← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 6651–6690 · переход к 6656.

стр. 6651

خاف الموالي؟ قيل: لأنهم لم يكونوا أمناء على تركته من بعده إذ كانوا عصاة مسرفين، أو لأنهم قلة، وعلى هذا قرئت (خَفَّت) بفتح الخاء وتشديد الفاء وسكون التاء ويكون طلب الولد لينضم إليه، وقد ورد هنا اعتراضان: الاعتراض الأول: أنه ورد في الأثر: " إننا معشر الأنبياء لَا نورث " (١). الاعتراض الثاني: أنه إذ يطلب الولد يرثه إنما يعترض على تقسيم اللَّه تعالى للميراث ويستكثر على الموالي ما يأخذوه. والجواب عن الاعتراض الأول: أن هذا الأثر كان بالنسبة للنبي، وإلا فقد ورث سليمان داود ﵉ أو على أنه غالب أمرهم، أو على أن الوراثة هي وراثة العلم والنبوة ولكن ذلك بعيد. وأما الجواب عن الاعتراض الثاني: فهو أنه لَا مضارة في الوراثة، وإنما أراد أن يضم إليهم في تحمل أعباء العلم الذي حمله زكريا، ويؤيد ذلك قراءة خَفَّت بفتحِ الخاء وتشديد الفاء، والمرأة العاقر التي لَا تلد، وقوله: (وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا)، أي ثبت عقرها ودوامه يدل عليه التعبير بـ " كان " الدالة على الدوام والاستمرار، أي أنه لَا أصل له في الولادة لكبره وعقمها، ولكن رجاؤه من اللَّه تعالى مسبب الأسباب، ولذا قال متجها إليه؛ لأنه فوق الأسباب الظاهرة (فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا) " الفاء " لبيان ترتيب ما بعدها على مع ما قبلها، فهو مترتب على رجائه في اللَّه تعالى، وترك الرجاء من جهة الأسباب العادية وكان التعبير بـ " هب "، أي أنه هبة مجردة من فضلك وإرادتك أنت الفاعل المختار، وكان قوله (مِن لَّدُنكَ) تأكيد بأنه من قِبَل الله تعالى لَا دخل للأسباب العادية فيه، بل إنه خرق لهذه الأسباب. (وَلِيًّا)، أي يليني ويخلفني في مالي وما أوتيت من علم وحكم وحكمة.

стр. 6652

ثم قال تعالى في بيان معنى الولاية:

стр. 6653

(يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦) الوراثة مترتبة على أنه ولي أو هو معنى ولايته عنه، ولذا انفصلت عن الجملة السامية السابقة؛ لأنها مترتبة عليها أو لأنها بمنزلة السبب، وهذه بمنزلة المسبب، وما الموروث؟ قالوا: إن الوراثة تكون وراثة في الجسم والعقل والغرائز والصفات الفطرية وبعض المكتسبة؛ كي تكون الوراثة في المال والعلم والحكمة والسجايا الفطرية، وقد نفى بعض العلماء الوراثة لقول النبي ﷺ : " نحن معشر الأنبياء لَا نورث " (١) ولكن الأكثر على أن الوراثة في المال بالنسبة لزكريا ﵇ هي ثابتة، ولعل ما ذكره النبي ﷺ غالب ما عليه الأنبياء أو خاص بالمرسلين أصحاب الشرائع منهم كموسى وعيسى ونوح وإبراهيم ﵈ وإلى هذا نميل؛ لأنه من المؤكد أنه ورث سليمان داود بنص القرآن الكريم. وقوله تعالى: (وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)، (مِنْ) هنا تدل على الابتداء، أي يرث ميراثا من آل يعقوب. هذا هو الطلب الأول الذي دعا ربه ضارعا إليه، أما الطلب الثاني فهو أنه خصه بأن يكون مرضيا، أي تكون سجاياه وأعماله وأخلاقه مرضية مستقيمة، ولذا قال تعالى: (وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا)، (رَضِيًّا) هنا فعيل بمعنى مفعول، أي اجعله مرضيا عندك، أي أن أخلاقه وأفعاله وصفاته المكتسبة موضع رضا منك، ولم يقل: وكن راضيا عنه، لأنه يطلب ما يطلب في خلق الولي وتكوينه، أي اجعله في تكوينه محاولا رضاك، وأن ترضى عنه، بحيث يتخذ الأسباب لينال رضاك أنت العليم الحكيم فلا يكون شقيا، ولا يكون عصيا بل يكون رضيا برا تقيا. وإن الدعاء صادر من قلب خاشع ضارع، ولذا استجاب سبحانه وكان الخارق للعادة فقال تعالى:

стр. 6654

(يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧) ابتدأ الإجابة بندائه باسمه إدناء، وعناية وإظهار الحبة واختصاصه، وتمكينا لإجابته في ندائه الضارع، وأردف ذلك النداء المقرِّب بقوله: (إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ)، (نُبَشِّرُكَ) أضاف سبحانه التبشير إلى ذاته العلية ذاكرا بضمير المتكلم العظيم فوق كل عظمة الذي لَا يتقيد بأسباب الناس وعاداتهم، بل إنه الفعال لما يريد (بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى)، وتأكيدا للتبشير سماه اللَّه تعالى، فسماه يحيى، ولهذا الاسم مناسبة واضحة بالنسبة لأبويه، فأبوه شيخ فان، وكأنما رد إليه شبابه في حياة ولده فكان له إحياء، وأمه عاقر، كأنما خلق اللَّه تعالى الحياة في رحم جف فلم يربّ جنينا، فكان منه الولد، وذلك بلا ريب خرق للأسباب والمسببات العادية التي فرضها فأسفة اليونان الذين قارنوا ظهور المسيح ﵇ ومريم أمه، وزكريا كافلها، و (لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا)، أي شبيها في خلاله وسجاياه، فقد كان حصورا من الصالحين وليس له سمي، فالتسمية من اللَّه، وقد سبق يحيى بها كل الأسماء التي سمي بها الرجال. وهنا نجد نبي اللَّه زكريا، وقد وقف بين حالين: حال الإيمان باللَّه خالق الأسباب والمسببات الذي لَا تقيد إرادته عادة ولا سبب أي سبب، والحال التي تسود الناس، وهي سيطرة الأسباب والمسببات العادية على تفكيرهم، فبالأولى طلب ما طلب عالما أن اللَّه تعالى فوق الأسباب والمسببات، وبالثانية ثار عجبه؛ ولذا قال تعالى عنه:

стр. 6655

(قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) الاستفهام ليس للاستنكار؛ فكيف يستنكر نبي قدرة اللَّه تعالى على الأشياء من غير وسائط وأسباب، وهو خالق الوسائط والأسباب، وإنما كان هذا السؤال للتنبيه إلى موضع الغرابة، وليؤمن من لم يكن آمن بقدرة اللَّه تعالى، وأنه لا

стр. 6656

يحتاج في خلقه إلى وسائط وليسمع الناس بيان اللَّه تعالى أنه هين عليه، وأنه ليس بغريب من اللَّه تعالى، فقد خلق الإنسان ولم يك شيئا، وأن اللَّه تعالى غني عن الوسائط والأسباب، وشكرا لنعمة اللَّه في إجابة الدعاء فقد أجاب سبحانه مع ظهور ما يبعد الإجابة، ولكن ليس على اللَّه ببعيد. وموضع البعد أنه شيخ فانٍ قد تصلبت عظامه وصار كالحطام الذي لَا تجري فيه الحياة، فقد بلغ من الكبر عتيا، وامرأته عاقر لم تنجب ولم يكن من شأن أمثالها في العادة أن تنجب، وقوله: (وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا)، أي بلغت من كبر السن حدا صرت فيه صلب العظام معروق اللحم، وقد قال الزمخشري في معنى كلمة (عتي) واشتقاقها: " أى بلغت عتيا وهو اليبس والجساوة في المفاصل والعظام كالعود القاحل، ويقال: عتا العود من أجل الكبر والطعن في السن العالية، أو بلغت من مدارح الكبر ومراتبه ما يسمى عتيا " اهـ (١). وأصل عتي عتوو. كسر ما قبل الواو الأولى فقلبت ثم اجتمعت الواو والياء وكانت إحداهما ساكنة فقلبت ياء وأدغمت الياء في الياء، وقرئت (عِتِيًّا) بكسر العين وبضمها (٢). أجاب اللَّه تعالى زكريا بقوله:

стр. 6657

(قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩) (كَذَلِكَ) خبر لمبتدأ محذوف تقديره مثلا الأمر كذلك، وقائل هذا هو الملك الذي تولى الوحي بين زكريا وربه، أي قال الملك: الأمر كذلك، فقد قدره اللَّه تعالى، وأحكم ما قدر، ثم نقل عن اللَّه تعالى قوله: (قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) وعبر بـ (رَبُّكَ) للإشارة إلى أنه خالقه ومربيه والقائم على كل أموره، وأنه لا غرابة في أن يكون هذا من الحي القيوم (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ)، الضمير (هُوَ) يعود

стр. 6658

إلى (غُلامٌ) في قوله: (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ) وهو يعود إلى الولد مع وجود هذه الأحوِال التي تجعله قريبا، و (هَيِّن)، أي سهل لين لَا يثير عجبا ولا استغرابا، و (هيِّنٌ) تشير إلى أنه لَا غرابة فيه، ثم ساق سبحانه بعد ذلك ما يدل على قربه، فقال سبحانه: (وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا)، وهذه مقدمة قياسية تزيل الغرابة وتبين أنه لَا غرابة على قدرة اللَّه تعالى، وتقديره هذه المقدمة هكذا. وقد خلقتك من قبل هذا ولم تك شيئا؛ لأني خلقتك من عدم لَا بعد شيء، وإذا كان ذلك ممكنا وواقعا وقد وقع فبالأولى يكون الخلق من شيء، وإن كان من أب شيخ وأم عاقر فهما شيء، والخلق من شيء أقرب في الوجود من الخلق من عدم. اطمأن زكريا الرسول إلى بشرى رب العالمين أو قوي اطمئنانه، أو زالت الغرابة من نفسه وبقي أن يوثق البشرَى:

стр. 6659

(قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠) الآية هنا العلامة التي يعرف بها أن امرأته حملت، وأن الولادة آتية لا ريب، فإن الولد قرة عينه وإنه آت لَا محالة لوعد اللَّه تعالى به. وإن اللَّه لَا يخلف الميعاد (قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا)، وِقد قال تعالى في سورة آل عمران: (قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١). وقد ذكر الأيام في سورة آل عمران، والليالي في سورة مريم؛ للدلالة على أن العلامة هي ألا يكلم الناس ثلاثة أيام بلياليها، وكان ذكر الليالي في هذه السورة لأنها مكية، وما كان العرب الأميون في مكة يعرفون الأيام إلا بالليالي، حيث يرون القمر فهو شهر الأميين، والأيام الثلاثة قد حبس اللَّه تعالى لسانه عن النطق، فما كان يتكلم إلا بالإشارة، كما قال تعالى في سورة آل عمران: (. . . أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا. . .)، أي بالاشارة، وأوضح الإشارات الكتابة، وقوله تعالى: (سَوِيًّا) حال من ضمير (تُكَلِّمَ)، أي سوى الخلق سليم

