← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 6966–7005 · переход к 6971.

стр. 6966

(وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤). " الواو " وصلت ما بعدها بما قبلها لكمال السياق، ولبيان أن الفتنة جاءت بعد الإنعام بالإنجاء، وتنزيل المن والسلوى، والمواعدة على خطاب الله تعالى لموسى، وهذا فيه تقريب لما يقع منهم من بعد، إذ قرنوا تلك النعم السامية بالكفر لا بالشك، وبذلك يتصور القارئ ما سيكون منهم. كان موسى ﵇ قد خرج من قومه بمن يمثلونهم، وهم السبعون المختارون الذين يمثلون أسباطهم، ولكنه ككل رئيس قد يسبق من معه يتعرف أمر اللقاء؛ ولأنه في شوق للأنس بكلام ربه؛ ولأنه يرى أن الله تعالى سيخاطبه بشرائع قد بعث بها.

стр. 6967

سبقهم إلى الموعد، ولكن الله تعالى قدر ميقاتا محدّد الابتداء والانتهاء لمصلحة قدرها ولم يكن تقديره لغير أمر قدره سبحانه، وإن لبث موسى في قومه قد قدر الله فيه دفع ضرر، والله لَا يخلف الميعاد، وكل شيء بقضاء الله، وبتقديره، وفى علمه المكنون فهو يعلم ما كان وما سيكون. عتب الله تعالى على كليمه المختار تعجله في ذاته، وعتب عليه أن سبق قومه وتركهم، وهم يحتاجون إلى رعايته ومراقبة خواطرهم ببصيرته وهم قريبو عهد بمعاشرة الفاسقين. عتب الله تعالى على كليمه هذا، وكان على موسى أن يعتذر عما كان منه، والله عليم بذات الصدور:

стр. 6968

(قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي ... (٨٤) أشار إليهم، ولم يأت بـ (كاف) الخطاب تأدبا مع الله (١)، ولأنه سبحانه العليم، فلا يحتاج إلى تنبيه بها إذ هو يخاطب العليم الخبير، ومعنى (أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي) أنهم على مقربة مني، ولا يضلون الطريق؛ لأنهم ورائي، ثم قال معتذرًا عن تعجله: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى)، أي كان الدافع على عجلي إليك محاولتي إرضاءك حاسبا أن المسارعة إليك ترضيك، وقال كلمتين تقربا إليه سبحانه ومشيرا بهما إلى رغبة في ذلك التعجيل وهو أنسا بكلامه معه. الكلمة الأولى هي (إِلَيْكَ)، أي عجلتي كانت إليك، وأنت القريب إلى نفسي آنس بكلامك، والكلمة الثانية هي (رَبِّ) أي القائم على نفسي، ومن صنعتني على عينك فإني أسارع إلى من صنعني على عينه ﷻ . وقد نبهه سبحانه إلى مغبَّة تعجله فقال عز من قائل:

стр. 6969

(قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) فاعل " قال " هو الضمير العائد على الله جلت قدرته، والفاء للسببية، أي بسبب غيبتك وعدم قيامك بحق الرقابة النفسية عليهم التي مكناك منها، (قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ) أي اختبرناهم لتتبين مقدار إراداتهم وعقولهم ومداركهم وأضاف

стр. 6970

الاختبار الذي سماه " فتنة " إلى نفسه، وهو العليم بكل شيء قبل وقوعه، وبعد وقوعه، فالأزمان تكون بالنسبة للناس لَا بالنسبة للذات العلية. وعبر سبحانه فقال: (قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ) أضاف القوم إليه استحثاثا لهمته، وقوة في عتابه، أي أنهم قومه الذي جاء لإخراجهم من طغواء فرعون، ولكن لم يزل الأثر المسمى في عقولهم فطغى بتعاليمه عليهم نفسيا، وإن خلعوا الربقة، وأزالوا رق الأجساد، فلم يزيلوا رق النفوس، ولقد قال تعالى: (وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ)، أي أوقعهم في الضلال، والسامري شخص انتقل معهم من مصر، كان يجيد النحت والتصوير، ولم ينص على أنه من الإسرائيليين أو أهل مصر الأصليين، ويغلب على الظن أنه إسرائيلي اندمج مع المصريين وعرف صناعاتهم، وقيل: إنه كان هنديا يعبد البقر، ثم اعتنق ديانة بني إسرائيل.

стр. 6971

(فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) " الفاء " تفيد الترتيب والتعقيب، ففور أن بين الله تعالى ما كان بقومه رجع إليهم في حال غضب وحزن، ولذا قال تعالى: (فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا) والقوم هنا هم الإسرائيليون جميعا الذين كان منهم الذين عبدوا العجل ولم يكونوا عددا قليلا، بل كانوا كثيرين، وإن لم يكونوا الأكثرين، والغضب هو الثورة النفسية للمفاجأة بأمر مؤلم لم يكن يتوقعه، والأسف: الحزن الذي يسكن النفس بسبب أمر غير مقبول، ولا يوجد له أي مبرر، والحزن من شأنه أن يوجد في النفس كآبة، وهمًّا وغمًّا، وكذلك كانت حال موسى ﵇ عندما علم من ربه أن قومه عبدوا العجل، ولكن الحكمة النبوية توجب ألا يسترسل في الكآبة والغم، والانفعال، بل لابد أن يعالج الوقف باستنكار شديد وحزم الشر واجتثاثه من أصله، وكذلك فعل، فقال لائما مستنكرا: (يَا قَوْمِ) هذا نداء مقرِّب بأنه منهم يؤلمه ما يضلهم، ويفرحه ما يكون خيرا لهم (أَلَمْ يَعِدْكمْ رَبُكمْ وَعْدًا حَسَنًا) أي ألم يعدكم ربكم بخيري الدنيا والآخرة، وهو

