(مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠)
القرآن رسالة النبي ﷺ وحجته ومعجزته الكبرى، فمن يعرض عنه فقد أعرض عن رسالة ربه، وعن آياته، وعصى الله، وعصى نبيه، وبذلك يرتكب وزرًا أي إثما كبيرا ثقيلا تنوء بحمله القوي الإنسانية، ويذهب يوم القيامة وهو حامل ذلك الإثم، ومن ذهب يوم القيامة موزورا آثما، فإنه يكون في عذاب شديد.
وقال (أَعْرَضَ) ولم يقل " كفر "؛ لأن الإعراض عن فهم معانيه، وتبصرها وإدراك بلاغته، ووجوه إعجازه يؤدي إلى الجحود، لما اشتمل عليه من خيرى الدنيا والآخرة، فعبر سبحانه بالإعراض الذي هو سبب الجحود، وأراد الجحود بذكر سببه، وذلك لتعظيم شأن الإعراض وخطره، وما يؤدي إليه من أضرار، ونقول إنه أراد بالوزر - بمعنى الإثم - عقابه لأنه يكون ثقيلا.
ونكر (وزرًا) للتهويل وبيان أنه وزر خطير، وإثم عظيم، وعذابه أليم. وقد وصف سبحانه هذا الوزر فقال:
стр. 7002
(خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (١٠١)
الضمير في (فِيهِ) يعود إلى الوزر، وأثره الخطير، وهو العذاب الدائم، فأراد بالوزر عذابه كما أشرنا، وهو الجحيم، وذكر الوزر وأريد عذابه؛ لأنه يكون على قدره من الثقل، والخطر العظيم الشأن بمقداره، فكأنه هو للتساوي بينهما فهو جزاء وفاق له: وهو بهذا حمل سيئ شديد السوء حتى يتعجب منه عند الناس، ولذا قال تعالى: وسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا)، أي ما أسوأه حملا، لسوء مغبته، ولأنه يورث السوء، يورث نار جهنم وحسبها من سوء.
وإذا الوزر وهو الحمل الثقيل يتساوى مع نار جهنم، وهي بئس المصير، فهو وزر ثقيل سيئ، وهو يثير التعجب في مآله، وقد حسبوه (هَيِّنًا)، وهو في ذاته أمر عظيم.
стр. 7003
وقد بين الله تعالى مقدمات يوم القيامة فقال تعالى:
стр. 7004
(يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣)
(يَوْمَ) عطف بيان على قوله (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وإن يوم نفخِ الصور هو يوم البعث الذي يقدم بعده يوم القيامة، وهنا ثلاث قراءات في (يُنفخُ) فقرئ بالياء المضمومة والبناء للمجهول، وقرئ (ننفخ) وضمير المتكلم لله ؛ لأن النفخ يكون بأمره، والآمر بأمر يعد فاعله، وقرئ (ينفخ) بفتح الباء بالبناء للفاعل، والضمير يعود على الله تعالى؛ لأنه الآمر، والفعل الآمر به كما ذكرنا. و (الصُّورِ) هو البوق، وقد قال الراغب الأصفهاني في المفردات: " قيل هو مثل قرن ينفخ فيه، فيجعل الله سبحانه ذلك سببا لعود الصُّور والأرواح إلى أجسادها، وروى في الأثر أن الصور فيه صُوَر الناس كلهم.
وعلى ذلك يكون للنفخ في الصور معنيان أحدهما: أنه بوق يجمع الله تعالى بالنفخ فيه الأجزاء المتفتتة في الأرض فتعود صورها وأرواحها، والثاني: أن صور الأجساد المتفتتة فيه ينفخ فيها فتكون أجسادا حية فيها أرواحها.
وعندي أن قوله تعالى: (يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ) تصوير لجمع الأموات وبعثهم بأنه لَا يتجاوز النداء كقوله (كن فيكون) كالقائد ينفخ في البوق فيجتمع الجند بل إنه أسرع من لمح البصر، إذ يكفي النداء من رب العزة فيجتمع الجميع، وإذا اجتمع الجميع اختص الله المجرمين بالذكر، فقال عز من قائل: (وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئذٍ زُرْقًا)، لأنهم الذين كفروا وعاندوا فكان اليوم عليهم، وعاندوأا واستكبروا، وقد قال تعالى: (نَحْشُرُ) أي نجمعهم مكدسين كالأشياء لَا كرامة لهم بل مهانين غير محترمين، وقال تعالى في لسوء حالهم (زُرْقًا)، وزرقا أي أن أعينهم عميت لأن العين إذا عميت كان سواد حبتها أزرق، وذلك تشويه لها وتشويه للوجه وطمس للعين، ويقول البيضاوي تابعا للزمخشري: زرق العيون، وصفوا بذلك؛ لأن الزرقة
стр. 7005
أسوأ ألوان العين وأبغضها إلى العرب؛ لأن الروم كانوا أعدى أعدائهم وهم زرق العيون، ولذلك قالوا في صفة العدو أسود الكبد، أزرق العين.
ولعل وصف الزرق بالعمى أقرب من ذلك القول، ولا نحسب أن وصفهم بزرق العيون ذما جيدا في ذاته.
ونحن نقول إن القرآن الكريم لم يجعل (زرْقًا) وصفا للعيون، ولكنه وصف لأجسامهم، ولا شك أن وصفهم بأنهم زرق في أجسامهم ووجوههم وصف لهم بالهلع والفزع، وهو المقصود، فهم هلعون فزعون من هول ذلك اليوم الشديد، والزرقة أقرب إلى السواد، فهي أدلّ على الفزع، ومعناه أنهم يجيئون سودا، ويتحقق قوله تعالى: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ. . .).
