خارقة لنظام الأسباب والمسببات. والنداء (أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) (أن) المدغمة في (لا) التفسيرية، أي كان النداء لَا تحزني (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا)، السري يطلق بمعنى الأمثل الكامل، ويقولون: السري من الرجال هو الأمثل الكامل، ولقد قال الحسن في عيسى ﵇: كان واللَّه سريا من الرجال وإن ذلك استثارة لمحبة الأمومة وعاطفتها، إذ إن بشراها بأنه سيكون له شأن أي الشأن، يسري عنها، ويذهب بحزنها، فلا يشغلها ما تنتظره من ملامة كما يكون معها من الغلام الأمثل الذي هو الفرحة التي تذهب الترحة، ويفسر بعض العلماء السري بأنه جدول ماء كان تحت الهضبة التي هي فيها، ونقول ما كان حزنها لطعام وشراب إنما كان حزنها لخشية الملام الذي تتوقعه، وهي البريئة، وتقول ذلك وإن كان ذكر الأكل والشرب قد يرشح لمعنى جدول الماء، وقد رُوى أن النبي ﷺ قد فسر السري بجدول الماء (١).
وقال تعالى:
стр. 6687
(وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)
(الواو) عاطفة، فيعد أن نهى المنادي عن الحزن أخذ يدعوها بعد الانصراف أن تأكل مستريحة مطمئنة، وأن تشرب هنيئا مريئا وتلتفت إلى حاجة الجسم الذي نهكه المخاض وتحتاج إلى تعويضه.
والباء في قوله تعالى: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَة) يقول الزمخشري أنها صلة للتأكيد كقوله تعالى: (. . . وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ. . .).
وأرى أن الباء للدلالة على تسهيل وصول الرطب إليها؛ ذلك أنها تهز في مكان هو الجذع تتساقط عليها الرطب من عَلٍ، وذلك بلا ريب تيسيرا للوصول، فلا تهز من أعلى بل تهز بمكان قريب منها، وهي النفساء والتي تتعبها الحركة الكثيرة.
وقوله (إِلَيْكِ) للإشارة إلى قرب المكان الذي تهز منه بشدة إليها، وقال الزمخشري: إن في قوله تعالى: (تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا) تسع قراءات، وكل يتعلق بحركات الفاء، ولا فرق كبير بين معاني هذه القراءات، ولذا لَا حاجة إلى
стр. 6688
ذكرها، ولتراجع في موضعها، والرطب البلح الطيب السهل في تناوله، والجني: القريب الجني، أي أنه لم تمض عليه مدة تفسده، وجاء في الكشاف وقالوا كان من العجوة، وقيل: ما للنفساء خير من الرطب ولا للمريض خير من العسل، وقيل: إذا عسر ولادها لم يكن لها خير من الرطب.
وقد قال أكثر المفسرين: إن جذع النخلة كان جافا، وهي جافة، ولم يكن فيها ثمر فأثمرت فكان ذلك خارقا للعادة، ونقول: إن الآيات الكريمات الخاصة بالحمل بعيسى ﵇ وولادته ثرية بالخوارق فلا نزيد عليها إلا ما يثبت بالنص، ولا نفرض من غير نص.
وإذا كان الطعام والشراب قد توافر فقد كان حقا عليها أن كل وتشرب، ولذا قال تعالى:
стр. 6689
(فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)
(الفاء) للإفصاح؛ لأنها نفصح عن شرط مقدر، أي إذا كانت البراءة متوافرة، وقد تهيأ الطعام والشراب وكان معك غلام سوي سيكون الأمثل بين الرجال، (فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا)، فكلي من الرطب الجني، واشربي من الجدول السري، (وَقَرِّي عَيْنًا) بما وهبك اللَّه تعالى من غلام زكي، وقرار العين سكونها، وإن الإنسان في اضطرابه وخوفه تدور عينه ولا تستقر، فكنى بقرار العين عن السكون والاطمئنان، فقرار العين يعلن عن قرار النفس، والأمر بقرار العين وإن لم تكن تحت سلطان الإرادة أمر باطمئنان النفس وإبعاد الهواجس المخيفة، وألا تتوقع سوءا؛ لأن اللَّه معها، وقامت الخوارق الدالة على أنه معها، ومن كان اللَّه معه فإنه يجب أن يكون مطمئنا قرير العين والنفس.
ولقد صرح الملك بما يجب عليها لاتقاء فضول الناس قال الملك: (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) " إن " حرف شرط، و " ما " تأكيد لفعل الشرط، بدليل التوكيد بالنون الثقيلة، كتوكيد القسم، وهو توكيد لأنها سترى من البشر كثيرا ولا ترى منهم ومن فضولهم ما لَا يسرها،
стр. 6690
وأومأ إليها بأن تنذر للَّه تعالى صوما عن الكلام (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا) وكأنه أشار إليها أن تنذر الصوم عن القول تقربا إلى اللَّه تعالى، فالسكوت من لغو القول قربة يتقرب بها إلى اللَّه تعالى، وعبر عن اللَّه تعالى بوصفه الكريم " الرحمن "، للإشارة إلى أن ذلك الصوم من رحمة اللَّه تعالى بها وتقريبه إليها. وهي إذ تقول ذلك لقومها تؤكد بُعْدها عن لغوهم، وعن سفه سفهائهم، ولذا أكدت النفي بقولها: (فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا)، أي لن أكلم إنسانا قط طيبا أو فاجرا، برا أو بغيا، ولذا قالت: (إِنسِيًّا)، أي منسوبا للإنس، والعلاقة بينه وبين الإنسان أنه إنسي مجرد من غير نظر إلى حاله في تقواه أو فجوره.
