← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 6896–6935 · переход к 6901.

стр. 6896

(قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥) ابتدءا كلامهما بالالتجاء إلى الله الذي فوق كل جبار في الأرض، ولو كان فرعون، قائلين (ربَّنَا) أي الذي خلقنا ورئنا ويعرف ما عندنا من قدرة، وما عنده من طغيان ومدى ما نستطيعه معه، ومدى مسارعته إلى الشر، وعدم تردده (إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى) والفرط التقدم بالأذى والمسارعة إليه، فالفارط المتقدم السباق، ويقال فرس فارط، أي سابق الأفراس المسابقة، وبذلك يعاجلنا بالإهلاك أو الأذى قبل أن نرشده إلى رسالتك بلين القول أو جفائه (أَوْ أَن يَطْغَى) إذا سمع ولم يعجل بالإهلاك فيقول في طغوائه ما لَا يليق بمقامه الأعلى، أو يذهب به جبروته إلى منعنا من الدعوة وتضييق سبلها، أو ينزل بنا عقابا لَا يمكننا من الاستمرار في الدعوة، وفي الجملة يتبع معنا طرائق طغيانه من تعذيب وإيذاء مستمر، فطغيانه لَا حدَّ له، كما تعلم: قال الله تعالى لهما:

стр. 6897

(قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦) خاطبهما الله تعالى بعزته وجلاله مشيرا إلى أنهما في حمايته وكلاءته، وأنه يسمع ويبصر، فكيف يكون نهى عن الخوف، والنهي عن الخوف كيف يكون وهو فزع من الأمر المخوف إذ هو أمر نفسي لَا يقع تحت قبضة الخائف؟ ونقول في الجواب عن ذلك: إن المراد الأمر بالاطمئنان وقرار النفس، وأن يشعرا بجلال الله تعالى، وأنه معهما، ولذلك أعقب النهي عن الخوف بأنهما في معية الله تعالى فقال: (إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) أي إنني في صحبتكما أسمع قوله إذا هدد وأنذر، وأبصر فعله إن حاول سوءا أو أنزل بكما أذى، وإن هذا تبشير بأنه إن حاول أن يبطش بهما نزلت به البطشة الكبرى من رب العالمين.

стр. 6898

ولقد كان من موجبات الفطرة أن يعتريهما الخوف، فقد كان جبارا في الأرض ليس فوقه في قومه من يرد كيده، ويزيل طغيانه. اطمأنا إلى قول الله تعالى، وما كان لهما إلا أن يطمئنا بنصرته وتدبيره، ونجاتهما من فرط فرعون وطغيانه، ولذا قال:

стр. 6899

(فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧) " الفاء " هنا " فاء الإفصاح " تفصح عن شرط مقدَّر تقديره: إن ذهب الخوف، واطمأننتما إلى الله (فَأْتِيَاهُ) فاذهبا إليه، والتعبير بإتيانه يفيد أنهما مدرعان بقوة الله التي ترهب كل مخلوق، ولو كان فرعون طاغية الأرض (فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ) ذكرت رسالتهما معا مكاثرة عليه ومغالبة، ولأنهما رسولا رب العالمين أحدهما بالأصالة والثاني بالمؤازرة والمعاونة، لقد أعطاهما الله تعالى قوة بعد ضعف وأمنا بعد خوف فأمراه ونهياه، وهو الذي كان يقول أنا ربكم الأعلى، أمراه فقالا: (فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ) والأمر والنهي يتعلق بسلطانه وقوته وبطشه فهو يمسّ صميم جبروته (فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) وتخلَّ عن حكمهم وأخرجهم عن طاعتك وجبروتك وطغيانك (وَلا تُعَذِّبْهُمْ) وكان - عليه اللعنة - يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم ويكلفهم بأشقّ الأعمال من حفر الترع وحمل الطوب والآجرّ والأحجار في بناء الأبنية الكبيرة مع الإذلال والاستهانة والعنت الشديد، فجمع لهم عذاب الأجسام وإرهاقها، وعذاب الأنفس بإذلالها، وإذاقتهم عذاب الهوان، فكان كلامهما محاربة لطغيانه، ومواجهة له في قوته وجبروته. و" الفاء " في قوله: (فَقُولا) عاطفة للترتيب والتعقيب من غير تراخ، فبمجرد أن أتياه جابهاه بالقول المر الذي لم يسمعه أبدا، ولكنهما أسمعاه له بقوة الله تعالى وقدرته، وبما ألقاه تعالى في قلوبهما من قوة الحق الذي جهرا به، ولقد رجعا إلى الله تعالى في آياته البينة التي تدل على رسالتهما، فقالا: (قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ من رَّبِّكَ) وهنا انتقل الموقف بهما من خائفين إلى مرهبين، وقوله تعالى: (قَدْ جِئْنَاكَ)، أي جئناك مجابهين مسلحين بآية (مِّن رَّبِّكَ) الذي خلقك ورباك وأعطاك هذا السلطان

