← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 6931–6970 · переход к 6936.

стр. 6931

(فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (٦٤) الفاء للسببية، أي بسبب أنهم أرادوا بسحرهم أن يخرجاكم من أرضكم، ويذهبا بطريقتكم المثلى، وهو أمر جامع متفق عليه، فأجمعوا كيدكم أي اعتزموه، وأقدموا مجتمعين غير متفرقين، وائتوا إلى موسى صفا لَا خلل فيه ولا افْتراق ولا تنازع، واتفقوا على أمور ثلاثة: أولها: إجماع كيدهم، وهو تدبيرهم، ادخلوا الحومة مجمعين على تدبير واحد غير متفرقين فإن الإجماع وحده قوة، والفرقة ضعف وعجز، ولا تنازعوا فتفشلوا. وثانيها: أن يأتوا موسى صفا واحدا لَا ثلمة فيه ولا افتراق، فإن ذلك يزرع في نفسه الهيبة منكم، قالوا ذلك وكأنهم مقدمون على ميدان قتال. والأمر الثالث: أنهم اتفقوا راغبين في الاستعلاء وأخذ الأجر من فرعون والاستعلاء بعزته الفرعونية وكبريائه الغاشمة، ولذا قالوا: (وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ منِ استَعْلَى)، أي فاز برضا فرعون من استعلى على خصمه، والسين والتاء للطلب، أي

стр. 6932

طلب العلو فعلا، وهذا حث على أن يشمروا عن ساعد الجد ليفوزوا برضا فرعون، ويستعلوا عنده باستعلائهم بالانتصار في هذا الميدان السحري، اتجهوا بعد ذلك إلى موسى وقالوا له: (. . . يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) بادروه باسمه توددا له كما تودد من قبل فرعون، ولأنه كان عندهم من بيت فرعون من قبل، فله مكانته في نفوسهم الفرعونية، وحسن أدب منهم، لأنه قد شارفت نفوسهم الحقيقة وإن لم تدخلها، ولذا تنازعوا فيها، خاطبوه بأدب فقالوا

стр. 6933

(. . . يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإمَّا أَن نَّكونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى)، أي اختر لنفسك أحد الأمرين، إما أن تلقي أنت عصاك التي في يدك، وإما أن نكون أول من ألقى، قابل موسى الكليم أذبهم بكرمه وقد لمح من كلامهم بإشارة القول أنهم يريدون أن يبدءوا، إذ قالوا في تخييره (وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى) فنفذ رغبتهم المطوية في عباراتهم، ولأنه يريد أن يعرف ما عندهم قبل أن يعرفوا ما عنده؛ ولأن الترتيب الذي ألهمه الله تعالى به، أنها ستلقف ما يلقون، فكان الترتيب الطبيعي أن يلقوا هم أولا، فقال موسى

стр. 6934

(. . . بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) استنفذوا كل جهدهم وطاقتهم، وقد سحروا بفعلهم أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم، وخُيِّل إلى موسى من سحرهم أن عصيهم تسعى، وما انقلبت حيات تسعى، بل هي على حقيقتها حبال وعصي، ولكن الأعين هي التي سحرت، ولذا قال تعالى في تأثير ذلك على موسى (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسعى) ولقد كان ذلك التخيل مفاجأة لموسى، ولذا عبر بـ (إذا) التي للمفاجأة، والمفاجأة ما كانت في تحول العِصِيّ إلى حيات، إنما كانت المفاجأة التي خيل إليه من سحرهم أنها تسعى، وكان موسى ﵇ تتمثل فيه الطبيعة البشرية، والتخيل يؤثر في البشر وإن كان عنده الحق المبين، ولكن لَا تزول المفاجأة إلا بتأييد من الله، والله معه:

стр. 6935

(فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا (فَأَوْجَسَ) معناها أضمر أو أحس أو خاف، وذلك لأنه فوجئ بأمر لم يكن قد ألفه واعتاده، وهو أن يرى تخيلا عصيا وحبالا

стр. 6936

تتحول إلى حيات تسعى، ثم يرى الجماد يسعى ويتحرك يمينًا وشمالا، وأمامًا ووراءً، فهذا التحول المفاجئ للحس يرهب، و (خِيفَةً) " فِعْلة " من الخوف، قلبت الواو ياء لكسر ما قبلها وسكونها، أي صار في حال خوف وهيبة من المفاجأة، ولأنه خشي أن يؤثر ذلك في الجماهير الحاشدة، فتصدق هذا الإفك، ولقد كان الله معه، وعليما بحاله، فقال له مطمئنا: (لا تَخَفْ) ولذا قال تعالى:

стр. 6937

(قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) أي أذهب عنك الهواجس التي اعترتك من المفاجأة لأننا معك، والعاقبة لك (إِنَّكَ أَنتَ الأَعْلَى) في هذه المبارزة، وأفعل التفضيل ليس على بابه؛ لأنهم لَا علو عندهم، وإنما المراد أنك أنت الغالب على فرعون وملئه، وأنت المسيطر في الجولة، ومعك سلاح الغلب والسلطان، وهو المعجزة التي، في يمينك، ولذا قال له عز من قائل ينبهه إلى معجزته الأولى التي بجست الحجر وفلقت البحر، وما كان غافلا، بل إن الدهشة التي أوجس منها خيفة جعلته يحتاج إلى أن ينبهه الله تعالى فقال:

стр. 6938

(وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا ... (٦٩) وقالوا: إنما أبهم ولم يذكر أنها العصا تعظيما لأمرها؛ ولأنها هي عود صغير من شجر تأخذ كل هذه الحبال والعصي ولا تُبقي شيئًا يتخيل، أو لَا يتخيل، وأرى أن قوله (مَا فِي يَمِينِكَ) تنبيه إلى أن في يده ما يدفع وهمهم، فكيف يوجس خيفة، وهو في يده، وقوله تعالى: (تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا) بالجزم جوابا للأمر، أي ألقِ ما في يمينك - وهو العصا - وقوله تعالى: (تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا)، أي تأخذه بسرعة وتبتلعه ولا يكون له أثر. (تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا) الضمير يعود إلى العصا، ولذا صدَّر المضارع بالتاء، فكأنه إبهام ثم بيان فقال (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ) فلم يذكر أنه العصا، ثم بينها بعود الضمير على لفظ العصا بالتاء، وقد علل الله تعالى لقف العصي والحبال، فقال: (. . . إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى). " ما " هنا اسم موصول بمعنى " الذي " وهي اسم " إنَّ " وقوله تعالى (كَيْدُ سَاحِرٍ) خبر (إن) وأفرد ساحر مع أنهم كانوا كثرة كاثرة حتى ادُّعي في الأساطير

стр. 6939

أنهم كانوا سبعين ألفا والله أعلم بعددهم، وعلى أي حال كانوا عددا غير قليل، أفرد لأن المقصود وصف ساحر؛ ولأن التدبير لَا يمكن أن يكون من الجميع، إنما هو من واحد وأقره الجميع عليه، ونُكر لأنه واحد من جمعهم لَا يهم معرفة شخصه، وعبر سبحانه بـ (كيْذ سَاحِرٍ)؛ لأنه تدبيره فهو ليس قلبا للحقائق، فلم يقلب الجامد إلى حي يسعى، وإنما خُيل للأعين فقط، فهو تدبير ماكر، يكيد للحق، وليس قلبا للحقائق قط. وقال تعالى: (وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) كان التعريف بـ " ال " التي للجنس، ويكون المعنى ولا يفلح من كانا عمله السحر في أي مكان أتى، فكلمة (حَيْث أَتَى) حيث: ظرف مكان، أي من إى مكان أتى، وإلى أي مكان سار، فهو لا فوز له أبدا، ولكن ضلال وتمويه، وتخيل للأعين واسترهاب للنفوس. عندما استعان فرعون بالسحر والسحرة استعان بهم ليغلبوا، ولكنهم كانوا المميزين بين السحر والمعجزة فأدركوا أن عصا موسى ليست من السحر، ولكنها معجزة الله تعالى أعطاها موسى فآمنوا، قال تعالى:

стр. 6940

(فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠) يقول الزمخشري في عبرة هذه الوقائع: " سبحان الله ما أعجب أمرهم قد ألقوا حبالهم وعصيهم، ثم ألقوا رءوسهم بعد ساعة للشكر والسجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين " اهـ. ونقول: ما أعظم الفرق بين الباطل والحق. وبين الاستجابة للباطل واستجابة للحق ﷻ . " الفاء " لترتيب ما بعدها على ما قبلها، وكان ما قبلها هو إلقاء العصا ولقفها كل ما ألقوا وكان شيئًا كثيرا إذ امتلأ المكان بالحبال والعصي التي تسعى، حتى كأنَّ الوادي صار أفاعي وحيات في نظر الرائي، فكان عجبا أن تبتلعها عصا يتوكأ عليها، ويهش بها على غنمه، فكان الإيمان بالمعجزة، وهم أهل الخبرة في معرفة ما هو سحر وما ليس بسحر فآمنوا بالمعجزة وخروا ساجدين.

стр. 6941

(فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا) (سُجَّدًا) جمع ساجد، كـ " صُوَّم " جمع صائم، وقوله: (فَأُلْقِيَ) بالبناء للمجهول للإشارة إلى أنهم ألقوا سجدا لوضوح الحق وظهوره، (قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَموسَى) آمنوا بالله واكتفوا من التعريف بأن يكون رب هذين الصادقين، وخبر الصادق صادق. * * * فرعون والسحن بعد إيمانهم (قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (٧١) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦) * * * أحس فرعون بأن الأرض تميد من تحت أقدامه فلبس الجلد الفرعوني، وأخذ يهدد وينذر وينفذ ما قام به من شر؛ لأنه رأى بوادر المخالفة لأمره والمنازعة لرأيه، ولذلك بطش، وانتقل من الاستدراج إليه إلى القهر، وعاد إلى الطغيان.