التقت بهم، وعبر اللَّه تعالى عن لقائها بهم بقوله تعالى:
* * *
(فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)
* * *
стр. 6691
(فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)
الفِرى العظيم القبح فقوله تعالى: (فَرِيًّا)، أي أمرا عظيما، وهو أنك أتيت بولد لَا نَسب له، وهو من يكون من زنى، ومن الأدب في التعبير أن يقول
стр. 6692
عن ولد الزنى إنه (فَرِيًّا)، والفَرْى القَطع وهو هنا الكذب المقطوع به، وفي بيعة الرسول ﷺ مع النساء قوله تعالى في مبايعتهن: (. . . وَلا يَأتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ. . .)، أي لَا يأتين بزنى يفترينه فعلا وقولا.
وقد أرسلوا القول في هذا الافتراء الكاذب عليها، وقد أقرَّ اللَّه نفسها به رأت من عناية اللَّه تعالى بها وإجراء خوارق العادات لأجلها وولدها، وهي شاهدة لها ولولدها الغلام الزكي بالكرامة والإكبار.
قالوا منددين لها على حسب مداركهم:
стр. 6693
(يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)
ينفون عن أبويها الشر، فأبوها لم يكن امرأ تغلغل فيه السوء حتى صار يعرف به فلم يكن قرين سوء، (وَمَا كَانَتْ أُمّكِ بَغِيًّا) يبغونها الرجال لقضاء مآربهم، وتناسوا أنها كانت خالصة لخدمة البيت وتربت في كفالة نبي الله زكريا ﵇، وهارون في ظاهر القرآن ومتضافر الروايات هو هارون أخو موسى، وينادي الرجل برأس قبيله وأبيهم فيقال يا أخا العرب، ويا أخا قريش، ويا أخا تميم، ويا أخا همدان إلى آخر ما يجري على ألسنة الناس، ولكنها صمتت ولم ترُدَّ، وأشارت إلى من يرُدُّ وهنا ظهر ما يبهتهم ويرد غيهم.
فأشارت إشارة فهموها ليخاطبوا عيسى ﵇، وذلك بإلهام اللَّه تعالى:
стр. 6694
(فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩)
أشارت إليهم ليستمعوا إلى ما عدوه مادة الاتهام ليعرفوا أنه كان الحمل به أمرا من اللَّه، فأثار ذلك عجبهم، وقالوا مستبعدين مستنكرين إشارتها، ولعلهم جرت في نفوسهم ما هو أبعد مما اتهموا (كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا) الاستفهام للإنكار أو الاستغراب، أي غريب أن نكلم من كان في المهد صبيا، وذكرت كلمة (نُكَلِّمُ) للإشارة إلى موضع الاستنكار أو لتفسير معنى (فِي الْمَهْدِ)، أو للمبالغة في الاستنكار، أي أن الاستنكار لأمرين: كونه (فِي الْمَهْدِ) فهذا عجب، وكونه (صَبِيًّا)، وهذا أعجب أيضا، والمراد بـ " المهد " الحِجْر سواء
стр. 6695
أكان سريرا أم وسادة أم غيرهما، ولكن استبان لهم أن هذا الصبي أحكم وأعلم منهم، وأنطق بالحق ممن استغربوا.
(قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)
كان كلامه الحكيم الفيصل بين الحق والباطل وأبلغ ما يكون ردا للاتهام الذي لَا يقوم إلا بمجرى العادات، فتبين لهم أنه فوق مجرى العادات الحاكمة التي يحسبها فلاسفتهم أن الأسباب والمسببات قانون لَا يقبل التخلف، ونسوا أن خالق الأسباب والمسببات فوق كل نظام؛ لأنه خالق كل نظام وفعال لما يريد.
ونلاحظ قبل أن نتكلم في معاني هذه الآيات أنها عندما واجهت القوم لم تقل كما أمرت (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صوْمًا فَلَنْ أُكلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا)، ولكنها نفذت الأمر بالفعل فلم تتكلم معهم بل أشارت إليه أن يرد، فهي نفذت مدلول الأمر ولم تنطق به ولو نطقت لكان ذلك نقضا للصوم الذي نذرته.
