود حظا مما ذكروا به.

стр. 6410

وذكر سبحانه السبب في نزوله مفرقا بقوله تعالى: (لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ) أي على تمهل وتطاول في المدة، فيحفظوه حفظا بدل أن يلقوا بكتابته على رقاع أو قطع من مواد أخرى كما في الشجر، وهكذا. و (مُكْثٍ) تتضمن امتداد الزمن امتدادا يمكثون فيه من قراءته وحفظه، وتفهمه، وتعريف غاياته ومراميه، وكان الصحابة كلما جمعوا عدة آيات حفظا وترتيلا، سألوا النبي ﷺ عن جملة معانيها إن كانوا لم يفهموها. ثم قال تعالى: (وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا)، أي نزلناه متدرجا منجما، وآكد نزَّل بالمصدر ليعلموا أنه تنزل بمعانيه وألفاظه، ولعل في هذا ردا على الذين افتروا الكذب، وقالوا إنه نزل بمعناه، والعبارة كيف نزل، ولقد كذبوا في ذلك وأعظموا الفرية، وإن ذلك من افتراء الكفار عليه، ووهن إيمان بعض من ينتسبون للإسلام. هذا ما ساقه اللَّه تعالى لبيان مقام القرآن وسط آيات اللَّه تعالى، وأنه أعظم آيات اللَّه تعالى في الدلالة على رسالة الرسول، وأدومها، وأتقاها، وبين أن الآيات الحسية قد جاءت في أحوال كثيرة، ولم تنتج إيمانا بل تبعها من الطغاة عتوا واستكبارا، وتوالي المظالم، وبعد هذا البيان قال اللَّه تعالى:

стр. 6411

(قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) أمر اللَّه تعالى أن يبين لهم أن إيمانهم وعدم إيمانهم عند اللَّه على سواء، فما يضير القرآن أن يؤمن به الجهال، ولا يرفعه فوق منزلته التي وضعه اللَّه فيها ألا يؤمنون، ويقول الزمخشري في هذا: " أمر النبي ﷺ بالإعراض عنهم واحتقارهم والازدراء بشأنهم، وإنهم إن لم يدخلوا في الإيمان ولم يصدقوا بالقرآن، وهم أهل جاهلية وشرك، فإن خيرا منهم وهم العلماء الذين قرءوا الكتاب، وعلموا ما الوحي وما الشرائع وقد آمنوا به وصدقوه، وثبت عندهم أنه النبي العربي الموعود في كتبهم فإذا تلي عليهم خروا سجدا، وسبحوا اللَّه تعظيما لأمره، ولإنجاز ما

стр. 6412

وعد في الكتب المنزلة، وبشَّر من بعثه محمدا ﷺ وهو المراد بالوعد في قوله تعالى: (إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَجرُّونَ للأَذْقَانِ سجَّدًا) هذا النص الكريم في مقام التعليل لقوله: (آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تؤْمِنُوا)، أي سيان إيمانكم وعدم إيمانكم بالقرآن، فإنكم إن كفرتم فقد وجد من يؤمن به، ويدرك منزلته، وكان من أولي العلم قبله من يعرف قدره ويؤمن به، وينزل في قلبه المنزلة التي أرادها اللَّه تعالى. وأولو العلم هم أهل الكتاب كما ذكر الزمخشري وغيره من المفسرين إذ أوتوا علم الكتاب السماوي، وعلم النبوات، والعلم بأنه سينزل كتاب مصدق لما بين يديه، ولعله لَا مانع من التوسع في معنى أولي العلم بأنهم أولو الإدراك والتأمل والعلم بكل ما يتعلق بالله تعالى من أهل الكتاب، وأهل الحكمة والمعرفة الذين أوتوا المعرفة، فإن هؤلاء قد يكونون من أوساط لَا إيمان فيها كإيمان مؤمن آل فرعون، وكإيمان السحرة وكإيمان الأوس والخزرج، وقوله تعالى: (مِن قَبْلِهِ)، أي من قبل البعث المحمدي، فإن هؤلاء يكونون، حيث يكون العقل والتفكير، لَا حيث الكتب السماوية فقط، ولكن الظاهر أنهم أهل الكتاب المدركون. وقد قال تعالى في وصف أهل العلمِ عندما يتلى عليهم (يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا) (سُجَّدًا) جمع ساجد كركع، و (يخِرُّونَ) ينزلون في خشوع وخضوع ساجدين، وقوله تعالى: (يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ)، أي يخرون بوجوههم وهو أعلى موضع شرفهم البدني والتعبير بـ (يَخِرُّونَ) من قبيل تسمية الكل باسم الجزء، فهو عبر عن الوجه بأبرز أجزائه، وهو الذقن، وهو موضع الشرف، ويظهر أنها الأذقان بما يشتمل عليه من اللِّحا؛ لأن اللحية من كمال جمال الوجه. ويقول سبحانه بعد ذلك في أوصاف أهل العلم:

стр. 6413

(يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا) ذكر أنهم يخرون ساجدين، وإنهم مع سجودهم يملك التأثر نفوسهم

стр. 6414

(وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا (١٠٨) أي تقديسا وتنزيها وخضوعا لربنا الذي خلقنا، وأمدنا برحمته بنزول القرآن، وذكر اللَّه تعالى باسم ربنا، بيانا لامتثالهم، وبيانا لأنه رباهم، وأن القرآن من كمال تهذيبهم (إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا) (إنْ) مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، أي إنه الحال والشأن وعد ربنا، و (اللام) في قوله (لَمَفْعُولًا) لام التوكيد، وهي الفارقة بين (إنْ) النافية، و (إنْ) المؤكدة، و (كان) دالة على الاستمرار، ووعد اللَّه تعالى هو بإنزل القرآن وبعْث محمد ﷺ ، وتكرار ربنا لكمال معنى الخضوع والربوبية والعبودية، وقوله لمفعولا، أي واقعا يفعله اللَّه تعالى بإرادته المختارة وهو على كل شيء قدير، فوعد سبحانه وما أخلف. الوصف الثالث من أوصاف أولي العلم عندما يستمعون القرآن ذكره سبحانه بقوله:

стр. 6415

(وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩) هذا هو الوصف الثالث من أوصاف أولي العلم عندما يتلى عليهم القرآن، وكرر خرورهم الأول أي سقوطهم للأذقان باكين من تأثرهم به، وإحساسهم بأن اللَّه تعالى يخاطبهم بكلامه، وأنهم يستمعون إليه فيتغلب عليهم البكاء من فرط إدراكهم، ولعلو إحساسهم، ويقول: (وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا)، أي خضوعا للَّه تعالى وإيمانا بحق عبوديته، فكلما تلي عليهم ازدادوا علما، وكلما ازدادوا علما ازدادوا إيمانا وخشوعهم يستمر في نمو، وإيمانهم بحق العبودية يزداد كلما تلي عليهم. وإن هذه الآيات تسلية للنبي ﷺ كما ذكر الزمخشري، فإذا كان المشركون قد أنكروا آيات اللَّه، فهناك أهل العلم المدركون الذين يعلمون الوحي، والرسالة

стр. 6416

والرسل، ويدركون نعم اللَّه تعالى، ويعرفون رسالتك، ويقدرون معجزتك حق قدرها فلا تأس عليهم، ولا تلتفت، فاللَّه معك وأهل العلم يشهدون لك. وإنه بعد بطلان قولهم فيما طلبوا من آيات، وبيان مقام القرآن بين اللَّه سبحانه دعوة اللَّه وأشار إلى أسمائه الحسنى فقال:

стр. 6417

(قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠) (ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ) ناده باسم اللَّه أو باسم الرحمن، فإنهما صفات اللَّه تعالى، وله أسماء غيرهما تدل على جلاله وكبريائه، واتصافه بكل كمال، وذاته العلية واحدة وقوله تعالى: (أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) الأسماء التي تبلغ أعلى درجات الحسنى، التي ليس فوقها درجة، الحسنى مؤنث الأحسن، وأفعل التفضيل ليس على بابه، لأنه لا مفاضلة بين أسماء اللَّه تعالى، وأسماء غيره، (أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى)، (أَيًّا) مفعول لـ (تَدْعُوا)، والتنوين عوض عن المضاف المحذوف و (مَا) صلة لتوكيد الكثرة في (أَيًّا)، أي أيَّا من الأسماء تدعو مهما يكن قدرها؛ فذلك سائغ لأن له الأسماء فإنه سبحانه له الأسماء الحسنى، على ما شرحنا. وكان ذكر الدعاء بالرحمن أنه كالدعاء، واختص ذكر الرحمن بالذكر من صفات أللَّه تعالى وأسمائه الحسنى؛ لأن العرب كما قيل لَا يعرفون الرحمن إلا رحمان اليمامة، أو كما روي، وفي صحاح السيرة أن المشركين عندما أخذ علي يكتب العهد في صلح الحديبية قال: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، قالوا أما الرحيم فنعرفه، وأما الرحمن فلا نعرفه اكتب باسمك اللهم (١)، فاللَّه سبحانه بين بهذا أن الرحمن اسم اللَّه، وأن غيره من الأسماء الحسنى.

стр. 6418

قال تعالى: (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا) وفي هذا قرينة على أن الدعاء المذكور في النص ليس هو مجرد نداء أو دعاء إنما هو عبادة، وقالوا في سبب نزول هذه الآية، أو هذا النص، إن النبي ﷺ كان يقرأ القرآن فيسب المشركون كلام اللَّه تعالى فأمر النبي ﷺ بألا يجهر، ولا يخافت، وروي أن أبا بكر كان يخافت ويقول إنما أناجي ربي، وهو يعلم حاجتي، وكان عمر يجهر ويقول: أنا أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان، فلما نزلت هذه الآية قيل لأبي بكر ارفع قليلًا، ولعمر اخفض قليلا (وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا)، أي اطلب طريقا وسطا بين الجهر والمخافتة، وفي الكلام مجاز، في إطلاق وسط القراءة التي بين الجهر والخفت على الطريق الوسط. وقيل تفسير الجهر والخفت بألا يجهر المصلي في كل صلاته، ولا يخافت في كلها، بل يجهر في صلاة الليل، ويخافت في صلاة النهار وذلك هو الوسط بين السبيل البين بعد ذلك. وقد أنهى سورة الإسراء بتكبير اللَّه تعالى كما ابتدأت بالإسراء، فقال تعالى:

стр. 6419

(وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١) أمر اللَّه تعالى نبيه أن يحمده ويكبره، فإنه لَا يوجد من يستحق الحمد والتكبير غيره. قل يا رسول اللَّه: (الْحَمْدُ لِلَّهِ)، أي الحمد كله للَّه ، فلا يستحق، ولا يختص بالحمد سواه على ما خلق وأنشأ وكون، (الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا)، وهذا يشير إلى أنه ليس مماثلا للحوادث في أي حال من أحوالهم، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وقد قال تعالى: (بَدِيعُ السَّمَوَات وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ. . .)، وقوله تعالى: (لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا) يشير إلى أن جميع خلقه على سواء، (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ)