стр. 6942

(قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ) أي أسلمتم له وأذعنتم له، ويتضمن معنى المسايرة لموسى والمعاندة له، يقال ءامنتم له وءامنتم به، " وتتضمن التعدية باللام التسليم له والإذعان له، وتتضمن التعدية بالباء الإيمان بالحق الذي جاء به، وقد جاءت التعديات في هذا المقام، فهنا التعدية باللام، وفي سورة الأعراف كانت التعدية بالباء فقد قال تعالى: (قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ). وفى هذا الاستفهام إنكار للواقع، فهو ينكر إيمانهم الذي وقع، ويوبخهم عليه، وموضع التوبيخ أنهم آمنوا قبل أن يأذن لهم وهو بذلك يصل بهم إلى أعلى درجات العنت والطغيان، فهو يعلن بهذا أن حكمه يصل إلى فكرهم وقلوبهم، ويحقق فيهم قوله (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ). كان فرعون على رأس طريق أخذ يسلكه السحرة، فلم يقل الحق ويذعن، ويسلك سبيل الرشاد، بل أخذ يموِّه الحق بتمويه من الباطل، فرآهم تبعوا موسى فما أذعن للحق الذي تقاضى مع موسى فيه، بل أخذ يماري، ولا يقول إنه غلبهم، لأنه على الحق، بل لأنه أكبر منهم قدرة وطاقة، وأنه منهم بمنزلة المعلم الذي علمهم، فقال: (إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكمُ السِّحْرَ)، فهو أسحر منهم وأعلم، وهم منه بمنزلة التلميذ من المعلم، فلم يغلبهم لأنه المحق وهم المبطلون، وإنما غلبهم لأنه أسحر منهم وأعلم، وهكذا كانت المعاندة لآيات الله وقد برزت. ولأنهم على رأس طريق جديد وهو الخروج على طاعته ومقاومة جبروته، والاستعلاء بربهم على طغيانه - وضع العقبات وأنزل بهم العذاب الشديد، فقال: (فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ) " الفاء " للسببية، أي بسب ما فعلتم لَأُقَطِّعَنَّ أيديكم. في هذا الكلام قسم بما يُقسم به عنده، و " اللام " لام القسم، ولذا كانت " نون " التوكيد الثقيلة، التي تلازم القسم في اللغة، والتقطيع للأيدي والأرجل بصيغة التفعيل يدل على كثرة القطع، لكثرة من قطعمت أيديهم وأرجلهم، وقوله (مِّنْ خِلافٍ) أي تختلف جهة القطع، فإذا قطعت اليد اليمنى، تقطع الرجل اليسرى،

стр. 6943

وهكذا، وقال مقسما أيضا بما يُقسم به عندهم (وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوع النَّخْلِ) وقالوا: إن (فِي) هنا بمعنى " على "، وعبر بـ " في " لبيان تمكن الصلب استقرارهم على جذوع النخل، وهذا الصلب على الجذوع يومئ إلى بقائهم على الصلب حتى يموتوا فهو قتل وتقطيع، ثم قال مقالة الجهالة والطغيان: (وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى). أقسم الجهول في قوله هذا بما يُقسم به عندهم، و (أَيُّنَا) استفهام، وهي تفيد التنبيه في زعمه إلى أنه أشد عذابا وأقسى من موسى، وأبقى أثرا في عذابه من موسى، وهو جهل طاغ لأن موسى لَا يعذِّب، ولكن يرشد ويهدي، إنما الذي يعذب هو الله ربَّ موسى وهارون، وعذابه أليم هو جهنم يخلد فيها فرعون ومن يتبعه. من دخل الإيمان قلبه يعمره الله بنوره ويستهين بالحياة والأحياء ولو كانوا فرعون وقبيله، ولذا أجابوا عن تهديده الذي ثفذه بقولهم كما حكى الله تعالى عنهم:

стр. 6944

(قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إجابة حاسمة قاطعة تقطع أمله في رجوعهم، والإيمان إذا دخل القلب وأشرب حبه كان أثبت من الرواسي، وهو إيمان بحجة وبينة وبرهان (لَن نُّؤثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا)، أي لن نتركه لأجلك أيها الطاغي الباغي، وهذا معنى مؤكد، لأن " لن " تفيد النفي المؤكَّد، حتى ادعى الزمخشري أنها تفيد تأبيد النفي، فلا تطمع في رجوعنا عن الحق والإيثار والتفضيل، أي لن نفضلك على البينات، أي الدلالات الواضحات التي جاءتنا، وفي هذا إشارة إلى أن ما عنده باطل وأوهام، وكيف نفضل الأوهام على الدليل والبرهان؟! وقوله تعالى: (وَالَّذِي فَطَرَنَا) عطف على (مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَات)، والذي فطرنا هو الله، يعني لن نؤثرك على الحق الواضح، ولن نؤترك على الله تعالى ﷻ فهو القادر على كل شيء، فلن نؤثر الضعيف الظاهر على الله القادر العادل القهار، ويجوز أن يكون

стр. 6945

قوله: (وَالَّذِي فَطَرَنَا)، أي أنشأنا ولم نكن شيئا، الواو للقسم لا للعطف، والمعنى لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والله الذي أنشأنا من عدم، فمن تكون أنت أيها المخلوق الضعيف، ولو كنت فرعون الطاغي المتجبر بصلفك وعتوِّك؟! وقد رتبوا على عزمتهم النابعة من قلوب مؤمنة تفويضهم الأمور إلى ربهم والاستهانة بفرعون وبتهديده فقالوا (فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ) " ما " إن كانت موصولا حرفيا يكون المعنى فاقض قضاءك، لأنه قضاء الحياة الدنيا وهي فانية، والآخرة هي الباقية، ويصح أن تكون موصولا اسميا بمعنى فاقض الذي أنت قاض، ويكون الرابط في الصلة ضمير فاقض ما أنت قاضيه. وقالوا ما يدل على الاستهانة بحكمه القاصر (إِنما تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) هذه الحياة الدنيا ظرف، فتقدم في الكلام، والمعنى: إن قضاءك هو في هذه الحياة الدنيا، وما موصول حرفي، وإذا قضاؤك هو في هذه الحياة، فهو قضاء تنفيذه وقت قصير ومن بعده خير طويل، فإنما الحياة الدنيا متاع قليل والآخرة خير وأبقى، وإن هذا يدل على كمال الإيمان بالله، والاستهانة بفرعون وعذابه. أول أمارات الإيمان الراسخ الإحساس بالتقصير والإذعان لله تعالى، وهذا أمر أولئك المؤمنين الذين كانوا من قبل ساحرين، قالوا مؤكدين إيمانهم ومؤنبين فرعون وشيعته:

стр. 6946

(إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣) قالوا مؤكدين إيمانهم بـ (إن) أولا، وبالجملة الاسمية ثانيا، وبقولهم (بِرَبِّنَا)، أي الذي خلقنا وأنشأنا إنشاء، فكأنهم يوثقون إيمانهم بأنه إيمان بمن خلق وصور لا بمن يظهر قدرته في العذاب والإيذاء لَا في الخلق والإنشاء. وذكروا ما يرجون من وراء إيمانهم فقالوا: (لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا) و " اللام " هنا لام العاقبة، أي لتكون عاقبة إيماننا بربنا أن يغفر لنا خطايانا، والخطايا جمع خطيئة، والخطيئة هي الذنب الذي يحيط بالنفس ويستولي عليه، حتى يصير كأنه صفة من صفات النفس يصدر عنه من غير تدبر ولا تفكر، ولذا قال تعالى: (بَلَى مَن كَسَبَ

стр. 6947

سَيئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)؛ وذلك أن الإنسان إذا أذنب ذنبا نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا تكررت، تكررت هذه النكت حتى يربادّ فيمتلئ بالخطايا وتصدر عنه أفعالها كأنه غير قاصد لها، وهي للضالّ تشبه الخطأ من الصالح في ذات نفسه ومن تقع منه يسمى خاطئا أي آثما. وقد ذكر رجاء الغفران من خطاياهم، أي آثامهم، التي كانت منهم، وهم في ديانة القدماء من المصريين، وقد اعترفوا أنهم كانوا يفعلون هذه الخطايا مختارين، والأمر الثاني الذي اعترفوا به هو السحر، وهو إثم، ولكنهم ذكروا في هذا أن فرعون كان يكرههم، ولذا قالوا (ومَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ). وإذا كنت يذهب غرورك بأن تقول: (. . . وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى) فنحن نقول الحق: (وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى)، فالله هو الدائم، وهو الخير كله، فلا يكون عنه إلا خير ولا يرضى لنا إلا كل خير. ولقد بينوا رجاءهم في الله، وعاقبة المجرمين فقال الله تعالى:

стр. 6948

(إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤) الضمير ضمير الشأن أي أنه الحال والشأن المقرر الثابت (مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا)، أي مرتكبا الآثام كاسبا لها، قد سيطرت عليه آثامه واستغرقت نفسه، (فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى). وهذا القول يحتمل أن يكون من كلام السحرة الذين آمنوا وذلك ظاهر السياق؛ لأن الكلام فيما ردوا به على فرعون، ويحتمل أن يكون وصفا لما يجري على الأشقياء بحكم الله تعالى وقضائه، ويرشح لهذا ما جاء بعد ذلك من ثواب المتقين، وقوله تعالى لمن يدخل جهنم: (لا يَمُوت فِيهَا وَلَا يَحْيَى) وهذا وصف عميق للذين يخلدون في النار فهم لَا يموتون ليستريحوا راحة الموت، إذ يفقدون الحس شقاء أو نعيما، ولا يحيون حياة كريمة فيها متعة الأحياء، ولكنها عذاب وآلام، فهم لَا يموتون فهها ولا يحيون؛ إذ هي حياة الألم المرير المستمر الذي لَا ينقطع.

стр. 6949

وقد جاء النص من بعد ذلك:

стр. 6950

(وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) الضمير في (يَأْتِهِ) يعود إلى ربه، ويتضمن معنى الإقرار بالربوبية، والخلق وإنشاء الإنسان، وفي ذلك رد فرعون واستهانة به، وهو الذي كان يقول أنا ربكم الأعلى. و (مُؤْمِنًا) أي مذعنا خاضعا للحق مستقيم النفس والعمل، ولذا قال من بعد (قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ)، والصالحات الأعمال الصالحة التي تنشر العدل والحق وتقيم النفع وتدفع الفساد في الأرض، وتحفظ للإنسان كرامته، وتدفع عنه المهانة وتسوي بينه وبين الناس، وقد ذكر جزاءهم فقال: (فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى) " الفاء " في جواب الشرط، والإشارة إلى هؤلاء متصفين بالإيمان والصلاح، والقصد إلى الأعمال الصالحة النافعة غير المفسدة، (لَهُمُ الدَّرَجَاتُ)، وهي الارتقاء في السمو والارتفاع، و (الْعُلَى) جمع " عُلْيَا " وهي مؤنث " أعلى "، أي الدرجات المرتفعة التي ما فوقها ارتفاع، فلا يرفع المؤمنين أن يرضى عنهم فرعون، وهو بشر دونهم؛ لأنهم أطهار وهو مجرم آثم ظالم غشيه الشر وأرداه، فلعنه الله ومن يتشبه به وإن كانوا دونه قوة واقتدارا، ولكنها الغطرسة الحمقاء. وقد بين سبحانه هذه الدرجات العُلى، فقال سبحانه:

стр. 6951

(جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦) (جَنَّاتُ عَدْنٍ) أي إقامة، وهي إقامة مريحة (فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦)، وفي ذلك تبكيت لفرعون بأنهم ينالون بعملهم الصالح خيرا مما فيه، وإذا كان يقول معتزا بغير الله تعالى: (. . . أَلَيْسَ لِي مُلْك مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَار تَجْرِي مِن تحْتِي. . .)، فأولئك البررة الأتقياء تجري من تحتهم الأنهار في جنات عدن، وإن هذه الجنات يخلدون فيها ويستمرون، وفيها النعم غير مقطوعة ولا ممنوعة (وَذَلِكَ جَزَاءُ مَن تَزَكَّى)، الإشارة إلى هذا النعيم المقيم جزاء من تطهر من الظلم والمعاصي، ولم يَسِرْ وراء الأوهام الفاسدة.