وقد أثار العلماء بحثا حول نطقه صغيرا بهذا الكلام الذي لَا ينطق به إلا نبي يوحى إليه، أكان هذا الكلام نتيجة بعثه نبيا، وأنه بذلك بُعث وهو صبي في المهد، وقد أجاب الأكثرون عن ذلك بأنه تكلم في المهد ليتحقق وفاء أمه بنذرها، ولتحقق براءة أمه من اتهامها بالزنى، وهي البريئة العذراء البتول التي اصطفاها اللَّه على نساء العالمين، ثم عاد إلى ما يكون عليه الأطفال حتى بلغ المبلغ الذي ينطق فيه من يكون في سن النطق، وأثاروا بحثا حول ما جاء بقوله من أنه أوتي الكتاب، وجَعْله نبيا، وإيصائه بالصلاة والزكاة، وبره بأمه ونطقه بقوله (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣). وأجيب عن ذلك بأن كل هذا الذي أخبر به سبق بلفظ الماضي، ومعناه للمستقبل كقوله تعالى: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ)، وذلك
стр. 6696
لتأكيد الوقوع؛ ولأن الأزمان عند اللَّه واحدة، لا فرق فيها بين ماض وقابل، فكلها في علم اللَّه تعالى واحد، ولكن كون بعضها ماضيا وبعضها قابلا إنما هو بالنسبة لعلمنا نحن وحدنا، فاللَّه في علمه المكنون ألهم عيسى ﵇ في المهد أن ينطق بهذه الأمور على أنها واقعة وهي ستكون لَا محالة.
أول قول لعيسى في المهد:
стр. 6697
(قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) ابتدأ بإظهار العبودية للَّه ، وكأنه ﵇ يرد على الذين أخرجوه من مرتبة العبد الخالص الزكي الطاهر إلى مرتبة الألوهية، وهو لن يستنكف أن يكون عبدًا للَّه. والثاني: أنه آتاه كتابًا يدعو الناس إلى اتباعه، وهو التوراة والإنجيل فهو يدعو إلى العمل بهما، والثالث أنه جعله نبيا. وهذا الجَعْل في علم اللَّه تعالى أكَنَّه إلى أن يبلغ من ينبأ ويحمل رسالة، وهو بالنسبة لنا هذا الوقت الذي قاله إخبار بالماضي للدلالة على مؤكد في المستقبل.
والكتاب ذكر بالتعريف بـ (أل)، وقد أشرنا إلى أنه التوراة والإنجيل، فإن الإنجيل لم ينسخ التوراة، ولكن نسخ بعض أحكامها، وما يغاير فيها لَا يؤخذ به، وما لم ينص عليه فيها يؤخذ بأحكامها.
وقد بين عيسى ﵇ على لسانه وهو في المهد أنه سيكون مباركا، فقال تعالى عنه:
стр. 6698
(وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) المبارك النافع الهادي المرشد الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، والداعي إلى الحق والتنزيه، وقد كان عيسى ﵇ واضح البركات: كان يخبرهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، وكان يبرئ الأكمه والأبرص بإذن اللَّه ويحيي الموتى، وينادي الموتى فيخرجون من قبورهم وأنزل اللَّه تعالى على يديه المائدة من السماء، على أن تكون عيدا لأولهم وآخرهم، فأي بركة أعظم يعطاه مبارك؟!.
ثم قال: (وَأَوْصَانِي بِالصَّلاة وَالزَّكَاة مَا دُمْتُ حَيًّا)، الإيصاء: الأمر المؤكد الواجب الاتباع أوصاه اللَّه تعالي (بِالصَّلاةِ)، ويكنى بها عن إصلاح نفسه
стр. 6699
وتطهيرها والتقريب من اللَّه تعالى، وأن يكون ربانيا في ذات نفسه، (وَالزَّكَاةِ) إعطاء الفقير حقه، وتطهير المجتمع من آثام الفقر فكان الإيصاء بالصلاة والزكاة إصلاحا للنفس والمجتمع، فبالصلاة صلاح النفس وتطهيرها لتألف وتؤلف، وبالزكاة يكون التعاون الاجتماعي بين الغني والفقير.
وقد قرر الغلام الطاهر أن ذلك كتب عليه ما دام حيا، لَا يترخص في ترك الصلاة ولا يسوغ تركها، ولا مسوغ لترك الزكاة إذا توافرت موجباتها.
وإن جعل هذه الأفعال بالماضي لتأكيد حصوله في المستقبل؛ ولأن الماضي والمضارع والأمر إنما هو بالأزمان التي يتفاوت العلم بها عندنا، أما بالنسبة للَّه تعالى فعلمه أزلي لَا تحده الأزمان.
والأمر الثالث ذكره عند بقوله:
стр. 6700
(وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢)
في هذا النص الكريم أمران جليلان:
الأمر الأول: إيجابي وهو بر أمه، وحسن صحبتها والإحسان إليها جزاء ما قالت بسببه فقد وضعته كرها وحملته كرها، وقالت من الأذى النفس والملام وتحملت ما تحملت في سبيل ذلك حتى برأها اللَّه تعالى بكلامه هو، ومهما يكن فقد تحملت قبل أذى كثيرا، فكانت جديرة بحسن الصحبة والإحسان، وهو البَر الطاهر الكريم، بالآدمية الروحية.
الأمر الثاني: سلبي، وهو قول تعالى: (وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا)، الجبار هو الظالم المتكبر المتطاول على الناس بالحق الذي يؤذي الضعفاء ويستعلي عليهم، وقد كان من نعمة اللَّه تعالى التي أنعم اللَّه تعالى على عيسى ﵇ أنه لم يجعله جبارا، وقد وصف الجبار بأنه شقي مطرود من رحمة اللَّه، وقد كتبت عليه الشقوة في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فهو أنه مبغض إلى الناس يتمنون به النازلات، ويتحينون له الفرض ليردوه، وهو يتوجس بنفسه من الناس وممن يحيطون به، فهو في شقاء دائم لنفرة الناس منه، فلا سعادة في نفسه وإن حسبه الناس سعيدا فهو
стр. 6701
شقي، ولذا قال: " من مشى مع ظالم فقد أجرم " (١). ثم بين الغلام الزكي أنه يعيش في سلام، ولذا قال اللَّه عنه:
стр. 6702
(وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)
وفي هذا تقرير لأنه يعيش في أمن وقد ولد في أمن وأنه يموت في أمن، وفي هذا إشارة إلى أنه لن يقتله ولن يصلبه أحد، بل هو ولد آمنا، وعاش آمنا ومات آمنا؛ لأن السلام هو الأمن.