стр. 6660

الحواس، أي وحاستك سليمة، ولماذا كانت العلامة الدالة على وفاء اللَّه ببشراه وتنفيذها بالفعل هي حبسه عن الكلام ثلاثة أيام متتابعة، وهو سليم الحواس، تلك إرادة اللَّه تعالى ولا يعلم إرادة اللَّه إلا اللَّه ، وقد نتلمس معرفة بعض أسرار ذلك الحبس فنقول إنه قد أراد به العتب، لذكر غرابة البشرَى، وقد يكون إعفاءً لزكريا وامرأته من لجاجة القول عند الفضوليين من الناس، وقد يكون للانصراف إلى العبادة والعكوف في منزله أو المسجد الأقصى، قد يكون لذلك أو لغيره، والعلم عند اللَّه العليم الخبير. ولما تأكد مجيء الولد وكان على وشك المجيء، كان التسبيح والتكبير هو شكر للَّه تعالى، وكان ذلك منه ومن قومه؛ لأنه ليكون لهم ولي لزكريا، له حنانه وعطفه ومحبته، ولذا قال تعالى:

стр. 6661

(فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١) (الْمِحْرَابِ) هو المصلَّى، ويظهر أنه كان يلازمه عندما وعده ربه أو كان قربيا منه دائما، ولذا كان خروجه مبتدأ منه، وسمي المصلَّى محرابا؛ لأنه يحارب الشيطان بلزومه فهو مشتق من المحرب، أو يحارب التعب ويأنس فيه باللَّه والقرب منه، فيكون مشتقا من الحرب والتعب وجهاد النفس. ومهما يكن اشتقاقه فهو أشرف مكان خرج على قومه منه وأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا، (فَأَوْحَى) أي أشار إليهم، وكأنه كان إلى محبوس اللسان، كما يدل على ذلك مخاطبته لفومه بالإشارة والرمز، وقد كان هو في ذكر دائم، كما قال تعالى: (. . . وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِي وَالإِبْكَارِ). وقد دعا قومه للمشاركة في هذا بالإشارة لشكر اللَّه تعالى لما تأكد من العلامة أن اللَّه تعالى وهبه الولد الذي يكون وليا. والتسبيح: التقديس، والتسبيح في العشي والإبكار يفيد أنه تسبيح طوال النهار وطرفا من الليل، وكانت دعوة قومه للتسبيح معه؛ لأنه ذلك الولي الذي

стр. 6662

جعله رضيا سيكون مصدر خير لهم، ولأنه يكون خلفا من الإيمان بالأسباب والمسببات إلى الإيمان باللَّه الفعال لما يريد. بعد ذلك كان يحيى نبي اللَّه، وقد صار شخصا سويا يخاطب وينادى بما أنعم اللَّه به عليه وعلى أبيه فقال تعالى مخاطبا نبيه يحيى:

стр. 6663

(يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) ناداه سبحانه بالبعيد إعلاء له وتشريفا، وناداه باسمه محبة له وتقريبا، وقد دل ذلك النداء على أنه بلغ حد الخطاب؛ ولذا تضمن معنى كبر وكمل، وعطف عليه بقوله: (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا)، فالواو عاطفة تحمل على ما تضمنه معنى (يَا يَحْيَى) من بلوغ الرشد، واستواء الشخصية الإنسانية وذلك أمر خارق للعادة فإن الصبي يشدو في الكمال حتى يبلغ مبلغ الرجال، فيخاطب كما يخاطب الرجال، ولكنه بلغ مبلغ الرجال، وهو مبلغ من يعطيه اللَّه تعالى الحكْم، والحُكْم هنا الحكمة، وذلك كما في كلام حكيم تميم أكثم بن صيفي " الصمت حكْم، وقليل فاعله "، أي الصمت حكمة وقليل فاعله، والكتاب الذي أخذه هو التوراة، فقد كانت التوراة شريعة النبيين الذين جاءوا من بعد موسى يقرأونها وينفذون أحكامها، ويعلمونها للناس ويحكمون بما اشتملت عليه من نظم، فداود وسليمان ﵉ كانا ينفذان في ملكهما حكم التوراة، ويقيمان ما اشتملت من حدود وقصاص من غير تفريط فيها، ومعنى (بِقُوَّةٍ)، أي خذه منفذا له بقوة لا تخشى فيه لومة لائم، ولا معذرة لأثيم. وقد ذكر اللَّه سبحانه ما حلاه من صفات بشرية هي صفاث البشر الكامل فقال تعالى:

стр. 6664

(وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣) ذكر اللَّه تعالى ثلاث صفات هي صفات الكمال لإنسان يعيش في وسط مجتمع يغذيه بماله وعاطفته، ويجنب عنه السوء.