стр. 6952

ولقد سرنا على أساس أن الآيتين (إِنَّهُ مَن يَأتِ رَبَّه مُجْرِمًا. . .) و (ومَن يَأتِهِ مُؤْمِنًا. . .) هو من كلام الله تعالى لَا من كلام السحرة؛ لأنه معطي النعيم، وهو المعاقب والمثيب فهو أليق به، وإن كان ثمة احتمال أن يكون من كلام السحرة، وإذا كان السياق يسوغه ابتداء فإن ثمة التفاتا من الحديث عنهم إلى أن يتكلم الله تعالى عن نفسه، فهو مالك يوم الدين. * * * نجاة بني إسرائيل وغرق فرعون (وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (٧٩) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (٨٠) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢) * * * لم يذكر إنزال الرجز عليهم، وآيات أخرى، ومجادلات لفرعون وملئه وادعائهم التطير بموسى ومن معه، ويلاحظ أنه لم يحاول الفتك بموسى وأخيه هارون، وقد ذكرت هذه الأحوال في سورة الأعراف، وهكذا تتبع قصة موسى مع فرعون وبني إسرإئيل يبدو بادي الرأي أنها مكررة، وبالتأمل تجدها

стр. 6953

غير مكررة، وما يذكر في مكان يترك في مكان آخر، وفي كل مكان كانت عبرة قائمة بذاتها يذكر لها جزء من القصة، لتفرد كل عبرة في موضع، فيكون التجدد والتنبيه المستمر والعبرة، استعداد موسى للقاء فرعون، واللقاء بين نبي اختصه الله تعالى بأن كلَّمه تكليما، وأكبر الطغاة الذي تشبه به كل طاغية في الأرض، وآخرهم من رأينا في مصر، الذي أجرى الله مراحيض مصر على جثمانه النجس، ويصور هذا الجزء استدرار الطغاة لعاطفة مخالفيهم، ثم استبداده من بعد أن يغلب كما رأينا في معاملته للسحرة، الذين قال لهم: (قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ. . .) وقطع أيديهم وأرجلهم. بعد ذلك ترك المجادلات واتجه القرآن الكريم إلى نهاية الطاغوت في الأرض وإغراق صاحبه:

стр. 6954

(وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا). أوحى الله تعالى إلى نبيه موسى (أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي)، " أنْ " هنا تفسيرية، أي أن الإيحاء كان هو قوله: أَسْرِ بِعِبَادِي، الإسراء: السير ليلا، وكأنَّهم خرجوا على استخفاء من فرعون خشية أن يبادرهم بالإيذاء، ولكنه علم بهم، فلحقهم بجنوده، وأمر الله تعالى موسى أن يخط لهم طريقا يبسا جافا من الماء؛ ولأن خط هذا الطريق كان بالضرب بالعصي التي بيده دائما - عبَّر عن الأمر بالتخطيط بالضرب، وقد جاء في سورة الشعراء (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦). وفي هذه الآية أكد سبحانه وحيه لموسى بـ " اللام " و " قد "، وقولِهِ تعالى: (يَبَسًا) مصدر هو وصف للطريق الذي أمر موسى به، وهو مصدر من يبس. وقد طمأن الله موسى ومن معه من بني إسرائيل الذين سماهم عباده؛ لأنه لخصهم من فرعون وأهواله، طمأنهم بقوله تعالى: (لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى)

стр. 6955

والدَّرَك: اللحاق، أي لَا تخاف أن يلحقوك، والدرك بالسكون والفتح الإدراك الحسي، وهو الوصول إليك واللحاق بك، ولا تخشى بأسه، فأنت في أمن الله تعالى الذي لَا يُدرك، مَن هو في أمنه و " لا " هنا للنفي لَا للنهي، فالمعنى ليس من شأنك أن تخاف اللحاق بك، ولا تخشى بعد اليوم بطش فرعون وقومه، والجملتان حاليتان، وإن من يكون في أمان الله لَا يخاف أحدا ولا يخشاه، ولقد بين الله تعالى أن فرعون منعهم وحاول اللحاق بهم، ولكنه لقي حتفه في هذا اللحاق، ولذا قال تعالى:

стр. 6956

(فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨) يقال تبع وأتبع بمعنى تبع كما في لحق، وألحق، والمعنى وتبعهم فرعون مصاحبا جنوده وقد أرسل إليهم يدعوهم معه قائلا: إن هؤلاء لشرذمة قليلون، وأنهم لنا لغائظون - اجتمع بكل ما عنده من جند قوي تجبر بهم وعاند، فتبع موسى الذي جمع بني إسرائيل فكان جمع الأقوياء، وراء جمع الضعفاء، ولكن كان الله مع الضعفاء، فرعون وجنده وراء موسى وبني إسرائيل، ويحسب المغرور أن البحر حاجزهم، ولكن رب السماوات والأرض، ورب البحار والأنهار، شق البحر لهم، فضرب موسى البحر بعصاه فانفلق، وكان كل فرق كالطود العظيم، كان البحر الذي يكون الناس فيه كدود على عود اثني عشر فرقا كان لكل جماعة طريقا، وتبع كل أناس إمامهم، فرأى المغرور الطريق بين يديه يبسا كما هو بين أيدي بني إسرائيل، وقد ضل هو وجنده، حتى إذا تم دخولهم انطبق عليهم البحر، وهذا معنى قوله تعالى: (فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيهُمْ) أي غطاهم من البحر ما غطاهم، وهذا من الإيجاز المعجز، وصاروا في البحر، فلما أدركه الغرق قال: (. . . آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ. . .)، والإبهام هنا لتذهب فيه النفس بالخيال كل مذهب، وكل خيال فيه دون الحقيقة لأن جندا بأكمله، كان يتجبر به فرعون ويستعلي ويغتر وقد جمعه كله بإرادته، قد ألقاه فرعون في البحر إلقاء، ولذا قال تعالى من بعد:

стр. 6957

(وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (٧٩) أوقع فرعون في نفوس جنده أنه مدركهم، وأنهم قاتلوهم، إذ هم عُزَّلٌ من السلاح وهم شرذمة قليلون كما قال، وما علم هو وهم أن معهم الله تعالى على كل شيء، وكان بهذا إضلالهم إضلالا حسيا، ظهرت عاقبته فيه وفيهم بإغراقهم، وإن هذه صورة جلية حسِّية من إضلالهم العقلي والديني، فقد أضلهم فجعل نفسه إلها فيهم وأضلهم فأرغمهم في نفسه، وصاروا ليس له معهم وجود إنساني، ثم قال تعالى: (وَمَا هدَى) وهو الذي كان يقول لهم: (. . . مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ)، فكان اندغامهم في فكره إبعادا للهداية وإمعانا في الغواية. * * * موسى وينو إسرائيل عاش موسى المجاهد في الحق أربعة أدوار: أولها أنه عاش في بيت فرعون تكلؤه المحبة من زوج فرعون، وربما فرعون نفسه الذي لم يكن له ولد، فكان في بيته بمثابة ولده، حتى إذا بلغ أشده وأدرك المجتمع الذي يعيش فيه كان الدور الثاني، فأدرك من هو في مصر ومن قومه، فما ارتضى الظلم في ذاته، ولا ظلم قومه، فكان ربيب نعمة فرعون من شيعة المظلومين المضطهدين، وعندئذ خرج من مصر حرّا كريما رضي بشظف العيش، وجفوة الصحراء وخلص لله، وقال مناجيا ربه: ( ... إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ)، وعاش كادحا وتزوج من إحدى ابنتي شعيب، واستمر يرعى الأغنام متمتعا بحرية الصحراء ونسيمها غير الوبيء، وإذا كان قد حُرِمَ رافغ (١) العيش في بيت فرعون، فقد منح حرية النفس وسلامة الاعتقاد، ونعمة الكفاح، وذَوْق متاعب الحياة بجوار نعيمها، فاكتملت بذلك إنسانيته، وعندئذ جاء الدور الرابع من حياته. وهذا الدور الرابع كان في حقيقته دورين: أولهما: لقاؤه هو وأخوه بفرعون، وقد انتهى بغرق فرعون، ونجاة بني إسرائيل، ويبتدئ الدور الثاني، وهو دوره مع بني إسرائيل ومحاولة تربيته لهم، لقد رُبوا على الاستخذاء والضعف والاستكانة،

стр. 6958

فلابد أن يربى فيهم العزة والكرامة، ورُبوا في أحضان الوثنية فلابد أن تزرع فيهم الوحدانية، وربوا على الختل والاستهانة، فلابد أن تربى فيهم العناية والخلق الكريم، وهذا أشق الأدوار في حياة موسى. بعد أن نجا هو وبنو إسرائيل من فرعون، وألقاه الله تعالى في اليم، قال الله تعالى مخاطبا لهم:

стр. 6959

(يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (٨٠) ناداهم الله تعالى مقربا مدنيا مؤنسا لهم ذاكرا سبحانه نعمته عليهم؛ ليعرفوا حقها عليهم من الشكر فلا يكفروها، (قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ) الذي تحكم فيكم وأسامكم سوء العذاب، وإن هذه كانت مظاهر العداوة من ذلك الظالم الغاشم (وَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأَيمنَ) أي الإتيان في جانب الطور الأيمن، فالكلام على حذف مضاف، وحُذِف لأن المقصود هو ذات الجزء الجانب الأيمن، والإشادة به لأنه الجانب الذي لقي فيه ربه، وأنزلت عليه الألواح العشرة فيه، فهو المكان الذي كانت ذكريات نبوة موسى ﵇، وهو من أولي العزم من الرسل، والتوراة من الكتب المقدسة التي تشتمل على الشرائع الخالدة إلا ما نسخه القرآن الكريم. وقد قال تعالى: (وَاعَدْنَاكمْ جَانِبَ الطُّورِ الأَيْمَنَ) وهنا ملاحظتان: إحداهما أن الله تعالى جعلهم طرفا في المواعدة وهي مفاعلة تكون من جانبين، جعلهم الله طرفا مقابلا لذاته، وذلك تكريم لهم، ورفع لنفوسهم التي استخدمت بإذلال فرعون، فأعلاهم رب العالمين ورفع كبوتهم وأزال عنهم خسيسة الذل. والثانية أن المواعدة كانت مع موسى رسولهم، لَا معهم كلهم، ولكن موسى يجيء بهذه الشرائع إليهم، وقد قال تعالى في هذه المواعدة (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً. . .)؛ ولأن موسى وهو رسولهم الذي أرسل إليهم كانت المواعدة معه مواعدة لهم. ولأن موسى اختار منهم من سيلونهم في هذا اللقاء، فإد قال تعالى: (وَاخْتَارَمُوْسَى قَوْمَهُ سبْعِينَ رَجُلًا

стр. 6960

لِّمِيقَاتِنَا. . .)، فكان اختيار " لهذا الموعد فيه معنى أنهم كانوا مواعدين، وخصوصا أنهم كانوا يمثلون بني إسرائيل، ولذا قال تعالى: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً. . .)، أي أنهم كأنهم قوم موسى جميعهم، كان ذلك كله تشريفا وتكريما، ورفعا لهم مما كانوا فيه من كبوة. وقد ذكر طعامهم في هذه الصحراء الجرداء، فبدلهم الله بطعام مصر طعامًا أشهى وأمرأ وأجدى وهو المن الذي أنزله الله في الأشجار، والسلوى ذلك اللحم الطري؛ ولذا قال تعالى (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى) وقال: (وَنَزَّلْنَا) ولم يقل " أنزلنا "؛ لأن المن والسلوى لم ينزل عليهم دفعة واحدة، فيغمرهم فيحتاجون إلى وسائل لادخاره وحفظه، بل كان يعرض لهم على حسب حاجتهم شيئا فشيئا غير مقطوع فلا يحتاجون إلى الادخار، ولا يقطع عنهم فيكون الجوع، بل يجيء إليهم غير مقطوع ولا ممنوع، بل مستمر رحمة من الله تعالى. هذا رزق الله تعالى لبني إسرائيل في هذه الصحراء الجرداء، وقد نهاهم الله عن الطغيان في الرزق، فقال عز من قائل:

стр. 6961

(كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١) ذكر الله تعالى رزق بني إسرائيل بالمن والسلوى في سيناء فناسب أن يبين - سبحانه - شكر الرزق، وفساد النعمة بالطغيان، فقال: (كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكمْ) وهذا الأمر لبيان إباحة الطيبات، وهو في معناه يتضمن الطلب؛ لأن الأكل مباح ومطلوب، أما إباحته فلتخير ألوانه الطيبة، وأما طلبه فلمنع الإنسان نفسه من الأكل فيهلك، والطيبات لَا بد لها من أمرين: أن تكون كسبا حلالا طيبا لا خبث من طريق الحصول عليه، وأن يكون غير مستقذر كالميتة ولحم الخنزير، والدم المسفوح، وغير ذلك من المحرمات التي حرمت لأنها رجس مستقذر؛ ونهى سبحانه عن الطغيان في الرزق، فقال سبحانه: (وَلا تَطْغَوْا)، أي لَا تتجاوزوا الحدود فيه، وتجاوز الحدود فيه يكون بضروب شتى، منها: أن يطلبه من غير حلِّه، ومنها: أن يأكل السحت والربا، ومنها: أن يمنع الفقير من حقه، ومنها: أن يسرف

стр. 6962

فيه إسرافا، وأن ينفقه في غير موضعه، ومنها الشح والبخل بأن يكون عبد الدينار والدرهم، فكل هذه مجاوزة للحد، وطغيان، وإن الذي يترتب على الطغيان في الرزق وعدم شكره غضب الله تعالى فقال: (فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي) " الفاء " فاء السببية، أي بسبب الطغيان ينزل بكم غضبي، وهو أعظم ما يفقد الإنسان معاني العلو، فغضب الله يبعد الشخص من سماء الرفعة، ويهوي في مكان سحيق من المقت، والبعد عن الله تعالى، ولذا قال تعالى: (وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى) أي فقد نزل إلى الهاوية السحيقة البعيدة الغور، ومن سقط في الهاوية فإنه يهلك لا محالة، ولذا قالوا: إن (هَوَى) معناها (هلك)، ولذلك فسر الزجاج (فَقَدْ هَوَى) بمعنى: فقد هلك. وإن الله تعالى يقرن رحمته بعذابه، ومغفرته بعقابه، ولذا قال تعالى:

стр. 6963

(وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢) (تَابَ) عما يرتكب من كبائر وهفوات، فالتوبة ضراعة إلى الله، ورجوع إليه، وهي ذاتها عبادة، وإن الله يقبل التوبة من عباده، والتوبة تجبّ ما قبلها من معاصٍ، كما أن الإيمان يجبُّ الكفر، و (آمَنَ) معناها ملأ الإيمان بجلال قلبه، بأن قرن توبته بإِذعان مطلق لله تعالى، وكان عمله كقلبه، ولذا قال: (وَعَمِلَ صَالِحًا) بأن قام بالعبادة مخلصا محتسبا، وعمل النافع للناس، وكان يحب الشيء لَا يحبه إلا لله. (ثُمَّ اهْتَدَى) الاهتداء أن يعلو إلى درجة المهتدين الذين يخلصون عن الداني في عقولهم ونفوسهم، ويكونون ربانيين لَا يعرفون إلا ربهم، ويطرحون كل أمور الحياة وراء ظهورهم إلا أن يكون خيرا أمرهم به، وإن الوصول إلى هذه الدرجة وصول إلى مرتقى عالٍ، ولذا كان العطف بـ " ثم " التي تدل على البُعد، وهذا كقوِله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا). * * *

стр. 6964

عبدوا العجل!! (وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩) وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١) * * * إن هذا هو الدور الأخير من رسالة موسى ﵇ وهو رعايته لبني إسرائيل، لقد قيل في الروايات: إن عددهم كان ستمائة ألف، ولكن تربيتهم على العقيدة السليمة عقيدة الوحدانية أخذت جهدا كبيرا، ثم إزالة ما عَلَق برءوسهم من