ونكرر ما لاحظناه، وهو أن ما جاء على لسان الغلام الطاهر هو ما سيكون له في المستقبل بالنسبة لزمان الإنسان.
هذا هو التعريف بعيسى ﵇.
* * *
قال الله تعالى:
(ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٨) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٤٠)
* * *
هذا بيان لعيسى ﵇، بينت الآيات فيه كيف حملت به أمه، وبينت أن الذي نفخ فيها روح القدس، وهو مخلوق من اللَّه تعالى، فيكون ما ينفخه مخلوقا
стр. 6703
أيضا، فيكون دعوى أنه اللَّه دعوى لَا أساس لها من الصحة، بل باطلة في ذاتها، وفيما اقترن بولادته فهو مخلوق كسائر المخلوقات، وإذا كان مخلوقا فهو محدَث، وليس بقديم، ولم ينشأ عن اللَّه نشوء العلة من المعلول، كما ينشأ المسبب عن السبب، بل خلقه وأبدعه مختارا مريدا، أنشأه من حيث لم يكن، لذا قال تعالى:
стр. 6704
(ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤)
الإشارة إلى المذكور من التبشير به على لسان جبريل ﵇ ونفخه في مريم من جيب قميصها إلى ولادته ونطقه غلاما زكيا، وإن ذلك كله خارق لنظام الأسباب والمسببات الذي كان يؤمن به فلاسفة الإسكندرية التي ولدت منها ديانة التثليث. (قَوْلَ الْحَقِّ) هنا قراءتان: قراءة بضم اللام (١)، ويكون (قَوْلَ الْحَقِّ) بدلا من (عِيسَى)، أي أن عيسى هو قول الحق، والإضافة من إضافة الاسم إلى الوصف، كقولهم خاتم حديد، أي خاتم هو حديد، وكان عيسى (قَوْلَ الْحَقِّ)، لأنه نشأ بالقول، إذا قال الله تعالى: (كن) فكان كما قال تعالى: (. . . وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ. . .)، وعلى النصب (٢) يكون (قَوْلَ) مفعول لفعل محذوف، ويكون حذفه لبيان اختصاصه بأنه قول الحق وتقدير الكلام أخص قولَ الحق، وأنه خلق بقوله تعالى: (كن فيكون)، كما أشرنا، وكما سيقول الله تعالى فيما يتلو ذلك من آيات بينات، وقوله تعالى: (الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ) الامتراء: الشك المقترن بملاحات ومجادلات بل مهاترات أحيانا.
وكذلك كان شخص عيسى ﵇ موضع ملاحات وخلافات بين طوائف مسيحية، فإنه منذ انعقد مجمع نيقية سنة ٣٢٥ ميلادية والمناقشات جارية حول شخص المسيح ﵇، فمن ادعاء بنوته للَّه تعالى وألوهيته وفرضها على المسيحيين الموحدين، والخلافات والملاحات تجري، فقد ضموا إلى ألوهيته ألوهية روح
стр. 6705
القدس، ثم اختلفوا أهو نشأ من الله أم من المسيح أم منهما، ثم كان الخلاف في المشيئة أهي من الناسوت واللاهوت أم منهما، إلى آخر ما اختلفوا، ثم ثبت في النصرانية الأخيرة من قال: إن المسيح شخصية خرافية لَا وجود لها، اخترعتها الأفلاطونية الحديثة لتجعل مذهبها دينا من الأديان، فيسهل الإقناع بها، وذلك لتوافق النصرانية المثلثة مع هذه الفلسفة تماما.
وقد بين اللَّه تعالى الحق في المسيح عيسى ﵇ وهو أنه عبد من عباد اللَّه تعالى اختاره سبحانه نبيا رسولا، وقد خُلق من غير أب، ليكون في خلقه آية، تبين أن اللَّه فعَّال مختار لَا يلزمه نظام الأسباب العادية ومسبباتها.
ولقد أكد سبحانه ما ذكره من أنه خَلْق من مخلوقات اللَّه تعالى، لذا قال عز من قائل:
стр. 6706
(مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥)
نفَى أن يكون له ولد مثبتا له سبحانه بلحن القول وبصريحه أن ذلك ليس من شأنه، ولا من صفات الكمال والجلال، اتصف بها مخالفا الحوادث فقال: (مَا كانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ)، أي مما ساغ، ومما استقام أن يتخذ من ولد أيّ ولد كان، عيسى أو غيره؛ لأنه منزه عن مشابهته للحوادث؛ ولأنه دليل الاحتياج، واللَّه غني حميد لَا يحتاج لأحد؛ ولأنه خالق الوجود فنسبة كل موجود إليه كنسبة المخلوق للخالق؛ ولأنه لو كان له ولد لكانت له صاحبة تلده، ولذا قال تعالى: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)، وقد صرح سبحانه بتنزيهه عن ذلك فقال تعالى: (سُبْحَانَهُ)، أي تقدست ذاته المتصفة بالكمال، والغني عن كل البشر، والذي ليس كمثله شيء - عن ذلك: (إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ)، أي إذا حكم بوجود أمر أراد أن يوجد تكون إرادته وحده هي الموجدة وحدها من غير أوساط، ولا وسائط، وقد شبه حاله في ذلك
стр. 6707
فى سرعة الإيجاد ومن غير وسائط بما إذا قال كن فيكون لسرعة الإيجاد، ولأنه وحده الفعال لما يريد، فلا مكان لغير إرادته سبحانه.