стр. 6665

الصفة الأولى: ذكرها الله تعالى بقوله: (وَحَنَانًا)، والحنان الشفقة والرأفة والرفق في معاملة الناس، والفيض عليهم من حبه، والحدب عليهم، والواو عاطفة على (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا)، فذلك بدا فيه منذ كان صبيا، وهو مما أودعه اللَّه تعالى في فطرته، ولذا قال: (مِّن لَّدُنَّا)، أي أن اللَّه تعالى أعطاه تلك الصفة منه لا بتربية ولا تعليم فهو مهدي حنون شفيق بمقتض تكوينه الفطري. والصفة الثانية: الطهارة وذكرها اللَّه تعالى بقوله: (وَزَكاةً)، أي طهارة، وهي طهارة إيجابية فهو طاهر في نفسه، ويفيض بطهارته على غيره، ولذا نقول: إن " زكاة " تتضمن طهارة النفس، والفيض على قومه بالصدقات، فتكون طهارة لذاته وطهارة لمجتمعه من الموبقات، فإن الزكاة طهارة للمجتمع. والصفة الثالثة: التقوى وقد قال تعالى (وَكانَ تَقِيًّا)، أي كانت نفسه مملوءة بالتقوى وهي خوف الله تعالى، وخوف الشر لقومه، فكان نبيا، وكان إنسانا كاملا سوي الخلق والنفس، وتحققت فيه أمنية أبيه ولذا قال تعالى:

стр. 6666

(وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤) هذان الوصفان يضافان إلى الأوصاف الثلاثة السابقة، أول الوصفين إيجابي، والثاني سلبي. أما الوصف الأول: فهو أنه كان برا بأبويه، وهو استجابة لزكريا؛ لأنه كان يخاف الموالي من ورائه، فجاءه البر به وبأمه، والذي به تقر أعينهما، ولا يجدون شقوة في عشرته بل يصاحبهما صحبة طيبة كريمة برة. والوصف الثاني: سلبي، وهو أنه لم يكن جبارا مستكبرا مستطيلا على الناس بقوته أو رهبته، بل كان أليفا متطامنا مطمئن النفس عادلا، لَا يُرهب، ولا يتجبر، ووصف الجبار بأنه عصي، وكل جبار عصي؛ لأن يعصي بالبعد عن الناس ويعصي بمجافاتهم، ويعصي بعداوتهم، ويعصي بالظلم، فالظلم مرتعه وخيم، ويشقى فوق ذلك بغضب اللَّه تعالى عليه، وحسب الظلم شقاء، فإنه لَا يظلم إلا

стр. 6667

شقي، ولا يسعى مع ظالم إلا شقي، والعصي فعيل من عَصَى، من العصيان وهو مبالغة، وقد كرم اللَّه تعالى يحيى بتحية. كريمة له فقد حيَّاه تعالى من وقت أن ولد إلى أن مات فقال تعالى:

стр. 6668

(وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥) السلام هو الأمن، والأمن يتضمن الأمن من عذاب اللَّه، والظفر برضاه، وهو أكبر ما يأخذه العبد، وهذا الأمن والرضا من وقت ولادته، فهو مبارك آمن يوم ولد، ويوم يموت، ويوم يبعث حيا. * * * ولادة عيسى قال اللَّه تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) * * * قلنا: إن العصر الذي قارب عيسى هو عصر الإيمان بالأسباب والمسببات العادية حتى ادعى أن الكون نشأ من منشئه على نظام: العلة والمعاول.

стр. 6669

وإذا كانت تلك سمة هذا العصر فكان عصر الخوارق المبطلة لذلك التفكير الضال، وقلنا إن يحيى كان حمله خارقا للعادة؛ لأنه كان من أب بلغ من الكبر عتيا وأم كانت عاقرا لَا تنجب. وعيسى كان من غير أب، بل سبق ذلك خوارق أخرى في الحمل بأمه، وفي كفالتها ومدة حضانتها، فقد كانت وهي في حضانة زكريا تعيش في المسجد محررة له كما نذرتها أمها في أثناء الحمل بها، إذ قالت مخاطبة ربها: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧) هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨). نرى أن خرق نظام الأسباب والمسببات ابتدأ بما كان من رزق مريم الذي أثار عجب زكريا، وقد رأى الأسباب تُطوى ولا تحول بين اللَّه تعالى وما يريد، فدعا ربه أن يهب له من لدنه ذرية طيبة. فخرق نظام الأسباب العادية ومسبباتها كان في أم عيسى قبل أن تجيء إرهاصات ولادته، بل كانت هذه هي الإرهاصات الأولى، ولذا كان اصطفاء اللَّه مريم البتول لتكون أم المسيح، إذ قال عز من قائل (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)، كانت هذه كلها إرهاصات لما اختارها اللَّه تعالى له.

стр. 6670

قال اللَّه تعالى:

стр. 6671

(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) الخطاب للنبي ﷺ ، والكتاب هو القرآن الكريم، فهو الكتاب الكامل الذي إذا ذكرت كلمة الكتاب انتهت إليه، فهو الجدير وحده بأن يسمى الكتاب؛ لأنه كامل في نسبته إلى اللَّه تعالى، إذ هو خطابه لعباده، وكامل فيما اشتمل عليه من إعجاز، وكامل فيما اشتمل عليه من شرائع وحكم ومواعظ وقصص. (إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا) النبذ: الطرح والرمي، وانتبذ معناه نبذه نبذا شديدا، والمعنى أنها اعتزلت الناس ونبذتهم، وانفردت لعبادة اللَّه وحده، لا تأنس إلا به، ولا يعمر قلبها إلا بذكره، والمعنى انفردت من أهلها (مَكَانًا شَرْقِيًّا)، أي انفردت من أهلها في مكان شرقي بيت المقدس الذي كان فيه محرابها، ومحراب كافلها زكريا ﵇، وكان وراء هذا الانفراد أن اتخذت حجابا يحول بينهما. ولذا قال تعالى:

стр. 6672

(فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا ... (١٧) والفاء للترتيب والتعقيب، أي أنه صاحب الانتباذ أو أعقبه أن اتخذت حجابا من دونهم يحول بينهم وبينها، فلا يرونها في عزلتها، ولا تراهم، وذلك إحكام للعزلة التي أرادتها بإلهام من اللَّه تعالى، لتكون أما لعيسى، وقد كانت في هذه الخلوة الروحية على استعداد لتلقي أمر ربها، وقد قال تعالى في الاصطفاء في السورة آل عمران مخاطبا لها بالوحي، أو بالإلهام الروحي: (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣). في هذه الخلوة الروحية التي كان يتحدث فيها الملائكة، كان لقاء جبريل الأمين لها، ولذا قال تعالى: (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا)، الروح هو جبريل، وقد عبر عنه بروح القدس، وأضيفت الروح إلى اللَّه؛ لأنه خالقها؛

стр. 6673

ولأنه المختص برسالته إلى خلقه، وكذلك كان التعبير في قوله تعالى: (. . . فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا. . .)، أي جبريل الأمين، والفاء للترتيب، أي أنه بعد أن اتخذت حجابا بينها وبين الناس منتبذة دونهم مكانا شرقيا، أرسلنا إليها في هذه الخلوة الروحية جبريل، فتمثل لها بشرا سويا، أي ظهر لها في صورة رجل سوي مستوي الخلق والتكوين حسن الصورة، وقد جاءها كذلك، لأن البشر لَا يرون الملك من الملائكة إلا على صورة البشر، قال تعالى: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ)؛ لأن البشر بحالهم البشرية لَا يستطيعون أن يروا ملكا وهو في صورته الروحية. فوجئت البتول مريم - وهي في مكان قصي شرقي قد انتبذت الناس، واتخذت من دونهم حجابا - بصورة رجل من البشر يدخل عليها ولا تدري من أين جاءها، وقد سدت الأبواب، وقام الحجاب، وفي الفزع من المفاجأة، قال اللَّه عنها:

стр. 6674

(قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) أي ألجأ إلى اللَّه تعالى منك حذرة خائفة، وذكرت اللَّه تعالى بوصف الرحمن كأنها تستغيث من الناس برحمة اللَّه تعالى، وأنها في هذه الساعة تلجأ إلى رحمة الرحمن الرحيم، ثم تتجه إلى الذي دنا منها مستنجدة بتقواه، فتقول: (إِن كُنتَ تَقِيًّا)، طاهرا متصونا مرجوا تخاف اللَّه تعالى وتخشاه، فهي تلجأ إلى الرحمن، وتحثه على أن يخافه ويتقيه، ويكون امرءا يخاف عذابه ويرجو ثوابه، هنا يتقدم الملك الذي تمثل بشرا سويا يعلن حقيقته ومهمته، وأنه ما جاء لينال منها شرا وأن ما سبق إلى وهمها ينفيه نفيا قاطعا، ويزكيها ويقوي اصطفاء اللَّه تعالى كما جاء في سورة آل عمران:

стр. 6675

(قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) (١)

стр. 6676

(إِنَّمَا) أداة حصر، أي لست إلا رسول ربك، أي أنا مرسل من ربك الذي خلقك ويعلم حالت وطهارتك، وأنه اصطفاك من نساء العالمين؛ لتكوني موضع معجزته الكبيرة وهي خلق إنسان من غير أب، وقوله: (لأَهَبَ لَكِ) اللام متعلقة برسول أي رسالتي لأهب لك، لأكون أداة هبة اللَّه لك، أو طريق هبة اللَّه لك، فليس هو الذي يهب إنما يهب اللَّه تعالى، وهذا معنى القراءة الأخرى " ليهب لك " (١) بإسناد الهبة للَّه تعالى مباشرة، وعلى كلتا القراءتين الهبة من اللَّه تعالى العزيز الوهاب، والرسالة في قراءة " ليهب لك " موضوعها الرسالة وحدها. وقوله تعالى: (غُلامًا زَكيًّا)، أي غلاما طاهرا ناميا في جسمه ونفسه وروحه، وكل ما يتصل بالنمو الإنساني الكامل. اعتراها ما اعترى كافلها زكريا من استيلاء الأسباب والمسببات العادية فكانت مستغربة، وحكى اللَّه تعالى عنها أنها قالت:

стр. 6677

(قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) (أَنَّى) بمعنى كيف وهي للاستغراب لتأثرها بنظرية الأسباب التي كانت سائدة، ولأن هذا هو النظام الذي كانت تعرفه ويعرفه الناس، وموضع الاستغراب أن يكون لها غلام ولم يكن أحد من الرجال قد مسها، أي خالطها مخالطة جنسية بزاوج شرعي، أي أنها لم تزف إلى رجل في الحلال، ولم تك بغيا أي امرأة مبغية مقصودة من الرجال، بل كانت عفيفة نزيهة طاهرة، وبغي: قال بعض الصرفيين: إنها على وزن " فعول " دخلها الإعلال بأن اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالتسكين فَعُلَّتْ وأدغمت الياء، وعندي أنها على وزن " فعيلة " بمعنى مفعول، ولم تلحقها التاء، وذلك مثل قتيل وجريح، والمرأة المتفحشة يقال لها بغي لأنها تُبتغَى من الرجال ويطلبونها.