стр. 6900

والجبروت اختبارا لنفسك، وكل فعل وقول محتسما عليك، وختما قولهما بإلقاء الأمن بعد الإرهاب المفزع له، ولو كان فرعون مصر، فقالا: (وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى)، أي إن الأمن والاطمئنان والدعة وعدم الانزعاج يكون لمن اتبع الهدى، فإن لم تتبع الهدى فلا أمن ولا اطمئنان، بل انزعاج وعدم استقرار، وإرهاب من الله، ولو كنت فرعون، ووحَّدا الآية وهما اثنتان؛ لأن المراد ما به البرهان على الرسالة وواحدة كافية. أخذا يخاطبانه بالرسالة التي بعثا بها، فقالا:

стр. 6901

(إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨) أي أن الرسالة التي بعثنا بها وأُوحي إلينا من الله معناها ولبها (أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وتَوَلَّى) وأعرض موليا الداعي بوجهه نائيا بجانبه عنه، وهنا إشارتان: إحداهما أن موسى ﵇ كان ربه يكلمه ويوحى إليه، والثانية: أنهما ابتدءا الدعوة بالجزء المخوف منها، وهو العذاب لمن تولى وأعرض ونأى بجانبه عن الدعوة؛ وذلك لأن الجبابرة يرهبهم الأمر المغيب عنهم ويفزعهم فيحاولون من بعد إرهابهم الاستماع إلى القول، وإن كانت عاقبة الاستماع في الاستجابة غير محققة، فالشر ينازع نفوسهم، ويقاوم الخير، فأيهما غلب كانت العاقبة له. وقد أكد سبحانه الوحي وموضوعه بـ " قد "، و " أنَّ ". ولقد كان ذلك الترهيب له أثره فقد اتجه إلى الاستفهام والتعرف. . .

стр. 6902

(قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩) كان الخطاب لهما ولكن اختص موسى بالذكر؛ لأنه المتكلم باسمهما، فما كانا يتكلمان معا، بل كان يتكلم موسى ويوافقه هارون، لأن هذا وزير، وذاك الرسول المبعوث، ولأنه كان يأنس موسى، لأنه تربى في كفالته، ورعايته، وهو قريب إلى نفسه مع ما بينهما من بعد بالهداية في موسى، والكبرياء الضال في فرعون، وقال الزمخشري: لأنه كان يعلم رُتَّة لسانه ويريد أن يحرجه في البيان، ويستدل على ذلك بقوله عندما احتدم الخلاف: (أَمْ أَنَا خَيْرٌ منْ

стр. 6903

هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ)، على أي حال مهما يكن السبب اختص موسى بالنداء وعمم خطابهما. قال: (فَمَن رَّبكُمَا يَا مُوسَى)، أي إذا لم أكن ربكما الأعلى فمن ربكما، فالفاء واقعة في جواب شرط مقدر. أجَابه موسى لأن النداء وجه إليه فتعين أن يكون المجيب:

стр. 6904

(قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠) (رَبُّنَا) الذي خلقنا ورَبُّنَا الذي قام على شئوننا، وسيَّر أمورنا هو (الَّذِي أَعْطَى كلَّ شيْء خَلْقَهُ)، أي صورته وحاله التي تناسب ما عهد به إليه فهو أعطى كل شيء وجوده وهيأه لما أنشأه لأجله، ولقد قال في ذلك الإمام الزمخشري: " أى أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة به، كما أعطى العين الهيئة التي تطابق الإبصار، والأذن الشكل الذي يوافق الاستماع، وكذلك الأنف واليد، والرجل واللسان كل واحد مطابق لما علق به من المنفعة غير نابٍ عنه، أعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة ". والمعنى أنه أعطى كل موجود الصورة التي اختارها له، وهيأ كل ما فيه من قوى لما أعده الله له، فكل قوى الإنسان والحيوان صوَّره الله سبحانه لكي يؤدي عمله الذي خلقه الله تعالى له، ثم بعد هذا الخلق تكون الهداية العامة في الحياة وفي الخير وفي الشر، فقال تعالى: (ثُمَّ هَدَى) وكان العطف بـ " ثم " فيه دلالة على البعد بين أصل الخلق والتصوير، وأداء كل عضو مهمته في الحياة وإدراك معانيها، و (هَدَى) أي هدى كل عضو صورة لأداء المنفعة التي خلق لها فهديت العين إلى معرفة الأشياء بالبصر، وهديت الأذن لمعرفة كل ما يعلم عن طريق السماع، وهدى العقل الإنساني إلى إدراك الخيرِ والشر، كما قال تعالى: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجدَينِ)، وكما قال تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨). اتجه فرعون إلى سؤال آخر فقال:

стр. 6905

(قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) فأجابه موسى الحكيم الكليم: (قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢).

