(قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨)
بعد أن عمل ذلك العمل - الذي لَا مثيل له في تاريخ البشر إلى عصر من عمله - لم ينسبه إلى نفسه، بل جعله من ربه، والإشارة في (هَذَا رَحْمَةٌ من رَّبِّي) إلى أن البناء وتدبيره، ومادته، ليس من قدرة الإنسان إنما هو من توفيق الديان وقال: إنه من رحمة اللَّه بعباده؛ لأن من رحمته تعالت قدرته أن الفساد وأهله يُدفع بأهل الخير والصلاح (. . . وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ).
ولم ينس اليوم الآخر، والبعث فجعل الحد لزمانه هو يوم البعث، فقال: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ)، أي يَتَدكْدَك ويجعله أرضا مستوية، لَا علو فيها، ولو كان من حديد ونحاس.
ثم أكد البعث فقال: (وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) لَا يرتاب فيه عاقل، واللَّه أعلم.
стр. 6617
* * *
ترك المفسدين إلى يوم الحشر
قال اللَّه تعالى:
(وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩) وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)
* * *
انتهت الآيات السابقة ببناء إسكندر ذي القرنين للسد، وكان ذو القرنين صورة للحاكم المجاهد الذي يعمل لمصلحة من يحكمهم يجلب الخير لهم، ويعمل ما يصلحهم، ويدفع الفساد والمفسدين، وقد دفعه - وترك يأجوج ومأجوج يفسدون فيما بينهم.).
ولقد قال تعالى بعد أن ذكر بناء الحاكم الصالح للسد، وإحكام بنيانه:
стр. 6618
(وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا).
الضمير في (بَعْضَهُمْ) يعود إلى يأجوج ومأجوج، فانحصر شرهم، ولم يتعد فسادهم إلى غيرهم، فالجماعة الشريرة إذا لم يمكن إصلاحها يكون علاج الناس بالوقاية منها وإبعادهم عنها.
стр. 6619
ويصح أن يكون الضمير في بعضهم يعود إلى الخلق على أساس أنه حاضر في العقل معنى المخلوقات، وقد ساق ذلك الرأي الزمخشري على أنه هو الظاهر المتبادر، وغيره هو غير الظاهر وغير المتبادر.
ويكون المعنى على أن الضمير يعود إلى الخلق أن اللَّه تعالى خلق الناس بغرائز قد تتعارض رغباتها، فيكون منهم المسيء ويكون المحسن وبتنازعون أو يتخالفون، أو يعتدى بعضهم على بعض حتى يكون يوم الفصل، ودعوة الجميع إلى الحشر.
وقوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ)، أي في الدنيا، حيث الاختبار، والتدافع بين الحق والباطل والخير والشر، والصلاح والفساد، وقوله: (يَمُوجُ فِي بَعْضٍ)، أي أن بعضهم يتدافع مع البعض تدافع الأمواج وهي مصطحبة فيتدافع الأخيار مع الأشرار تدافع الأمواج يدفع بعضها بعضا، وهي تعلو وتنخفض.
حتى يُدعوا جميعا إلى اللَّه تعالى، وعبر عن ذلك بقوله: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا)، أي ناديناهم كما ينادي القائد الجند فينفخ في الصور فيجمعهم جمعا، لَا يتخلف منهم أحد، وقد شبه في هذا إعادة الناس والبعث والنشور وخروجهم من فورهم من كل حدب ينسلون بالقائد، عندما ينفخ في البوق للجند، وفي هذا إشعار بأن البعث لَا يكون بأكثر من قول اللَّه تعالى: (. . . كُن فَيَكُونُ)، وقوله تعالى: (فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا) فيه أمران بيانيان:
الأمر الأول - أنه عبر بالماضي وهو للمستقبل، لتأكيد الوقوع.
الأمر الثاني - أنه ذكر المصدر لتأكيد أن البعث يعم الجميع، ولا يتخلف عنه أحد.
تعالى:
وإنه عقب البعث تكون القيامة وتكون الحقائق مرئية لهم بالعيان؛ ولذا قال:
(وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠)
стр. 6620
و (يَوْمَئِذٍ) هو يوم القيامة، أي عرضنا جهنم للكافرين بسبب كفرهم عرضا، أي يرونها رأي العين من غير غشاوة تحول بينهم وبين رؤيتها، والإتيان بالمصدر لتأكيد أنهم يرون ذلك رأي العين، ولا يخفى عليهم من نتائج أعمالهم شيء من الخفاء.
وخص الكافرين بذكر العرض مع أنها تكون معلومة للجميع لأنهم أهلها، ولأنهم الذين كانوا يتغافلون، وهم الذين كانوا ينكرون البعث وما وراءه.
ولقد قال تعالى كيف كانت حالهم بالنسبة لذكر اللَّه للعذاب والثواب والبعث، فقال عز من قائل:
стр. 6621
(الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١)
الموصول بدل أو عطف بيان، وهو يشير إلى سبب اختصاصهم بالعرض؛ إذ إنهم كانوا لَا يرونها بعين الاعتقاد، ولا يستمعون إلى ذكرها بأذن الحق والإنصات إليه.
(كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَن ذِكْرِي)، الذكر مضاف إلى اللَّه تعالى، أي الأمور التي تذكر باللَّه تعالى وقدرته الباهرة القاهرة على كل شيء وإلى آياته في الكون ودلائل قدرته على إعادتهم كما بدأهم، وشبه حالهم في عدم إدراكهم للحق من آيات اللَّه تعالى بحال من يكون أمام المبصرات، ولكنه وضع على عينيه غطاء يجعله لَا يرى ولا يبصر، ويكون قوله تعالى: (عَن ذِكْرِي) مقويا لمعنى التشبيه ومع أنهم كانوا لَا يرون الآيات للغطاء الذي وضعوه على أعينهم كانوا لا يستمعون إلى الداعي إلى الحق إذا دعاهم فهم قد سدت أمانيهم كل وسائل الإدراك.
فهم لَا يرون الآيات بأنفسهم فهم على أعينهم غطاء، أو كمن يكونون على أعينهم، ولا يستطيعون سماع الحق، لأن أهواءهم وشهواتهم وغرورهم بهذه الدنيا التي أغرتهم بغرورها وزخرفها وزينتها قد حالت بينهم وبينه، وشبه إعراضهم عنه
стр. 6622
وعدم قبول قول رسلهم بمن أصيب بصمم، ولم يستطع سماع القول الهادي المرشد.
وقد بين اللَّه أنه لن يتركهم في ضلالهم من غير مرشد، وألا يتخذ لهم عمَابا، فقال تعالى:
стр. 6623
(أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢)
(الفاء) في (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كفَرُوا) مؤخرة عن تقديم، وهي في معنى السببية لعرض جهنم على الكافرين عرضا، والهمزة قدمت؛ لأن الاستفهام له الصدارة معناه ظنوا، أو بعبارة أدق معناها توهموا، لأن الظن يكون له وجه من الصدق، والاستفهام للتوبيخ، لأن الكافرين فعلا توهموا ذلك، وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نلهو ونلعب، وما كنا مبعوثين.
وقد أشار إلى سبب توبيخهم، (أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَاءَ)، أي أنصارا يوالونهم أو آلهة يعبدونها و (مِن دُونِي)، أي من غيري، وهنا كلام محذوف دل عليه قوله تعالى: (إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزلًا)، أي يحسبون مع اتخاذهم أندادا يعبدونها أو أنصارا يقاومون بهم حكم اللَّه فيهم، ونتركهم من غير مؤاخذة أو لَا نحاسبهم على ما يفعلون، وهذا كقوله تعالى:
(أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى)، (إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا)، هذا ذكر للعذاب وبيان له وقد ذكر علته في قوله: (أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَاءَ)، وأعتدنا معناها أعددنا وهيأنا، ونزلا معناه مقاما، وفيه نوع تهكم، لأن النزل يكون عادة مكانا مريحا يثوب إليه الذي نزل فيه، ولكنه جهنم وبئس المهاد. وذِكْرُ الكافرين إظهارٌ في موضع الإضمار للإشارة إلى سبب نزولهم في
стр. 6624
وقد بين أن الأخسرين أعمالا هم الكافرون، ذكر في ضمن البيان الحكيم سبب خسرانهم، فقال عز من قائل:
стр. 6625
(قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)
الخطاب للنبي ﷺ والاستفهام للتقرير، فكأنهم سئلوا فأجابوا مقررين بأنهم (الأخسرين أعمالا)، والأخسرون جمع أخسر، وهو أفعل تفضيل، يراد به الذين بلغوا من الخسران أقصاه، فلا خسارة فوق خسارتهم، أو أنهم بالنسبة للمؤمنين أكثر خسارة لأن المؤمنين إن خسروا في الدنيا متاعها، فأولئك خسروا ما هو أعظم وهو متاع الآخرة، وكان في ذلك موازنة بين حال المؤمنين وحال الكافرين، فالمؤمنون وإن كانوا قد فقدوا بعض متاع الدنيا ففي مقابل ذلك فقد الكافرون متاع الآخرة فكانوا الأخسرين حقا وصدقا، وخسارة المؤمنين لَا تذكر بجوار خسارتهم. وقد ذكر سبحانه ركن الخسارة وقوامها فقال عز من قائل:
стр. 6626
(الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)
(الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، أي كان عملهم ضلال في ضلال، ووصف العمل بأنه ضلال مع أن الضلال في العامل مبالغة في الضلال، كأنه بضلال النفس انتقل الضلال إلى العمل، للإشارة إلى أن العمل يكون ضلالا بضلال النفس، وفساد القصد، وقال: (سَعْيُهُمْ) ولم يقل " عملهم "، للإشارة إلى أن كل جهد يبذلونه يكون جهدا في ضلال فلا يكون فيه خيرا أبدا.
ومع هذا لَا يعتقد أنه ضلال بل يحسبه رشادا، ولذا قال: (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يحْسِنُونَ صُنْعًا)، أي أنهم بضلال الفعل وضلال الفكر، يفعلون الشر، ويظنون أنهم يفعلون الخير فانقلب تفكيرهم فحسب الشر خيرا، وذلك أشد
стр. 6627
الضلال إذ يطغى الضلال على تفكيرهم، فينشئه بالباطل ويحسب الباطل حقا، والحق باطلا، وهذا أشد الضلال ويحسبون، أي يظنون أن ما يفعلونه هو الحسن، و (صُنْعًا) حال من فاعل (يَحْسَبُونَ) وهي حال مؤكدة لحسن ما يفعلون بزعمهم.