ويقول سبحانه:
стр. 7006
(يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣)
الخفت: خفض الصوت، و (يَتَخَافَتونَ): يتبادلون الصوت الخافت الذي يكون بين الجهر والإسرار والنجوى، فهو ليس إسرارا ولا نجوى، ولكنه إعلان في خفت، وهذا التخافت من الهلع والفزع، فإن المفزوع الخائف الهالع يكون كلامه خفيضا من شدة فزعه؛ إذ لَا يستطيع أعلى منه، ولأنه يحسب أنه محسوب عليه قوله.
واللبث المتحدث عنه في أي حال هو، أهو اللبث في الحياة الدنيا، أم اللبث في القبور بين الموت والبعث؛ اتجه كثيرون من المفسرين إلى أنه اللبث في الحياة الدنيا مستمتعين بلذائذها وزينتها وزخارفها، فإنهم يحسبونه زمنا قليلا ويجتمع عليهم ألمان: ألم بشعور قلة متاعهم في الدنيا، والألم الثاني طول عذابهم في الآخرة، أي أنهم يدركون أن الدنيا متاع قليل بجوار عذاب الآخرة الطويل، ومهما تكن حالهم فإنهم يستقلون متعتهم التي يحاسبون فيها بجوار الشقاء الذي يلقونه في دار الجحيم التي يخلدون فيها، ويزكي هذا قوله تعالى: (قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣).
стр. 7007
ويتجه بعض المفسرين إلى أن اللبث في القبور إلى وقت البعث، وذلك أنهم يحسبون أنهم لبثوا وقتًا قصيرا ثم استيقظوا بالبعث.
وإني أميل إلى ذلك الرأي، فإنهم وقت البعث لَا يحسبون أنهم قضوا وقتا طويلا في القبور، وذلك من قدرة الله وضعف الإنسان، والعشر هي عشر ليال بدليل حذف التاء، والشهر العربي يعرف بالليالي، وهو لغة القرآن الكريم.
هذا ما يقدره بعض الناس، ويقدره آخرون بيوم واحد، وهو أمثلهم طريِقة، ولقد قال تعالى:
стр. 7008
(نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (١٠٤)
المتحدث هو الله تعالى بضمير التعظيم، فهو وحده العظيم الكبير، وقوله: (أَعْلَمُ) أفعل التفضيل ليس على بابه بل معناه العليم علما ليس مثله علم، ولا فوقه علم، وقوله تعالى: (بِمَا يَقُولُونَ) أي مع تخافتهم وقولهم في خفت، بصوت غير مسموع إلا لأنفسهم ليس لأحد غيرهم، وقال تعالى: (إِذْ يَقُول أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً) والأمثل هو الأعدل في القول وفي الإدراك و (طَرِيقَةً)، أي طريقة التفكير، واتجاه إلى الطريق المستقيم (إِن لَبِثْتُمْ إِلَّا يوْمًا) " إن " نافية، أي: ما لبثتم إلا يوما أي يومًا واحدا.
والله سبحانه تعالى أخبر عن تخافتهم في وقت الفزع الأكبر، وأنهم في هولهم يستقلون ما مضى عليهم في الحياة بجوار ما يستقبلون من أيام شداد غلاظ، أو لوجودهم في قبورهم غير شاعرين لَا يعرفون الزمن الحقيقي الذي لبثوه في القبور، وذلك دليل قدرة الله على البعث وحكمته في خلق الإنسان.
* * *
стр. 7009
حال الأرض والسماء والناس بعد البعث
(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (١٠٨) يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١)
* * *
كان الإحياء في نظر السائلين سهل بالنسبة للجبال التي هي أوتاد الأرض، فقال تعالى في بيان أنها هينة عند الله لَا تحتاج إلى معاناة بل
стр. 7010
(يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا)، والنسف يقتضي أن يفتتها ذرات تنسف، ويؤكد سبحانه نسفها، وفي تأكيد النسف تأكيد للتفتيت أيضا.
стр. 7011
(فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)
" الفاء " عاطفة، والضمير يعود إلى الجبال أو إلى الأرض على أنها استحضرت في الذهن عند ذكر الجبال، وقد يعود الضمير على مطوي في الذكر مستحضرا في الذهن، كقوله تعالى: (. . . مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّة. . .)، و " القاع " الأرض المستوية، و " الصفصف " الأرض التي لَا نبات فيها، أي أن يوم البعث تكون الأرض مستوية لنسف جبالها وملساء لَا زرع فيها، أي تزول جبالها ووهادها وزرعها البهيج،
стр. 7012
وتكون قاعا صفصفا، ووضح سبحانه وتعالى
стр. 7013
(لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا) التعوج. والأمْتُ: التلال الصغيرة، أي تصير الأرض بعد نسف جبالها مستوية لا انخفاض فيها ولا ارتفاع، ويفسر ابن عباس العوج بالميل، والأمت الأثر، وروي عنه أنه قال العوج الوادي والأمت الرابية، وكلها معانٍ متقاربة، وتنتهي جميعها إلى أن الأرض تصير مستوية على نسق واحد، لَا تعرف فيها واديا ولا رابية، ولا جبلا ولا تلا، فكل ما كان من فروق تفرق بين أجزائها تزول وتبقى شيئا واحدا، وذلك تمهيد لزوال كل الفروق الذي تكون بين الأشخاص إلا أن يكون عملا صالحا، فإنه يعلي صاحبه، أو عملا سيئًا فإنه يحطه ويرديه.