وإن اللَّه سبحانه هو المعبود وحده، ولذا قال تعالى:
стр. 6708
(وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)
هذا من كلام النبي ﷺ أمره اللَّه تعالى بأن يقوله بعد أن قص ولادة عيسى ﵇ وامتراء الناس في أمره، وقد ادعوا بنوته وألوهيته، فأمر نبيه أن يقرر الحق في العبادة فقال، (وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ)، أي إن اللَّه تعالى خالقي وخالقكم، والقائم على شئوني وشئونكم، وإن ذلك يقتضي أن نعبده، ولذا بعد أن قرر الربوبية أمر بالعبودية له وحده، لأن الألوهية تلازم الربوبية، وفي ذلك إبطال لأوهام المشركين الذين يقرون للَّه تعالى بالخلق والربوبية، وأنه رب السماوات والأرض وما بينهما، ومن فيهما، وما فيهما من خلقه، ومع ذلك في العبادة يشركون به الأوثان ويتخذونها أندادا له سبحانه وتعالى عما يشركون، وهو الواحد الأحد الفرد الصمد.
و" الفاء " في قوله تعالى: (فَاعْبُدُوهُ) لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فالعبادة مترتبة على الإقرار بالربوبية، لأنه الحق، وإن ذلك هو الصراط المستقيم، ولذا قال تعالى: (هَذَا صِرَاطٌ مسْتَقِيمٌ) الإشارة إلى عبادة اللَّه وحده وتنزهه عن أن يتخذ ولدا، وأنه لَا يليق بذاته المتصفة بالكمال، أي هذا وحده هو الصراط، أي الطريق الموصل إلى الحق، والخط المستقيم هو أقرب الخطوط للحق، ولذا قال تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ. . .).
وهنا قراءتان في قوله تعالى: (وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ) قراءة بكسر (إِنَّ) وقراءة أخرى بفتحها (١)، وعلى القراءة الأولى كان ما قلناه في معاني
стр. 6709
القرآن، أما على القراءة الثانية فإن هنا محذوفا، وهو لام الجر أي ولأن اللَّه ربِّي وربكم فاعبدوه إلى آخر النص الكريم، وتكون الفاء للتصريح بما تضمنه المحذوف.
وقد بين اختلاف الناس في شأن الحقيقة الثابتة، وهي طريق اللَّه تعالى المستقيم الذي ذكره سبحانه في قوله تعالى: (هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) فقال تعالى:
стр. 6710
(فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧)
كانت آخر الآيات السابقة لهذه الآية قوله تعالى على لسان النبي صلى اللَّه تعالى عليه وسلم وإن لم تذكر النسبة إليه لأنه ملاحظ في كل خطاب في بيان ما يجب بيانه: (وَإنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مسْتَقِيمٌ)، قد بين سبحانه أن عبادة اللَّه تعالى وحده هي الصراط المستقيم، ومن حاد عنه زاغ وضل عن الهداية، ولكن هل تلقاه الناس بالطاعة والخضوع، فقد ضلوا في ذلك ضلالا بعيدا، فمنهم من أشرك، ومنهم من قال أنه اتخذ ولدا، واختلفوا في ذلك على فرق شتى، ولذا قال تعالى: (فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ)، (الفاء) عاطفة على ما قبلها في قوله تعالى: (هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) وهو عطف عملهم واعتقادهم على الاعتقاد المستقيم الذي لَا ريب فيه.
و (الأَحْزَابُ) جمع حزب، وهو الجماعة التي تنتحل نِحلة وتتميز بها وتناصرها، وتؤيدها وتنحاز بها عن غيرها، وتدافع عنها وتلاحى دونها، والكافرون أحزاب ونِحَل متباينة، فالنصارى طوائف، واليهود طوائف، والمشركون طوائف، فمنهم عبدة الأوثان، ومنهم عبدة النيران، ومنهم عبدة الشمس، ومع أن الطريق واضح هو المستقيم اختلف الكافرون ذلك الاختلاف، على نواح شتى وأهواء متباينة، فكلمة (الأَحْزَابُ) ليست مقصورة على فرق النصرانية، إنما المراد بها كل الذين أشركوا مع اللَّه سواء أكان ما أشركوه صنما أم شمسا أم نارا أم شخصا، وحزب اللَّه هم المؤمنون، كما قال تعالى: (. . . أولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ
стр. 6711
حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، والمؤمنون ليسوا داخلين في هذه (الأَحْزَابُ)، وقد اختلفوا على نحو ما أشرنا، وصدق قول اللَّه تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ. . .)، فغير صراط اللَّه تعالى مثارات الشيطان ومنازله.