وإن هذا النص ينطبق على المشركين، لأنهم يعبدون الأوثان وَيحسبون أن عبادتها صنعُ حُسْنَى إذ يتوهمون فيها قُوى تَعبُّد، ويرون الخير في أتباع آبائهم، وينطبق على رهبان النصارى إذ ينقطعون للعبادة في زعمهم ولا يقيمون للحياة أي اعتبار، وقيل إنها تنطبق على الخوارج الذين كانوا يستبيحون دماء المؤمنين، ولكن قوله تعالى:
стр. 6628
(أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ ... (١٠٥) وإن الخوارج لَا ينطبق عليهم أنهم كفروا بربهم، لأنهم يؤمنون بربهم ولكن ضلوا مع إخوانهم المؤمنين، ولقد قال فيهم عليٌّ: لَا تقاتلوهم بعدي، فإن من طلب الحق فأخطأ ليس كمن طلب الباطل فأصابه ".
ولقد قال بعد ذلك في وصف الأخسرين:
(أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)
إن فساد الفكر يؤدي إلى الكفر، فهؤلاء الذين ضل فكرهم حتى ضلت أعمالهم، وزين لهم سوء أعمالهم فرأوه حسنا، هؤلاء هم الذين دفعهم غرورهم إلى أن يكذبوا بآيات ربهم الدالة على أنه الخالق الواحد القهار، المعبود بحق، ولا معبود سواه، وكذبوا بآيات ربهم الدالة على رسالة رسوله النبي الأكرم، وذلك لفرط ضلال فكرهم الذي جعلهم يعتقدون الباطل حقا، ويزعمون الحق باطلا. والإشارة إلى الموصوفين يفيد أن هذه الصفات هي السبب في الكفر بالآيات وكفروا بسبب غرورهم بالدنيا بلقاء اللَّه تعالى.
стр. 6629
(ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)
الإشارة إلى غرورهم وكفرهم بآيات ربهم ولقائه، وهو مبتدأ خبره محذوف، والمعنى ذلك حالهم، وأمرهم ثم ذكر سبحانه بعد ذلك جزاءهم فقال (فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا)، ثم ذكر سبحانه السبب وهو قوله (بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا) فهم ظلموا مرتين:
الأولى - بكفرهم واتخاذهم الأنداد من الأحجار.
الثانية - ظلمهم للحق وأهله ودعاته، فظلموا آيات اللَّه وكفروا واتخذوها ورسل الله هزوا وسخرية، وذلك إيغال في الكفر والضلال.
بعد ذلك ذكر حال المؤمنين يوم القيامة.
* * *
حال المؤمنين
قال اللَّه تعالى:
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨) قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)
* * *
ذكر حال الكافرين يوم القيامة وكيف كان ضلالهم في الدنيا مُرديا لهم، وأوداهم في نار جهنم، وذكر من بعد حال المؤمنين الذي صلحوا في أنفسهم فآمنوا وعملوا الصالحات فنالوا جزاءهم في الآخرة، ذكر الموصول للإشارة
стр. 6630
إلى أن الصلة هي السبب في الجزاء، فالإيمان والعمل الصالح هما سبب الجزاء العظيم؛ إذ الإيمان لتطهير القلب وعزيمة النفس، والبعد عن كل أدران الشرك، والعمل الصالح يتضمن القيام بكل ما أمر اللَّه به، والانتهاء عن كل ما نهى اللَّه تعالى عنه، لَا فرق بين صغيرة وكبيرة إلا اللمم، فإن اللَّه تعالى يغفره رحمة بعبادة، ويتضمن أيضا القيام بكل عمل صالح فيه نفع للإنسان، ويتضمن الفضائل الإنسانية التي يكمل بها الإنسان.
والجزاء ذكره تعالى يقول:
стр. 6631
(كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا)، اللام للاختصاص، أي أنهم مختصون بها، وهي لهم كما لمالك في مالك وذلك يدل على تأكيد الجزاء. و (الْفِرْدَوْسِ) لفظ غير عربي يراد به الحدائق الغنَّاء، وفردوس الجنة أعلاها مكانا، وأوسطها شأنا، وجمعها للدلالة على كثرة فضلها، وتنوع خيرها وتعدده، و (نزلًا)، أي إقامة ثابتة ينزلون فيها راضين بطيب الإقامة وهدوء المثوى. وأنها إقامة هادئة طيبة، وهي مساكن، ومعنى ثابتة دائمة مستمرة؛ ولذا قال تعالى:
стр. 6632
(خَالِدِينَ فِيهَا ... (١٠٨) أي مقيمينِ فيها إقامة دائمة، ولا يجدون أفضل منها ينتقلون إليه؛ ولذا قال تعالى: (لا يبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا)، أي لَا يطلبون مريدين مبتغين عنها تحوُّلا وانتقاء، فهم ينعمون فيها بنعمة الدوام والبقاء وعدم الإزعاج بالانتقال منها، والنعمة الثانية بلوغ الغاية في الراحة والاطمئنان فلا يبغون حولا، بل ينعمون فيها بنعمة الرضا بها، وأنهم لَا يجدون خيرا منها.
وإن هذا من فضل اللَّه، وهو تقديره وعلمه المحيط، وقد وسع كل شيء علما، فهو شامل الوجود كله؛ ولذا قال تعالى:
стр. 6633
(قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)
الخطاب في (قُل) للنبي ﷺ وهو يتضمن أمر اللَّه تعالى لنبيه بأن يعلمهم إحاطة علم اللَّه تعالى بكل شيء ولا يغيب عن علمه مثقال ذرة في السماء والأرض، و (كلمات اللَّه تعالى) هي تصوير لعلمه الذي لَا يحصى ولا يحد، فهذه الآية أمر للنبي ﷺ بأن يصور علمه بأنه غير متناه، فلا يحده حد، فالكلمات
стр. 6634
لا تحده، ولا تحيط به، ومهما يكن مداد الكلمات ولو كانت المداد ماء البحر، و (ال) للجنس والاستغراق، أي أن البحار كلها (مِدَادًا) وهو ما يكتب به (لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي)، كقوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، وإن هذا تصوير مقرِّب لعلم اللَّه الذي أحاط بكل شيء علما. فلو كان علم اللَّه يُدوَّن في مكتوب ما وجد مدادا الذي يدون كلماته، فلو كان البحر مدادا لكلماته سبحانه لنفد البحر وما انتهت كلمات اللَّه تعالى، وهذا تصوير وتقريب، وفيه تشبيه بمفردات معلومات اللَّه بالكلمات، وأنها لَا تنتهي أبدا.
وهنا أمور بيانية يجب التنبيه إليها:
الأمر الأول - ذكر كلمات اللَّه تعالى مضافة إلى ربه مرتين، وذلك بيان لشرفها وعلوها، لأن علمه كامل.
الأمر الثاني - المقابلة البيانية في قوله تعالى: (لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي)، فإن كلمات اللَّه لَا تنتهي، ولكن عبر عن ذلك بالنفاد من قبيل الجناس في قوله تعالى لنفد البحر.
الأمر الثالث - أنه أظهر في موضع الإضمار فقد قال تعالى: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا).
فذكر البحر ظاهرا، وموضعه الإضمار لتأكيد سعة كلمات اللَّه تعالى؛ ولذا قال: (وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) يمده كما يمد الجيش بالجنود، هذا ما بدر لنا وما بدى بادي الرأي، ولكن وجدنا قراءة أخرى " مدادا " ويكون المعنى الذي تتلاقى معه القراءات، وهو أن المعنى، ولو جئنا بمثله مدادا، أي لو كان مثله حجما، ويصح مع ذلك أن يكون لكل من القراءتين معنى فتكون القراءة الأولى تشير إلى أن البحر الزيادة معين للبحر الأول زائد له، والثانية تفيد المماثلة، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 6635
وذكرت هذه الآية التي تفيد علم غير المنتهي، بل إنه أحاط بكل شيء ومفردات معلوماته لَا تتناهى لبيان كمال قدرته، والعلم والقدرة والإرادة صفات كمال في الخلق والتكوين يصاحب بعضها بعضا، وإنه بها وغيرها من صفات الكمال تستحق العبادة؛ ولذا جاء بعدها قوله تعالى:
стр. 6636
(قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)
الأمر بالقول للنبي ﷺ لأنه جزء من تبليغ رسالة ربه، و (إِنَّمَا) أداة قصر أي أنه ﷺ مقصور على البشرية وإنما يوحى إليه، فهو بشر ولا يتجاوز أنه بشر ولكن اختص من بينهم بأنه يوحى إليه فليس واحدا من الملائكة، والموحى به أن (إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ)، فهو إعلام من اللَّه تعالى بمن هو الإله حقا، فهو اللَّه تعالى، ولا إله غيره، وإنه قد قامت مع هذا الوحي الصادق الذي قامت الدلائل على صدقه، وهو مؤيد بالآيات في الكون فإن الكون بما فيه من سماء وأرض، وكواكب هي زينة السماء وزروع وثمار ومعادن وكنوز، فيها الآيات البينات على أن الخالق واحد.
وإن الناس في تلقي هذه الرسالة من عند الله تعالى قسمان:
القسم الأول - يؤمن بالغيب، ولا يأسره الحس وتستغرقه المادة.
والقسم الثاني - استغرقته المادة، حتى لَا يؤمن إلا بما هو مادي حسي، والأول هو الذي يرجو لقاء ربه وهو الذي ينادي بفعل الخير، والإيمان بالحق؛ ولذا قال تعالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) وقال: (فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ)، أي يستيقن بلقاء ربه، وعبر بالرجاء بدل اليقين، لأنه يفيد اليقين مع تمني اللقاء والرغبة فيه وطلبه بالعمل؛ ولذا كان جواب الشرط (فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)؛ لأنه إذا كان يرجو اللَّه
стр. 6637
ولقاءه فهو لَا يعبد غيره، لأنه أخذ بالرسالة وآمن بها، والشرك في العبادة أن يجعلها للَّه وحده، فلا يشرك في العبادة وثنا ولا شخصا. وهناك شرك في العبادة بأن يعبد يرائي الناس، وقد قال ﷺ : " من صلى يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك " (١)، وهذا هو الشرك الخفي والشرك الأصغر، وقد قال الزمخشري عند تفسير هذه الآية: والمراد بالنهي عن الإشراك في العبادة ألا يرائي بعمله، وألا يبتغي إلا وجه اللَّه تعالى خالصا لَا يخلط به غيره، وقيل نزلت في جندب بن زهير قال للنبي ﷺ : إني أعمل العمل لِلَّهِ تعالى فإذا أطلع عليه سرني، فقال: " إن الله لَا يقبل ما شورك فيه "، وروي أنه قال: " لك أجران أجر السر وأجر العلانية "، وذلك إذا قصد أن يقتدى به، وعنه ﷺ : " اتقوا الشرك الأصغر "، قالوا: وما الشرك الأصغر؟، قال: " الرياء ".
* * *
стр. 6638
(سُورَةُ مَرْيَمَ)
تمهيد:
هذه السورة مكية، وقيل أن آيتي ٥٨، ٧١ مدنيتان، وعدد آياتها ثمان وتسعون آية. وقد ابتدأت هذه السورة الكريمة بذكر معجزات خارقة للعادة في الوجود الإنساني، ذلك أن الفلسفة الأيونية كانت قائمة على أن الأسباب وعلاقتها بالمسببات لَا تخالف قط حتى بنوا نظرية الألوهية على العِلِّيَّة، وقالوا: إن العالم نشأ عن اللَّه تعالى نشوء العلة من المعلول مَن غير إرادة من الفاعل المختار، فجاءت السورة في كثير من آياتها بما هو خرق لهذه النظرية. إن من أسباب الخلق أن الشيخ الكبير لَا ينجب وأن المرأة العاقر لَا تلد فإذا أنجب الرجل الهرم من عجوز عاقر، فذلك خرق لنظرية الأسباب، إذ يوجد الولد من عاقر عجوز لَا تنجب ومن شيخ هرم لَا ينسل.
وقد ابتدأت السورة الكريمة بذكر نبي اللَّه زكريا (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦).
واللَّه تعالى يجيب دعاءه فيقول سبحانه له: (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)
ولكن تأثره بمجرى الأسباب العادية يثير استغرابه فيقول: (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩).
ولكن الاستغراب لَا يزال يتردد في نفسه فيقول: (قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠).
стр. 6639
أعطاه ولدا من امرأة عاقر، وكان ذلك خرقا للأب في عصر الأسباب، وقد وهبه اللَّه تعالى حبا وحنانا، وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا.
ثم جاء بالمعجزة الكبرى الخارقة لجرد الأسباب والمسببات وبيان أنها لَا تلزم الفاعل المختار وهي خلق عيسى من غير أب من عذراء بتول فقال تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) ونزل إليها روح القدسِ جبريل ﵇ الذي شرفه اللَّه تعالى بأن أضافه إليه.
(فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١).
جاءها المخاض وألجأها إلى جذع النخلة، وجاءت الخوارق للعادة متوالية تعلن خرق نظرية الأسباب والمسببات، فتهز جذع النخلة فتساقط رطبا جنيا والماء يجري من تحتها (فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)
ولكنهم يجابهونها بما كانت تخشى يقولون: (يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)، ولكن يجيء سر خارق للعادة يشير له الجميع، وهو أن يتكلم من هو في المهد بالحكمة، (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣).
كان عيسى ابن مريم ﵇ معجزة في الحمل به وفي ولادته وفي طفولته في المهد وهو مخلوق عبد لِلَّهِ تعالى، وإذا كان وجوده على غير مجرى العادات فهو بخلقه أدل على قدرة اللَّه تعالى من غيره وإذا عبده النصارى فمن جهلهم (مَا كانَ
стр. 6640
أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥).
ولكن من بعده اختلفت الفرق على نِحَلٍ متباينة فويل لهم من مشهد يوم عظيم (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٨) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩).
ويجيء في السورة أخبار الأنبياء السابقين وما اقترن برسالاتهم من معجزات وما جاءوا به من شرائع، فابتدأ بقصة أبي العرب إبرهيم ﵇، وفيها تتجلى محبة الأبناء للآباء فيريد لمحبته أباه أن يجنبه عبادة الأوثان ويدعوه إلى تركها فيقول:
(يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥)
ويرده أبوه ردا جافيا فيضطر لاعتزاله وقلبه معلق بمحبته وطلبه الهداية له، ويذهب به فرط محبته إلى أن يستغفر له ويقول: (سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا)، وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا).
ثم ذكرت قصة موسى وكيف وهب اللَّه من رحمته معه أخاه هارون نبيا، ثم ذكر أخبار إسماعيل ﵇ منفردا عن أولاد إبراهيم ﵇، وفي هذا إشارة إلى أنه عمود نسب متفرع من إبراهيم ﵇ وأنه سيكون منه محمد خاتم النبيين (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤)
وترجع السورة في التاريخ فتشير إلى إدريس ﵇ (إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا)، ويشير سبحانه إلى النبيين أجمعين: (أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨).
وقد أشار سبحانه إلى أن الخلاف جعل منهم الصالحين، والذين أضاعوا الصلاة (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠)
وتفصل السورة الكريمة جزاء المتقين وعقاب الكافرين في بيان معجز ككل آيات القرآن وسوره.
ويبين مقالة الكافرينِ (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥).
وختم السورة الكريمة ببيان المؤمنين، وما كتب لهم من جزاء يوم القيامة، فقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨).
وهكذا نجد السورة ابتدأت بأن حكمة اللَّه تعالى اقتضت أن يخلق يحيى ﵇ من شيخ هرم امرأته عاقر، ويخالف بذلك الأسباب والمسببات، ثم يأتي سبحانه بخلق عيسى ﵇ من غير أب ليكون وجوده ﵇ معجزة، وهو عبد من عباد اللَّه ويختمها بالمعجزة الكبرى وهو القرآن، (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بلسَانكَ لتُبَشِّرَ به الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا).
* * *
معاني السورة الكريمة
قال اللَّه تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)
стр. 6643
يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١) يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)
* * *
هذا عصر كثرت فيه خوارق العادات، لأنها كانت تصحيحا للعقول. وإزالة لفكرة خاطئة وقعت فيها الفلسفة التي كانت سائدة في هذا العصر، وهي نظام الأسباب العادية، وترتيب مسبباتها عليها، وأنه هو النظام المطرد المستقر الذي لا يمكن تغييره، وهو النظام الوجود، حتى زعموا أن اللَّه خلقت عنه الأشياء، منفعلة بالعِلِّية، وأنه ليس باختيار من اللَّه تعالى وإرادة، فكل ما في الوجود، جاء منفعلا عن علة وهو علَّة لغيره، حتى يتوالى كله بنظام العِلِّية، فالأب عِلَّة لوجود ابنه، إذا كان قويا والأم علَّة لوجود ولدها إذا كانت سليمة قوية ليست عاقرا.
وكان لَا بد لتصحيح هذه الفلسفة ولبيان بطلانها أن تكون أشياء بغير أسبابها التي استقرت أفهامهم على أنها أسباب طبيعية لها، وفي هذه السورة الكريمة كان
стр. 6644
أمران فيهما نقض لنظام الأسباب والمسببات يدل على أن الوجود خلق بإرادة مختار، وأن اللَّه تعالى فعال لما يريد:
الأمر الأول: ولادة عاقر وزوجها بلغ من الكبر عتيا.
والأمر الثاني: ولادة ولد من غير أب وإذا كانت الأولى فيها الولادة من أم غير صالحة للإنجاب، فالثانية ولادة من أم لم يثبت عدم صلاحيتها للإنجاب ولكن من غير أب مطلقا صالحا للإنجاب أو غير صالح.
стр. 6645
(كهيعص).
قلنا في الحروف التي تبدأ بها بعض السور: إن معناها قد اختص به علم اللَّه تعالى، ولنا أن نتعرف الحكمة في ابتداء بعض السور بها، وأشرنا إلى أنها تنبه لإعجاز القرآن، وأنه مؤلف من الحروف التي يتألف منها كلامكم ومع ذلك عجزتم أن تأتوا بمثلها، وأنها تنبه الأذهان للاستماع، وقد كان المشركون تعاهدوا على ألا يسمعوا لهذا القرآن ويلغوا فيه: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ)، فإذا تليت عليهم تلك الحروف بغنِّها ومدها نبهتهم فيستمعون إليها، تهجم عليهم الآيات المفهومة المدركة، فيستمعون إليها راغمين غير مختارين وهي أسماء للسور، وذكر للكتاب.
стр. 6646
(ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢)
(ذِكْرُ) خبر (كهيعص) وهذا يشير إلى أنها الكتاب أو بعضه، و (عَبْدَهُ) منصوبة بالرحمة؛ لأن الرحمة مصدر بمعنى المرة من الرَّحْم، ويصح أن يجعل مفعولا لـ (ذِكْرُ)، على أن تكون إضافة الذكر إلى الرحمة من إضافة المصدر لفاعله، وإنا نرى أن ذلك بعيد ويحتاج إلى تأويل، وما لَا تحتاج لتأويل أولى مما يحتاج لتأويل.
وإن ذلك الذكر لهذه الرحمة في وقت نادى ربه بها، ولذا قال تعالى:
(إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣)
стр. 6647
أي دعاه دعاء الضارع الخاضع المتوكل، الذي لَا يرجو إلا ربه، وعبر بالنداء لأنه طلب منه، التجأ فيه إليه، وهو طلب لشخصه ولأسرته، وقد كان هذا الطلب في ذاته دعاء وعبادة، كما قال تعالى: (. . . ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ. . .)، ودعاه في خفاء، ولذا قال سبحانه: (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا)، و (خَفِيًّا) صفة مبالغة من خفي، أي أنه بالغ في إخفاء دعائه فلا يعلمه قومه، ولأنه مناجاة للَّه وضراعة إليه وهو لَا يلتجى إلا إليه وحده: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ... ). وقال تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥).
وفى هذا إشارة إلى أن الدعاء تضرع وفي الجهر به اعتداء؛ لأنه يكون فيه دعوة لغير اللَّه وشكوى للناس من ربه.
وموضوع النداء، بينه بقوله تعالى عنه.
стр. 6648
(قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥)
(وَهَنَ الْعَظْمُ)، أي ضعف، ووهن العظم دليل على وهن الجسم كله؛ لأنه عمود الدين وبه قوامه، وهو أصل بنائه، فإذا وهن تداعى وتساقط سائر قوته؛ ولأنه أشد ما فيه وأصلبه، فإذا وهن كان ما وراءه أوهن منه، كذا قال القرطبي في تفسيره (١).
ذكر أولا ما دل على الضعف الحقيقي، ثم ذكر ما يدل ظاهرا على الضعف، وهو أنه يعلوه الشيب فقال: (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ) الاشتعال الانتشار، و (شَيْبًا) تمييز محول عن الفاعل، والمعنى اشتعل شيب الرأس، أي انتشر الشيب فيه، والاشتعال مع أنه بمعنى الانتشار إلا أنه غلب على انتشار النار.
وهنا نجد ثمة استعارة، فقد شبه انتشار بياض الشيب باشتعال النار، إذ يكون الشيب عند انتشاره لامعا كوهج النار، ولأن فيه إفناء الشعر الأسود، كما تحرق
стр. 6649
النار ما يكون حطبها، ولأنه أمارة الفناء للعمر كما تفنى النار ما تحرقه، وأسند الشيب إلى الرأس مع أنه يكون في الشعر من قبيل اسم المحال وإرادة الحالّ، إذ جلد الرأس هو منبت الشعر ويكون فيه، وإن في هذا النص من البلاغ ما يليق بالقرآن الكريم أبلغ القول في الإنسانية كلها، إذ هو كلام اللَّه تعالى الذي لَا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فإن نسبة الاشتعال إلى الرأس ما يثير الاهتمام فيحاول العقل تعرف اشتعال الرأس فيجيء التمييز (شَيْبًا) بما يفيد اشتعال الشعر، ولم يذكر الشعر بل اكتفى بذكر محله.
وقال اللَّه تعالى عن زكريا: (وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا) في هذه الجملة السامية الدلالة على رجائه من اللَّه تعالى، وفيها ذاتها ضراعة، وعبر هنا بالدعاء، وفى الأولى بالنداء للدلالة على أن النداء استغاثة وتلهف ورجاء، ودعاء وعبادة وتقى، وذكر (رَبِّ) في هذه لبيان أن نعمه موصولة دائما منذ خلقه إلى أن يبعثه نبيا، و (شَقِيًّا) بالأمر إذا تعب فيه ولم ينل ثمرته، أو طرد من خير، والمعنى لم أكن منذ خلقتني بدعائك محروما متعبا، بل كانت نعمة واستجابة دعائي قائمة دائمة موصولة، وفي نفي الشقاء في الدعاء ماضيا تأكيد للرجاء قابلا، وأن ذلك من طرائق الاستجابة والرغبة فيها، وإن ذكر النعمة الماضية شكر لها وإيذان لشكر فاعله.
وصرح بموضوع الدعاء فقال:
стр. 6650
(وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥)
هذه الجملة حالية، والواو واو الحال، والمعنى أنه في الحال الذي وهن العظم واشتعل الرأس شيبا ودنا الموت (خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا)، والموالي هم الحواشي والعصبات من قرابته، وسموا موالي؛ لأنهم الذين يلونه على ما يترك من علم ونبوة والأموال التي تورث من بعده، وقوله: (مِن وَرَائِي)، إما أن يتعلق بالموالي ويكون ظاهر القول إني خفت الموالي الذين يجيئون من ورائي، وإما أن يتعلق بـ (خِفْتُ) ويكون ظاهر المعنى: إني خفت من بعد موتي الموالي الذين يجيئون، والمؤدى في التقديرين واحد. ولماذا
стр. 6651
خاف الموالي؟ قيل: لأنهم لم يكونوا أمناء على تركته من بعده إذ كانوا عصاة مسرفين، أو لأنهم قلة، وعلى هذا قرئت (خَفَّت) بفتح الخاء وتشديد الفاء وسكون التاء ويكون طلب الولد لينضم إليه، وقد ورد هنا اعتراضان:
الاعتراض الأول: أنه ورد في الأثر: " إننا معشر الأنبياء لَا نورث " (١).
الاعتراض الثاني: أنه إذ يطلب الولد يرثه إنما يعترض على تقسيم اللَّه تعالى للميراث ويستكثر على الموالي ما يأخذوه.
والجواب عن الاعتراض الأول: أن هذا الأثر كان بالنسبة للنبي، وإلا فقد ورث سليمان داود ﵉ أو على أنه غالب أمرهم، أو على أن الوراثة هي وراثة العلم والنبوة ولكن ذلك بعيد.
وأما الجواب عن الاعتراض الثاني: فهو أنه لَا مضارة في الوراثة، وإنما أراد أن يضم إليهم في تحمل أعباء العلم الذي حمله زكريا، ويؤيد ذلك قراءة خَفَّت بفتحِ الخاء وتشديد الفاء، والمرأة العاقر التي لَا تلد، وقوله: (وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا)، أي ثبت عقرها ودوامه يدل عليه التعبير بـ " كان " الدالة على الدوام والاستمرار، أي أنه لَا أصل له في الولادة لكبره وعقمها، ولكن رجاؤه من اللَّه تعالى مسبب الأسباب، ولذا قال متجها إليه؛ لأنه فوق الأسباب الظاهرة (فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا) " الفاء " لبيان ترتيب ما بعدها على مع ما قبلها، فهو مترتب على رجائه في اللَّه تعالى، وترك الرجاء من جهة الأسباب العادية وكان التعبير بـ " هب "، أي أنه هبة مجردة من فضلك وإرادتك أنت الفاعل المختار، وكان قوله (مِن لَّدُنكَ) تأكيد بأنه من قِبَل الله تعالى لَا دخل للأسباب العادية فيه، بل إنه خرق لهذه الأسباب.
(وَلِيًّا)، أي يليني ويخلفني في مالي وما أوتيت من علم وحكم وحكمة.
стр. 6652
ثم قال تعالى في بيان معنى الولاية:
стр. 6653
(يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)
الوراثة مترتبة على أنه ولي أو هو معنى ولايته عنه، ولذا انفصلت عن الجملة السامية السابقة؛ لأنها مترتبة عليها أو لأنها بمنزلة السبب، وهذه بمنزلة المسبب، وما الموروث؟ قالوا: إن الوراثة تكون وراثة في الجسم والعقل والغرائز والصفات الفطرية وبعض المكتسبة؛ كي تكون الوراثة في المال والعلم والحكمة والسجايا الفطرية، وقد نفى بعض العلماء الوراثة لقول النبي ﷺ : " نحن معشر الأنبياء لَا نورث " (١) ولكن الأكثر على أن الوراثة في المال بالنسبة لزكريا ﵇ هي ثابتة، ولعل ما ذكره النبي ﷺ غالب ما عليه الأنبياء أو خاص بالمرسلين أصحاب الشرائع منهم كموسى وعيسى ونوح وإبراهيم ﵈ وإلى هذا نميل؛ لأنه من المؤكد أنه ورث سليمان داود بنص القرآن الكريم.
وقوله تعالى: (وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)، (مِنْ) هنا تدل على الابتداء، أي يرث ميراثا من آل يعقوب.
هذا هو الطلب الأول الذي دعا ربه ضارعا إليه، أما الطلب الثاني فهو أنه خصه بأن يكون مرضيا، أي تكون سجاياه وأعماله وأخلاقه مرضية مستقيمة، ولذا قال تعالى: (وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا)، (رَضِيًّا) هنا فعيل بمعنى مفعول، أي اجعله مرضيا عندك، أي أن أخلاقه وأفعاله وصفاته المكتسبة موضع رضا منك، ولم يقل: وكن راضيا عنه، لأنه يطلب ما يطلب في خلق الولي وتكوينه، أي اجعله في تكوينه محاولا رضاك، وأن ترضى عنه، بحيث يتخذ الأسباب لينال رضاك أنت العليم الحكيم فلا يكون شقيا، ولا يكون عصيا بل يكون رضيا برا تقيا.
وإن الدعاء صادر من قلب خاشع ضارع، ولذا استجاب سبحانه وكان الخارق للعادة فقال تعالى:
стр. 6654
(يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)
ابتدأ الإجابة بندائه باسمه إدناء، وعناية وإظهار الحبة واختصاصه، وتمكينا لإجابته في ندائه الضارع، وأردف ذلك النداء المقرِّب بقوله: (إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ)، (نُبَشِّرُكَ) أضاف سبحانه التبشير إلى ذاته العلية ذاكرا بضمير المتكلم العظيم فوق كل عظمة الذي لَا يتقيد بأسباب الناس وعاداتهم، بل إنه الفعال لما يريد (بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى)، وتأكيدا للتبشير سماه اللَّه تعالى، فسماه يحيى، ولهذا الاسم مناسبة واضحة بالنسبة لأبويه، فأبوه شيخ فان، وكأنما رد إليه شبابه في حياة ولده فكان له إحياء، وأمه عاقر، كأنما خلق اللَّه تعالى الحياة في رحم جف فلم يربّ جنينا، فكان منه الولد، وذلك بلا ريب خرق للأسباب والمسببات العادية التي فرضها فأسفة اليونان الذين قارنوا ظهور المسيح ﵇ ومريم أمه، وزكريا كافلها، و (لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا)، أي شبيها في خلاله وسجاياه، فقد كان حصورا من الصالحين وليس له سمي، فالتسمية من اللَّه، وقد سبق يحيى بها كل الأسماء التي سمي بها الرجال.
وهنا نجد نبي اللَّه زكريا، وقد وقف بين حالين: حال الإيمان باللَّه خالق الأسباب والمسببات الذي لَا تقيد إرادته عادة ولا سبب أي سبب، والحال التي تسود الناس، وهي سيطرة الأسباب والمسببات العادية على تفكيرهم، فبالأولى طلب ما طلب عالما أن اللَّه تعالى فوق الأسباب والمسببات، وبالثانية ثار عجبه؛ ولذا قال تعالى عنه:
стр. 6655
(قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)
الاستفهام ليس للاستنكار؛ فكيف يستنكر نبي قدرة اللَّه تعالى على الأشياء من غير وسائط وأسباب، وهو خالق الوسائط والأسباب، وإنما كان هذا السؤال للتنبيه إلى موضع الغرابة، وليؤمن من لم يكن آمن بقدرة اللَّه تعالى، وأنه لا