ويجب أن ننبه هنا إلى أمر ذكره الزمخشري فإنه قرر أن (العِوَج) بكسر العين يكون في المعنويات أو ما لَا يعرف إلا بالنظر والمقايسات، و " العَوج " بفتح العين ما يكون في الحسيات، ولكنه عبر هنا بما يدل على المعنويات؛ وذلك ليكون النفي شاملا لكل ما يكون علوا، ولو كان العلو لَا يعرف بالنظر المجرد، بل يعرف بالقياس وميزان الماء، فهذا العوج وإن كان في الحسيات لم يعرف بالمقاييس والموازين العقلية.
قال تعالى:
стр. 7014
(يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (١٠٨)
أي يومئذ وقت نسف الجبال وأن تكون الأرض قد استوت، ليس بها بناء، ولا ديار ولا حجر ولا مدر، ولا قيعان ملساء، ولا نبات ولا شجر ولا عوج ولا أمت، في هذا اليوم وفي ذلك الوقت يدعو الداعي فتكون الإجابة من غير اعوجاج كما أن الدعوة لَا اعوجاج فيها، فالضمير في (لَهُ) يعود إلى الداعي، والداعي هو مَلَك وُكلَ إليه أمر دعوة الخلق التي يكون بها البعث ويستجيب لها الجميع من غير تلكؤ مسارعين مستجيبين، ونفي العوج عن الداعي باعتبار أن دعوته مستقيمة لَا استثناء فيه، وعن المدعوين أيضا باعتبار أن استجابتهم مستقيمة، لَا عوج فيها ويستجيبون سائرين في خط مستقيم لَا التواء فيه، فالدعوة حاسمة والاستجابة لا عصيان فيها، (وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ) أي خضعت وبدت فيها الاستكانة والخضوع
стр. 7015
لله تعالى فكل صوت انخفض، وكل جهارة في القول، والخضوع (لِلرَّحْمَنِ)، وهو القهار في ذلك اليوم، ووصف بالرحمة لأنه يوم العدل، والعدل هو الرحمة، فكل يأخذ حقه، ويؤدي ما عليه، ويحاسب على ما قدمت يداه، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، إذا كان ذلك الخشوع خشية من الرحمن العادل (فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا)، إلا صوتا خفيًّا، وقالوا: إنه صوت وقع الأقدام فلا حديث ولا كلام هلعا وفزعا.
وكل إنسان مقدم على أمر أحس بخطورته، وقد اعترته هيبة اللقاء، وأحس بالحساب ولا يدري ما الله فاعل به، فالأبرار يستقلون حسناتهم، ويَعُدون أخطاءهم كبائر، والأشرار يعروهم الإحساس بآثامهم وعظم ما ارتكبوا، ويجدون عملهم محضرا، ويعانون ما أنكروه من قبل، وهو البعث والحساب.
стр. 7016
(يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)
" إذ " في (يَوْمَئِذٍ) تشير إلى يوم ينفخ في الصور، ويكون البعث المراد يوم الحساب، يجيء كل إنسان ومعه أعماله مسجلة عليه في كتابه قد سجلت حسناته، وسجلت سيئاته، وجوارحه تنطق بما اكتسبت من آثام وتحوطه السيئات ويحاسب على ما عمل، ولا شفيع يشفغ ولا فدية تدفع (إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا)، وهذه الشفاعة تكريما للشافع وليست استنزالا لعقاب، أو زيادة في ثواب، فالله سبحانه يعلم الجزاء حق العلم وإنما هي إظهار لكرامة الكرماء عند الله العزيز الحكيم، الذي علم كل شيء فقدره تقديرا وما قدره في علمه واقع لَا محالة، فإن كان بشفاعة شفيع وقع ما كتب على أنه استجابة لشفاعة اختص بها كريما مكرما.
فالشفاعة بالإذن، ويقال للشفيع اشفع تشفع، فهي لَا تكون إلا بإذن من الله ولا تكون إلا لمن (وِرَضِيَ لَهُ قَوْلًا)، كما قال في آية أخرى، (. . . إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيرْضَى).
وقوله تعالى: (إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا) كأنه لابد من شرطين لقبول الشفاعة وهو إذن الله تعالى، ولا يكون الإذن إلا من مرضي القول مقبول، لأنه تكريم من الله لأجل الاستقامة، والعدالة في القول، فلا يشفع لأثيم،
стр. 7017
وقلنا: إن هذا يكون تكريما للشفيع ولرحمة العباد، وهو مقدَّر في علمه المكنون، فالشفاعة لَا تغير مقدورا، ولكن تنفذ المقدور، وقوله تعالى: (وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا) التنكير هنا لتعميم القول لَا لتخصيصه، أي رضي الله له قولا أيَّ قول، أي كان الصادق الأمين عند الله تعالى، ولا يكون ذلك إلا لرسول من المقربين المصطفين الأخيار.
стр. 7018
(يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)
(يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) أي ما هو أمامهم ويستقبلهم، (وَمَا خَلْفَهُمْ)، أي ما خلفوه وقاموا به من أعمال، هذا تعبير قرآني يعبر عن الأمور الحاضرة والمستقبلة بأنها بين الأيدي، وكان في الكلام استعارة شبه الأمور التي تقع في الحاضر أو المستقبل بما يكون مهيأ بين أيديهم يفعلونه، والأمور الماضية التي عملوها في الماضي بما خلفهم؛ لأنهم تركوه فكان في أعقابهم فالله علم أعمالهم، وما تستحق من جزاء، وما قدره من عقاب، وثواب وغفران ورحمة من عنده إنه هو الغفور الرحيم الودود السميع البصير.
(وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا) الضمير في (بِهِ) يصح أن نقول إنه يعود على (مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) فالله يعلمه، وهم لَا يحيطون بشيء من علم هذا، فالقابل مغيَّب عنهم لَا يعلمونه، والحاضر لَا يعلمونه علم إحاطة، بل علم الإحاطة عند الله وحده، وكذلك ما خلفهم لَا يعلمونه علم إحاطة، والمراد بعلم الإحاطة علم البواعث والغايات والنافع والضار، ونتائج الأفعال وثمراتها وحقائقها وكنهها وما تسره الأنفس وما تعلنه، وقوله تعالى: (وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا) هو كقوله تعالى: (. . . وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّن عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ. . .).
ويصح أن نقول: إن الضمير يعود على ذي الجلالة،؛ لأن الله أعلى من أن نعرف ذاته، إلا بما يعرفنا به من صفات، والاحتمال الأول أقرب، وبه نقول، والله أعلم.
* * *
стр. 7019
(وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١)
(عَنَت) من عنا يعنو إذا خضع، وخشع وخنع، ومنه قولهم عن الأسير أنه المعاني، أي الخاضع وهذا الخنوع هل هو في الدنيا، أم في اليوم الآخر؛ إنه بلا شك في اليوم الآخر؛ لأن الله سبحانه هو مالك يوم الدين، وهو مالكه، ففيه لَا يكون إرادة إلا إرادة الواحد القهار، وقيل إن هذا في الدنيا، فإن الله تعالى في قبضته السماوات والأرض فكل الوجود خانع عانٍ له سبحانه.
وأرى أن ذلك في الدنيا والآخرة: (الْوُجُوهُ) المراد به الذوات كلها، فالوجه يعبر به عن الذوات؛ لأن به المواجهة، وقوله تعالى: (لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ)، أي الذي يبقى ولا يموت أبدا، فهو الحي الباقي الذي تذل له كل الوجوه، والقيوم هو القائم على الخلق يدبرهم، وهو القائم عليهم يحصي حسناتهم وسيئاتهم، وهو الدائم الباقي ملك الناس في الدنيا والآخرة.
ولقد قال سبحانه: (وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا).
الواو واو الحال، والخيبة: الخسران والفشل والعجز، فهي تشمل في معناها كل هذه المعاني، وسجل الخيبة على من حمل ظلما، وعبر عن حمل الظلم أو كسبه بقوله تعالى: (منْ حَملَ ظُلْمًا) إشارة إلى أنه وزر كبير ينوء به من يحمله، وإنه يحسبه هينا، وهو حمل ثقيل، وهو تنبيه لمن يظلمون مستهِينين بالناس مستخفين بأنهم يحملون ثقلا ينوء به الناس أمام الله، وقد نكَّر (ظُلْمًا) للإشارة إلى أن عموم الظلم عبء كبير، والمعنى حمل ظلما أي ظلم.
وفى الحديث الصحيح: " يقول الله : " وعزتي وجلالي لَا يجاوز اليوم ظلم ظالم " (١) وعن النبي ﷺ : " إياكم والظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة " (٢)
والخيبة كل الخيبة لمن لقي الله تعالى وهو به مشرك فإن الله يقول: (إِن الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)، والظلم قلَّ أو كثر خيبة كل الخيبة، لأن من ينال حقه بظلم خائبٌ أمام الله والناس والحق في ذاته، وناقص في إنسانيته، والله أعلم.
* * *
стр. 7020
الجزاء في الأخرة وعلم القرآن في الدنيا
(وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)
* * *
بعد أن ذكر الله جزاء الأشرار وحالهم عندما يظهر لهم البعث ويرونه عيانا، وقد أنكروه من قبل وشددوا في إنكاره حتى حسبوه غير معقول، ذكر لهم حال الذين آمنوا به وصدقوه:
стр. 7021
(وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا) (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَات)، أي من يقوم بالعمل الصالح في علاقته بربه، فلا يخضع إلا له، ويقوم بالعبادة التي كلفه إياها، وبنفع الناس استجابة لأمر ربه ويحب نفعهم، ويكون كما قال النبي ﷺ : " إن يحب الشيء لَا يحبه إلا لله " (١)
فيكون في عبادة دائمة حتى في مأكله ومشربه وملبسه وفي بضعه إذ يفعل ذلك استجابة لله تعالى، وقال تعالى: (وَهُو مُؤْمِنٌ) " الواو " واو الحال، أي والحال أنه مؤمن، فالعمل الصالح لَا يعطى حقه من الجزاء إلا مع الإيمان، لأن معطي الجزاء هو الله تعالى، والإيمان هو الإيمان بالله وكيف يثاب من الله تعالى من لَا يؤمن بالله تعالى، إنه حائر بائر ليس له مقصد في عمله، ولا نية يرتجى الخير بها، وقد قال في الذين كفروا وفعلوا بعض الأمورِ النافعة في الدين: (مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧).
стр. 7022
وقوله تعالى: (فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا)، هذا جواب الشرط، ومعناه يعطون أجرهم موفورا غير منقوص (فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا) الظلم النقص من العمل أو ثوابه، والهضم معناه الكسر، وقد خاض المفسرون في الفرق بينهما، وحيثما اجتمعا وجب ذكر الفرق؛ لأنه يجب أن يكون لكل معنى خاصا به مؤسسا عليه والتأسيس أولى من التأكيد.