стр. 6678

فنفت لذلك السيدة البتول بذلك الزواج، وأن تكون قد زفت لبشر، وأنها لم تكن تبتغَى من الرجال، وهذا موضع استبعادها مأسورة بحكم الأسباب العادية، وقد سيطرت النظرية التي تفرض الأسباب والمسببات في كل الوجود. وقد رد اللَّه قولها بأنه سبحانه أراد ذلك، وإرادته فوق الأسباب، ولذا قال تعالى:

стр. 6679

(قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١) (قَالَ): أي جبريل، (كَذَلِكِ) خبر لمبتدأ محذوف، أي الأمر كذلك، قد تقرر في علم اللَّه المكنون وقدره المحتوم، فلا تغيير فيه استبعدتيه أو لم تستبعديه، (قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ)، أي قال ربك الذي خلقك ولم تكوني شيئا وكلأك وحماك وربَّاك واصطفاك على نساء العالمين؛ لهذه الخاصة التي منحك اللَّه تعالى إياها، هو على اللَّه هين؛ لأنه يكون أي شيء في الوجود بقوله تعالى: (. . . كن فَيَكُونُ)، فليس خلق شيء بعزيز على اللَّه خالق لَا شيء (وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ) " الواو " عاطفة على فعل محذوف يفهم من الكلام (هُوَ عَلَيَّ هَيّنٌ) فثبتت قدرتنا الكاملة في تغير الأسباب العادية ومسبباتها، وإن إرادتنا لا يقيدها شيء، وأنه سبحانه الفعال لما يريد، (وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ)، الضمير يعود على الغلام، والآية هي الدلالة على قدرة اللَّه تعالى المطلقة على خرق الأسباب والمسببات، فأي دلالة أقوى في الدلالة على أن اللَّه تعالى فعال لما يريد، لَا تتقيد بالأسباب والمسببات، كما يتوهم الفلاسفة ومن يلف لفهم ويسير في دروبهم. (وَرَحْمَةً مِّنَّا)، أي أن ذلك الغلام سيكون آية دالة على كمال القدرة الربانية وسيكون رحمة منا؛ إذ نبعثه بالرحمة والرأفة والتسامح الإنساني. ويقول سبحانه في بيان أن ذلك أمر محتوم (وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا) قررنا [بحتمه]، وفي حدود قدرتنا، ونفذناه بحكمتنا العالية التي لَا تعلو إليها مدارك البشر، إنه هو العليم الخبير السميع البصير.

стр. 6680

(فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) جاء في بعض الروايات أنها حملت بنفخِ جبريلِ في بعض ثيابها، فروى أن جبريل ﵇ حين قال لها: (كَذَلِكِ قَالَ ربُّكِ هو عَلَيَّ هيّنٌ) نفخ في جيب درعها، وعن ابن عباس أخذ جبريل ردن قميصها (١) فنفخ فيه فحملت من ساعتها بعيسى، وإن هذا يتلاقى مع قوله في سورة الأنبياء: (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا) فهو لم ينفخ في الفرج، ولكن نفخ في مريم ذاتها، وذلك بالنفخ في فتحات من قميصها، وعلى أي حال الكلام في ذلك ليس ذا جداء، فإن جبريل روح من اللَّه تعالى وليست له خواص الآدمي، بل له الخواص الروحية التي لَا تتصل بالمادة. قيل: كان الحمل بعيسى ومريم في نحو الثالثة عشرة من عمرها، ولا يهمنا مقدار سنها، إنما يهمنا أنها كانت عذراء وأنها حملت من غير زوج مطلقا، بل جاء حملها أمرا خارقا لنظام الأسباب والمسببات الذي كان يؤمن به الفلاسفة، ولا يؤمنون بأن الله فعال لما يريد، فجاءت ولادة عيسى من غير أب أمرا خارقا لهذا النظام؛ ولذا قال الشهرستاني: بحق إن عيسى بوجوده معجزة في ذاتها. وعندما أحست بالحمل واعتزلت الناس وانفردت عنهم، وانتبذتهم في مكان قصي بعيد وشددت في نبذهم وعدم الانغمار في جمعهم، لأنها صارت تصاحب من نفسها من يؤنسها في وحدتها، وهو الحمل الذي تسعد به كل امرأة في هذه الدنيا، ولذا قال تعالى: (فَانتَبَذَتْ بِهِ)، أي انتبذت مصاحبة له (مَكَانًا قَصِيًّا)، (مَكَانًا) ظرف، أي في مكان (قَصِيًّا) بعيد عن الناس حتى لَا يروها فيقلقوها بفضولهم، وفي الناس في كل العصور فضول، يقولون فيه ما لَا يعنيهم ولا يهمهم. ولكن لابد من المواجهة عندما ترجع إليهم حاملة معها غلاما طاهرا زكيا ناميا.

стр. 6681

ولم يذكر علماء الأخبار شيئا يتعلق بمدة حمله، فكان ذلك على مجرى المعتاد في الحمل وهو تسعة أشهر حتى يأخذ الجنين أدواره كلها علقة ثم مضغة فعظاما، ثم تكسى العظام لحما، وكان الأمر الخارق للعادة أنه لم تكن نطفة في قرار مكين تولدت عنها العلقة، والنفخ في القميص من روح اللَّه جبريل لَا يوجد نطفة، ولكن روي عن ابن عباس ﵄ ما هو إلا أن حملت فوضعت في الحال، قال القرطبي: لأن الله تعالى ذكر الانتباذ عقب الحمل، ولعله يؤيد ذلك النظر العطف بالفاء في الحمل ثم في الانتباذ ثم في مجيء المخاض، ولا مانع عندنا من قبول ذلك، ولكن لَا دليل عليه، وإن صح يكون أمرا خارقا آخر، ولم يذكر ما يدل عليه من القرآن ولا السنة المرفوعة إلى الرسول ﷺ . وكانت ﵍ قد انتبذت الناس في ذلك المكان القصي، حتى اضطررت إلى الخروج منه وذلك بسبب المخاض الذي هو مقدمة الولادة، ولذا قال تعالى: * * * (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) * * *