و (مِنْ) في قوله: (مِنْ بَيْنِهِمْ) قال كثير من المفسرين زائدة، ونحن لا نرى في القرآن حرفا زائدا، بل نقول إن (مِنْ) تؤدي معنى سليما فليس قولك " فاختلف الأحزاب بينهم "، كقول الله تعالى: (فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ) إن (مِنْ) تدل على أن اختلاف الأحزاب صادر عنهم هم، ومن بينهم، فإن التناحر بين الأهواء والأوهام الضالة هو الذي صدر عنه الاختلاف من بينهم ومنِ مضطربهم، وقد حكم اللَّه تعالى بمآلهم في هذا الاختلاف فقال: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ) " الفاء " لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فالهلاك في المشهود من أوهامهم وأهوائهم، والمشهد هو اسم مصدر بمعنى شهود يوم عظيم في أنه حساب وفيه العقاب، والجزاء بجهنم.
والمعنى الذي يظهر لنا، فهلاك شديد يوم الشهود العظيم، وهو يوم القيامة وقال: (لِّلَّذِينَ كفَرُوا) فأظهر في موضع الإضمار لإثبات سبب الهلاك، وهو الكفر والحجود، وتحكم الأوهام وسيطرة الفساد الفكري والضلال المبين.
وإن كانوا يُعرضون عن ذكر البعث والنشور، ولا يبصرون العواقب، ولا يتدبرون ما وراء، وإنهم في هذا اليوم المشهود يكونون أحدّ الناس سمعا وبصرا وإدراكا لما أنكروا من قبل، ولذا قال تعالى:
стр. 6712
(أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٨)
(أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ) لفظان يستعملان للتعجب في اللغة العربية، أو لأفعل التفضيل المستفهم به، أي ما أسمعهم وما أبصرهم، فهم حديدو السمع والبصر، والمعنى أن حالهم في قوة لسمعهم للحق وقوة بصرهم وإدراكهم للحق حال
стр. 6713
المتعجب منه المستغرب وليس ذلك بعجب على اللَّه ولا غريب عليه سبحانه؛ لأنه عليم بكل شيء، فليس شيء بغريب على علمه سبحانه، إنما الغرابة علينا، وهذا غير حالهم اليوم لأنهم اليوم في ضلال مبين واضح، أي حالهم يوم الشهود، فقد زالت الغفلة وزال الضلال، وزالت الأوهام التي أضلتهم، ولذا قال تعالى: (لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ)، (الْيَوْمَ) المراد به الحياة الدنيا، فهم في ضلال في الحياة الدنيا بسبب الأهواء وتحكمها في مداركهم وأحاسيسهم، والأوهام وسيطرتها على عقولهم، ونقول: وضع الظاهر موضع الضمير، لإثبات أن السب في هذا الضلال هو ظلمهم لأنفسهم بعدم الإدراك الصحيح، وظلم العباد للنبيين، وفتنة المؤمنين، الاستدراك في قوله تعالى: (لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مّبِينٍ)؛ لبيان التفاوت بين حدة سمعهم وبصرهم التي توجب العجب، وحالهم في هذا اليوم في الدنيا التي كانوا فيها عمين عن الحق، ووقوعهم في الضلال المبين البين الواضح.
وإن اللَّه تعالى أمر نبيه الأمين أن ينذرهم بهذا اليوم المشهود؛ ولأنه يوم الحسرة عليهم؛ ولذا قال تعالى:
стр. 6714
(وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩)
(وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ)، أي أنذرهم بهذا اليوم الذي يكون حسرة (إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ)، إذ تبين أمر اللَّه تعالى الذي قضاه، بأن قدر وجوده ونفذه، و (إِذْ) ظرف متعلق بالحسرة، أي أنه الحسرة لأنه قضي الأمر وجاء التنفيذ. والحسرة، لأنهم فرطوا في أمورهم ويقولون يا حسرتنا على ما فرطنا في جنب اللَّه، والحسرة؛ لأنهم رأوا العذاب وعاينوه، والحسرة لأنهم أنكروه، وهم اليوم قد عاينوه، والحسرة لأنهم خسروا أنفسهم وكذّبوا بلقاء اللَّه.
وقد وصفهم اللَّه تعالى بوصفين أحدهما ذريعة الآخر:
الوصف الأول: أنهم في غفلة فقال تعالى: (وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ) الجملة حالية أي والحال أنهم في هذه الدنيا في غفلة، والتعبير بقوله: (فِي غَفْلَةٍ) يفيد أنهم قد
стр. 6715
استغرقتهم الغفلة واستولت عليهم وحاطتهم كأنها ظرف لهم قد استقروا فيه، والغفلة قد جاءتهم من غرور بالحياة الدنيا، ومن استيلاء الأهواء على نفوسهم، فصاروا لَا يصدرون إلا عنها، وجاءتهم من سيطرة الأوهام عليهم، وجاءتهم من أنه لَا مرشد ولا هادي، وليس فيهم أمر بمعروف أو نهي عن منكر.
والوصف الثاني: أنهم (لا يُؤْمِنُونَ) وعبر اللَّه سبحانه عن ذلك بقوله تعالى: (لا يُؤْمِنُونَ) وهذه الجملة حالية كأختها، والحال أنهم لَا يؤمنون، وكان النفي نفيا للمضارع للإشارة على استمرارهم على الإيمان وهو نتيجة للغفلة التي أحاطتهم وسكنوها؛ لأن الإيمان بصر الحقائق وإدراك لها.