стр. 6906

قال فرعون: (فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى)، أي حالها ومآلها، وما صنع بها، و " الفاء " هنا للإفصاح، والسؤال قال بعض المفسرين: ليصرفه عن الحديث عن الله تعالى، وهو لَا يريد السماع عن إله غيره. وإني أرى أن السؤال كان عن أمر ديني عند المصريين القدماء، إذ إن الديانة المصرية كانت تؤمن بالبعث، ولذا عنوا بالتحنيط لتبقى الأجسام كما هي، وتبعث كما هي، ولهم في ذلك أقوال بينة، حتى إن الكتاب المقدَّس لديهم هو " كتاب الموتى " يضعونه في قبر الميت الذي يموت، وهو كتاب يشتمل على فضائل الأخلاق، وعلى ما تلقنه الروح لتحسن الإجابة أمام محكمة الحساب في اليوم الآخر عندهم، وهو يعدّ الكتاب الأعلى عند قدماء المصريين، ويتعبدون بقراءته أحياء ويوضع في قبورهم عند موتهم. وعلى ذلك إن سؤال فرعون لموسى عن حال القرون أي الأجيال، سؤال نابع من مذهبهم في الموتى، وإذا كان العرب يفضُلون المصريين بأنهم في جاهليتهم كانوا يعرفون الله الخالق المنزه عن المشابهة للحوادث، ولكنهم يعبدون الأوثان معه، فالمصريون القدماء عرفوا البعث والحساب، الأمر الذي كان يجهله العرب ويقولون: (. . . أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيد. . .). أجاب فرعونَ إجابة المفوض أموره لله تعالى:

стр. 6907

(قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢) أي إن علم حال الأموات بعد موتهم مسجل في كتاب، وهذا تشبيه علم الله تعالى الذي لَا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها بالعلم المسجل في كتاب، وإذا كان كالعلم المسجل فإنه (لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى) أي لَا يخطئ ولا ينسى؛ لأن المسجل لَا يمكن أن يكون فيه خطأ ولا يمكن أن يعروه النسيان. تعجل فرعون بعد أن ذكرا له أن العذاب على من كذب وتولى، فأخذ يسأل متعرفا بعد أن كان لَا ينزل إلى التعرف حاسبا أنه الإله الأعلى كما عبر عن نفسه، فسأل (فَمَن رَّبُّكمَا يَا موسَى) فأجابه إجابة مختصرة مفيدة؛ لأنها جامعة لمعنى الخلق فاعترض بقوله: (فَمَا بَالُ الْقرونِ الأولَى) صارفا القول، أو متعجلا في تعرف حال

стр. 6908

الأموات الذين كان أمرهم يهم المصريين لإيمانهم بأنهم يبعثون كما أشرنا، فكان ذلك الاعتراض شاغلا موسى عن أن يُتِمَّ التعريف بربه، ثم استأنف ذلك التعريف، فقال كما حكى الله تعالى عنه:

стр. 6909

(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) وقد ذكر موسى الكليم من قدرة الله تعالى ما يتصل بفرعون وأرض مصر، فأرض مصر منبسط هو واد بين جبلين، وعيشها ميسور سهل، وهي أرض زراعية يجري نيلها مبسوطا في ديارها من جنوبها إلى شمالها ممهدة ليست وعرة، فقال بوحي من ربه: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا)، أي ممهدة لينة سهلة ليست وعرة متعثرة بالأحجار، فهي لأهلها الذين يعيشون فكهين في نعيمها، كما يعيش الطفل في مهده، وهذا كناية عن الراحة والاستقرار، ثم بين سبحانه تسهيل الانتقال فيها من مكان إلى مكان في عيشة راضية (وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا) والمعنى خطها خطوطا، وأنشأ فيها سبلا، أي طرقا مختلفة مسلوكة، ونظير هذا قوله تعالى: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠)، وقوله تعالى: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)، وإن مصر كذلك مبسوطة الأرض فيها الطرق والوديان حتى الصحراء نجد فيها وسط كثبان الرمال المسالك الصحراوية والواحات التي تعد كالجنات في وسط الصحارى المجدبة (وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً)، أي أنزل من السحاب الذي يتكاثف ليعتريه البَرَد، فينزل ماء مدرارا، كما قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣) وماء النيل ينزل من السماء مطرا مدرارا، ثم يتجمع فيجري من جبال الحبشة حتى يصل إلى مصر لَا يعوقها عنها عائق. وقوله: (وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً) هو من حديث موسى عن ربه قطعا معرفا له لمن لَا يعرفه، وإن كانت فطرته تناديه معرفة، ولكنه يتجاهلها، ويصم أذنيه عن

стр. 6910

صوتها. ثم قال الله تعالى: (فَأخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى) انتقال من الغيبة إلى المتكلم، ويحتمل أن يكون ضمير المتكلم لموسى، وهو بعيد؛ لأنه ضمير جماعة، وليس ضمير مفرد ويحتمل أن يكون لله تعالى وهو الواضح؛ لأن الله تعالى هو الذي يخرج النبات، وإن كان الزارع هو الذي يحرث، ويلقي البذور بعد الحرث، ويرجو الثمار من الربِّ، وكان الالتفات إلى المتكلم لأنه تحول القول من موسى إلى ربه الذي يتحدث عنه، والفعل ثابت له، فهو يخرج الحب والنوى وهو الذي أخرج كل شيء، وقوله تعالى: (فَأَخْرَجْنَا بهِ)، أي بالماء فهو الذي أمدها بالحياة، كما قال تعالى: (. . . وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلًّ شَيْءٍ حَيٍّ)، وقوله تعالى: (أَزْوَاجًا) يقول المفسرون: أي أصنافًا، وأرى أن أزواجا ليست من الازدواج بمعنى الأصناف، بل من الزوجية، أي أنه من كل نبات زوجان كما أن في الحيوان من كلٍّ روجين، ففي النبات زوجان ذكر وأنثى يجري التلاقح بينهما وإن كان ربما لَا نراه ولكن يجري بمقدار. (مِن نَّباتٍ شَتَّى)، أي مختلف متنوع فهذا حب متراكب، وهذا في سنابل وهذا للإنسان وذاك للحيوان، وهذا نخيل باسق وهذا كروم، وهذه فاكهة ورمان، و (شَتَّى) جمع شتيت كمرضى جمع مريض، وهو على ما قلنا صفة للنبات. بعد أن ذكر سبحانه أنه الذي أخرج كل شيء من الزرع في بلد الزرع، وأنه هو الذي أنزل الماء من السماء في بلد النيل، بعد ذلك ذكر نعمته المباشرة في هذا فقال عز من قائل:

стр. 6911

(كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (٥٤) وهذا التفات من ضمير المتكلم إلى ضمير المخاطبين؛ لبيان النعم التي أنعم بها عليهم، إذ إن هذا النبات فيه طعام لكم ولأنعامكم " والأنعام " جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم، لأنها نعم أنعم بها عليكم في ركوبها، وفي أكلها، وفي أخذ أنواع المنافع منها، من أصوافها، وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين. وقوله: (كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ) الأمر فيها للإباحة لَا للوجوب، والأمر بالأكل للإنسان واضح ولا يكون إلا بعد الإعداد من طحين ونخل وعجن وخبز، وبعضها

стр. 6912

يؤكل مباشرة كبعض الخضر، وقال بالنسبة للأنعام (وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ) ولم يقل " لتأكل أنعامكم "، والجواب عن ذلك أن الماشية، لَا تخاطب، والنعمة ليست لها، إن النعمة لمالكها، ولذا جعل خطاب الإباحة موجها إليهم بقوله جلت عزته: (وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ)؛ لأن الرعي ذاته نعمة أنعم بها عليهم؛ إذ ربما تكون لهم أنعام ولا يجدون مرعاها، فلا يمكنهم أن ينتفعوا بها، ومعنى: (وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ) مكنوها من الكلأ، والعشب الذي خلقه تعالى، ومعنى رعيها أن يقوم على شئونها، ويتتبع بها مواطن الماء والكلأ، وينتقل بها من مكان إلى مكان لسقيها وأكلها، فالمقصود الظاهر هو أكلها، وهو تعبير عن السبب وإرادة المسبب، أو الفعل وإرادة المآل، وذلك مجاز مرسل جائز في أساليب البيان. (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لأُوْلِي النُّهَى) الإشارة إلى المذكور من آيات الله من خلق الأرض وجعلها ممهدة، وخط السبل فيها، وإنزال الماء من السماء إلى الأرض، وإخراج النبات أزواج في صنوف شتى متفرقة متعددة المنافع متنوعة الأجناس، إن في ذلك كله لآيات بينات تدل على قدرة الواحد الأحد، ولكن لَا يدركها إلا أولو النُّهى، أي أولو العقول، وسمي العقل " نُهية "؛ لأنه ينهى عن قبائح الأفعال، كما سمي العقل عقلا؛ لأنه يعقل النفوس عن الزلل والوقوع في الأخطاء والخطايا إن استعمل فيما خلقه الله تعالى له، ولم يشطط، ولم يفسد، وفي كل هذا كما أشرنا وحدانية الله؛ لأنه وحده الخالق الوهاب. * * * العناد والمواجهة بالآية (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥) وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (٥٦) قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ

стр. 6913

فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (٥٨) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (٦٠) قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (٦١) فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (٦٢) * * * استعلى فرعون على الخلق، واختبر الله به أهل مصر اختبارا شديدا حتى إنه فرض عليهم أن يجعلوه إلها فجعلوه، وفرض عليهم عبادة العجل فعبدوه، وأوجب عليهم أن يلغوا عقولهم في عقله، ورأيهم في رأيه، حتى إنه ليقول لهم مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ، فبين الله تعالى أنه من الأرض، ويعود إلى الأرض، ثم يكون الحساب الشديد على ما قدم من عمل، ولذا قال تعالى:

стр. 6914

(مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى). فعظامه ولحمه نبت من تراب، فآدم أبوه، وأبو الخليقة خلق من طين، ثم كان غذاء ذريته من نبات الأرض الذي ينبت في الطين، ومن حيوان الأرض الذي يتغذى من نباتها، وهكذا كان لحمه، ولقد كان خطاب الله تعالى لفرعون الذي استكبر واستعلى ليخفف من غلوائه. وما أن تنتهي حياته في الدنيا حتى يعود إلى الأرض التي نبت منها، وصوره الله من طينها، ولذا قال تعالى: (وَفِيهَا نُعِيدُكمْ) بأن تدفنوا فيها، وعبر بقوله: (وَفِيهَا نُعِيدُكمْ) فعدى بـ " في " دون " إلى "؛ للإشارة إلى أنه لم يخرج من محيط الأرض فمنها خلق وفيها يحيى فهو مستمر فيها حيًّا وميتًّا.