стр. 6965

أوهام المصريين أخذ أمدا طويلا. وتربيتهم على النخوة والقوة والعزة كان فوق طاقة موسى ﵇، ولذا جعلهم الله يتيهون في الأرض أربعين سنة، ليتربوا فيها على النخوة والبأس والعزة، إن كان فيهم استعداد لها ولتكاليفها، وقال الله تعالى لكليمه موسى مواسيا: (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦). أول صدمة لموسى الكليم فتنة العجل، ذهب موسى إلى جانب الطور الأيمن، كما وعده ربه ليتلقى التوراة، وذهب فرحًا عَجِلًا؛ لأنه على شوق لمخاطبة ربه، ولأن المسارعة إلى وعد الحبيب ترضيه، وترضي نفسه، وفي غيبة موسى عن قومه لم يكن وقتا طويلا، فتن بنو إسرائيل بعبادة العجل، وربما يكون موضع عتب بهذه المسارعة، لما اقترن بغيبته، وكل شيء بإرادة الله، ولكن على المرشد الهادي أن يراقب النفوس وموضع ضعفها، وموضع الضعف عند الإسرائيليين هو معاشرتهم لأهل فرعون، هو اتباعهم طريق هؤلاء في أوهامهم وعاداتهم وتقاليدهم. قال الله تعالى لكليمه، وقد جاء مسارعا إليه في موعده:

стр. 6966

(وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤). " الواو " وصلت ما بعدها بما قبلها لكمال السياق، ولبيان أن الفتنة جاءت بعد الإنعام بالإنجاء، وتنزيل المن والسلوى، والمواعدة على خطاب الله تعالى لموسى، وهذا فيه تقريب لما يقع منهم من بعد، إذ قرنوا تلك النعم السامية بالكفر لا بالشك، وبذلك يتصور القارئ ما سيكون منهم. كان موسى ﵇ قد خرج من قومه بمن يمثلونهم، وهم السبعون المختارون الذين يمثلون أسباطهم، ولكنه ككل رئيس قد يسبق من معه يتعرف أمر اللقاء؛ ولأنه في شوق للأنس بكلام ربه؛ ولأنه يرى أن الله تعالى سيخاطبه بشرائع قد بعث بها.

стр. 6967

سبقهم إلى الموعد، ولكن الله تعالى قدر ميقاتا محدّد الابتداء والانتهاء لمصلحة قدرها ولم يكن تقديره لغير أمر قدره سبحانه، وإن لبث موسى في قومه قد قدر الله فيه دفع ضرر، والله لَا يخلف الميعاد، وكل شيء بقضاء الله، وبتقديره، وفى علمه المكنون فهو يعلم ما كان وما سيكون. عتب الله تعالى على كليمه المختار تعجله في ذاته، وعتب عليه أن سبق قومه وتركهم، وهم يحتاجون إلى رعايته ومراقبة خواطرهم ببصيرته وهم قريبو عهد بمعاشرة الفاسقين. عتب الله تعالى على كليمه هذا، وكان على موسى أن يعتذر عما كان منه، والله عليم بذات الصدور:

стр. 6968

(قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي ... (٨٤) أشار إليهم، ولم يأت بـ (كاف) الخطاب تأدبا مع الله (١)، ولأنه سبحانه العليم، فلا يحتاج إلى تنبيه بها إذ هو يخاطب العليم الخبير، ومعنى (أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي) أنهم على مقربة مني، ولا يضلون الطريق؛ لأنهم ورائي، ثم قال معتذرًا عن تعجله: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى)، أي كان الدافع على عجلي إليك محاولتي إرضاءك حاسبا أن المسارعة إليك ترضيك، وقال كلمتين تقربا إليه سبحانه ومشيرا بهما إلى رغبة في ذلك التعجيل وهو أنسا بكلامه معه. الكلمة الأولى هي (إِلَيْكَ)، أي عجلتي كانت إليك، وأنت القريب إلى نفسي آنس بكلامك، والكلمة الثانية هي (رَبِّ) أي القائم على نفسي، ومن صنعتني على عينك فإني أسارع إلى من صنعني على عينه ﷻ . وقد نبهه سبحانه إلى مغبَّة تعجله فقال عز من قائل:

стр. 6969

(قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) فاعل " قال " هو الضمير العائد على الله جلت قدرته، والفاء للسببية، أي بسبب غيبتك وعدم قيامك بحق الرقابة النفسية عليهم التي مكناك منها، (قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ) أي اختبرناهم لتتبين مقدار إراداتهم وعقولهم ومداركهم وأضاف

стр. 6970

الاختبار الذي سماه " فتنة " إلى نفسه، وهو العليم بكل شيء قبل وقوعه، وبعد وقوعه، فالأزمان تكون بالنسبة للناس لَا بالنسبة للذات العلية. وعبر سبحانه فقال: (قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ) أضاف القوم إليه استحثاثا لهمته، وقوة في عتابه، أي أنهم قومه الذي جاء لإخراجهم من طغواء فرعون، ولكن لم يزل الأثر المسمى في عقولهم فطغى بتعاليمه عليهم نفسيا، وإن خلعوا الربقة، وأزالوا رق الأجساد، فلم يزيلوا رق النفوس، ولقد قال تعالى: (وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ)، أي أوقعهم في الضلال، والسامري شخص انتقل معهم من مصر، كان يجيد النحت والتصوير، ولم ينص على أنه من الإسرائيليين أو أهل مصر الأصليين، ويغلب على الظن أنه إسرائيلي اندمج مع المصريين وعرف صناعاتهم، وقيل: إنه كان هنديا يعبد البقر، ثم اعتنق ديانة بني إسرائيل.
следующие страницы →