هذا، وإن الغرور المتمكن في أهل هذه الدنيا أنهم يحسبون في أعمالهم أنهم باقون، ولا يفكرون في الموت، وإن فكروا في الموت لَا يفكرون في البعث، وقد أكد هاتين الحقيقتين الموت والبعث فقال تعالى:
стр. 6716
(إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٤٠)
أخبر اللَّه تعالى عن نفسه بعبارة تدل على عظمة اللَّه وجلاله، وأكد ضمير (إِنَّا) بـ (نَحْنُ)، للدلالة على أنه لَا باقي إلا اللَّه تعالى، والجميع ميت، كما قال تعالى مخاطبا نبيه: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)، وقوله تعالى: (نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا)، أي نحن نرث الأرض ونرث من عليها، فموضع (وَمنْ) في قوله تعالى: (وَمَنْ عَلَيْهَا) النصب بـ (نَرِثُ)، ومعنى وراثتها أنه هو وحده الباقي بعد الأرض ومن فيها فكلها إلى نهاية، وقد شبه وجوده العزيز الجبار بأنه يكون بعدها؛ كي يكون الوارث بعد المورث، فالمورث يموت والوارث يموت بعده، ولكن اللَّه حي لا يموت، وليس المعنى أن اللَّه يرث الأرض ويرث ما ترك الناس من المال والنسب، فاللَّه غني عن المخلوقات كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)، ثم قال: (وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ) وهو البعث، وقدم الجار
стр. 6717
والمجرور عن الفعل الذي يتعلق به؛ لبيان أن المرجع إليه وحده، وهو وحده مالك يوم الدين يوم الجزاء، يوم القيامة، يوم توفى كل نفس ما كسبت.
* * *
إبراهيم ﵇ وأبوه وأولاده
قال الله تعالى:
(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)
* * *
стр. 6718
ذلك طرف من أخبار أبي الأنبياء إبراهيم ﵇، وقد ذكرت أخبار إبراهيم في عدة مواضع من القرآن الكريم، ولا تكرار فيها قط، بل ذكر في كل موضع جزء من أخباره يخالف الآخر، ففي سورة البقرة كانت أخبار بناء الكعبة وصلة إبراهيم بخاتم النبيين محمد ﷺ ، وفي آخرها خبر إحياء الموتى، وفي سورة الأنعام كان تأمله في النجم والقمر والشمس حتى اهتدى إلى الله، وفي سورة التوبة كان وصف إبراهيم المصور لشخصه الكريم بأنه أواه حليم، وفي سورة إبراهيم كانت دعوته لذريته: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ)، وفي السورة نفسها كانت قصة هبة اللَّه له إسماعيل وإسحاق: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ. . .)، وفي سورة الأنبياء كانت قصة تحطيمه الأوثان وإلقائه في النار: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) وهكذا نرى أنه لَا تكرار في القرآن وقصصه، وإذا كانت قصة إبراهيم وموسى ونوح وغيرهم قد تكرر ذكرها في القرآن فليس تكرارا لأخبار واحدة، وإنما تتناول الأجزاء نواحي مختلفة، ولا تتكرر ناحية.
قال تعالى في ابتداء قصة إبراهيم:
стр. 6719
(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١)
الأمر للنبي ﷺ ، والكتاب هو القرآن، و (ال) للاستغراق، المعنى أي أنه هو الكتاب الجدير بأن يسمى كتابا، وهو الكامل والستغرق لكل صفات الكمال، والقصر فيه قصر إضافي، أي أنه لَا كتاب يوصف بالكمال المطلق سواه، وقوله تعالى: (إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا) والصِّدِّيق هو البالغ أقصى درجات الصدق في القول والعمل والإذعان للحق، وهو الذي يصدق الحق إذا ألقي إليه، لَا يماري فيه ولا يمتنع عن الإقرار به والإذعان له، وأي دلالة أبلغ من التصديق والإذعان عندما رأى في المنام أنه يذبح ابنه فَهَمَّ بأن يذبحه، وقد قال تعالى في ذلك: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا
стр. 6720
تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩).
وهو نبي من أولي العزم من الرسل، وَجَدُّ خاتم النبيين.
وإن هذا الجزء من قصة إبراهيم فيه علاقة الأبوة بإبراهيم واحترامها والتلطف فيها والرفق بها والمحبة لها.
قال تعالى عنه مخاطبا أباه:
(إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣)
ابتدأ بندائه بقوله: (يَا أَبَتِ) وهو نداء المحبة العاطفة المقربة، وذلك شأن الداعي الكامل يبتدئ بما يقرب ولا ينفر.
و
стр. 6721
(إِذْ) متعلقة بـ (اذْكُرْ)، أي اذكر حال دعوته لأبيه تلك الدعوة الرفيقة المقربة الميسرة الهادية المرشدة، وأمر اللَّه تعالى نبيه محمدا ﷺ بأن يذكرها في الكتاب لتتلى على الناس ويأخذوها سُنة في الدعوة إلى الحق، وخصوصا الأقربين الأدنين لهم، والتاء في قوله تعالى: (يَا أَبَتِ) عوض عن ياء المتكلم، وذكرها بدل الياء مبالغة في التلطف والرفق، بل ربما يكون فيها من تدلل الأبناء على الآباء معنى محبب مقرب.