ونقرب الفرق بينهما فنقول: إن الظلم هنا هو النقص من الأعمال التي يستحق عليها الثواب، والزيادة من السيئات انتقاص من الأعمال الصالحة، وأما الهضم فهو ألا تعطى الأعمال حقها فتكسر، كما يكسر الطعام في قلب الهضيم، والله أعلم.
بعد ذلك ذكر الله تعالى القرآن الكريم في مقام بيان الحق والهداية في الحياة الدنيا وكيف بقي محفوظا إلى يوم الدين.
قال تعالى:
стр. 7023
(وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣)
قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرآنًا عَرَبِيًّا)، أي كهذا الإنزال الذي عاينته ونزل على قلبك قرآنا عربيا، والإشارة لبيان شأنه، والمشبه هو ما قدره الله لك معجزة، والمشبه به هو هذا الذي تذكر به، وهنا نلاحظ ملاحظتين: أولاهما - أنه هنا عبر بـ (أَنزَلْنَاهُ)، وفي أكثر الآيات كان التعبير بـ نزلنا، وينزل، فما الفرق ولم كان الاختيار بـ أنزلناه؛ ونتلمس الحكمة فنقول: إن المراد به القرآن كمعجزة في ذاته سواء أنزل دفعة واحدة أم منجما، فكان التعبير بـ أنزلنا، وعندما كان ينزل لبيان الشرع ولحفظ آية آية كان التعبير بـ نزلنا، وهنا بيان أنه معجزة وأنه جاء مبشرا ومنذرا ينتفع به المتقون ويذكر به غيرهم ليكون لهم نذيرا.
الثانية: أنه قال (قُرْآنًا عَرَبِيًّا) وهذه حال مِنْ (أَنْزَلْنَاهُ) وفيه وصفان أحدهما أنه قرآن والثاني أنه عربي، ووصف قرآن يفيد أنه مقروء متلو يتعبد بتلاوته، وأن النبي ﷺ تلقاه عن جبريل بقراءاته وتلاوته، وأنه متواتر بتلاوته وطرق قراءاته، وهو محفوظ بقراءاته وتلاوته، وأن العناية تتجه إلى قراءاته لَا إلى تسطيره فهو يحفظ بتواتره جيلا بعد جيل محفوظا في الصدور، وليس متواترا فقط بكتابته في السطور.
стр. 7024
والوصف الثاني أنه عربي فلا يعد قرآنا ما ليس بعربي، فترجمة القرآن لَا تعد قرآنا بل إنه لَا يمكن ترجمته قط كما قرر العلماء، وكما هو الحق في ذاته، وإذا كان قد رُوي عن أبي حنيفة أنه أجاز قراءة الفاتحة بالفارسية فذلك على أنها دعاء لَا على أن الترجمة قرآن، ولذا لَا تجب سجدة التلاوة بقراءة الترجمة، ومع ذلك فالرواية الصحيحة أنه رجح ذلك، والله أعلم.
وقال تعالى في شأن القرآن وصفا ثالثا، وهو تصريف الوعيد فيه، من ذكر القصص الذي فيه المثلاث، وما نزل بالعصاة، وفيه ذكر يوم القيامة، وما يكون فيه من عقاب وحساب، وفي ذكر الحق في ذاته، وبيان كماله، وكمال من يتحلى به.
و (الْوَعِيدِ) هو الإنذار، وتصريف الإنذار الإتيان به بأساليب مختلفة، كما أشرنا من بيان هول يوم القيامة، أو قصص الماضين، وفيه عبرة لأولي الأبصار، وهول القيامة، والتنبيه للآيات المختلفة الدالة على قدرة الله العلي.
وقال تعالى: (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكرًا)، أي صرفنا من الوعيد بطرق البيان المختلفة الصادقة ليكونوا في حال من يرجى تقواهم وإذعانهم للحق، وتصديقهم له، ويتقون بذلك عذاب جهنم وإغضاب الله تعالى. وينالون رضوانه وهو أعظم الثواب، أو يحدث هذا التصريف لهم ذكرا يذكرهم بعذاب العاصين، ويكون لهم نذيرا، وقد أسندت التقوى إليهم؛ لأنها أمر نفسي يتجهون إليه بعد قيام الدليل، وأما من لم يتعظ فالقرآن يحدث لهم ذكرا وإنذارا ولقد قال تعالى:
стр. 7025
(فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)
قال تعالى: (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ)، الفاء للإفصاح عن شرط مقدر تقديره: إذا كان قد أنزل القرآن وصرف من الوعيد ليتقي من يتقي ولينذر من لم يتعظ، فإن هذا يدل على علوه وكمال حكمته. (تعالى) معناها بلغ في العلو أعلاه، وقد تعالى في ذاته وصفاته فليس كمثله شيء، وهو منزه عن الحوادث ومتصف بصفات الجلال والكمال، وهو الملك النافذ الأمر في خلقه، والمبدع لهذا الوجود
стр. 7026
الذي لَا سلطان لأحد سواه، وكل سلطان لأحد في الأرض مضطرب ينتهي إلى زوال، ومحاسب عما يفعل، ومجزي على عمله، وتدبيره وفكره العملي، فالله هو الملك الحق الثابت الذي لَا يكون فوقه أحد، وهو العدل الذي يقدر كل شيء حق قدره.
هذا هو الله خالق السماوات والأرض وما بينهما، وهو الذي يملك ميزان هذا الوجود: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ).
ولقد ذكر سبحانه نزول القرآن فقال عز من قائل: (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وحْيهُ).