стр. 6915

وإنه سيخرج بعد ذلك بتجميع أجزائه المتفرقة، ولذا قال سبحانه: (وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى) لكن هذا الإخراج ليس خلقا جديدا كما خلقكم منها، بل هو إعادة بجمع المتفرق في أجزائها، كما قال تعالى: (قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ. . .). تلك موعظة الله لفرعون، وتلك آياته، ولقد قال تعالى بعد ذلك إنه أبى فقال تعالى:

стр. 6916

(وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (٥٦) آتى الله تعالى موسى تسع آيات بينات، كما قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ. . .)، وذلك لرسوخ الكفر في نفس فرعون وقومه، فكان لابد من قوارع جسيمة تقرع حِسَّهم لتخرجهم من كفرهم الذي كثفته السنون المتوالية، وتكثف بالحضارة المستمكنة، والعلم المادي الذي كانوا عليه، ولقد بدأهم موسى بالعصا واليد البيضاء من غير سوء، ثم توالت الآيات: الجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات، والرجز، وكل ذلك لم يُجدِ في القلب الجاسي المتصلب، والقلوب الخائفة التي تحسب أن الخنوع للفراعنة دين يتبع، ولذا قال: (وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كلَّهَا) وهذا النص يفيد أن الآيات كلها خوطب بها كل واحدة في ميقاتها، وعند الحاجة إليها، والوعد بالإيمان إذا رفعها الله، كما وَعَدوا بالإيمان إذا رفع الله الرجز عنهم، ولكنه رفعه، (فبغوا) وقبل أن نتكلم في أمر المعجزة الأولى وهي العصا نذكر أمرين، أولهما: أنه أكد أنه أبي وقد أعطاه الآيات كلها مبينا لها، واحدة بعد الأخرى مع أنه لم يبين هنا إلا آية واحدة وهي العصا، والجواب عن ذلك أن هذا النص الحكيم حكم عام على إبائه وتجبره واستكباره، وقد جاءته الآيات كلها، والإباء ختام لما قدمه موسى، فقد أكد الله تعالى أنه بين له الآيات كلها بـ " اللام " و " قد "، والتأكيد بكل ذلك حق لَا ريب فيه، ولكنه اختص أولى الآيات؛ لأنها التي كانت بها الصدمة الأولى.

стр. 6917

الأمر الثاني: لماذا اختص الله فرعون بالذكر ولم يذكر قومه إلا تابعين، ففي قصة النبي محمد ﷺ كان يذكر المشركون ويشار إلى زعمائهم، أما هنا فيذكر فرعون بالأصالة، وربما يذكر قومه بالإشارة، عندما يكون رجز يعم ولا يخص؟ والجواب عن ذلك أن قريشا كانوا أحرارا في تفكيرهم ولو باطلا، فلم يكن فيهم ملك أو طاغية يفرض رأيه ويقول لهم (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى)، وأما أهل مصر فقد رضوا أن تندغم إرادتهم في إرادته حتى ساغ له أن يقول: أنا مصر ومصر أنا وتلك خاصته فيهم، وقد رأينا بعضها الآن في عهد طاغية مضى: عندما قدم موسى أول آية ومعها الحجج الذي أفحمت فرعون، ونقول أرهبت الجبار عندما ذكر له أن العذاب على من كذب وتولى، وذكر آيته الباهرة في الخلق والتكوين، وخص بالذكر ما يتعلق بالزراعة والنيل، عندئذ تقرر أنه إذا كانت فكرة الإيمان قد راودته، ففكرة السلطان قد عاودته، ولا يتخلى ملك ولو كان غير فرعون عن سلطانه طوعا واختيارا فلابد من مقاومته، وقد خشي أن يتسرب الفكر من المؤمن إلى قومه فجاء المصريين من ناحية ما يحرصون عليه، وهو حرصهم على سلامة أرضهم، وأن يكون الحاكم فيهم منهم، ولو كان فرعون، فقال:

стр. 6918

(قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (٥٨) أتاهم من ناحية ما يحرصون عليه، وهو أرضهم، وأدخل قومه ليثير حميتهم، وقد خشي من موسى عندما انفرد بالقول معه، قد أفزعه بذكر ربه القوي القهار، الذي يُزيل ملك فرعون ونفسه بكلمة إن أرادها، ولقد قال في ذلك الزمخشري كلمة مصورة حاله: " إن فرائصه كانت ترتعد خوفا مما جاء به موسى ﵇، وإيقانه أنه على الحق، وأن المحق لو أراد قود الجبال لانقادت، وأن مثله لَا يخذل ولا يقل أنصاره، وأنه غالب على ملكه "، وذلك ما كان، فقد أزاله وملكه، وغرق في البحر هو وجنوده الذي تحكم بهم في رقاب المصريين، قال تعالى: (أَجِئْتَنَا) هذا استفهام للتنبيه، وحث الهمم على المقاومة والمحاربة لإنكار الذي جاء به خوفا من أن يتسرب

стр. 6919

إلى نفوسهم، كما تسرب لنفسه بالفزع والإرهاب والتخويف، ولكيلا يسري إلى نفوسهم كما سرى إلى نفسه الفرعونية، وإن كانوا دونه حرصا؛ لأن ما يملكونه قليل يتفضل به عليهم، وقال: (لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ) لتخرجنا من أرضنا يعترف بأنها أرضهم وأرضه، وأنه لَا ينفرد بملكيتها، وهو القائل لهم: (. . . أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي. . .)، ويقول (بِسِحْرِكَ) كأنه لفزعه وخوفه حسب أن السحر يخرج من الأرض، ولعله كان يعتقد ذلك؛ لأن السحر كان عندهم علما يغير ويبدل، ولكنه كان يستحث قومه على المقاومة، ولذلك قال

стр. 6920

(فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ ... (٥٨) وهنا يجب الالتفات إلى كلمة قالها في هذه الحَومة من الجدل، فلقد نادى موسى قائلا (يَا مُوسَى) استدرارا لمحبته، وتذكيرا له بسابق تربيته بينهم، إذ قال من قبل (. . . أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ)، وهذا يدل على فزعه واضطرابه وتلمس الأمن من أي جانب يكون فيه أمن واطمئنان، ولقد أقسم بما يقسم به عندهم، موثقا قوله عليهم مطمئنا إليهم (فَلَنَأتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مثْلِهِ) " الفاء " للسببية، أي بسبب سحرك لنأتينك بسحر يماثل سحرك، أقسم على قومهم استحثاثا لهممهم واستدرارًا لمعونتهم في هذا الكرب النفسي، وأكد قوله بـ " نون " التوكيد، وبـ " لام " القسم، وقال (مِثْلِهِ) شعورًا بالضعف، وأنه لَا يزيد عليهم فهو ليس عنده طاقة بالزيادة، ولذلك أراد اللقاء في معركة، ولم يجرؤ على أن يعين هو مكانها وزمانها وترك لموسى أن يعد الأمر ويبين الموعد، فقال: (فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنتَ مَكَانًا سُوًى)، تلطف فرعون الجبار مع موسى الكليم ففوض إليه أن يختار هو الزمان والمكان الذي تكون فيه المغالبة بين سحرهم وعصى موسى، ولا شك أن هذا التلطف كان يمكن أن يكون مطمعا للإيمان، لولا الملك وطغيانه، وأن مصر بلد السِّحر، وأن سحرتها كانوا علماءها، وقوله: (موْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنتَ مَكَانًا سُوًى) (مَوْعِدًا) مفعول بـ (فَاجْعَلْ) وكذلك (مَكَانًا) وسُوًى) أي مكانا عدلا ووسطا بين الفريقين لَا يشق علينا ولا عليك، وهو صالح

стр. 6921

لأن يجتمع فيه الناس. وقوله على لسان فرعون (لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنتَ)، أي لا نخلف فيه الوعد، وقدم نفسه ومن معه في عدمِ الإخلاف تطامنا، وتلطفا في القول، ثم تحدث عن موسى تلطفا معه، فقال (ولا أَنتَ). و (مَوْعِدًا) مصدر ميمي بدليل (لَا نُخْلِفُهُ) فالوعد هو الذي لَا يُخلف، والإخلاف عدم الالتزام، فالتزام فرعون بالموعد الذي يعينه موسى، والموعد يتضمن التعريف بزمان اللقاء ومكانه، وقد أجاب موسى ﵇ بقوله:

стр. 6922

(قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩) أجابه موسى ﵇ مبينا الزمان والمكان، فالزمان هو ضحى يوم الزينة، والمكان هو مكان الاحتفال بيوم الزينة الذي يجتمع فيه الناس لهذا الاحتفال، و " الحشر " هو الجمع، كما قال تعالى في آية أخرى: (فَأَرْسَلَ فِرْعَوْن فِي الْمَدَائنِ حَاشِرِينَ). و (مَوْعِدُكُمْ) اسم زمان بدليل أنها محمول وموضوعها يوم الزينة فلابد أن يتفق المحمول والموضوع في الماهية، فلا يكون المحمول مكانا، والموضوع زمانا. وما يوم الزينة؛ لم يبين القرآن ما هو ذلك اليوم، ولم يصح عن السنة ما يدل عليه، فقال بعض التابعين: يوم عاشوراء، وقيل يوم سوق عظيم يتزين فيه الشعب، وأقرب الأقوال إلى العقول، أنه يوم وفاء النيل، - فمصر من قديم الزمان تحتفل فيه وتتزين سرورا باطمئنانها على السقي والرعي، ولعل كليم الله موسى اختار ذلك اليوم لأنه يكون فيه جمع حاشد، وفيه تذكير برحمة الله تعالى على مصر بهذا النيل السعيد، الذي يفيض رحمة من الله، فيكون الفصل في قضية الإيمان في زمان ومكان يكون نعمة الله سابغة على مصر الزراعية. بعد الاتفاق على الموعد وزمانه لَا باليوم فقط بل بجزء من اليوم وهو ضحى يوم الزينة، واختار الضحى ليكون الجمع أحشد، والشهود أكثر، فتكون المقاضاة على الحق أمام أكبر عدد ممكن، وتكون الدعوة والتبليغ لأوفر عدد، بعد هذا الاتفاق

стр. 6923

انصرف فرعون وأخذ يتجادل في الرأي مع أحد شوراه، وأهل الرأي والنظر الذين يستنصر بهم، ولذا قال تعالى:

стр. 6924

(فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (٦٠) " الفاء " عاطفة، أي بعد هذا الاتفاق على اللقاء ومكانه مباشرة انصرف فرعون، وأخذ يجمع أهل الرأي، ويتعرف الرأي الجامع منهم، وهذا هو التدبير الذي دبره، وسماه الله تعالى كيده، لأنه كان يدبر للغلب، يتعرف من يرسل إليه ومن يجيئون، ويتعرف بذلك أخلص الناس له، وأخذ هذا التدبير وقتا طويلا، ولذا قال بعده (ثُمَّ أَتَى) فكان العطف بـ " ثم " التي تدل على التراخي، وهذا يدل على أن جمع الكيد والتدبير أخذ وقتا طويلا. أتى إلى الموعد، وموسى كليم الله تعالى قد أتى، وفد ابتدأ كليم الله ﵇ بإرهابهم بقوة الله تعالى؛ لأنهم مقهورون بقوة فرعون وطاغوته وجبروته، فذكر أن قوة الله أعظم، وسلطانه أكبر فقال:

стр. 6925

(قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (٦١) اتجه إليهم ببيان قدرة الله تعالى وأنها تستأصل، ليزيل برهبة الله تعالى القادر - رهبة فرعون الذي لَا يملك من أمره شيئا وإنما قوته تخيل ووهم، وهو في ذاته ضعيف كغيره من الناس. ومعنى قوله تعالى عن موسى: (لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) معناه: لا تقطعوا كذبا ولا تقولوه في مقام الحق، وصدَّر النهي بقوله: (وَيْلَكُمْ) أي الهلاك النازل بكم إن غيرتم الحق وبدلتموه وآثرتم الباطل عليه مرضاة لفرعون وقومه ممالئين في الحق وتقولون الباطل، ثم أكد وقوع الهلاك عليهم فقال الله عن موسى: (فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى) الإسحات: الاستئصال، وألا تبقى منهم (باقية)، ومع هذا الاستئصال الخيبة؛ لأن الافتراء أشد الخيبة وأفحشها ولا يلجأ إليه إلا الخائبون في ذات أنفسهم، يعني أنكم إن كذبتم وافنريتم فإن الهلاك نازل بكم لا محالة، ولا تكونون قد نجحتم في هذا السباق الذي يكون فيه الاتجاه إلى طلب الحق.

стр. 6926

أثرت هذه الكلمات الصادرة عن كليم الله تعالى في نفوسهم تأثيرا قويا، كما أثرت لقاءات موسى مع فرعون في نفسه فجعلته يتطامن في القول، ويبهره الحق الواضح، ولتأثير هذه الكلمات في أنفسهم أخذوا يتجادلون فيما بينهم، وقال تعالى عنهم:

стр. 6927

(فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (٦٢) الفاء للسببية، أي بسبب ذلك القول الرهيب الذي أرهبهم تنازعوا أمرهم أي تجادلوا مختلفين غير متفقين في موقفهم من فرعون الذي كلفهم، وموسى الذي أفزعهم إن حادوا عن الصواب وجانبوا الحق، وعبر سبحانه عن تجادلهم بأنهم تنازعوا القول فكان فريق في جانب، وآخر في جانب، وتجادلوا وكل مجادلة بين متناقضين في النظر نزال وتصارع في الأمر، ولكنهم من بعد غلب عليهم أنهم يريدون السلامة لأنفسهم، وأسروا القول، ولم يريدوا اطلاع الناس على أحاسيسهم وفزعهم، ولذا قال في وصف حالهم: (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى) أي بالغوا في إسرار مناجاتهم؛ لأن المناجاة ذاتها إسرار، ومعنى إسرارها المبالغة فيها بحيث لَا يستطيع أحد أن يطلع عليهم، ولا يعرف ما أسروه وتناجوا به. * * * المنازلة (قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (٦٤) قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ

стр. 6928

أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠) * * * إنهم اختلفوا عندما بين لهم كليم الله موسى ﵇ عاقبة الأمر وتناجوا فيما بينهم وأسروا النجوى مبالغين في الإنكار، وانتهوا إلى أن أعلنوا رأى فرعون اتقاء للشر وتعرفا للأمر بعد وقوعه. (إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ) فيها ثلاث قراءات أولاها وأشهرها بـ (إِنَّ) المشددة والألف في الاسم والخبر، والقراءة الثانية (إِنَّ هذين لساحران) بـ (إِنَّ) المشددة والياء في (هذين)، والقراءة الثالثة (إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ) بـ " إنْ " المخففة لَا المشددة. وإن القراءة الوسطى (الثانية) سائرة على الإعراب المشهور وهو أن (هذين) اسم " إنَّ " منصوب بالياء. وأما القراءة الأولى فقالوا إنها على اللغة التي تلزم المثنى الألف في الرفع والنصب والجر كما هي في الأسماء الخمسة، كما قال القائل: إن أباها وأبا أباها ... قد بلغا في المجدِ غايتاها وأما القراءة الثالثة التي تقرأ بتخفيف " إنْ " فنقول: إن (إنْ) مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن ويكون التقدير إنه الأمر المقرر الثابت هذان لساحران، وتكون اللام لام التوكيد، وتؤذن بأن تكون " إنْ " مخففة من الثقيلة، هذه لفتة إلى الإعراب، قد ضل بعض الناس فادعى أنه روي عن عثمان أن في المصحف لحنا تصححه ألسنة العرب، وهذا الضلال كان هنا في المقام، اللهم إن هذا بهتان عظيم على جامع القرآن ذي النورين ﵁ وعفا عنه وجزاه عن الإسلام خيرا (١).

стр. 6929

ونعود على عَجَل إلى الكلام في معنى الآية الكريمة، إن السحرة بعد أن أفزعتهم مقولة موسى، وبيان عاقبة قولهم إن حادوا عن الحق وآثروا أن ينطقوا على هوى فرعون حتى يتبين لهم الحق،

стр. 6930

(قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣) . ضربوا على نغمة فرعون ابتداء منجاة بأنفسهم من بطشه، والنفس الإنسانية دائما مأسورة بالأمر الحاضر مؤجلة القابل إلى ميقاته، وكذلك كان هؤلاء (وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى)، " الباء " هنا للتعدية والمعنى ليذهبا طريقتكم، وجيء بالباء لتقوية التعدية أي ليذهبا أي إذهاب بطريقتكم المثلى، أي دينكم الأمثل وكل معتقد يعتقد في دينه أنه الأمثل في الأديان، وإن كان ضلالا في ضلال. ويظهر أنه كان الخلاف مستحكما ولكن أخفوه، ولذا قالوا.

стр. 6931

(فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (٦٤) الفاء للسببية، أي بسبب أنهم أرادوا بسحرهم أن يخرجاكم من أرضكم، ويذهبا بطريقتكم المثلى، وهو أمر جامع متفق عليه، فأجمعوا كيدكم أي اعتزموه، وأقدموا مجتمعين غير متفرقين، وائتوا إلى موسى صفا لَا خلل فيه ولا افْتراق ولا تنازع، واتفقوا على أمور ثلاثة: أولها: إجماع كيدهم، وهو تدبيرهم، ادخلوا الحومة مجمعين على تدبير واحد غير متفرقين فإن الإجماع وحده قوة، والفرقة ضعف وعجز، ولا تنازعوا فتفشلوا. وثانيها: أن يأتوا موسى صفا واحدا لَا ثلمة فيه ولا افتراق، فإن ذلك يزرع في نفسه الهيبة منكم، قالوا ذلك وكأنهم مقدمون على ميدان قتال. والأمر الثالث: أنهم اتفقوا راغبين في الاستعلاء وأخذ الأجر من فرعون والاستعلاء بعزته الفرعونية وكبريائه الغاشمة، ولذا قالوا: (وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ منِ استَعْلَى)، أي فاز برضا فرعون من استعلى على خصمه، والسين والتاء للطلب، أي

стр. 6932

طلب العلو فعلا، وهذا حث على أن يشمروا عن ساعد الجد ليفوزوا برضا فرعون، ويستعلوا عنده باستعلائهم بالانتصار في هذا الميدان السحري، اتجهوا بعد ذلك إلى موسى وقالوا له: (. . . يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) بادروه باسمه توددا له كما تودد من قبل فرعون، ولأنه كان عندهم من بيت فرعون من قبل، فله مكانته في نفوسهم الفرعونية، وحسن أدب منهم، لأنه قد شارفت نفوسهم الحقيقة وإن لم تدخلها، ولذا تنازعوا فيها، خاطبوه بأدب فقالوا

стр. 6933

(. . . يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإمَّا أَن نَّكونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى)، أي اختر لنفسك أحد الأمرين، إما أن تلقي أنت عصاك التي في يدك، وإما أن نكون أول من ألقى، قابل موسى الكليم أذبهم بكرمه وقد لمح من كلامهم بإشارة القول أنهم يريدون أن يبدءوا، إذ قالوا في تخييره (وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى) فنفذ رغبتهم المطوية في عباراتهم، ولأنه يريد أن يعرف ما عندهم قبل أن يعرفوا ما عنده؛ ولأن الترتيب الذي ألهمه الله تعالى به، أنها ستلقف ما يلقون، فكان الترتيب الطبيعي أن يلقوا هم أولا، فقال موسى

стр. 6934

(. . . بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) استنفذوا كل جهدهم وطاقتهم، وقد سحروا بفعلهم أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم، وخُيِّل إلى موسى من سحرهم أن عصيهم تسعى، وما انقلبت حيات تسعى، بل هي على حقيقتها حبال وعصي، ولكن الأعين هي التي سحرت، ولذا قال تعالى في تأثير ذلك على موسى (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسعى) ولقد كان ذلك التخيل مفاجأة لموسى، ولذا عبر بـ (إذا) التي للمفاجأة، والمفاجأة ما كانت في تحول العِصِيّ إلى حيات، إنما كانت المفاجأة التي خيل إليه من سحرهم أنها تسعى، وكان موسى ﵇ تتمثل فيه الطبيعة البشرية، والتخيل يؤثر في البشر وإن كان عنده الحق المبين، ولكن لَا تزول المفاجأة إلا بتأييد من الله، والله معه:

стр. 6935

(فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا (فَأَوْجَسَ) معناها أضمر أو أحس أو خاف، وذلك لأنه فوجئ بأمر لم يكن قد ألفه واعتاده، وهو أن يرى تخيلا عصيا وحبالا
следующие страницы →