وابتدأ بأن قال غير موجه لوما ولكن ساق إرشاده مَساق الاستفهام المستدنى، لا مقام الآمر المستعلي سائلا له سؤال المستفهِم في سياقه، ولكن المنبه بأرفق تعبير: (يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا)، لقد وصف معبوده وهو الصنم بثلاث صفات سلبية:
الوصف الأول: أنه لَا يسمع، وكيف يعبد من يسمع ما لَا يسمع، فهو أقل كمالا منه وهو عاجز، لأن عدم السماع عجز.
стр. 6722
الوصف الثاني: أنه لَا يبصر وأنت تبصر، ومن يبصر أكمل مما لَا يبصر، فكيف تعبد هذا الذي ينقص عنك، وأنت خير وأفضل منه.
الوصف الثالث: أنه لَا يدفع عنه ضرا ولا يجلب له نفعا، وهذا قوله تعالى: (وَلا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا)، أي لَا يدفع شيئا، ومجموع هذه الصفات السلبية تفيد أنه لَا يجلب له أي نفع؛ لأنه فاقد لصفات اللَّه التي يكون بها القدرة على وقد قال الزمخشري في ذلك: " انظر حين أراد أن ينصح أباه، ويعظه فيما كان متورطا فيه من الخطأ العظيم والارتكاب الشنيع الذي عصى فيه أمر العقلاء وانسلخ عن قضية التمييز من الغباوة التي ليس بعدها غباوة، كيف رتب الكلام معه في أحسن اتساق، وساقه أرشق مساق، مع استعمال المجاملة والرفق واللين والأدب الجميل والخلق الحسن منتصحا في ذلك بنصيحة ربه عز وعلا، حدث أبو هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : " أوحى الله إلى إبراهيم ﵇ إنك خليلي، حَسِّنْ خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار، فإن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه أظله تحت عرشي وأسكنه حظيرة القدس وأدنيه جِواري " (١).
وإنه بعد أن نبه إلى أن الأوثان تتقاصر عن مقام الألوهية، بل حتى الإنسانية، بل الحيوانية أخذ يوجهه إلى الحق الكامل، فقال في رفق أيضا كما ابتدأ أولا مُصَدِّرًا القول بخطاب المحبة الراجية.
стр. 6723
(يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣)
يقول العلماء التحلية قبل التخلية، بين أن الأوثان عاجزة في ذاتها عن جلب النفع ودفع الضرر، وذلك كافٍ للامتناع عن عبادتها، فإنما يعبد العاقل من هو أعلى منه قدرة وفهما وإدراكا، وهذه دونه في الخلق والتكوين، فمن يعبد؟! أخذ يبين له المعبود فقال بنداء المتوسل المتحبب: (يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ)
стр. 6724
لم يرم أباه بالجهل، وقد منعه الخُلُق الودود من ذلك، بل قال له (جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ)
والمعرفة (مَا لَمْ يَأْتِكَ) فتعفف عن أن يرميه بالجهل، وتعفف عن ادعاء العلم الكامل حتى لَا يكون مستطيلا بفضل علمه على أبيه ومستعليا عليه، بل قال: (مِنَ الْعِلْمِ)، أي بعض العلم، وذلك يجعلني أدعوك إلى الحق، وذكره العلم داع لأن يتبعه؛ لأن الأب الرفيق العاطف يحب لابنه العلم، ولو كان أعلى منه، وإذا كان له بعض العلم الذي يسره، ولا يضره، فإنه يتبعه، ولذا قال: (فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا) " الفاء " هنا تفصح عن شرط مقدر تقديره: إذا كنت قد أوتيت هذا العلم فاتبعني أهدك، كما يتبع السائر في طريق لَا يعلمه الرائد الخريت (١) العارف.
والصراط: الطريق كما ذكرنا، والسوي: المستوي الذي لَا عوج فيه ولا أمت، وقد قال الزمخشري في هذا النداء من ذلك الابن البار بأبيه: " ثنى ﵇ بدعوته إلى الحق مترفقا متلطفا، فلم يسم أباه بالجهل المفرط، ولا نفسه بالعلم الفائق، ولكنه قال إن معي طائفة من العلم وشيئا منه ليس معك، وذلك علم الدلالة على الطريق السوي فلا تستنكف، وهبني وإياك في سير وعندي معرفة بالهداية دونك، فاتبعني أنجيك من أن تضل وتتيه ".
وبعد أن نبه إلى أنه لَا يليق أن يعبد ما لَا يسمع ولا يبصر وأمره باتباعه؛ لأنه بين له أن هذه الضلالة وهي عبادة ما لَا ينفع ولا يضر عبادة للشيطان عدو آدم وذريته فقال:
стр. 6725
(يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤)
ناداه بالأبوة وكرره تعطيفا وتلطيفا وتقربا، وكان النهي (لا تَعْبُد الشَّيْطَانَ) وعبادة الشيطان في أنه أطاع غوايته التي توعد بها عباد اللَّه فقال: (. . . لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)، فطاعته في معنى عبادته، ولأن