كان النبي ﷺ يساوق الأمين جبريل في قراءته عندما يوحى إليه بالقرآن فنهاه
الله تعالى عن ذلك، وقال هذا النص السامي له تعليما عند تلقي القرآن الكريم، وقوله تعالى: (مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُه)، أي من قبل أن ينتهي وحيه إليك ويحكم بترتيله وتلاوته، حتى ينقله إلى أمته مرتلا فيتوارثوه مرتلا، وذلك كقوله تعالى: في سورة القيامة: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)، وقرءاته الثانية معناها تلاوته وترتيله، كما قال تعالى: (. . . وَرَتِّلِ الْقُرانَ تَرْتِيلًا)، وكما قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢).
هذا تعليم من الله تعالى لنبيه في أمر يتعلق بمعجزته الكبرى ليتحقق حفظ الله تعالى كما وعد، (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، وقد نبه سبحانه نبيه إلى ذلك العلم، وأمره بأن يطلب الزيادة في العلم؛ لأن كمال الإنسان في العلم وطلب الزيادة فيه فقال: (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) الأمر للنبي ﷺ بأن يطلب الزيادة في العلم بالضراعة إليه سبحانه، وبالسعي في طلبه، قال الزمخشري في هذا المقام: " هذا الأمر متضمن للتواضع لله تعالى، والشكر له عندما علم من ترتيب
стр. 7027
التعليم أي علمتني يا رب الطيفة في بابالتعليم، وأدبا جميلا ما كان عندي فزدني علما إلى علم، فإن لك في كل شيء حكمة وعلما، قيل: ما أمر الله تعالى رسوله بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم ".
* * *
نسيان آدم وعزمه
(وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (١١٦) فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢) قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣)
* * *
هذا وصف الله للطبيعة الإنسانية أنها تنسى، وأنها إذا لم تذكَّر بشرع من الله يقوي الإرادة برجاء الثواب وخوف العقاب، لَا تكون للإنسان عزيمة، وآدم أبو
стр. 7028
البشرية في هذا الوقت الذي نسب الله تعالى إليه أنه نسي، ولم يجد له عزما، كان وهو على الفطرة الأولى التي لم يكن فيها شرائع مدونة قد جاء بها رسل، ولم يكن قد تسلط عليه إبليس اللعين، وتسلط على ذريته، وكل هذا التسلط منه على ذرية آدم بعد أن هبط من الجنة إلى الأرض.
стр. 7029
(وَلَقَدْ عَهِدْنَا إلَى آدَمَ مِن قَبْلُ)، أي من قبل الشرائع والرسل، أي من قبل أن يقع، والمعنى عهد الله تعالى لآدم قبل أن يوسوس إليه الشيطان، وهذا العهد هو أمر الله وتكليفه، وإن لم يكن في دار تكليف، وكل أمر من الله تعالى هو عهد بين العبد وربه، وذلك العهد هو قوله تعالى: (. . . وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ)، ولقد بين الله تعالى أن ذلك عهد مؤكد، وقد أكده سبحانه بـ (اللام)، وبـ (قد)، وبإضافة العهد إليه ، وأنه وثق على آدم أشد توثيق، ولقد ذكر وصفين لآدم أحدهما إيجابي، والثاني سلبي، أما الأول فهو النسيان فقد قال: (فَنَسِيَ) (الفاء) للعطف.
ونسي منصبة على العهد، أي فنسي العهد، ووقع في المحظور الذي حذره منه، وليس ذلك ما يكون غضاضة على آدم، لأن الله تعالى يصف الطبع الإنساني، وأنه يعرض له النسيان وتعرض له الغفلة، وما يقع في ما ينهى عنه إلا وهو ناسٍ غافل، الأمر الثاني، وهو السلبي ذكره بقوله: (وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا)، أي عزيمة صادقة تحزم أموره وتقطعها، وعبر سبحانه بهذا القول: (وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) في الأمر الواقع، والله تعالى يعلم به من قبل أن يقع، فقد قدر الله تعالى كل ذلك. وعلم ما وقع قبل وقوعه فكيف يقول: (وَلَمْ نجِدْ لَهُ عَزْمًا) وهو الذي خلقه وصوره وقدره، ونقول: إنه وجده واقعا، وهو يعلم علما أزليا لأنه هو الذي خلق وصور.
وإن إبليس وذريته يجيئون إلى ذرية آدم، من نسيانهم وغفلتهم، ونقص عزيمتهم، كما جاء إبليس اللعين إلى أبي الإنسانية من جهة نسيانه، وأنه لم يكن له عزم مانع، فليحذر الناس بعد أن جاءتهم الشرائع من وسوسة إبليس وذريته.
стр. 7030
ولقد ابتدأ الله جزءا من قصة آدم يصور كيف بدت عداوة إبليس ونسيها آدم.
стр. 7031
(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (١١٦)
و (إِذْ) مفعول لفعل محذوف تقديره اذكر، والخطاب للنبي ﷺ ليعلن لأمته فتستعصم بالحذر من إبليس، كيلا يقعوا في إغوائه الذي توعدهم إذ قال في إصرار: (لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين).
و (قُلْنَا) ضمير المتكلم لله تعالى، والأمر للملائكة، ويظهر أنه كان داخلا في عموم هذا الأمر سواء أكان منهم أم لم يكن فهو داخل في عموم الأمر، ولذا كان الاستثناء، فسجدوا طائعين مع معارضتهم ابتداء لخلافته في الأرض، فلما رأوا أن ربهم فضله عليهم بأن علمه الأسماء كلها ولم يعرفوها هم سجدوا، أما إبليس فقد أبى السجود معارضا لرب العالمين، وهنا ذكر أنه (أَبَى) ولم يذكر سبب إبائه، وذكره في آيات أخر، وهو قوله خلقتني من نار وخلقته من طين، ونسي أن الله الخالق، وكان في استطاعته أن يكون العكس، ولكن الله تعالى فعال لما يريد، (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ).