стр. 6420

ولم يتخذ صاحبة ولا ولدا، فليس هناك أبناء كما ادعى اليهود، وليس عيسى ابنه. (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ)، فهو المالك الخالق لكل شيء، (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ)، أي لم يكن ولي يناصره ويحميه من الذل، (وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا)، أي تكبيرا يليق بذاته العلية. نفى اللَّه تعالى كما ذكرنا عن ذاته العلية ثلاثة أمور، وأثبت بعد هذا النفي وجوب التكبير، أما الأمور الثلاثة، فهي اتخاذه ولدا كما ذكرنا، ونفاه؛ لأن الولد ينبئ عن الحاجة، واللَّه تعالى غني حميد، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)، ونفَى سبحانه أن يكون له شريك في سلطانه فلا ينازعه أحد؛ لأنه الخالق، وهو المالك (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفونَ)، ونفى أن يكون له ولي من الذل، (الولي) النصير، ومن يكون في جواره لحمايته، وقال: (مِّنَ الذُّلِّ)، أي بسبب ذله، واحتياجه إلى النصير، وذكر لفظ الذل ليؤكد النفي فإن ذلك محال على اللَّه، ونسبته إليه سبحانه لَا يليق بذي الجلال والإكرام، وإن نفي ذلك كله ينتهي بوجوب تكبيره تكبيرا مؤكدا. فاللَّه أكبر كبيرا، والحمد للَّه كثيرا وسبحان اللَّه تعالى بكرة وأصيلا. * * *

стр. 6421

(سُورَةُ الْكَهْفِ) تمهيد: سميت هذه السورة بسورة الكهف، لأن أهل الكهف وقصتهم أخذت شطرا كبيرا، وعدد آياتها عشرة ومائة آية، وهي مكية، وجاء في المصحف أن الآية الثامنة والثلاثين مدنية وكذلك الآيات من ٨٣ إلى ١٠١، واللَّه أعلم وكلها قرآنه الحكيم. ابتدأ السورة الكريمة بحمد اللَّه تعالى الذي أنزل على عبده الكتاب، كما اختتم سورة الإسراء بالتكبير، ونفى اتخاذ الولد، وبين أنه شيء نكر لا يقع من عقلاء، (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥) ثم أشار سبحانه إلى زينة الأرض. وبعد ذلك ذكر قصة أهل الكهف، وهي دليل على صبر أهل الحق، وعلى قدرة اللَّه تعالى على الإحياء بعد الموت، أو شبهه، وعلى عجائب اللَّه تعالى في خلقه، وقد استغرقت قصتهم وأحوالهم إلى قوله تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨). بينِ الحق، وما يكون من عقاب على الباطلِ: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩). ثم بين سبحانه جزاء المؤمنين الذين عملوا الصالحات، ويذكر قصة تُصَوِّر غرور غير المؤمن وإيمان المؤمن وألا يغتر باللَّه غرورا، وأن نعيم الدنيا عرضة للزوال وينصح الغرور فيقول: (وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ

стр. 6422

لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١) ولكنه بعد هذه النصيحة يستمر في غيه وغروره حتى يزول ثمره، (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤). وقد ضرب اللَّه تعالى مثل الحياة الدنيا بما يدل على فنائها وذهاب زخرفها. ويذكر سبحانه أن المال والبنين زينة الحياة الدنيا، والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا، وخير أملا، ويذكر لهم سبحانه حالهم يوم القيامة والميزان والحساب. ثم يذكرهم سبحانه بأصل خلق الإنسان وعداوة إبليس لآدم وذريته، وفسقه عن أمر ربه، وقد اتخذ بنو آدم إبليس وذريته أولياء من دون اللَّه، (وَهُمْ لَكُمْ عَدُو بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا). إن اللَّه خلق السماوات والأرض، وإن لم يشهدوا خلقها، ثم ذكرهم سبحانه بيوم القيامة وما يكون فيه، ورؤية المجرمين النار وظنهم أنهم مواقعوها، ولم يجدوا عنها مصرفا. ولقد ذكرهم سبحانه بالقرآن وتصريفه سبحانه فيه، وأنذرهم بسنة الأولين أو أن يأتيهم العذاب قبلا، ويجادل الذين كفروا بالباطل. وبين ظلم من ذكر بآيات ربه فأعرض عنها، ثم ذكر سبحانه ظلم القرى وهلاكها بسبب الظلم. قصة موسى ﵇ مع العبد الصالح: ثم ذكر ، (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠). حتى وجدا عبدا من عباد اللَّه صالحا، (قَالَ لَهُ مُوسى

стр. 6423

هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا)، ثم كانت بينهما المحاورة، وسارا فانطلقا حتى إذا أتيا سفينة فركباها فخرقها، (قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا) سارا (حَتَّى إِذَا لَقيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ)، قال موسى: (أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا) فانطلقا حض إذا وجدا أهل قرية فأراد أن يضيفوهما (فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧)، وقد أجابه بعد ذلك عن السفينة بأن (وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا)، وعن قتل الغلام بأن أبوِيه كانا صالحين (فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا)، (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا). ذو القرنين: بعد ذلك جاء ذكر ذي القرنين: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣)، ثم ذكر سبحانه أعماله الصالحة وكيف مكَّن اللَّه له في الأرض وهيأ له الأسباب، وبلوغه مغرب الشمس، وعدله مع من ظلم ومع من عدل، وعندما يلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم يجعل لهم من دونها سترا، ثم كان ما من يأجوج ومأجوج، وقد أقام بيضه وبينهم سدا، (فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨). وقد ذكر سبحانه جزاء جهنم للظالمين وجزاء المتقين، وقال في جزاء الكافرين: (ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦) وبين أن جزاء المؤمنين جنة الفردوس خالدين فيها لَا يبغون عنها حولا، واختتم السورة بهاتين الآيتين: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠). * * *

стр. 6424

معاني السورة الكريمة قال اللَّه تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥) فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦) إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨) * * *

стр. 6425

ابتدأت السورة الكريمة بالتحميد بعد أن ختمت السورة السابقة بالأمر بالتكبير، فهو المحمود الكبير الذي ليس فوقه أحد و " ال " في (الْحَمْدُ) للاستغراق، أي استغراق كل الحمد وأعلاه، فهو المحمود ولا محمود بحق سواه وكل آحاد الحمد تعود إليه بإطلاق، وليس لغيره حمد إلا نسبي، وفي دائرة محدودة، هي دائرة المخلوق الذي لَا يملك شيئا إلا من اللَّه تعالى، (الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ) هذه جملة تشير إلى سبب الحمد أو بعض أسبابه، فإن الحمد لَا يكون إلا بنعمة، وهذه النعمة أجَّل النعم، وأعظمها؛ لأنها نعمة إنزال الكتاب على عبده، وتقديم الجار والمجرور (عَلَى عَبْدِهِ) على الكتاب لمزيد الاهتمام بكونه عبده. فإنه عبد اللَّه ومبلغ رسالته ومن اختصه لنبوته وهو أعلم

стр. 6426

حيث يجعل رسالته، وقوله تعالى: (الْكِتَابَ) للدلالة على كمال الكتاب في ذاته، فهو الجدير بأن يسمى كتابا، وليس غيره جديرا بهذه التسمية، وله ذلك الشرف الداني، لأنه يشتمل على كل ما يصلح البشر في معاشهم، ومعادهم وما تقوم به مدنية سليمة فاضلة تنفي خبثها، وتدعم خيرها، وله شرف آخر إضافي وهو أنه منزل من اللَّه العزيز الرحيم الرءوف الغفور الذي رحمته وسعت كل شيء. هذه صفات ذاتية وإضافية، ومن صفاته الذاتية أيضا أنه لَا عوج فيه، ولذا قال تعالى: (وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا)، أي أنه سبحانه خلقه متجها إلى الحق من غير انحراف، وأنه كالجسم الذي لَا يعوَّج حسيا، فإن الجسم قد يكون في ذاته مستقيما، ولكن قد يتعرض لبعض الصدمات التي تجعله يسيخ (١) أو ينقبض، وإن هذا القرآن لَا عوج فيه، لَا من وخارجه ولا من أصل تكوينه، فهو كونه قويما ولا يمسه شيء يزيغ أو ينحرف، فهو قويم غير قابل للاعوجاج.

стр. 6427

(قَيِّمًا ... (٢) أي أنه مستقيم في ذاته كما أنه لم يعره اعوجاج في أي ناحية من نواحيه، ولا أي معنى من معانيه وهو قيِّم على الكتب السابقة كلها؛ لأنه مهيمن عليها يبين ما نسخ منها، وما لم ينسخ، وما كان فيه تحريف، وما نسي، وما بقي، وهو قيم على مصالح الناس، ودفع مفاسدها، وقيام بنائها الصالح، ومنظم الجماعات الإنسانية على قواعد الأخلاق والفضيلة، وإبعاد المفاسد والرذائل. وإذا كان لإقامة بناء اجتماعي سليم، وليستقيم الناس في معاشهم ومعادهم، ففيه بيان الأحكام التكليفية لهم وما يجب يوم القيامة، فإن العصاة لَا يستقيمون إلا إذا كان أمامهم عذاب يوم القيامة، قال تعالى: (لِّيُنذِرَ بَأسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ)، أي أن نزوله بما فيه من أخبار البعث والنشور وبما فيه من أحكام تصلح الناس في عامة أمورهم، كان لَا بد أن ينذر بأسا شديدا، والإنذار له مفعولان وهو هنا له مفعولان: أولهما محذوف مع تقديره في الكلام، وهو (الناس)، وثانيهما

стр. 6428

موجود، وهو (بَأْسًا شَدِيدًا)، والمراد العذاب الموصوف بأنه بأس شديد، فأطلق الوصف وأريد الموصوف، وفسر بعض العلماء البأس بأنه العذاب العاجل الذي لا يتأخر لحظة عن ميقاته، وهو آت لَا محالة وكل آت فهو لَا بد عاجل، لَا يتخلف أبدا. وقوله تعالى: (مِّن لَّدُنْهُ) الضمير يعود على اللَّه تعالى؛ من عند اللَّه تعالى، وفي الحكم بأنه صادر عن اللَّه تعالى آت من عنده إرهاب بهذا العذاب؛ لأنه آت من عند الواحد القهار، وبيان لشدته، وتأكد وقوعه، فلا مناص منه، ولا سبيل للابتعاد عن وقوعه. وكما أنه منذر لمن عصى، فهو مبشر لمن أطاع، فلا جدوى في الإنذار إن لم يكن معه تبشير؛ لأنه يكون تحذيرا لمن يغوى وتبشيرا لمن يفعل الصالحات، فهو تخويف وتشجيع وتحريض؛ ولذا قال تعالى: (وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا) التبشير الإخبار بما يسر ولا يضر، وعبرنا بالموصول للإشارة إلى أن الصلة هي السبب في هذا الجزاء، والصالحات هي الأعمال التي يقصد بها وجه اللَّه، وطلب الخير والنفع وأن تكون القلوب طيبة سليمة، فهي التي تصلح بها الأعمال وهي التي بها تفسد، ويلاحظ هنا أنه ذكر الأعمال الصالحة ولم يذكر الإيمان؛ لأن الإيمان مقدر لأنه أساس الخيرات، ولأنه عمل القلوب فهو داخل في عمل الصالحات، وذكر سبحانه الجزاء فقال: (أَجْرًا حَسَنًا)، تكرم اللَّه تعالى فسمى الجزاء أجرا وكأنه ثمن لخير قُدِّم مع أن الهداية من فضل اللَّه ورحمته، للإشارة إلى أن اللَّه كريم حليم، يمن بالخير ويجازي عليه، ووصف الأجر بأنه حسن، أي أجر يستحسن ويحب ويرغب فيه، ويطلب لأنه في مظهره حسن، وفي حقيقته نعمة دائمة، ولقاء للَّه ورضوان منه، وهو أعظم، وكل ذلك تشمله كلمة حسن. وإن هذا الأجر الحسن هو الجنة التي يخلدون (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا. . .)؛ ولذا قال تعالى:

стр. 6429

(مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) المكث البقاء مع الاطمئنان وألا يكون نزاع قط، وإنه دائم ما دامت السماوات والأرض كما قال تعالى: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ. . .). وقد خص بالذكر من إنذار العصاة إنذار الذين اتخذوا للَّه ولدا، فقال تعالى:

стр. 6430

(وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥). بعد إنذار عامة الكافرين العصاة من وثنيين وغيرهم خص الذين اتخذوا الولد، وقالوا: (اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا)؛ لأنهم لم يفهموا ذات اللَّه، ولا خواص الألوهية، وأنها منافية للحوادث منافاة تامة، وعبر سبحانه بقوله: (قَالُوا)، ولم يقل اعتقدوا؛ لأنهم لَا يؤمنون ومن اتبع الأوهام لَا يؤمن بشيء، ولا يعتقد اعتقادا جازما، لأن الأوهام تساوره فتزلزل اعتقاده بل هو في ريب دائم مستمر، وعبارة اتخذ اللَّه ولدا، فهم نسبوا الاتخاذ للَّه، وهي فرية على اللَّه تعالى وتدل على عدم كماله سبحانه؛ لأن اتخاذ الولدان يترتب عليه أمران باطلان لَا يليقان بذات اللَّه: الأمر الأول - مشابهته للحوادث، وأن يكون للَّه سبحانه نظير مثله، لأن الولد مثيل أبيه، فكيف يكون للَّه تعالى شبيه ومثيل. الأمر الثاني - أنه ينبئ عن احتياج اللَّه للولد لنصرته، واللَّه تعالى غني حميد لا يحتاج لشيء ويحتاج إليه كل شيء سبحانه تعالى عما يقولون علوا كبيرا.

стр. 6431

(مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ ... (٥) كلمة (مِنْ) هنا لاستغراق النفي، أي ما لهم أي علم، بل يرمون القول من غير تفكر، ولا تدبر، من سيطرة الأوهام التي أوجبتها الفلسفة التي قارنت تحريف النصرانية من مسيحية إلى وثنية متبعين الأفلاطونية

стр. 6432

الحديثة التي كانت في آخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع الميلادي، وقد خلت ألوهية المسيح في هذه العقائد المنحرفة حتى سنة ٣٢٥ من الميلاد، وأخذت تسري في الجموع النصرانية حتى اختفى الحق وظهر الباطل. وإن أدعاء النبوة هذا ما نشأ إلا من الجهل، ولسيطرة الوهم؛ ولذا قال سبحانه: (مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ)، إنما هو الهوى والوهم، وهما يفسدان كل تفكير. وقال تعالى: (وَلا لآبَائِهِمْ) لَا لتأكيد النفي، فنفي عنهم العلم لعدِّهم مقلدين متبعين، وعن آبائهم الذين قلدوهم لأنهم الذين سهلوا تلك الأوهام في نفوسهم، فضلوا وأضلو كثيرا وضلوا عن سواء السبيل. وإن هذه الفرية أشد فرية أضلت العقول حتى أنه بعد ما فهموا بعض الفهم أخذوا يتأولون، ويدعون أنهم لَا يقولونها لَا فرار منها ولكن هو تلبيس على الناس ليدفعوا عن أنفسهم أنهم يتكلمون بغير معقول. ولقد قال تعالى في عظم ما توهموا ثم افتروا: (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ هِنْ أَفْوَاهِهِمْ)، (كلِمَةً) تمييز وهي منصوبة على أنها تميز، وهناك قراءة بضم التاء. وعلى تخريج أن القراءة بنصب التاء تكون بمعنى الذم الشديد، ويكون المعنى بئست كلمة تخرج من أفواههم، والأحسن أنها تكون بمعنى التعجب. أي ما أكبر فظاعتها وفسادها، وقوله تعالى: (تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ)، أي أنها ثقيل خروجها من الأفواه لبعدها عن كل معقول، ونفرة أي فكر منها، ولكنهم يستطيبونها فإن سألتهم عن مدلولها لم يحيروا جوابا، واضطربوا كل مضطرب إلا أن يقولوا حقا أو معقولا وسبحان من خلق المهتدي والضال. (إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا)، إن للنفي، أي لَا يقولون إلا كذبا لَا مساغ وله من حق، ولا يقوله مدرك فاهم يعرف حقيقة الألوهية وللَّه في خلقه شئون. القرآن هو النعمة الكبرى كما هو المعجزة الكبرى ففيه شفاء للناس ورحمة وهداية وموعظة للمؤمنين، ومن كانت عنده هذه النعمة يريد أن ينتفع بها الناس،

стр. 6433

وأن يكون مصدر هذه الرحمة إليهم؛ ولذلك كان حفيا بأن يؤمنوا، ويحسب أن كفرهم ربما يرجع إلى نقص في تبليغه لَا إلى نقص في نفوسهم؛ ولذلك قال تعالى:

стр. 6434

(فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦) الفاء تنبئ عن تقدير قولي مطوي، معناه إذا كنت حريصا على إيمانهم فلعلك باخع نفسك إلخ. . .، والبخع: جهد النفس حتى تتلف، وباخع نفسك، أي مؤدى بها إلى التلف ومهلكها من شدة همك وتحميل نفسك ما لَا حاجة إلى تحميله (عَلَى آثَارِهِمْ)، أي على آثار توليهم؛ لأنك لَا تتوقعه، إذ إن نضوح الدليل ووضوح الصدق وقوة الإعجاز يجعلك تتوقع إيمانا، فجاء إعراضا وتوليا عن الحق البين وقوله تعالى: (عَلَى آثَارِهِمْ) فيه استعارة وترشيح لها، كأنهم محبوب يفارقك فيدفع الفراق إلى ألم ولوغة كأنه باخع نفسه لهذا الألم ولذلك الفراق، وأنه يبرح به البعد والفراق حتى يكاد يبخع نفسه، هذا تخريج الزمخشري أو معناه في قوله تعالى: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ) وهو معقول في ذاته وربما يكون أقرب من هذا التخريج أن تقول لعلك باخع نفسك على آثار توليهم وإعراضهم ودخولهم النار (إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ)، والحديث هو القرآن الكريم، كما قال تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ. . .). والإشارة في قوله سبحانه: (بِهَذَا الْحَديثِ) إشارة إلى ما سبق في قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ) فهو كتاب اللَّه الذي سجلت فيه شرائعه، وهو حديث اللَّه إلى رسوله وإلى خلقه المؤمنين، بل إلى الخليقة أجمعين. و (لعل) معناها الرجاء، والرجاء ما يتوقع وقوعه سواء أكان مرغوبا أم كان مرهوبا، فهو الأمر المتوقع على كلتا حاليه، وهو هنا يبين اللَّه تعالى لنبيه أن حاله حال من يتوقع منه بخع نفسه (إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) و (أَسَفًا)

стр. 6435

مفعول لأجله، أي يبخع نفسه هما وحزنا إن لم يؤمنوا، كقوله تعالى: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمنينَ)، والأسف هو الهم الشديد الذي لا يذهب، بل يبقى كقوله: (. . . غَضْبَانَ أَسِفًا. . .)، أي مهموما هما يسكن في القلب ولا يكون كالغضب يعرض ثم يزول، كالزوبعة تثور ثم تهدأ، أما الأسف والهم فيبقى. بعد ذلك بين سبحانه أن الإنسان يرى في هذه الدنيا العبر، وعجائب الوجود ولكن لَا يعتبر؛ ولذا قال تعالى:

стр. 6436

(إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨) بعد ذلك ذكر عذاب القلوب وروح النفوس فأخذ سبحانه يبين غذاء الأجسام ومتعة الأعين، وزخرف الحياة فقال: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا) فزروعها وثمارها وبواسقها ودوحاتها، وأوتادها وحيوانها، ترى القطعان تنفث في المراعي ذاهبة عائدة، (وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حينَ تُرِيحونَ وَحِين تَسْرَحُونَ)، هذه زينة الدنيا، كما قال تعالى: (. . . وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥). وكما قال تعالى في سورة ق: (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١). هذه المتع التي تشرق بها النفس فتجد فيها سعادة النفس وغذاء الجسم مكن اللَّه تعالى بني آدم منها لغاية، وهو الاختبار؛ ولذا قال تعالى: (لِنَبْلُوَهُمْ أَيهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)، أي لنعاملكم معاملة المختبر الذي يريد أن يظهر ما قدره لكم محسوسا واقعا، وقوله تعالى: (أيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)، أي حالهم حال من يُسأل أيكم أحسن عملا، فالاستفهام هو معنى الابتلاء، فمن اغتر بالدنيا واستولت عليه

стр. 6437

زينتها، وبهرته ونسي الآخرة، فإنه لَا يحسن عملا، ومن أدرك حقيقتها، وهي أنها ظل زائل، وأنها لهو ولعب، والحياة الآخرة هي الحيوان لو كانوا يعلمون، فإنه هو الذي يحسن العمل ويستحق الجزاء الأوفى. وقوله تعالى: (أَحْسَنُ عَمَلًا)، أفعل التفضيل ليس على بابه، والمعنى بلغ أقصى درجات الحسن، أو هو على بابه ويكون الاختبار لتنزيل الناس منا فمن اتجه إلى الخير ناله بقدره، ومن اتجه إلى غيره تردى في منحدر المعصية. وإن زينة الدنيا تنتهي كما تنتهي الحياة، وتكون غثاء أحوى؛ ولذا قال سبحانه:

стр. 6438

(وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨) الصعيد التراب: والصعدة الأكمة من التراب، والجُرز بالضم من الجَرز وهو القطع قطع الزرع والثمار، وغيرها، وتطلق الجُرز على الأرض التي لَا نبات فيها ولا شجر، كالصحراء التي لا تنبت. والمعنى في هذا أن اللَّه تعالى خلق الأنواع كلها، فخلق الأرض التي جعلها اللَّه زينة وفيها الخصب والنماء، وأنها تتحول إلى غثاء أحوى، فكذلك يخرج الحي من الميت، والميت من الحي، فليس عجيبا أن يعود الناس أحياء بعد موتهم، فلا غرابة ولا عجب في أن يكونوا ترابا ثم يكونوا من بعد ذلك خلقا جديدا (. . . كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ). قصة أهل الكهف تصدى القرآن الكريم لبيان أهل الكهف بما لم يتصد به كتاب مقدس، ولا نريد أن نخوض في أمر لم يخض فيه القرآن فلا نريد أن نرجم بالغيب، ولا أن نسير وراء الظنون، والقرآن ليس كتاب تاريخ ولكنه كتاب عظة واعتبار، وكل ما فيه صدق لَا مجال للريب فيه. أكثر الذين تعرضوا لبيان من هم أهل الكهف يقولون: إنهم من النصارى المؤمنين كانوا في عهد اضطهاد النصارى، فقد كانوا موضع اضطهاد من وقت انتهاء حياة المسيح في الدنيا، وجاءت عصور اضطهاد شديدة كانوا يفرون بدينهم،

стр. 6439

وكان بعض أباطرة روما يبالغون في الاضطهاد حتى أن نيرون إمبراطور روما كان يجعل جلودهم تطلى بالقار ويجعل منهم مشاعل إنسانية تسير في موكبه، ازدراء لهم، ومبالغة في إهانتهم، فكان يفر منهم من يفر إلى الكهوف والمغارات فرارا بدينهم وبنفسهم. وقد جاءت عبارات ابن كثير بما يفيد أنهم من اليهود لَا من النصارى، وحجته في ذلك أن اليهود هم الذين سألوا النبي ﷺ عن الروح وعن أهل الكهف، وعن ذي القرنين، وأن ذلك يدل على أن وقائع قصة أهل الكهف كانت قبل النصرانية لَا بعدها. ونقول في الجواب عن ذلك: أولا - إن التوراة ليس فيها ذكر لأهل الكهف، ولا من كان محيطا بهم. وثانيا - أن أخبار أهل الكهف مذكورة في شهداء النصارى وفي كتبهم ككتاب " الكنز الثمين ". وثالثا - أن ابن كثير نفسه ذكر أنه في عهد ملوك الرومان وهو دقلديانوس، فقد جاء فيه ما نصه: " لقد ذكر غير واحد من المفسرين من السلف والخلف أنهم كانوا من أبناء ملوك الروم وسادتهم، وأنهم خرجوا يوما في بعض أعياد قومهم، وكان لهم مجتمع في السنة يجتمعون فيه في ظاهر البلد، وكانوا يعبدون الأصنام والطواغيت، ويذبحون لها، وكان لهم ملك جبار عنيد، اسمه دقلديانوس وكان يأمر الناس بذلك، ويحثهم عليه، ويدعوهم إليه، فلما خرج الناس لمجتمعهم ذلك، وخرج هؤلاء الفتية مع آبائهم وقومهم، ونظروا إلى ما يصنع دومهم بعين بصيرتهم، وعرفوا أن هذا الذي يصنعه قومهم من السجود لأصنامهم والذبح لها لا ينبغي إلا للَّه الذي خلق السماوات والأرض، فجعل كل واحد بتخلص من قومه، وينحاز منهم، ويتبرز عنهم ناحية، فكان أول من جلس منهم أحدهم، جلس تحت ظل شجرة، فجاء الآخر فجلس إليها عنده، وجاء الآخر فجلس، وجاء الآخر، والآخر، ولا يعرف واحد منهم الآخر، وإنما جمعهم هناك الذي جمع قلوبهم على الإيمان. . . . ".

стр. 6440

لا يهمنا الخبر كله، وإنما يهمنا منه أنه ذكر دقلديانوس وقد ذكره، وكان من أشد أباطرة الرومان على النصارى وخصوصا أهل مصر، فقد أوقع بهم مقتلة عظيمة كانت سنة ٢٨٤ من الميلاد، ومنها كان التاريخ القبطي، وهذا يدل على أنهم كانوا بعد النصرانية، ولم يكونوا قبلها. وما ذكر في كتب السيرة من أن اليهود حرضوا المؤمنين على أن يسألوا عن الروح وأهل الكهف وذي القرنين فهو متزيد فيه، والثابت برجحان الأسئلة كانت عن الروح، وعن العبد الصالح صاحب موسى وعن ذي القرنين كما ذكرنا أولا، وأن الاضطهاد للنصارى استمر حتى حرفوا دين المسيح ﵇، وكانت سيادة التثليث بعد سنة ٣٢٥ عقب مجمع نيقية وكان الاضطهاد قبل ذلك للموحدين، وأهل الكهف منهم، وكانت معجزة اللَّه تعالى فيهم. ولكن ما عددهم، وما المدة التي مكثوها؟، أما عددهم فكما تدل الآيات سبعة، وحكى اللَّه تعالى عنهم ذلك، فقال عز من قائل: (سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢). وربما يكون هذا النص مشيرا إلى أنهم سبعة، لأنه ذكر في الثلاثة والخمسة أنه رجم بالغيب، ولم يذكر ذلك في السبعة، ولكنه نهى عن المماراة في ذلك، وعدم الاستفتاء فيه؛ لأنه لَا جدوى في معرفته، وكل علم لا يترتب عليه اعتقاد أو عمل لَا فائدة فيه ولا في شغل الذهن به. وأما المدة التي مكثوها في الكهف، فإنها كما قال اللَّه تعالى: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا)، أي أنهم مكثوا تسع سنين وثلاثمائة، بالسنين القمرية، وبعض العلماء قدرها بالشمسية بثلاثمائة سنة، ويأتي بعد ذلك في أي عصر من العصور كانت هذه المدة، وكنا نظنها في عهد دقلديانوس الذي أشار إليه ابن كثير، ولكن رجَّعَنَا النص القرآني إلى الحق، وهو تسع وثلاثمائة، ولا يمكن أن يكون ابتداء المكث في عهد دقلديانوس؛ لأن معنى ذلك أنه استمر

стр. 6441

إلى آخر القرن السادس تقريبا، وأنها في هذا الوقت كانت النصرانية قد ثلثت، ولم تعد ديانة توحيد، ولا مسيحية لأن المسيح بريء منها. وكان حقا علينا أن نفهم، حيث أفهم القرآن مصدقين مذعنين، ولكن لا مانع أن نقول إنها ابتدأت من عهد الاضطهاد الروماني بعد أن انتهت حياة المسيح في الدنيا، واستمرت المدة التي ذكرها القرآن الذي (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ منْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ). * * * قال اللَّه تعالى: (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (١٥) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (١٦) * * *

стр. 6442

(أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا). (الْكَهْفِ) مكان متسع في الجبل، و (الرَّقِيمِ) اسم للجبل، أو لوح من رصاص رقمت فيه أسماؤهم، أو واد بالجبل، وأيا ما كان فهو تعريف بمكان كهفهم بجبله أو بواديه أو رصاص كتبت أسماؤهم عليه. و (أَمْ) للاستفهام مع الإضراب لمن عجبته، وأنها ليست أكثر من عجائب الوجود والخلق بإرادة اللَّه، فليس بقاء أجسام إنسانية حية أمدا طويلا، كما أنه ليس وجودهم راقدين أكثر من ثلاثمائة سنة أمرا عجبا في ذاته من خلق السماوات والأرض وما فيها، أو من خلق الإنسان من طين، أو من أدوار خلق الإنسان من نطفة من ماء إلى علقة إلى مضغة، ليس بقاؤهم أحياء رقودا أعجب من هذا الخلق العظيم. والاستفهام مقصود منه التنبيه وتوجيه الأنظار أولا إلى أن هذا كان عجابا، أي أحسبتم أن أصحاب الكهف والمقام الذي كان كهفهم على مقربة عجبا من آيات اللَّه، إنها ليست بعجب من آيات اللَّه تزيد على آياته في خلقه، إن كل خلق اللَّه تعالى آيات لأولي الألباب، وإذا كان في أهل الكهف شيء فهو في دلالته على قدرة اللَّه تعالى في الإحياء والرقود، وهو دال على البعث بعد الموت؛ لأنه إذا كان قادرا على الإبقاء فهو قادر على الإعادة، وإذا كان قادرا على الإنشاء والإبقاء فهو قادر على الإعادة.

стр. 6443

(إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠) عرفهم القرآن الكريم بأوصافهم، وأول وصف من هذه الأوصاف أنهم فتية جمع فتى، أي أنهم شبان في باكورة أعمارهم، نفوسهم غضة لم ترهقها الأوهام، ولا العادات والتقاليد، وموروثات الآباء العتيقة التي عششت في رءوس من قبلهم، بل إنهم على الفطرة السليمة، والشباب دائما أسرع الناس إلى الحق إن لم يكن في توجيههم ما يعوق عنه أو يسد الحجاب دونه، وقد قال في ذلك الحافظ ابن كثير: الشباب هم أقبل للحق وأهدى للسبيل من الشيوخ الذين قد عتوا

стр. 6444

وانغمسوا في دين الباطل؛ ولهذا كان أكثر المستجيبين للَّه ورسوله ﷺ شبابا، وأما المشايخ من قريش فعامتهم بقوا على دينهم ولم يسلم منهم إلا القليل. هذا هو الوصف الأول الذي وصف اللَّه به أهل الكهف، أما الوصف الثاني، وهي نتيجة لسلام الطوية أنهم اتجهوا إلى اللَّه تعالى بقلب محسّ بقدرة اللَّه ومعجزته، وبأنه المنعم الهادي دون غيره فقالوا: (رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا) نادوا ربهم قائلين، (رَبَّنَا)، أي الذي خلقتنا وكونتنا وطهرت قلوبنا، وخلصت نفوسنا من الشرك وأوهامه، (آتِنَا مِن لَّدُنكَ)، من حضرتك القدسية، وخزائنك التي لَا تنفد، (رَحْمَةً) وإنعاما وتوفيقا، وسلوكا مستقيما، ودواما للتوفيق. ورحمة اللَّه وسعت كل شيء وهي تعم كل حياة الإنسان، والدعوة الثانية المنبعثة من إيمان عميق موجه، وإذعان صادق يملأ القلب نورا، (وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا)، أي الأمر الذي اخترناه لأنفسنا من الإيمان في وسط الوثنية، والرشد هو إدراك الأمور إدراكا مستقيما لَا عوج فيه، وهذا الطريق المستقيم يقتضي تجنب الشرك وطلب الحق، والابتعاد عن كل مهاوي الرذيلة، والاتجاه إلى طريق الفضيلة ومحاسن الأخلاق، وألا يكون شطط ولا إفراط، ولا تفريط، إلا أن يدفع إلى ذلك الحق وتجنب الهوى. يظهر أن أولئك الفتية طوردوا حتى أووا إلى الكهف، فالإيواء لَا يكون إلا عن منازعة يحسون فيها بأنهم لَا قِبَل لهم بمن يريدون أن يفتنوهم عن دينهم، وقد كان ذلك واقعا في عهد اضطهاد النصارى، كما أشرنا وكما بينا في غير هذا الكتاب (١). وإن النوم يكون فيه سكون النفس، ولقد أنامهم اللَّه سنين عددا لينجوا بدينهم، وليكونوا حجة حسية على البعث، وليكونوا من آيات اللَّه تعالى في الوجود. (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١)

стр. 6445

كان الإيواء إلى الكهف فرارا من أذى المشركين، ولهم في ذلك الوقت القوة والسلطان، والعذاب مسلط على رقاب المؤمنين، وخصوصا القلة الشابة منهم، ولكن النجاة قد وفرها اللَّه تعالى لهم فأبعدهم عن الأحياء المشركين - وإن كانوا أحياء - ولتتم لهم الطهارة التامة، وتتم بهم الحجة الكاملة، وهو صنيع اللَّه تعالى، فقال:
следующие страницы →