стр. 6972

وعد حسن يطمئنكم في حاضركم وقابلكم، ولم يذكرهم بحاضرهم الذي هم فيه، وما كانوا عليه في الماضي، وحتى لَا يصل اللوم إلى المجافاة، ولأن ذلك إنعام عليه وعليهم، ومنزل النعم وهو الله تعالى هو الذي يذكرهم بذلك. وقوله تعالى: (أَلَمْ يَعِدْكمْ رَبُّكُمْ) استفهام إنكاري، أي لقد وعدكم ربكم وعدا حسنا مع التنديد الحفي، وعبر بـ (رَبُّكُمْ) للإشارة إلى أنه وعد محقق لا محالة. لأنه وعد من الله ربكم الذي خلقكم، وهو القيوم على كل أموركم ومالكم نسيتم هذا الوعد (أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ) العهد أي الزمن، و " الفاء " هنا سببية، والمعنى أفطال عليكم الزمن فنسيتم الوعد الذي وعده الله، والمعنى أبسبب طول الأمد نسيتم وعد ربكم؛ وهو توبيخ شديد، فإن الزمن لم يطُل، بل كانت الأحداث متلاحقة لَا تراخي فيها حتى يكون النسيان، فقد أنجاكم ربكم، وأغرق فرعون، ثم كان الوعد من الله باللقاء، وكانت فتنة العجل على قرب من ذلك. ثم كانت الجملة الاستفهامية المعادلة (أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي) نزل بهم، رفقا بهم من المعاندة لله تعالى، وهي مرتقى صعب لا يريد أن يكونوا فيه، إلى المعاندة له هو، وسارع فتبين أنها هي الأخرى، مغاضبة لله تعالى؛ لأنه ﵇ لَا يتكلم إلا عن الله، (أَمْ) استفهامية للمعادلة، و (أَرَدتُّمْ) هنا ليست متجهة إلى أن يحل بهم غضب من ربهم، إنما إرادتهم منصب على السبب الذي يفضي إلى حلول غضب الله تعالى عليهم. وفي هذا إشارة ليست خفية إلى أن ما ارتكبوه من عبادة العجل إغضاب لله تعالى، وكفر به، وإن ذلك يؤدي لَا محالة إلى أن يحل بهم غضب الله تعالى، وعبر عن الذات العلية بقوله: (مِّن رَّبِكمْ) إشارة إلى أنه هو الذي نجاهم من فرعون وأغرقه، وكلأهم بكلاءته ونزل عليهم المن والسلوى. وقال عن غضب الله بأنه يحل عليهم، والمعنى آثاره من إصابتهم بالبلاء من قتل وذبح وصَغَار في الأرض، وقد ذاقوه وتمرسوا عليه في حياتهم في مصر، وهذا حث على طلب رضا الله تعالى، بدل أن يسيروا فيما يوجب أن يحل بهم عضبه.

стр. 6973

وقد رتب الله تعالى حلول غضب الله على إخلافهم موعده فقال: (فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي) الموعد هنا مصدر ميمي بمعنى الوعد، وإخلاف الوعد ألا يقوموا بموجبه، وقد وعدوا موسى بالاستقامة والإيمان بالله وحده وترك الأوهام الباطلة التي سيطرت عليهم بسبب مقامهم في أرض فرعون. وإن هذا الموعد بلا ريب يؤدي إلى إغضاب الله تعالى؛ لأنه يكون إشراكا وتفريطا في جنب الله، فلابد أن يحل عليهم غضب الله تعالى وأن يعاد إليهم ما ذاقوه من قبل وعرفوه، أجابوا معتذرين عن فعلتهم الكبرى.

стр. 6974

(قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) نفوا أنهم أخلفوا موعدهم مختارين مريدين، بل كانوا تحت تأثير إغراء شديد وتضليل كبير، وعبروا عن فقدهم لإرادتهم الحرة الخالية من الإغراء بقول (بِمَلْكِنَا) قرئت بفتح الميم وبكسرها وبضمها (١)، والمراد أنهم ما أخلفوا وعدك في الوحدانية واستقامة النفس والفكر بإرادتهم الحرة المختارة، ولكن بإغراء. وفى هذا اعتراف بالجريمة، واعتراف آخر بأنهم ارتكبوها وإرادتهم مسلوبة بإغراء شديد، ولو كانوا أمام قاضٍ من قضاة الدنيا لأخذهم باعترافهم، واعتذارهم بأنهم كانوا مغرورين ومخدوعين لَا يخليهم من العقاب بل يقرره عليهم ويثبته، فالعبرة في الجريمة بالاختيار، وقد كان الاختيار من غير إكراه ولا يُعد الغرور إكراها. وخصوصا أنهم هم الذين قدموا سبب التضليل، وقالوا: (وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ). الاستدراك هنا استدراك من اعترافهم يتضمن الاعتذار عن ضعف إرادتهم، وضلال نفوسهم، وهو اعتذار سخيف كشأن بني إسرائيل في كل الأزمان (حُمِّلْنَا) هذا فعل مبني للمجهول لم يذكروا من الذي حملهم هذه الأوزار، إنما هم الذين

стр. 6975

حمَّلوها أنفسهم، وهناك قراءة (حَمَلنا) (١)، والأوزار جمع وزر، وهو الحمل الثقيل، ويصح أن يكون حمل بعضنا بعضا ما في عهدته من زينة القوم أي من ذهبهم، وكون الأوزار أحمالا ثقيلة لَا تخلو من إثم؛ لأن الوزر يطلق على الإثمِ باعتباره حملا ثقيلا على النفوس، كما قال تعالى: (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ)، وهذه الأحمال كان فيها آثام؛ لأنها من زينة بني مصر كانوا استعاروها منهم، فما كانوا يملكون مثلها لإيذاء فرعون لهم، وإذلالهم فأخذوا يكثرون من الاستعارة عندما أذن لهم بالرحيل، وقؤله (فَقَذَفْنَاهَا) أي ألقيناها، ولذا قالوا (فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ)، وتدل الروايات على أن قذفهم لها كان في النار لتصهر، وفعل السامري مثلهم، وقد كان دبَّر ذلك معهم، ويروى أنه قال لهم: إن موسى يلومنا على ما أخذنا من زينة القوم فلنلقها في النار لتصهر ولا يراها. وإن هذا يدل على أنه كانت إرادة، وإنه كان إصرار على الجريمة، وأنهم سلكوا الطريق إلى أسبابها من أوله إلى آخره. ْوإذا كانت الجريمة عبادة العجل، فقد وضعوا السبب الأول لصناعته، وتولى كبر الصناعة السامري ودعاهم إلى عبادته فعبدوه. وقد ذكر سبحانه ما صنعه السامري فقال عز من قائل عنه:

стр. 6976

(فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩) عندما ألقيت زينة القوم من الذهب، وكانت أحمالا ثقالا، وارتكبوا أوزارا كبارا لأنها كانت عاريات اغتصبوها، وأموالا سرقوها؛ لأن جحود العواري يعدّ من السرقات. يقول المفسرون إلا من أدركوا العصر الحاضر، وعلموا أخبار المصريين وصناعتهم، قالوا: إن السامري رأى الأمين جبريل بعد أن صنع العجل، أخذ قبضة من الأرض التي سار عليها جبريل أو فرسه فألقاها في المصنوع فصار يخور كما يخور العجل، وسرى في جسمه ماء الحياة، فصار جسدا له خوار.

стр. 6977

ذلك كلامهم وروجوه بأمرين: بأنه جسد أو له جسد، والجسد لَا يكون إلا للجسم الحي، فلا يقال عن الحجر إنه جسد، كما لَا يقال عن أي جماد إنه جسد، والأمر الثاني: قوله تعالى: (لَّهُ خُوَارٌ) والخوار لَا يكون إلا لعجل حي، فما الحيلة في هذا، لقد أعملوا تفكيرهم مستعينين بالإسرائيليات التي حشرت في كتب التفسير فانتهوا إلى هذا القول. ونحن نرى أن ذلك القول غير معقول، فإن ملائكة الله تعالى لَا تسير في صورة حي إلا بأمر من الله، وإلا لنبي، وما كان السامري نبيا، وما كان ثمة دليل منقول يقرر ذلك القول، وما ادعاه السامري عندما ناقشه موسى في هذا البهتان، وإنه عدَّ ذلك الإفك من تسويل النفس وتزيينها الباطل، فكيف يكون تزيينا للباطل، ويكون بتتبع آثار جبريل، وأيضا فإن الحياة تكون بإذن من الله تعالى، ومع ذلك يقول السامري (. . . وَكذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي). وإن الأمر المعقول أن نقول: إن السامري كما ذكر ألقى الذهب هو ومن معه ذهب من زينة القوم من بني إسرائيل ألقوها في النار فصهرت حتى صارت سائلا، وبما تعلمه من الصناعات المصرية صنعه على شكل عجل، ووضعه في مهب الرياح فدخل الهواء في خروقه بصوت الريح في أجوافه - فصار له خوار كخوار الثور، وما زلنا نرى في لعب الأطفال مثل هذه الأصوات في اللعب. وما إن رأى الإسرائيليون هذا حتى قالوا يخاطب بعضهم بعضا (هَذَا إلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ)، أي السامري، (فَنَسِيَ) هنا معناها ترك، فأطلق النسيان وأريد تركه، ونسب النسيان إليه مع أن عباد العجل جميعا تركوا أو نسوا عبادة الله وحده، ونسوا الحق؛ وذلك لأنه هو الذي أخرجه بصناعته، وفي التعبير بـ (فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا) ما يشير إلى أنه صنعه صناعة. بقي أن نرد على من فهم أن الجسد لَا يكون إلا جسما حيا يجري فيه الدم فنقول: إن الجسد والجسم لهما معنى يشتركان فيه، ومعنى يختص به الجسم، فالجسم يقال على كل الأشياء ما يتجسد ويصور، وما لَا يتجسد ولا يصور فيقال:

стр. 6978

إن الماء جسم ولكن لا يقال له جسد، وقد ذكر ذلك الراغب في مؤلفاته، فقد جاء فيه في مادة جسد ما نصه: " الجسد كالجسم لكنه أخص، قال الخليل: لَا يقال الجسد لغير الإنسان من خلق الأرض ونحوه، وأيضا فإن الجسد ما له لون، والجسم يقال لما لَا يبين له لون كالماء والهواء، وقوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ. . .). يشهد لما قال الخليل. وقال: (عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ) وقال تعالى: (وَأَلْقَيْنَا عَلَى كرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَاب)، وباعتبار اللون يقال للزعفران جساد وثوب مجسد بالجساد ". وأظن هذا واضحا في أن الجسد يستعمل كالجسم، والجسم أعم من الجسد. فقوله تعالى: (جَسَدًا لَّه خوَارٌ) لَا يمنع أنه جسم لَا حياة فيه، وربما كان التعبير بالجسد مناسبا لقوله تعالى (لَهُ خُوَارٌ) ولكنه جسم لَا حياة فيه. ولذا قال تعالى في بيان أنه ليس فيه حياة قط:

стр. 6979

(أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩) الفاء للإفصاح، أي أنهم قالوا (هَذَا إِلَهُكَمْ وَإِلَهُ مُوسَى) ولس له من صفات الألوهية شيء، (أَفَلا يَرَوْنَ) و " الفاء " مؤخرة عن تقديم لأن الاستفهام له الصدارة، والتقدير فأَلا يَرَوْنَ أنه لَا يرجع لهم قولا، أي يرد لهم قولا ولا يجيبهم في قول، و " أن " هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الحال والشأن، ورَجع القول إجابته فهو لَا يرد إجابة سائق يسوقه، ولا قائد يقوده، ولا يعرف قولا كما يعرف الحيوان، فليس فيه أمر يدل على حياته حتى يعد حيا في أحياء الحيوان، وإذا كان فإنه لَا يمكن أن يكون إلها، وإذا كان حيا فلا يمكن أيضا أن يكون إلها، لَا يمكن أن يكون إلها لأنه لَا ينفع، فهم أخطئوا لأنهم عدّوه حيا، وكفروا لأنهم عبدوه إلها، فضلوا بذلك ضلالا بعيدا. * * *

стр. 6980

موسى وهارون وينو إسرائيل والسامري (وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١) قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤) قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (٩٥) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٩٧) * * * كان موقف هارون وهم يتدلون من مرتبة التوحيد الذي أخرجهم به موسى من ربق الاستعباد والذل إلى مرتبة الوثنية المصرية لتأثرهم بها مدة إقامتهم الطويلة في مصر ضعفاء مستكينين، والضعيف - كما قال ابن خلدون - شغوف دائما بتقليد القوي لحسبانه أن ما فيه من قوة سببه ما عنده من أفكار وآراء، ولو كانت باطلة في ذاتها. كان هارون الذي خلف موسى في قومه موقف المرشد الهادي لَا موقف الساكت الممالئ، قال لهم عند تدليهم:

стр. 6981

(يَا قَوْمِ إِنَّمَا فتِنتُم بِهِ) قال لهم بمجرد أن رأى منهم عبادة العجل قبل أن يحضر موسى إليهم، وقبل أن يعرف لموسى أمر فتنتهم (إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ) أي اختبر إيمانكم بهذه الصورة صورة العجل، والضمير في (بِهِ) يعود إلى العجل الذي هو موضع الحديث، سلبا وإيجابا شدّا إلى التوحيد، وجذبا

стр. 6982

إلى الكفر، وإنما في قوله تعالى (إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ)، أي أنه ليس له حقيقة أي حقيقة حتى تجعلوه إلها يعبد، ولكنها فتنة نفوسكم التي أثرت فيها إقامتكم في أرض الفراعنة. قال لهم نبي الله هارون ﵇ ذلك في إبانه، فما قصر في إرشاد، ولكن لم يؤثر فيهم ذلك القول، كما لو كان من موسى ﵇؛ لأن موسى الأصيل في الرسالة، وهارون ردء له، فلم يكن له تأثيره، وكأنَّهم لَا يقرون برياسة إلا لموسى، ومع أنه قرر حقيقة بدهية، وهي أن ربهم الرحمن، وطالبهم بأن يتبعوه ولا يخالفوه في أمر، مع ذلك أعلنوا ما يفيد أنهم لَا يعترفون إلا بموسى رئيسا مطاعا، وقبل أن ننقل قولهم الذي أفاد إصرارهم نقول أولا: إن هارون ناداهم بما يقربهم إليه ويؤنسهم به، فقال: (يَا قَوْمِ) فهذا إشعار بالرباط الذي يربطهم به نسبا، ويدنيهم إليه. ويقول ثانيا مؤكدا الفتنة التي يجب أن يتركوها، والمفتون تزول فتنته عند أول تنبيه إليها، ومع ذلك لم يتركوها ويعودوا إلى الصواب الذي يوافق العقول، ويذكر ثالثا وينتقل من هذا الإرشاد إلى الأمر الذي يجب أن يأخذوا فيقول: (فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي) وكان يجب أن يطيعوه لأنه رسول مع موسى وردؤه، ومخالفته مخالفة لموسى، ولكن رجس الوثنية قد ثبت في نفوسهم، ولا ينخلع منه، و " الفاء " في قوله (فَاتَّبِعُونِي) هي لترتيب هذا الأمر على أن عبادة هذا الصنم فتنة وأن ربكم الرحمن وحده، وعبارة (وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ) تفيد القصر أي لا معبود غيره لأنه الرب الخالق المدبر لشئونكم الحي القيوم.

стр. 6983

(قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١) العكوف الإقامة للعبادة في معبد أو مسجد أو غيره، و (لَن نَّبْرَحَ) من الأفعال التي تفيد الاستمرار على الحال التي هم عليها، ولابد أن يسبقها حرف النفي، مثل أخواتها: " ما انفك، وما فتئ، وما زال "، والنفي بـ " لن " لتأكيد بقائهم على ما هم عليه من ضلال، فإذا كان هارون قد بلغ أقصى الغاية في إرشادهم فقد بذلوا أقصى الغاية في المعاندة، وقولهم (عَلَيْهِ عَاكفِينَ) أي مقيمين على عبادته. وتقديم الجار والمجرور لإفادة الاقتصار على

стр. 6984

عبادته وحده، فلا يعبدون معه غيره، ولو كان الله الرحمن الرحيم، متأثرين في ذلك بقول السامري لهم: إن هذا إلهكم وإله موسى. وقد ذكروا النهاية التي إليها ينتهي ضلالهم: (حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا موسَى). هكذا كان هارون موحدا غير ممالئ، وما كان لنبي أن يعتنق غير التوحيد، ولا أن يمالئ المشركين، ولكنها التوراة التي في أيدي اليهود جميعا لعنهم الله تقرر أنه مالأهم وعبده كما عبدوه، وتلك فرية على نبي الله تليق بقوم مفترين، ولا تليق بكتاب منسوب لله تعالى، ولكن النصارى واليهود يؤمنون بذلك. جاء موسى غضبان أسفا، ووجه اللوم ابتداء إلى أخيه يحسب أنه قصر في التوجيه والإرشاد، وما قصَّر، وكان كما يظهر من قوله أنه كان يرى أن يتبعه إلى المكان الذي ذهب إليه، ورأى هارون أن يبقى معهم، ويكرر إرشادهم، ويرقب حالهم:

стр. 6985

(قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) خاطب موسى ردءه وأخاه هارون بتعاطف، فناداه باسمه نداء الأخوة المحبة الأليفة، (مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا) لهذا الضلال المأفون الأحمق، و " إذ " للظرف الماضي أي: ما منعك وقت ضلالهم

стр. 6986

(أَلَّا تَتَبِعَنِ)، قالوا: " لا " زائدة، ونحن لَا نرى في القرآن حرفا زائدًا، فهو كلام الله تعالى المنزه عن الزيادة، بل كل كلمة في موضعها، ونقول: إن المنع بمعنى الحماية، ومنه مكان منيع وحصن منيع. وفلان ذا منعة، أي حماية. وبتخريج النص السامي على هذا المعنى يكون كلام موسى لأخيه: ما منعك ألا تتبعني، ما الذي جعلك ذا منعة وحماية على ألا تتبعني، ويكون المعنى العام للنص ما النصير لك جعلك منيعا على ألا تتبعني، كأنه يقول له: إنك معاوني وناصري، فلماذا لَا تتبعني؛ أصرت ذا قوة تحميك وتمنعك، وتجعلك منفصلا عني، وأنت لي ردء ومعاون غير ممانع، ولذا أردف هذا بقوله: (أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي) " الفاء " لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي فباعتمادك وحمايتك من غيري عصيت أمري، وقد قال الأصفهاني في مفرداته: ويقال المنع في الحماية، ومنه مكان منيع، وفلان

стр. 6987

ذو منعة أي عزيز ممتنع على من يرومه قال: (. . . ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ)، (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ)، (. . . مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ. . .)، أي حملك، وقيل ما الذي حملك وحدك على ترك ذلك. وهذا قريب مما ذكرنا في قوله: (. . . يَا هَارونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي) والله أعلم بمراده. وإنه في هذه الآية يبدو متعاطفا مع أخيه أو غير منافر له، ولا غاضب عليه، وفى سورة الأعراف بدا غاضبا شديد الغضب على أخيه، فقد قال الله تعالى: (. . . بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١). هذا ما جاء في سورة طه، وذلك ما جاء في سورة الأعراف، والتوفيق أن أخذ رأس أخيه يجره كان في فورة الغضب، والرفق والتعاطف بعد سورة الغضب وحدته، وقد هدأ وسكن وعلم أن هذه نفوس بني إسرائيل. ولقد أجاب هارون أخاه موسى بعد أن هدأ واطمأن، وذهبت عنه حال المفاجأة التي فاجأه بها قومه:

стр. 6988

(قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤) في هذا إشارة إلى أنه أخذ بلحيته، كما ذكر في سورة الأعراف وقت فورة الغضب، وكان ذكرها على لسان هارون نوعا من عتب رفيق لطيف في مودة واصلة غير مفرقة.

стр. 6989

كان النداء لأخيه (يَبْنَؤُمَّ) وفهم من هذا بعض المفسرين أنهما كانا أخوين لأم، وإلا قال: يا بن أبي، وإنا لَا نحسب أن هذا يدل على ما قالا، وإنما يدل على كمال الحنو، وكمال العطف والمودة والرحمة الغافرة الراضية، فإن هذا يشير إلى أنهما اجتمعا على ثدي واحدة ودرّ عليهما غذاء واحد، وجمعهما عطف أموي واحد وأنهما تغذيا عاطفيا بغذاء واحد، فإذا كانا قد انفصلا أحياء، فإن كليهما قطعتان من أم واحدة، وأحسب أن ذكر الأب الواحد لَا يتضمن كل هذه المعاني، ولذا قال النبي في لرجل سأله قائلا: يا رسول الله: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: " أمك "، قالها ثلاثا، وفي كل مرة يقول: " أمك "، حتى إذا قال الرابعة: قال: " أبوك " (١). (لا تَأخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي) هذا نهي ليس للزجر، ولكن للمحبة وللحق، وللبراءة من الاتهام والمؤاخذة، وقوله (وَلا بِرَأْسِي) يحتمل أنه كان قد أخذه في غضبه من شعر رأسه، ويحتمل أنه ذكر رأسه كناية عن تفكيره وعمله، ويكون بذلك كنَّى عن عمله وقوله برأسه التي يفكر بها ويرى ويبصر. وعلَّل سكوته بعد إرشادهم وعدم اللحاق به أو استعمال العنف فيهم بقوله: (إِنِّي خَشِيت أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي) أي إني لم أعنف معهم، ولم ألحق بك بل أخذتهم بالرفق خشية أن يتفرقوا، وخشيت أن تقول لي إني أوقعت فرقة بينهم، وفي الفرقة يكون التلافي والمقاومة، فيقاوم كل فريق الآخر في قوله، فتكون المجادلة، ثم المحادَّة، ويضل فريق، ويهتدي فريق، وإنهم بلا شك قد انقسموا: فريق ضل، وفريق هداه الله، فلو قاومت الضالين، لكانت الحدة والمنازعة والمهاترة، فتركتهم حتى تجيء أنت من لقاء الله تعالى، فيكون معك نوره، فتكون الهداية. وخشيت أن تقول (وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي) أي لم تلاحظ قولي اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين، وإنه بلا ريب لو تفرقوا وكنت سببا في هذا التفرق لكنت من المفسدين، فالتفرق في ذاته فساد وضلال، وإذا كانوا قد ضل بعضهم فهدايته ممكنة وعودته إلى الحق قريبة، ولكن عند التفرق يكون التعصُّب، وتكون

стр. 6990

الفتنة بينهم في جموعهم، وهي تزيد فتنة العبادة حدَّة، فلا يمكن حينئذٍ أن يجتمعوا، إذ تتسع هوَّة الافتراق. وبعد أن تعاتب الأخوان وتراضيا، وطلب موسى أن يغفر الله له ولأخيه اتجه إلى مصدر الداء، فقال له: (قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (٩٥) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قال موسى متجها إلى السامري الذي أحدث هذه الفتنة الطحناء، وأوجد ذلك الخطب الخطير في قوم يعبدون الله تعالى، وقد رأوا آياته فيهم أنفسهم، فكانوا أحق الناس بتوحيد الله .

стр. 6991

(فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ) " الفاء " للإفصاح، أي إذا كان هذا هارون الرسول معي، فما شأنك الخطير الذي كان في ذاته خطبا، وناداه باسمه ليفيض بنفسه بين يديه، ولا يرهبه ولا يفزع، فلا يكشف كل ما في نفسه.

стр. 6992

(قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ ... (٩٦) أي فطنت لما لم يفطنوا، فإن الإبصار يكون بالعين المبصرة، والبصر الذي هو مصدر يبصر يكون بالقلب والعقل والفكر، وقد كان السامري فطنا يعلم صناعة التماثيل، وكان له في ذلك مهارة فائقة كالمتخصصين في هذه الصناعة، وقد قيل إنه صنع من قبل تمثالين من شمع أحدهما لثور، والآخر لثورة، ولعله صنعهما أمام موسى ليعلم موسى مقدار ما بصر به من صناعة التماثيل. وقوله تعالى: (فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ) والأثر ليس هو أثر جبريل، ولا فرس جبريل، ولكنه أثر معنوي، والرسول ليس هو جبريل، فلم يجئ ذكر لجبريل في هذا الموضوع حتى يراد بالمعرف بـ " أل "، إنما الرسول الذي تكرر ذكره بالرسالة هو موسى كليم الله، وأثر موسى كليم الله تعالى هو دعوته إلى التوحيد، وإلى عبادة الله تعالى وحده لَا شريك له، فذلك هو أثر موسى وهو أثر كل رسول

стр. 6993

برسالة سماوية من الله تعالى (فَنَبَذْتُهَا)، أي ألقاها في مهب الريح، كما تلقى النواة وترمى، واستبدل بالتوحيد الشرك والكفر، وأن يكون على دين من يعبدون البقر لعنهم الله تعالى، وقد بين بعد ذلك أن هذا من هوى النفس وليس قائما على منطق من عقل، ولذا قال: (وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي)، أي كذلك الذي رأيتم من فتنة بني إسرائيل بهذا التضليل زينت لي نفسي، ومعنى التسويل أنه تردد في هذا الأمر بتساؤل نفسي حتى أختار ما أختار وزينته وحسنته. كان لابد له من عقاب يكون به عبرة في الدنيا، وعقاب الآخرة ثابت له. ولذا ذكره موسى الكليم بعقاب في الدنيا، وترك عقاب الآخرة لربه الأعلى.

стр. 6994

(قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٩٧) " الفاء " كما ذكرنا للإفصاح عن شرط مقدر تقديره: إذا كان هذا ما صنعت، فاذهب إلى آخره، وقد ذكر له عقابين كما أشرنا عقاب الدنيا وعقاب الآخرة، فأما الدنيا، فقد قال فيه: (فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقولَ لَا مِسَاسَ) أي فإن الذي يبقى لك فيه أن ينفر الناس منك، وأن تكون في حال من يمسك فيها يؤلمك أشد الإيلام، فإذا لقيت الناس قلت: لَا مساس، أي لَا تمسوني، وإن ذلك يدل دلالة قاطعة على أن المساس يؤلمه، فهو مرض يصاب به، ويكون عبرة بين الناس بآفته. وأقوال الزمخشري تتجه إلى أن قوله لَا مساس منع من مخالطة الناس، حتى لا يجرهم إلى الضلال والفتنة، وقال في ذلك: عوقب في الدنيا بعقوبة لَا شيء أطمَّ منها وأوحش، وذلك أنه منع من مخالطة الناس منعا كليا، وحرم عليه ملاقاتهم، ومكالمتهم، ومبايعتهم، ومواجهتهم، وكل ما يعايش به الناس بعضهم بعضًا، واذا اتفق أن يماسّ أحدا رجلا أو امرأة حم المماس والممسوس، فتحامى الناس وتحاموه، وكان يصيح: لَا مساس، وعاد في الناس أوحش من القاتل اللاجئ إلى الحرم، ومن الوحش النافر في البرية، هذا هو عقاب السامري في الدنيا نفرة من الناس، ونفرة منه لمرض ألَمَّ به، ومنع من الناس، ونرى الأول كما أشرنا.

стр. 6995

وأما العقاب الأخروي فقد ترك أمره لله تعالى، وقال له موسى (وَإنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُ) أي أنه جاءٍ لَا محالة، وهو يوم البعث. واتجه موسى إلى مادة الجريمة بعد أن اتجه إلى المجرم، وهو صورة العجل، أو تمثاله فقال: (وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا) أمره موسى أن ينظر إليه لبيان أنه ليس شيئا يعبد، فإن المعبود باق يدوم ولا يفنى، وأمره بالنظر إليه مع التعبير بأنه إلهه الذي يعبده تهكما به، وبمن اتخذه إلها (الَذي ظَلْتَ) مخفف من (ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكفًا)، أي ظللت مقيما عابدا لله وحده (لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا) يقال حرَّق الشيء إذا برده بالمبرد، حتى صار ذرات تنسف، ومن ذلك قولهم: يحرق الأُرَّم، وإنه بعد بَرْده ينسف في البحر نسفا أي يلقى في البحر ذرات غير متجمعة ولا مجموعة، ومن الخطأ أن يفسر (لَّنُحَرِّقَ) بمعنى الإحراق بالنار؛ لأن النار تذيب الذهب وتصهره، ولا تجعله ذرات تنسف، ولأن اللغة تفسر التحريق بالبرد بالمبرد، وهو المعقول المناسب للمقام، والمتفق مع السياق وكلمة النسف. * * * الواحد الأحد، وعاقبة جحوده (إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨) كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (١٠١) يَوْمَ يُنْفَخُ

стр. 6996

فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (١٠٤) بين الله سبحانه بعد أن كشف موسى لبني إسرائيل بطلان عبادتهم تمثال العجل الذي عبدوه، وما نزل بمن ابتدع عبادته، ومآل ذلك التمثيل، أخذ يبين المعبود الحق، والإله الذي توافرت فيه أسباب الألوهية مخاطبا الناس أجمعين قريشا وغيرهم من الخليقة وبني إسرائيل وسواهم، فقال عز من قائل:

стр. 6997

(إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ) أكد سبحانه وحدانية الألوهية في الله ﷻ بثلاثة مؤكدات أولها: (إِنَّمَا) فإنها تدل على الحصر، أي أنها تدل على أنه لَا إله غيره، والثاني: بتعريف الطرفين (إِلَهُكُمُ اللَّهُ) ﷻ فإلهكم معرفة، والله ﷻ معرفة. والثالث بقوله: (لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) هذا التأكيد كان من مقتضى الحال؛ لأنه تعقيب على قول ناس ضلوا ضلالا بعيدا، حتى بلغ بهم الوهم أن صنعوا تمثالا بأيديهم، وعبدوه، فكان فعلهم بهتانا عظيما بهتوا به العقول والمدارك، وعندما يشتد قول الباطل يكون من مقتضى الحال أن يؤكد بيان الحق ليمحو الأوهام. ولقد ذكر سبحانه بعد ذلك السبب في أن الله وحده هو الإله، فقال: (وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا)، أي وسع علمه كل شيء فهو يعلم الوجود كله من مبتدئه إلى منتهاه ومآله ولا يكون ذلك إلا للخالق المدبر ، فالله تعالى كان الإله وحده؛ لأنه خلق كل شيء وحده، فلا بشاركه في خلقه أحد، وهو بهذا ليس من نوع ما خلق، بل هو مخالف لكل الحوادث التي أنشاها، وغيره منها، فهو بمقتضى حكم العقل المعبودُ وحده، ولا معبود سواه؛ لأن ما عداه حجرا أو شخصا أو تمثالا ناقص محتاج إلى غيره، ولا يعبد إلا الكامل واجب الوجود المطلق.

стр. 6998

وقوله تعالى: (وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) (عِلْمًا) فيه تمييز محول من فاعل، أي وسع علمه كل شيء، وكان ذلك التحويل من فاعل إلى تمييز لتمكين نسبة العلم إليه سبحانه إذ إن في الإبهام في (وَسِعَ) وبعده البيان تمكين فضل. ويشير إلى حكمة القصص وعبرته فيقول عز من قائل:

стр. 6999

(كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩) الإشارة إلى القصص الذي قصه الله تعالى من أخبار موسى وفرعون وبني إسرائيل وكيف سيطرت الأوهام ودافعت العقول حتى حلت في العقول، وكيف طغى فرعون وتجبر وذبح واستضعف، وكيف نجى الله بني إسرائيل من عذابهم، ثم كيف غلب الوهم القديم فدخل العقول بعد فضل الله عليهم. و (كَذَلِكَ) في قوله تعالى: (كذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ) الجار والمجرور متعلق بـ (نَقُصُّ) والتخريج يكون هكذا: ونقص عليك من أنباء ما قد سبق مثل ذلك القصص الكاشف المبين لمنابت الضلال عند من يضلون، وينابيع الهداية التي يستقون منها الحقائق سقيا. ْوالأنباء جمع نبأ، وهو الخبر الخطير ذو الشأن العظيم، وأي نبأ أعلى من العبرة من أنباء فرعون ذي الأوتاد، وموسى كليم الله، وبني إسرائيل الذين كانوا المثل في طرق الهداية والتمرد عليها، والانفلات منها بأوهامهم التي يتوهمونها. وقال سبحانه: (مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ) " من " للتبعيض، أي بعض أنباء ما قد سبق، وأكد الله تعالى سبقهم بـ " قد " ليتعلم أهل مكة منها، وأنهم ضلوا كما ضل هؤلاء وستكون العقبى عندهم كالعاقبة التي حلت بهم، وأنه ينزل بهم ما نزل بغيرهم، وبين سبحانه الكتاب المنزل الذي ذكرت فيه هذه العبر، فقال تعالى: (وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَدُنَّا ذِكْرًا) الذكر هنا هو القرآن الكريم؛ لأنه المذكِّر، وهو رسالة محمد ﷺ ، وقد عظَّم الله القرآن بعبارات سامية، أولا: بأنه عطاء الله

стр. 7000

لنبيه ﷺ وبينته الكبرى، وذكر أنه من لدنه أي من عنده، ووصفه بأنه مذكِّر، فهو ذكر القلوب ودواؤها وطبُّها. ثم قال تعالى في جزاء من يعرض عنه أو يجحد:

стр. 7001

(مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠) القرآن رسالة النبي ﷺ وحجته ومعجزته الكبرى، فمن يعرض عنه فقد أعرض عن رسالة ربه، وعن آياته، وعصى الله، وعصى نبيه، وبذلك يرتكب وزرًا أي إثما كبيرا ثقيلا تنوء بحمله القوي الإنسانية، ويذهب يوم القيامة وهو حامل ذلك الإثم، ومن ذهب يوم القيامة موزورا آثما، فإنه يكون في عذاب شديد. وقال (أَعْرَضَ) ولم يقل " كفر "؛ لأن الإعراض عن فهم معانيه، وتبصرها وإدراك بلاغته، ووجوه إعجازه يؤدي إلى الجحود، لما اشتمل عليه من خيرى الدنيا والآخرة، فعبر سبحانه بالإعراض الذي هو سبب الجحود، وأراد الجحود بذكر سببه، وذلك لتعظيم شأن الإعراض وخطره، وما يؤدي إليه من أضرار، ونقول إنه أراد بالوزر - بمعنى الإثم - عقابه لأنه يكون ثقيلا. ونكر (وزرًا) للتهويل وبيان أنه وزر خطير، وإثم عظيم، وعذابه أليم. وقد وصف سبحانه هذا الوزر فقال:

стр. 7002

(خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (١٠١) الضمير في (فِيهِ) يعود إلى الوزر، وأثره الخطير، وهو العذاب الدائم، فأراد بالوزر عذابه كما أشرنا، وهو الجحيم، وذكر الوزر وأريد عذابه؛ لأنه يكون على قدره من الثقل، والخطر العظيم الشأن بمقداره، فكأنه هو للتساوي بينهما فهو جزاء وفاق له: وهو بهذا حمل سيئ شديد السوء حتى يتعجب منه عند الناس، ولذا قال تعالى: وسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا)، أي ما أسوأه حملا، لسوء مغبته، ولأنه يورث السوء، يورث نار جهنم وحسبها من سوء. وإذا الوزر وهو الحمل الثقيل يتساوى مع نار جهنم، وهي بئس المصير، فهو وزر ثقيل سيئ، وهو يثير التعجب في مآله، وقد حسبوه (هَيِّنًا)، وهو في ذاته أمر عظيم.

стр. 7003

وقد بين الله تعالى مقدمات يوم القيامة فقال تعالى:

стр. 7004

(يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) (يَوْمَ) عطف بيان على قوله (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وإن يوم نفخِ الصور هو يوم البعث الذي يقدم بعده يوم القيامة، وهنا ثلاث قراءات في (يُنفخُ) فقرئ بالياء المضمومة والبناء للمجهول، وقرئ (ننفخ) وضمير المتكلم لله ؛ لأن النفخ يكون بأمره، والآمر بأمر يعد فاعله، وقرئ (ينفخ) بفتح الباء بالبناء للفاعل، والضمير يعود على الله تعالى؛ لأنه الآمر، والفعل الآمر به كما ذكرنا. و (الصُّورِ) هو البوق، وقد قال الراغب الأصفهاني في المفردات: " قيل هو مثل قرن ينفخ فيه، فيجعل الله سبحانه ذلك سببا لعود الصُّور والأرواح إلى أجسادها، وروى في الأثر أن الصور فيه صُوَر الناس كلهم. وعلى ذلك يكون للنفخ في الصور معنيان أحدهما: أنه بوق يجمع الله تعالى بالنفخ فيه الأجزاء المتفتتة في الأرض فتعود صورها وأرواحها، والثاني: أن صور الأجساد المتفتتة فيه ينفخ فيها فتكون أجسادا حية فيها أرواحها. وعندي أن قوله تعالى: (يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ) تصوير لجمع الأموات وبعثهم بأنه لَا يتجاوز النداء كقوله (كن فيكون) كالقائد ينفخ في البوق فيجتمع الجند بل إنه أسرع من لمح البصر، إذ يكفي النداء من رب العزة فيجتمع الجميع، وإذا اجتمع الجميع اختص الله المجرمين بالذكر، فقال عز من قائل: (وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئذٍ زُرْقًا)، لأنهم الذين كفروا وعاندوا فكان اليوم عليهم، وعاندوأا واستكبروا، وقد قال تعالى: (نَحْشُرُ) أي نجمعهم مكدسين كالأشياء لَا كرامة لهم بل مهانين غير محترمين، وقال تعالى في لسوء حالهم (زُرْقًا)، وزرقا أي أن أعينهم عميت لأن العين إذا عميت كان سواد حبتها أزرق، وذلك تشويه لها وتشويه للوجه وطمس للعين، ويقول البيضاوي تابعا للزمخشري: زرق العيون، وصفوا بذلك؛ لأن الزرقة

стр. 7005

أسوأ ألوان العين وأبغضها إلى العرب؛ لأن الروم كانوا أعدى أعدائهم وهم زرق العيون، ولذلك قالوا في صفة العدو أسود الكبد، أزرق العين. ولعل وصف الزرق بالعمى أقرب من ذلك القول، ولا نحسب أن وصفهم بزرق العيون ذما جيدا في ذاته. ونحن نقول إن القرآن الكريم لم يجعل (زرْقًا) وصفا للعيون، ولكنه وصف لأجسامهم، ولا شك أن وصفهم بأنهم زرق في أجسامهم ووجوههم وصف لهم بالهلع والفزع، وهو المقصود، فهم هلعون فزعون من هول ذلك اليوم الشديد، والزرقة أقرب إلى السواد، فهي أدلّ على الفزع، ومعناه أنهم يجيئون سودا، ويتحقق قوله تعالى: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ. . .). ويقول سبحانه:
следующие страницы →