وقد أخذ يبين الله تعالى العهد وسياقه، فقال عز من قائل:
стр. 7032
(فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)
" الفاء " فاء السببية؛ لأن ما قبلها سبب لما بعدها، فالحكم بأنه عدو لآدم وزوجه مترتب على امتناعه عن السجود وما سوغ له الامتناع، وهو توهمه أنه خير منه، وأنه يحسده على منزلته عند ربه، وأي عداوة أقوى من ذلك، وإذا كانت العداوة قد بدت فتوقَّع الشر، والإيذاء يقترن بها لَا محالة، ولذا أكد الله هذه العداوة، فقال: (إِنَّ هَذَا عَدُو لَّكَ وَلِزَوْجِكَ) وأكد العداوة بـ " إنَّ، المفيدة للتوكيد، وبالجملة الاسمية، وبالإشارة؛ لأن الإشارة متجهة نحو ما بدا منه وهو كلامه وامتناعه عن السجود، فالإشارة تشير إلى سبب العداوة، وإذا ثبتت العداوة فلابد أن يتوقع آدم نتائجها، وهي محاولة إخراجه من المكان الذي كرم فيه وكان السجود والخضوع فيه، ولذا قال تعالى (فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى) " لا " ناهية، والنهي
стр. 7033
سببه العداوة، وقد أكد النهي بنون التوكيد الثقيلة، وبأن الخروج من الجنة، وأنه يترتب عليه الشقاء، وهنا ملاحظة بيانية، وهو أن النهي كان لهما، ولكن ذكر الشقاء لآدم، ونقول إن الشقاء أيضا لهما، ولكن ذكر آدم وحده، لأن آدم يشقى شقاءين، شقاؤه هو الذي يقع فيه، وشقاؤه إذ يشقى به؛ لأن الرجال يتحملون التبعات عن أنفسهم وعن النساء؛ لأنهم قوامون عليهم، فأوجدت هذا القوامة تبعات عليهم أكثر، وفي طبيعة النساء اليوم تحميل الرجال التبعة حتى على أخطائهن وحدهن.
بين له تعالى المتعة في الجنة، وهو أنه لَا يتحمل تبعات أي أمر، ولا تكليف، فقال تعالى:
стр. 7034
(إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)
بين الله بهاتين الآيتين أن في الجنة كل ما يطمع فيه الإنسان من حياة هينة فيها كل مرافق قوامه الآدمي من أكل وكسوة، وشرب، وإقامة، وفي ذلك إشارة إلى ما يجب أن يطلبه الإنسان، فإذا كُفيَ هذا فقد أوتي الدنيا بحذافيرها، فإن وراء المطامع الأخرى من جاه وسلطان وتحكم المصارع، كما قال على كرم الله وجهه: مصارع الرجال تحت بروق المطامع.
وقوله تعالى: (وَلَا تَضْحَى) أي لَا تبرز، وقد ورد عن ابن عمر أنه رأى رجلا مستظلا عن الشمس قال: اضْحَ لمن أحرمت له (١)، فضحى بمعنى برز للشمس، ولا يضحى بمعنى لَا يبرز لهَا بأن يسكن في كن لَا يبرز فيها له، أي في مسكن، والمعنى على ذلك أنك تجد كفايتك في الحياة فتجد الطعام الذي تأكله، واللباس الذي يقيك العري، والماء الذي تشربه، والسكن الذي يؤويك وحسبك ذلك وكفى، وقد قال البيضاوي في هذا النص القرآني الكريم: إنه بيان وتذكير لما له في الجنة من أسباب الكفاية، وأقطاب الكفاف التي هي الشبع والري والكسوة والسكن، مستغنيا عن اكتسابها، والسعي في تحصيل أغراض ما عسى ينقطع ويزول منها بذكر نقائضها ليطرق بأصناف الشقوة الحذر عنها.
стр. 7035
أي أنه ذكر هذه الكفاية، وهي الطعام والكسوة والشراب والمسكن بصيغة النفي؛ لأن عدمها هو موضع التحذير والمنع، ولأن عدمها هو الشقاء في الجنة، وقد نفى بذلك أنه لَا يشقى في الجنة إنما الشقاء في غيرها، وابليس العدو يعمل على شقائكما وكدحكما، إذ أخرجكما من الجنة فلا تطيعاه، وقد أشرنا إلى أن هذه الأمور يجب أن تكون مطلبك يا آدم، وإن في طلب غيرها التناحر على البقاء، ومعه الشقاء، وهذه موعظة لمن أراد جنة الدنيا دون شقائها.
وفى الآيتين من أساليب البيان، فذكر المطلب الأساسى الإنساني (إِنَّ لَكَ) مؤكدا أن له الأكل والكسوة والشراب والمأوى، هذا لك وحده ليس لك غيره، وفي الجنة، ويجب الاقتصار عليها في الحياة التي تستقبلك.
ولقد جاء إبليس إليهما من وراء هذه الأمور، وهو الخلد.