стр. 6682

(فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣) من إخباره إلى حمله على المجيء وساقه إليه غير مختار فيه، ولذا كان معناه ألجأها المخاض وهو الطلق عند النساء أو مقدمة الولادة، وكان إلجاؤها إلى جذع النخلة؛ لأنها احتاجت إلى شيء تعتمد عليه وتتعلق به لشدة الحمل وكره الولادة

стр. 6683

كما قال في الولادة وصعوبتها (. . . وَوَضَعَتْهُ كرْهًا. . .)، وهو صعوبتها واحتمالها بعسر شديد، وهو في ذاته كره، ولكن الوالدة تتحمله لمحبة الولد وشغفها فيه. وجذع النخلة عادة يكون يابسا سواء أكانت النخلة مثمرة أم كانت غير مثمرة، وسواء أكانت في أرض زراعية أم كانت غير زراعية، والنخل يكون في الأرض غير الزراعية، و " أل " للجنس كقولك: ادخل السوق واشتر شيئا، فليس ثمة سوق معينة، ولا تكون للعهد؛ لأنه لم تذكر من قبل شجرة، ولا يكون في الذهن شجرة معينة. وقد كانت مريم العذراء البتول في كربين: الكرب الأول: احتملته ورضيته بحكم الفطرة وهو كره الولادة كما ذكرنا. والكرب الثاني: العار الذي زعمته ويستقبلها، فإنها البريئة الطاهرة تستقبل اتهاما وهي البريئة وذلك عبؤه على البريء ثقيل، ولذا قالت: (يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا). تنادي " ليت " الدالة على التمني، وكأنها تقول إنها تتمنى الموت، وتنادي أداة تمنى الموت قبل هذا، لأن ذلك وقت تمني الموت فرارا من عار الاتهام الظالم، وهي البريئة الطاهرة التي اصطفاها رب العالمين. وأنها ما قالت الذي قالته تململا مما أراد رب العالمين لها من كرامة، وإنما كان ذلك استشعارًا من ضعفها وصعوبة الاحتمال، وإن كانت راضية بما قضى اللَّه وبما أمر، غير خالعة ربقة، ولا متمردة على طاعه، (وَكنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا)، المنسِيّ والنَسِيّ: الشيء المنسي، كذبح الشيء المذبوح، ونقص الشيء المنقوص، فالنسي الشيء الذي من شأنه أن ينسى؛ لأنه مهمل في ذاته، والمنسي بالفعل. وقد قال الزمخشري في هذا الأمر الذي كانت عليه العذراء البتول - محللا الألفاظ - وهو إمام البلاغة: المنسي ما من شأنه أن ينسى ويطرح وينسى كخرقة الطامث ونحوها، كالذِّبح اسم ما شأنه أن يذبح، قال تعالى: (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبحٍ

стр. 6684

عَظِيمٍ) [الصافات] وعن يونس: العرب إذ ارتحلوا عن الدار قالوا: انظروا أنساءكم أي الشيء اليسير نحو العصا والقدح. تمنت لو كانت شيئا تافها لَا يؤبه له من شأنه وحقه أن ينسى في العادة، وقد نسي وطرح فوجد فيه النسيان الذي هو من حقه، وذلك لما لحقها من فرط الحياء (أي الحال التي توجب الاستحياء) من الناس على حكم العادة البشرية لَا كراهة لحكم اللَّه، أو لشدة التكليف عليها إذ بهتوها، وهي عارفة ببراءة الساحة وبضد ما قرفت به، من اختصاص اللَّه إياها بغاية الإجلال والإكرام، لأنه مقام دحض (١) قلما تثبت فيه الأقدام: أن تعرف اغتباطك بأمر عظيم، وفضل باهر تستحق به المدح، ويستوجب التعظيم، ثم تراه عند الناس لجهلهم عيبا يعاب به، أو يعنف بسببه، أو لخوفها على الناس أن يعصوا اللَّه تعالى بسببها. في هذا الكرب الشديد الذي لَا تمرد فيه كانت تحف بها مكارم اللَّه، وخوارق العادات. (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)

стр. 6685

(فَنَادَاهَا) الفاء عاطفة، وهي تفيد الترتيب، وضمير الفاعل يعود على جبريل؛ لأنه المذكور، وهو روح اللَّه تعالى الذي أرسله الله تعالى: (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا) وقالوا: (مِن تَحْتِهَا)، أنه كان قد جعله (مِن تَحْتِهَا) قابلا للغلام الطاهر عند نزوله كما تستقبل القابلة المولود، وذلك من كلاءة اللَّه تعالى وحمايته لها، إذ كانت معزولة عن النساء وهي عذراء ليس لها تجربة في الحمل والولادة من قبل، فكان من رعاية اللَّه تعالى أن يسخر لها روح القدس، ليكون القريب منها في هذه العزلة وهذا الانفراد عن المعاون والقريب، وقيل: إن ضمير الفاعل يعود على عيسى ويكون ذلك النداء خارقا للعادة ولكن نستبعد هذا، أولا: لأنه لم يكن هنا ذكر للغلام حتى يعود إليه، وثانيا: لأن اللَّه لم يذكره آية

стр. 6686

خارقة لنظام الأسباب والمسببات. والنداء (أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) (أن) المدغمة في (لا) التفسيرية، أي كان النداء لَا تحزني (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا)، السري يطلق بمعنى الأمثل الكامل، ويقولون: السري من الرجال هو الأمثل الكامل، ولقد قال الحسن في عيسى ﵇: كان واللَّه سريا من الرجال وإن ذلك استثارة لمحبة الأمومة وعاطفتها، إذ إن بشراها بأنه سيكون له شأن أي الشأن، يسري عنها، ويذهب بحزنها، فلا يشغلها ما تنتظره من ملامة كما يكون معها من الغلام الأمثل الذي هو الفرحة التي تذهب الترحة، ويفسر بعض العلماء السري بأنه جدول ماء كان تحت الهضبة التي هي فيها، ونقول ما كان حزنها لطعام وشراب إنما كان حزنها لخشية الملام الذي تتوقعه، وهي البريئة، وتقول ذلك وإن كان ذكر الأكل والشرب قد يرشح لمعنى جدول الماء، وقد رُوى أن النبي ﷺ قد فسر السري بجدول الماء (١). وقال تعالى:

стр. 6687

(وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) (الواو) عاطفة، فيعد أن نهى المنادي عن الحزن أخذ يدعوها بعد الانصراف أن تأكل مستريحة مطمئنة، وأن تشرب هنيئا مريئا وتلتفت إلى حاجة الجسم الذي نهكه المخاض وتحتاج إلى تعويضه. والباء في قوله تعالى: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَة) يقول الزمخشري أنها صلة للتأكيد كقوله تعالى: (. . . وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ. . .). وأرى أن الباء للدلالة على تسهيل وصول الرطب إليها؛ ذلك أنها تهز في مكان هو الجذع تتساقط عليها الرطب من عَلٍ، وذلك بلا ريب تيسيرا للوصول، فلا تهز من أعلى بل تهز بمكان قريب منها، وهي النفساء والتي تتعبها الحركة الكثيرة. وقوله (إِلَيْكِ) للإشارة إلى قرب المكان الذي تهز منه بشدة إليها، وقال الزمخشري: إن في قوله تعالى: (تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا) تسع قراءات، وكل يتعلق بحركات الفاء، ولا فرق كبير بين معاني هذه القراءات، ولذا لَا حاجة إلى

стр. 6688

ذكرها، ولتراجع في موضعها، والرطب البلح الطيب السهل في تناوله، والجني: القريب الجني، أي أنه لم تمض عليه مدة تفسده، وجاء في الكشاف وقالوا كان من العجوة، وقيل: ما للنفساء خير من الرطب ولا للمريض خير من العسل، وقيل: إذا عسر ولادها لم يكن لها خير من الرطب. وقد قال أكثر المفسرين: إن جذع النخلة كان جافا، وهي جافة، ولم يكن فيها ثمر فأثمرت فكان ذلك خارقا للعادة، ونقول: إن الآيات الكريمات الخاصة بالحمل بعيسى ﵇ وولادته ثرية بالخوارق فلا نزيد عليها إلا ما يثبت بالنص، ولا نفرض من غير نص. وإذا كان الطعام والشراب قد توافر فقد كان حقا عليها أن كل وتشرب، ولذا قال تعالى:

стр. 6689

(فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) (الفاء) للإفصاح؛ لأنها نفصح عن شرط مقدر، أي إذا كانت البراءة متوافرة، وقد تهيأ الطعام والشراب وكان معك غلام سوي سيكون الأمثل بين الرجال، (فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا)، فكلي من الرطب الجني، واشربي من الجدول السري، (وَقَرِّي عَيْنًا) بما وهبك اللَّه تعالى من غلام زكي، وقرار العين سكونها، وإن الإنسان في اضطرابه وخوفه تدور عينه ولا تستقر، فكنى بقرار العين عن السكون والاطمئنان، فقرار العين يعلن عن قرار النفس، والأمر بقرار العين وإن لم تكن تحت سلطان الإرادة أمر باطمئنان النفس وإبعاد الهواجس المخيفة، وألا تتوقع سوءا؛ لأن اللَّه معها، وقامت الخوارق الدالة على أنه معها، ومن كان اللَّه معه فإنه يجب أن يكون مطمئنا قرير العين والنفس. ولقد صرح الملك بما يجب عليها لاتقاء فضول الناس قال الملك: (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) " إن " حرف شرط، و " ما " تأكيد لفعل الشرط، بدليل التوكيد بالنون الثقيلة، كتوكيد القسم، وهو توكيد لأنها سترى من البشر كثيرا ولا ترى منهم ومن فضولهم ما لَا يسرها،

стр. 6690

وأومأ إليها بأن تنذر للَّه تعالى صوما عن الكلام (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا) وكأنه أشار إليها أن تنذر الصوم عن القول تقربا إلى اللَّه تعالى، فالسكوت من لغو القول قربة يتقرب بها إلى اللَّه تعالى، وعبر عن اللَّه تعالى بوصفه الكريم " الرحمن "، للإشارة إلى أن ذلك الصوم من رحمة اللَّه تعالى بها وتقريبه إليها. وهي إذ تقول ذلك لقومها تؤكد بُعْدها عن لغوهم، وعن سفه سفهائهم، ولذا أكدت النفي بقولها: (فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا)، أي لن أكلم إنسانا قط طيبا أو فاجرا، برا أو بغيا، ولذا قالت: (إِنسِيًّا)، أي منسوبا للإنس، والعلاقة بينه وبين الإنسان أنه إنسي مجرد من غير نظر إلى حاله في تقواه أو فجوره. التقت بهم، وعبر اللَّه تعالى عن لقائها بهم بقوله تعالى: * * * (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) * * *
следующие страницы →