стр. 7036
(فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠)
كان نعيم الجنة نعيما هادئا آمنا، ولكن لم يذكر أنه خالد، ومن كان في عيشة راضية تمنى أن تكون باقية، فجاء إبليس من ناحية هذه الأمنية، وقال لآدم: هل أدلك على شجرة الخلد، وملك لَا يبلى، وسوس إليهما بقول خفي يشبه وسوسة الذهب (١)، وأثار التمني في نفسه بقوله: (هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ) الاستفهام هنا للتنبيه أي أن هذه الشجرة التي نهى عن الأكل منها هي شجرة الخلد من أكل منها نال الخلود والبقاء والسلطان والسيطرة، وهذا هو المعنى المذكور في آية أخرى، إذ قال الله تعالى عنه: (. . . مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠).
وما زال بهما يغريهما بالأكل حتى أكلا، ولقد قال تعالى: (وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ. . .)، فكان التدلي بالغرور أن أكلا منها، وكانت العاقبة ليست الحسنى، ولذا قال تعالى:
стр. 7037
" الفاء " عاطفة، أي بعد هذه الوسوسة المستمرة غير المنقطعة أكلا منها، ويلاحظ أنه في هذه الآية ذكر فيها آدم فقط وفي آية أخرى كانت الوسوسة لهما معا، إذ قاسمهما الشيطان إنه لهما من الناصحين، والآية التي ذكر فيها آدم فقط لا تمنع أن حواء كانت تستمع معه، وأن الإغراء كان لهما؛ لأحدهما بالخطاب وللآخر بالاستماع مع المشاركة في الخطاب.
(فَأَكَلا منْهَا) أي من الشجرة التي حرمت عليهما في قوله تعالى في الآيات، (. . . ولا تَقْرَبَاً هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ)، وبمجرد أن أكلا منها بدت لهما سوءاتهما أي عوراتهما، فالعورة يسوء النظر إليها، وليس النظر إليها سارا عند أهل الطبائع المستقيمة، وكشف السوءتين في هذا الموضع فُهِم منه بعض القارئين للقرآن الكريم أن الشجرة الممنوعة تتعلق بالجنس، ولكن الله تعالى لم يبين ورسوله لم يفسر، فحق علينا ألا نَقْف ما ليس لنا به علم.
وقد قال: إنه عقب بدوّ السوءتين لهما أنهما أخذا يخصفان عليهما الأوراق فقال تعالى: (طَفِقَا) أخذا واستمرا، من جرَّاء كشف عوراتهما واستحيائهما من انكشافها (يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ).
ومهما يكن من حالهما التي انكشفت، فإن آدم الكريم عصى ربه الذي خلقه وأمر الملائكة أن يسجدوا له، ولم يكن في طاعة تقيه ذلك الانكشاف، وتجنبه إبليس ووسوسته (فَغَوَى) أي ضل ووقع في الغواية والضلال.
وفى هذا الكلام ما يشير، أولا: إلى أن الإنسان يؤتى من ناحية ما يتمنى، وإبليس وذريته يأتون من ناحية أمانيه، وتشير ثانيا: إلى أن الإرادة القوية هي العزم الصادق، وهي التي تمنع أو تقاوم وسوسة الشيطان.
وتشير ثالثا: إلى أن فتنة الجنس أشد الفتن، وقد أُثر عن النبي ﷺ أنه ذكر: أنه ما ترك فتنة أشد من فتنة النساء للرجال (١).
بعد هذا العصيان من أبينا آدم لم يعد له هو وإبليس مقام في جنة الله، بل لابد أن ينزلا إلى المعترك في الأرض، ولكن قبل أن ينزل من جنة الله التي
стр. 7038
لا تكليف فيها إلى أرض التكليف لابد أن يطهره الله من المعصية التي زل فيها يوسوسة الشيطان.
стр. 7039
(ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)
التعبير بـ " ثم " العاطفة للترتيب والتراخي، للإشارة إلى البعد بين المرتبتين مرتبة العصيان والغواية ومرتبة الاجتباء والهداية.
والاجتباء الاختيار والاصطفاء، وقد اجتباه ابتداء بأن جعله أول خلقه، واجتباه ثانيا بأن اختاره للاختبار، وتاب عليه من هذه المعصية التي عصاها، فرجع الله تعالى إليه بالمغفرة؛ إذ تاب هو بالشعور بالخطأ، وعاد الله تعالى عليه بالمغفرة، ثم بالهداية بعد ذلك.
وهذا المعنى يشير إلى أن الخطأ في طبيعة الإنسان، والتوبة خلق المهديين والله تعالى غفور رحيم.
стр. 7040
(قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣)
القائل هو الله ﷻ ، وقد قدر لهما، أن يكونا مع إبليس في الأرض حيث التكليف والابتلاء، على أن ينزلا إلى الأرض، وقد طهرهما الله تعالى بعد اختبار، واختار لهما الهداية بعد هذا العصيان وغفر لهما العصيان؛ لأن الجنة لم تكن دار تكليف، قال الله لهما (اهْبطَا منْهَا جَميعًا) الهبوط النزول من مكان عال إلى منخفض، ولا شك أن ترك الجنة التَى لَا تكلَيف فيها إلى حيث التكليف، فيكون الخير ومعه الثواب، والشر ومعه العقاب، ولا شك أن ذلك هبوط، ولكنه هو سبيل الرفعة مرة أخرى، فالتكليف كما هو نزول، هو طريق للتدرج إلى الرفعة بجهاد التنازع بين العلاقة الروحية والطبيعة الأرضية، فإذا علا بعد هذا الجهاد فقد وصل إلى السماك (١) الأعزل من قوة الإيمان، والهبوط أيضا ذريعة إلى انهواء عميق سحيق في المعصية، وقد صرح بأمور ثلاثة بعضها يحتاج إلى توضيح: