(فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠)
كان نعيم الجنة نعيما هادئا آمنا، ولكن لم يذكر أنه خالد، ومن كان في عيشة راضية تمنى أن تكون باقية، فجاء إبليس من ناحية هذه الأمنية، وقال لآدم: هل أدلك على شجرة الخلد، وملك لَا يبلى، وسوس إليهما بقول خفي يشبه وسوسة الذهب (١)، وأثار التمني في نفسه بقوله: (هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ) الاستفهام هنا للتنبيه أي أن هذه الشجرة التي نهى عن الأكل منها هي شجرة الخلد من أكل منها نال الخلود والبقاء والسلطان والسيطرة، وهذا هو المعنى المذكور في آية أخرى، إذ قال الله تعالى عنه: (. . . مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠).
وما زال بهما يغريهما بالأكل حتى أكلا، ولقد قال تعالى: (وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ. . .)، فكان التدلي بالغرور أن أكلا منها، وكانت العاقبة ليست الحسنى، ولذا قال تعالى:
стр. 7037
" الفاء " عاطفة، أي بعد هذه الوسوسة المستمرة غير المنقطعة أكلا منها، ويلاحظ أنه في هذه الآية ذكر فيها آدم فقط وفي آية أخرى كانت الوسوسة لهما معا، إذ قاسمهما الشيطان إنه لهما من الناصحين، والآية التي ذكر فيها آدم فقط لا تمنع أن حواء كانت تستمع معه، وأن الإغراء كان لهما؛ لأحدهما بالخطاب وللآخر بالاستماع مع المشاركة في الخطاب.
(فَأَكَلا منْهَا) أي من الشجرة التي حرمت عليهما في قوله تعالى في الآيات، (. . . ولا تَقْرَبَاً هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ)، وبمجرد أن أكلا منها بدت لهما سوءاتهما أي عوراتهما، فالعورة يسوء النظر إليها، وليس النظر إليها سارا عند أهل الطبائع المستقيمة، وكشف السوءتين في هذا الموضع فُهِم منه بعض القارئين للقرآن الكريم أن الشجرة الممنوعة تتعلق بالجنس، ولكن الله تعالى لم يبين ورسوله لم يفسر، فحق علينا ألا نَقْف ما ليس لنا به علم.
وقد قال: إنه عقب بدوّ السوءتين لهما أنهما أخذا يخصفان عليهما الأوراق فقال تعالى: (طَفِقَا) أخذا واستمرا، من جرَّاء كشف عوراتهما واستحيائهما من انكشافها (يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ).
ومهما يكن من حالهما التي انكشفت، فإن آدم الكريم عصى ربه الذي خلقه وأمر الملائكة أن يسجدوا له، ولم يكن في طاعة تقيه ذلك الانكشاف، وتجنبه إبليس ووسوسته (فَغَوَى) أي ضل ووقع في الغواية والضلال.
وفى هذا الكلام ما يشير، أولا: إلى أن الإنسان يؤتى من ناحية ما يتمنى، وإبليس وذريته يأتون من ناحية أمانيه، وتشير ثانيا: إلى أن الإرادة القوية هي العزم الصادق، وهي التي تمنع أو تقاوم وسوسة الشيطان.
وتشير ثالثا: إلى أن فتنة الجنس أشد الفتن، وقد أُثر عن النبي ﷺ أنه ذكر: أنه ما ترك فتنة أشد من فتنة النساء للرجال (١).
بعد هذا العصيان من أبينا آدم لم يعد له هو وإبليس مقام في جنة الله، بل لابد أن ينزلا إلى المعترك في الأرض، ولكن قبل أن ينزل من جنة الله التي
стр. 7038
لا تكليف فيها إلى أرض التكليف لابد أن يطهره الله من المعصية التي زل فيها يوسوسة الشيطان.
стр. 7039
(ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)
التعبير بـ " ثم " العاطفة للترتيب والتراخي، للإشارة إلى البعد بين المرتبتين مرتبة العصيان والغواية ومرتبة الاجتباء والهداية.
والاجتباء الاختيار والاصطفاء، وقد اجتباه ابتداء بأن جعله أول خلقه، واجتباه ثانيا بأن اختاره للاختبار، وتاب عليه من هذه المعصية التي عصاها، فرجع الله تعالى إليه بالمغفرة؛ إذ تاب هو بالشعور بالخطأ، وعاد الله تعالى عليه بالمغفرة، ثم بالهداية بعد ذلك.
وهذا المعنى يشير إلى أن الخطأ في طبيعة الإنسان، والتوبة خلق المهديين والله تعالى غفور رحيم.
стр. 7040
(قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣)
القائل هو الله ﷻ ، وقد قدر لهما، أن يكونا مع إبليس في الأرض حيث التكليف والابتلاء، على أن ينزلا إلى الأرض، وقد طهرهما الله تعالى بعد اختبار، واختار لهما الهداية بعد هذا العصيان وغفر لهما العصيان؛ لأن الجنة لم تكن دار تكليف، قال الله لهما (اهْبطَا منْهَا جَميعًا) الهبوط النزول من مكان عال إلى منخفض، ولا شك أن ترك الجنة التَى لَا تكلَيف فيها إلى حيث التكليف، فيكون الخير ومعه الثواب، والشر ومعه العقاب، ولا شك أن ذلك هبوط، ولكنه هو سبيل الرفعة مرة أخرى، فالتكليف كما هو نزول، هو طريق للتدرج إلى الرفعة بجهاد التنازع بين العلاقة الروحية والطبيعة الأرضية، فإذا علا بعد هذا الجهاد فقد وصل إلى السماك (١) الأعزل من قوة الإيمان، والهبوط أيضا ذريعة إلى انهواء عميق سحيق في المعصية، وقد صرح بأمور ثلاثة بعضها يحتاج إلى توضيح:
стр. 7041
أولها: قوله تعالى (جَمِيعًا) فإنها توكيد، والتوكيد يكون لرفع احتمال، ونقول: إن (جَمِيعًا) تشير إلى وجود إبليس معهما، وتدل على هذا قوله تعالى: (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُو) فما كانت العداوة بين آدم وزوجه، إلا أن تكون الفتنة بين الرجال والنساء، وإنما العداوة هي بين آدم وإبليس، كما قال تعالى: (إِنَّ هَذَا عَدُو لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى).
الأمر الثاني: هو الاختبار والتكليف وبيان عاقبة العصيان، ولذا قال تعالى:
(فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى) و " إما " هي " إنْ " الشرطية و " ما " المؤكِّدة لمعنى الاشتراط في فعل الشرط، وأكدته أيضا نون التوكيد الثقيلة، أي أن إتيان الهدى الهادي مؤكد لَا مجال للريب فيه، والهدى يجيء على لسان هادٍ هو رسول من رب العالمين، وهو مبشر لمن اتبع الحق منذر لمن ضل عن سبيله، وإن هذا هو موجب التكليف؛ إذ لَا تكليف إلا إذا وجد بيان، كما قال تعالى: (. . . (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا).
الأمر الثالث: أن من اتبع هدى الله تعالى فإنه لَا يضل ولا يشقى، وكان الشقاء مقترنا بالضلال؛ لأن الضلال يجعل المؤمن في حيرة لَا يدرك فيها حقا، ولا يهتدي، وإن ذلك شقاء أي شقاء، وشقاء الإنسان في حيرته، وفوق ذلك فإن الضلال يؤدي إلى الشقاء لَا محالة في اليوم الآخر حيث الحساب والعقاب، وإن ثمرة الضلال لَا محالة هو العقاب.
ويلاحظ أنه قد ذكر في هذه الآية الاختبار مجملا، وذكر مفصلا في سورة البقرة بعض التفصيل، فقال تعالى: (وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨).
* * *
стр. 7042
حال العصاة
(وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧) أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (١٢٨) وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩)
* * *
بيَّن الله تعالى حال الذي هداه الله واهتدى بالهادي الذي أرسله حيث لا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن سماع الهدى فإنه يكون له معيشة ضنكا، يحس فيها بالضيق الشديد الدائم الذي يجعله في لهج دائم بالحياة أو بنوع منها، وهذا قوله تعالى:
стр. 7043
(وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا) الضنك: الضيق، يقال: منزل ضنك أي ضيق، وعيش ضنك، ومعيشة ضنك أي ضيقة، ويستوي فيه الذكر والأنثى والجمع والمثنى فهو وصف لَا يتغير بتغير الموصوف.
وهنا أمران يحتاجان إلى بعض البيان، أولهما: أنه عبر هنا عن المرشد بـ (ذِكْرِي) والجواب أن هذا من إضافة المصدر لفاعله فهو تذكير من الله لعبيده، أو باعتبار أن الرسول مبشر ومذكر ومنذر فقط، وأن من ذكر بالهدى له ثوابه إن اهتدى، وإن لم يهتد فعليه إثمه.
стр. 7044
ثانيهما: كيف توصف معيشة العاصي في الحياة بأنها معيشة ضنك، مع أنه قد يكون في بحبوحة من العيش وفي رغد دنيوي يفاخر به، ويقول مفاخرا: (. . . (أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا)، فكيف يوصف بأنه في معيشة ضنك؟ والجواب عن ذلك أن الضيق لَا يكون من قلَّة المال فقط، بل يكون في غير ذلك؛ لأن من أعرض عن الهدى، وعن ذكر الله لا يكون في قناعة راضية، بل يكون في طمع مستمر، إذا كان عنده مال وفير استقله فلهب في كثيره، ويزيد وجاهة الدنيا وسلطان الحياة، فيكون في ضيق بحياته، فإن حرم ظنها الكارثة، وهكذا هو يحس بالطلب الدائم، ووراء الطلب الإحساس بالضيق. وتعجبني في ذلك كلمة قرأتها في تفسير القرطبي، فقد قال: " ومعنى ذلك أن الله تعالى جعل مع الدين التسليم والقناعة، والتوكل عليه، فصاحبه ينفق مما رزقه الله بسماح وسهولة ويعيش عيشا رافغا، كما قال تعالى: (. . . فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً. . .)، والمُعرض عن الدين مستولٍ عليه الحرص، الذي لَا يزال يطمع به إلى الازدياد من الدنيا مسلط عليه الشح الذي يقبض يده عن الإنفاق فعيشه ضنك، وحاله مظلمة، كما قال بعضهم: لَا يعرض أحد عن ذكر الله إلا أظلم وقته، وتشوش عليه رزقه ".
وفوق أن الإعراض عن ذكر الله تعالى تكون النفس فارغة وحيث فرغت النفوس عن ذكر الله كان الظلم، وحيث كان الظلم كان اضطراب الحياة، وتوقع الشر والانتقام فتكون العيشة ضنكا وتكون الحياة ضيقة لمن يعرف العواقب. هذا عذاب الإعراض عن ذكر الله في الدنيا، أما في الآخرة، فقد قال تعالى فيه: (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) والمراد أنه لَا يملك حجة ولا برهانا يبرر به ما فعل وما وقع منه، وفي هذا استعارة تمثيلية، فشبهت حال من تقوم عليه الحجة ولا يحير جوابا، بحال الأعمى الذي لَا يبصر الطريق أين تكون النجاة، بجامع الوقوع في الهوة، وعدم البصر بطريق للخلاص أبدا، وإذا كان من في الدنيا أعمى، فهذا الذي حُشر بين أهل الضلال في الآخرة أعمى البصيرة وهو أشد ضلالا.
قال وقد رأى نفسه قد عمى عليه الدليل، وضلت عليه السبيل.
стр. 7045
(قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥)
يسأل ربه لم حشرتني أعمى، عاجزا عن الدفاع، وقد عميت عن الدليل، ولم أعرف وجهه مع أنني كنت في الدنيا أبصر القول ومراميه، وأجادل، - وأخاصم، وأنازل وأقاوم، والآن أنا مستسلم لمن يقودني كالأعمى، ونادى بـ (رَبِّ) معترفا بأنه خالقه وبارئه، وقد كان من قبل يشرك بربه في العبادة، ويضل ضلالا بعيدا.
فيرِد الله تعالى بلسان الملائكة أو بإلهام الله تعالى الحق له:
стр. 7046
(كَذَلكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وكَذَلِكَ الْيَوْمَ تنسَى (١٢٦)
كهذا الإيتاء والحشر أعمى لَا تستطيع القيام بحجة في وقت حاجتك إليها - أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا، أي أنه في مقابل نسيانك آيات الله تعالى، وتركك إياها كانت غشية العمى عليك وعجزك عن الحجة، وكذلك الذي تركت به آيات الله تنسى أنت في شخصك وتهمل وتلقى فيما تستحق من عذاب أليم.
وقال تعالى:
стр. 7047
(وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧)
ذكر الله تعالى عقوبتين لمن أعرض عن ذكر ربه أي عن الداعي لذكر ربه، أولاهما: المعيشة الضنك، أي الضيقة التي تضيق فيها النفوس وتطوع للمطامع التي لَا تنال، وإن نيلت طلبت غيرها، وقد بين ابن كثير في تفسيره كيف كان الخلو من اليقين يجعل المعيشة ضنكا، قال ابن كثير في معنى الضنك: " أى ضنكا في الدنيا فلا طمأنينة ولا انشراح صدر بل صدره ضيق حرج لضلاله، وإن تنعم ظاهره، ولبس ما شاء وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء فإن قلبه لم يخلص إلى اليقين والهدى فهو في قلق وحيرة وشك فلا يزال في ريبة يتردد، فهذا من ضنك المعيشة ".
هذه هي العقوبة الأولى وقد أشرنا إليها من قبل، أما العقوبة الثانية، فقد أشار إليها بقوله عز من قائل: (وَنَحْشرهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) وذكرنا أن العجز هو عن الحجة والبرهان، حيث يجب الإدلاء بها، فهو عجز في موضع
стр. 7048
الحاجة، ذانكم عقابان أحدهما في الدنيا، وهو مشتق من ذات الجريمة فهو عقاب من ذات الفعل، والآخر وهو على ما لم يستعد له من الحساب وقد جاء من إنكار البعث، ولو كان قد آمن به لاستعد له، وما فوجئ به وارتج قلبه، فكان هذا عذابا شديدا؛ لأن اللسان يقف حيث الحاجة أشد ما تكون إليه، والبصر يكون عليه غطاء عند إرادة الإبصار.
هاتان العقوبتان قبل عذاب الآخرة الذي يكون بعد الحساب، وتقدير الجزاء، وهذان العقابان ينالان من أسرف في أمره، وانغمر في الشهوات، ولذلك قال تعالى: (وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ).
كهذا العقاب الدنيوي من إحساس بضنك العيش والضيق فيه والتبرم بحياته والإحساس بفقد الاطمئنان لأي شيء، والإسراف على نفسه باللذات، وبالإحساس بالحرمان المتجدد الذي لَا يشبع من لذة، ثم يستكبر الأمور، ولذا تجده يكثر الانتحار وبخع النفس عند المسرفين في المعاصي، والمسرفين على أنفسهم بقلقهم، وعدم اطمئنانهم ومع ذلك يكون إحساسهم بسد الطرق في وجوههم.
فالإشارة في قوله تعالى: (وَكذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ) وهي إلى المعيشة الضنك، والحشر أعمى (وَكَذَلِكَ) مفعول لـ (نَجْزِي)، والتعبير بالموصول (مَنْ) للإشارة إلى أن الصلة، وهي الإسراف، سبب لذلك الجزاء.
وقد بين سبحانه أن وراء هذا العذاب عذابا أشد وأبقى، فقال عز من قائل:
(وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَذ وَأَبْقَى) وهو الذي يكون بعد الحساب، وتقرير أن الجزاء أشد لأنه بالنار، وهو أبقى أي إنهم يكونون في جهنم خالدين فيها وبئس المهاد.
ولقد ذكر الله تعالى لمشركي مكة ما جاءهم من عبر، وما ساقه من قصص هاد مرشد فقال عز من قائل:
(أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (١٢٨)
стр. 7049
الكلام في هذه الآية يتعلق بمشركي مكة، و " الفاء " عاطفة على فعل محذوف تقديره مثلا: أيستمرون في عبادة الأوثان مع قيام العبر الدالة على ضلالهم فلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون.
" هدى " تتعدى بنفسها من غير " لام " فيقال هداه ويهديه، واللام لتقوية التعدية والتنبيه، وبيان الهداية لهم أولا وبالذات، أو نقول إن " يهدي " هنا متضمنة معنى " يتبين "، والمعنى أو لم يتبين لهم كم أهلكنا، والاستفهام هنا إنكاري بمعنى إنكار الواقع، والمعنى لم يعتبروا بمن أهلكناهم في عددهم الكثير، وهم يشاهدون آثارهم، ويمشون في مساكنهم، يمرون عليها في رحلاتهم إلى الشام والعودة منه، ولقد مر النبي ﷺ بمساكن ثمود وهو مار في غزوة تبوك (١).
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النُّهَى) إن في هذه العبر عن القرون الماضية، وهي الجماعات السالفة لعبرة لمن عنده اعتبار، وقال تعالى (لأُوْلِي النُّهَى) والنُّهى جمع نُهْيَة، وهي العقل الذي ينهى عن مساوئ الأفكار ويحث على محاسنها، وكان حقا أن يعتبروا، ولكن ضعفت العقول، وقلَّ الاعتبار.
ولقد كان المشركون لفرط إعراضهم، وصدهم عن سبيل الله يستعجلون العذاب تحديا أو جهلا، كما قال تعالى: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ. . .)، ولكن الله تعالى بين أَنه قادر عليهم، ولكن لحكمة أخرهم، فقال:
стр. 7050
(وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩)
(لَوْلَا) يقول النحويون: إنها حرف امتناع لوجود، والمعنى على هذا امتنع أن يكون العذاب ملازما للجريمة أي مقترنا بها في الوقوع كما كان بالنسبة للأمم السابقة أو لبعضها، فإنها إذ كفرت بأنعم الله تعالى، وكفرت بنبيها أنزل الله بها عقابه للزوم المسبب للسبب. امتنعت هذه الملازمة بين إثم الكفر وعقابه، لوجود كلمة سبقت من ربك، ولأجل مسمى حدده الله تعالى لحكمة، وهو الحكيم العليم، وتلك الكلمة
стр. 7051
التي وعد الله بها هي أن النبي محمدا ﷺ خاتم النبيين وأن رسالته باقية، وليس هؤلاء وحدهم المخاطبين، بل من بعدهم أجيالهم وكان محمد ﷺ يرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله، وقد أجاب الله تعالى رجاء محمد رسوله الكريم فجعل من أصلابهم مجاهدين، فكان منهم خالد بن الوليد، ومن صلب أبي جهل عكرمة، وقد جاهد في سبيل الله وحارب المرتدين، هذه كلمة الله (وَأَجَلٌ مسَمًّى) معطوف على (كلِمَةٌ)، واللزام الملازمة بملازمة العقاب لإثم الكفر، واقترانه به اقتران المسبب بالسبب.
ولهذا التأجيل الذي رجاه النبي ﷺ أمره بالصبر فقال تعالى:
* * *
(فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠) وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢) وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٣٣) وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (١٣٥)
* * *
стр. 7052
بعد هذا الإنذار للمشركين بما كان من هلاك الأمم، وأن الله تعالى أجله للمشركين مع استهزائهم بك وسخريتهم بالمؤمنين، وإيذائهم وقولهم عنك ساحر، وكاهن، وشاعر، ومجنون، وإنه ممهلهم غير مهملهم:
стр. 7053
(فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ)، و " الفاء " للسببية، أي بسبب أن الله تعالى قد أجلهم ولا يمهلهم، اصبر على ما يقولون، أي تحمل ما يقولون، ولا تُلق بالا، ولا تحسبن أن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم لأجل غير بعيد، وهو محقق الوقوع، وما هو محقق الوقوع قريب غير بعيد، ولقد بين الله أن تربية النفس على الصبر تكون بالاتجاه إليه واستذكاره في كل الأوقات، ولذلك قال بعد ذلك: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) أي نزِّهه.
و" الباء " للدلالة على مصاحبة الحمد للتنزيه، أي نزه ربك عن أن يتركهم، حامدا ربك على أنه أعطاك القوة وهو لهم قاهر، وتفاءل ولا تتشاءم، واعلم أن الله معك غير متخلٍّ عنك.
والتسبيح يراد به التنزيه المطلق المصحوب بالحمد، وذلك مطلوب في كل وقت أم المراد الصلاة، ولعلها كانت قد فرضت وأن تلك الآيات نزلت بعد المعراج، وهو الوقت الذي فرضت فيه الصلوات الخمس.
إن الآية يمكن أن تخرج على الأمرين، فيصح أن يكون المطلوب بها أن يلجأ الرسول بعد الصبر مستعينا به على اطمئنان النفس وتنزيهه وحده، في الصباح قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها، ومن آناء الليل وساعاته، وفي أطراف النهار، قبل الزوال وبعده، أي يعمم أوقات الصحو كلها في تنزيه وتقديس، وحمد، وإن ذكر الله يذهب الشدائد، ويعطي النفس قوة، ويمكنها من الصبرِ، ويعطيها الاطمئنان والقرار، ولذلك قال تعالى في ختام النص السامي: (لَعَلَّكَ تَرْضى) راجيا أنت أيها الرسول أن ترضى وتقبل على تبليغ الرسالة قرير العين غير آبه لهم، ولا ملتفت إليهم.
هذا على أن البيان للتسبيح المطلق والحمد والرضا، وقد يراد بالسياق الصلاة، ويكون في النص السامي إشارات إلى أوقاتها كما في قوله تعالى: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨).
стр. 7054
ويكون معنى قوله (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) المراد بالأول صلاة الصبح وأنه مستحسن الإسفار بها بأن تكون وقد زال الغلس، وما قبل الغروب هو صلاة العصر، (وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ) صلاة العتمة - المغرب والعشاء -، وأطراف النهار تأكيد لصلاة الفجر والمغرب، كقوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى)، فهو تكرار لتأكيد الطلب، وإن تأكيد الطلب في صلاة الفجر؛ لأنها وقت الهدوء واستجمام النفس واستجماع كل القوي الروحية، وصلاة المغرب يضيق وقتها، ولذلك ورد في الأثر: المغرب جوهرة فالتقطوها، والفجر قد يتلهى عن صلاته بالنوم، ولذلك من السنة في أذان الفجر، الدعوة إلى الصلاة خير من النوم.
و (آنَاءِ) جمع إني، ومعناها وقت، أي نزه الله تعالى واحمده في كل أوقات الليل، وهنا بعض ملاحظات بيانية، أولها: قوله تعالى: (ومِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ) قدم الزمان على الفعل وربط بينهما بالفاء، وذلك لمزيد العناية بالوقت فإنه وقت الهدأة والسكون، والاتصال بالله وحده.
الثانية: أن الفاء في قوله: (فَسَبِّح) لتوكيد الطلب ووصل القول، كقوله:
(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءَ بمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ. . .)، وقوله: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ. . .).
الثالثة: أن قوله تعالى: (لَعَلَّكَ تَرْضَى) الرجاء فيها من النبي ﷺ لَا من الله، فإن الله وحده هو الفعال لما يريد، والعليم الخبير، وإن في هذا النص السامي تعليما لأتباع النبي ﷺ أن يلجئوا إلى الله عندما تشتد الشديدة.
ولقد روي أن النبي ﷺ كان إذا حزبه أمر لجأ إلى الصلاة (١) وقد قال تعالى:
(وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِين)، وإن الذي يذهب بلب اللبيب النظر إلى متع الحياة الدنيا عند غيره.
стр. 7055
فقال عز من قائل
стр. 7056
(وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١)
إن الذي يقض مضجع ذوي الأهواء أنهم ينظرون إلى ما عند غيرهم من أسباب المتع والملاذّ، وإنه هو الذي يمنع صبر من يريد الصبر ويتغيَّا الحقائق، ولذا بعد أن أمر الله تعالى نبيه بالصبر نهاه عما يضعف قوة النفس، والإرادة ليصون الرسول ومن معه نفسه، عن الأسباب التي تضعف الإرادة القوية الباصرة، فقال عز من قائل: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا).
" الواو " عاطفة النهي عن مد العينين على الأمر بالصبر، وفي هذا النهي شحذ الإرادة لتقوى على الصبر كما أشرنا، وإن المعنى الذي يبدو من النص أنه نهى للنبي عن أن يلتفت النبي ﷺ إلى ما هم فيه من استيلاء على زخارف الدنيا، وزينتها ولا يأخذ نفسه ذلك فيحسب أن لهم به منزلة عند الله تعالى، بل إنه دليل خسرانهم، وإذا كان النهي عن أن يلتفت إلى زينة الحياة الدنيا، فهو أمر له ﵊، ومن معه أن يتجهوا إلى معالى الأمور ومعنوياتها عن زخارفها.
وفى الكلامِ مجاز، فقد عبر سبحانه عن عدم الالتفات إلى ما أعطاهم من زخارف بقوله (ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ)، أي لَا تُطِلْ النظر وتسترسل فيه، وذلك يوجب ألا يلتفت، فشبه حال الالتفات بحال من يمد بصره، وذلك للإمعان في التأمل وفي ذلك تتبع، ومن ذلك قول النبي ﷺ للفضل بن عباس، وقد أطال النظر في امرأة " الأولى لك والثانية عليك " (١).
وقوله تعالى: (إِلَى مَا مَتُّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ) " إلى " هي نهاية المد، كأن البصر يكون ممتدا من العين إلى متعهم، وذلك قد يؤدي إلى النظر إليهم غابطا لهم، وما هم في غبطة، أو ما يغبطون عليه و (أَزْوَاجًا) معناها أشباها متقابلة كبيرة، و (زَهْرَةَ الْحيَاة الدُّنْيَا) مفعول لفعل محذوف أو لـ (مَتَّعْنَا)، بتضمينها " أعطينا "، والتعبير عن هذه الزخارف، وغيرها من أسباب القوة الظاهرة بـ (زَهْرَةَ) تدل على أمرين أحدهما أنها كالزهرة، والزهرة عمرها قصير، فهي لَا تبقى طويلا، والثاني الإشارة
стр. 7057
إلى أن متعة الدنيا بريق لَا يكون بعده قوة حقيقية، فهي متع كالسراج المزهر سرعان ما ينطفئ، وما أنت عليه يا محمد لَا ينطفئ نوره أبدا.
وإن غاية هذه الزهرات إلى انطفاء، وهي اختبار لهم، ولذلك قال تعالى: (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ)، أي لنعاملهم معاملة المختبرين فيزدادوا طغيانا على طغيانهم.
وتنكشف حقيقة أمرهم، ويعرف ما فيهم من غي وشر، والتعدية بقوله (فِيهِ) دون التعبير بالباء، وللإشارة إلى أنهم مغمورين في فتنة دائمة قد أحاطت بهم فهم يسارعون فيها من جنبة إلى جنبة وقد أحيط بهم.
(وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) والرزق هو ما يعطيه الله لعباده من أسباب النفقة وقد يطلق على المعاني؛ لأنها غذاء القلوب وقوت العقول، ويكون ذلك من باب المجاز، وقد رزق النبي ﷺ ومن معه من المؤمنين أنواعا ثلاثة من الرزق أولها وأعلاها وأكملها الهداية، وثانيها: المال الطاهر النقي، والثالث: القوة في ذات أنفسهم كما بدت في الجهاد.
وهذا خير؛ لأنه أبقى في ذاته، وأبقى لأن له جزاء يوم القيامة، وهو النعيم المقيم قال تعالى:
стр. 7058
(وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢) أمر الله تعالى نبيه بالصبر، وأمره بما يقوله، وهو أن يكون مستحضرا لله تعالى منزها له حامدا في الصلاة وغيرها، ونهاه عما يضعف الإرادة وهو النظر إلى زخارف الدنيا وزينتها، وما عليه أهلها، ثم بين سبحانه أن الصلاة الدائمة المستمرة هي عدة المؤمنين، وعدة الصابرين، وإنه يجب أن يكون المؤمن في جو الصلاة بأن يكون بيته مقيما للصلوات فقال تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) قال بعض العلماء: أهل النبي هم أهل بيته أو ذوو قرابته، وذلك ظاهر بيّن، وأمرهم بجعل بيت النبي جوه كله مقيما للصلاة، والصلاة والصبر توأمان، كما قال تعالى فيما تلونا: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ)،
стр. 7059
وقال آخرون: إن أهل النبي هم الذين اتبعوه، وقد كانوا في مكة والمدينة أسرته المختارة، حتى إنه ﷺ يقول في سلمان الفارسي: " سلمان منَّا آل البيت " (١) والذي أراه من هذين الرأيين أن أهله ﷺ هم أهله الأقربون الذين يعاشرونه، وأمره ﵇ أمر لأمته، فالله يأمر كل مؤمن بأن يقيم دعائم بيته على أركان من التقوى والإيمان، والاتجاه إلى الله تعالى، وإنه لو تربى كل بيت على الإيمان والعبادة والاتجاه إلى الله تعالى، وأول أركان العبادة الصلاة ليتكوَّن مجتمع صالح من أسر صالحة.
قال تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ) الأمر هو الطلب الحازم القاطع، وأمر الأهل حيث يمكن التنفيذ، يكون بالتنفيذ والقدوة فيعلم أولاده وأهله الصلاة ويصلي معهم ويرون فيه الأسوة الحسنة التي يتبعوها، وقد أمره بملازمتها بقوله : (وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) الاصطبار " افتعال " من الصبر، وهو يدل على أنه يربي نفسه على قوة احتمالها، وريإضة النفس عليها بأدائها كاملة بخشوع وحضور، واستحضار لجلال الله تعالى علام الغيوب، وأنه يراه في عمله، وإن لم يكن هو يراه.
وإن هذه التربية على العبادة التي أجل مظهر لها إقامة الصلاة فإن الصلاة عمود الدين، ولا دين من غير صلاة، كما أشار النبي ﷺ (٢)، ليست هذه التربية لعائدة تعود على الله تعالى، فإن الله غني حميد، وإنما لتكوين أسرة صالحة، وِمجتمع صالح وجيل صالح، ولذا يقول العزيز الحكيم: (لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْن نرْزُقُكَ) الخطاب للنبي ﷺ وخطابه ﵊ خطاب لأمته كلها، وهذه الجملة تدل على أن غاية العبادة إصلاح العابدين، ولا يعود على الله منها شيء فهو ليس بمحتاج، والناس يحتاجون إليه، وقد أكد هذا المعنى بقوله:
стр. 7060
(نَحْن نَرْزقكَ) وإنما الأمر أمر إصلاحكم، وخلاصكم من أعلاق الأرض، ولهذا قال تعالى: (وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى)، أي والأمر الذي يعقب هذا الأمر بالصلاة، والاصطبار عليها هو للتقوى المهذبة للنفوس الواقية لها من شرور إبليس وعداوته، والتقوى صفة المتقين، وإذا كانت العاقبة لهذه الصفة فهي عاقبة لهم بوجود مجتمع طاهر نقي.
أخذ يبين بعد ذلك إنكار المنكرين، وهو أنهم يحسبون أن محمدا لم يأت بآية تدل على صدقه:
стр. 7061
(وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٣٣)
الواو واصلة بين هذه الآية، وما كان من المشركين وإسرافهم في أمرهم وكفرهم بربهم، وحسبوا أنه لم تأتهم آية شاهدة على رسالة محمد ﷺ ؛ لأنه لم يأتهم بمثل عصا موسى، ولم يبرئ الأكمه والأبرص، ولم يغرقهم كما أغرق قوم نوح وقوم فرعون.
(وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ) " لَوْلَا " هنا معناها " هلا، الدالة على الحث والتحريض، ويتضمن هذا أنهم ينكرون وجود هذه الآية، وقد رد الله تعالى إنكارهم فقال: (أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى) سمى القرآن (بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى)، وهي كتب النبيين السابقين من توراة وإنجيل وزبور، وما جاء به إبراهيم وإسماعيل وغيرهم من النبيين والصديقين، وهذه البينة هي القرآن، وكان بينتها لأنه الكتاب الخالد الباقي الذي يحمل في نفسه دليل حجيته، وهو حجة لنفسه، ولكل النبيين الذين سبقوه؛ لأنه معجزة باقية، وهو المسجل لكل المعجزات السابقة، لأنها كانت أحداثا ستنقضي بوقتها، أما القرآن فهو معجزة باقية تتحدت الأجيال كلها أن يأتوا بمثله فهو معجزة المعجزات، وهو سجلها الخالد الباقي، روي في الصحيحين أنه ﷺ قال: " ما من نبي إلا أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله تعالى إلى وأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " (١) وليس أتباع عيسى وموسى هم الذين سموا اليهود، وسموا أنفسهم
стр. 7062
النصارى، إنما هؤلاء هم الذين يؤمنون بموسى. رسولا نبيا، وبما اشتملت عليه التوراة من شرائع وتبشير برسل من بعده، وأتباع عيسى هم الذين يقولون إنه عبد لله خلقه كما يخلق البشر، وإن كان خلقه من غير الأسباب العادية لتعليم الناس في عصر كان الفلسفة فيه لَا تؤمن إلا بالأسباب والمسببات العادية، فالله تعالى يعلمهم أنه الفاعل المختار المريد، فهل الذين يدّعون أنهم أتباع موسى وعيسى يؤمنون بإيمانهم، وما جاءوا به من شرائع؛ إذن فأتباع محمد هم الكثرة، ومحمد ﵊، أكثر تابعا يوم القيامة وإنهم يكفرون بالقرآن آيةً، ويريدون آيةً غيره، كقوله تعالى: (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١).
وإن الله لم يأت بالمعجزات الحسية لأنهم كفروا، كما قال تعالى: (وَمَا مَنَعَنَا أَن نرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلَّا أَن كذَّبَ بِهَا الأَولُونَ. . .)، فهم ليسوا طلاب هداية يريدون الوصول إليها، بل هم مكذبون معاندون جاحدون يبررون جحودهم.
وهم إذ جاءتهم الآية كفروا بها، وإذا لم تجئهم أيضا برروا كفرهم بأنهم لم تجئهم آية، ولذا قال تعالى:
стр. 7063
(وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤)
إن بعث الرسل كان بمقتضى حكمة الله تعالى حتما لازما، لكيلا يكون للناس حجة، وكانت البينة المثبتة لرسالة الرسول تكون بإرادة من أرسله وهو المرسِل، والعليم بما يؤمن عليه البشر من آيات تدل على رسالة من أرسله.
ولو أنه لم يرسل رسلا، وكان الهلاك لقامت لهم حجة، ولذا قال سبحانه: (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَاب مِّن قَبْلِهِ).
стр. 7064
الضمير في (قَبْلِهِ) يعود إلى الرسول ﷺ ؛ لأن المناقشة مع المشركين، فهو حاضر في الذهن، وإن لم يكن مذكورا باللفظ، ويصح أن يعود إلى القرآن؛ لأنه البينة المثبتة لكل ما في صحف إبراهيم ونوح وموسى وعيسى وغيرهم، والمعنى لو ثبت أنا أهلكناهم بكفرهم وضلالهم، وأنهم يعيثون في الأرض فسادا لقالوا: (رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا) يكون قولهم يوم القيامة ضارعا، إذ ينادون (رَبَّنَا) خالقنا والقائم على أمورنا وحياتنا: (لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا)، أي هلا أرسلت إلينا رسولا يرشدنا ويعلمنا، ويجنبنا طريق الباطل، ويهدينا إلى الطريق المستقيم (فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ) الفاء للسببية، أي بسبب الرسل نتبع آياتك البينات، والمراد الآيات الشرعية التكليفية، أو نتبع خاضعين لموجب ما تدل عليه آياتك في هذا الوجود كله: (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ) باتباع الباطل والهلاك (نَخْزَى) أي نصاب بالخزي والعار في الدنيا والآخرة.
وإن أمر الشرك وأهله لعجب؛ لأن الضلال إذا سيطر كان العجب، فإذا أرسل إليهم رسول جحدوا وعنتوا معه، وعاندوه ولم تعجبهم حجة لفرط إنكارهم لا لنقص في الدليل الذي قدم إليهم برهانا ساطعا، وإن لم يرسل وعذبوا، قالوا هلا أرسل إلينا رسول من قبل أن نذل ونخزي، إنه ليس لهم إلا أن يروا عاقبة جحودهم وعنادهم، ولذا قال عز من قائل:
стр. 7065
(قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (١٣٥)
الخطاب للنبي ﷺ ومؤدى القول لقد جادلوك وصابرتهم وأحسنت جدالهم، فذرهم واتركهم لعاقبة أمرهم، و (قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ) التنوين في (كُلٌّ) قائم إلى مقام مضاف محذوف تقديره مثلا كل فريق متربص، أي منتظر عاقبته ليراها محسوسة معلومة، وإن كانت الحقيقة معروفة للنبي ﷺ ، وهذا كقوله تعالى: (. . . وَإِنَّا أَوْ إِياكمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلال مُّبِينٍ).
стр. 7066
(فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى)
" الفاء " تنبئ عن شرط مقدر، فإذا تربصنا فستعلمون من أصحاب الطريق المستقيم، فالصراط هو الطريق السوي أي المستقيم، ومن وصل إلى الهداية وإلى الحق، أي ستعلمون من يكون قد سلك المسلك المستقيم، ومن سار على الطريقة، ومن وصل إلى الحق، واهتدى إليه، والاستفهام للتنبيه والتوجيه، والجملة كلها للتهديد؛ لأن من اهتدى وسلك طريق الحق فقد نال حسن الهداية والتوفيق ونال الجنة والنعيم المقيم ورضوان من الله أكبر، ومن ضل وغوى، وسار في مثارات الشيطان فقد هوى إلى نار جهنم وبئس المصير.
فاللهم اهدنا إلى صراطك المستقيم، وجنِّبنا سُبُل الضلالة الموصلة إلى عذاب الجحيم.
* * *
стр. 7067
(سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ)
تمهيد:
هي جديرة باسمها، لأن فيها قصصا من أخبار النبيين، وهو غير مكرر مع ما ذكر في غيرها من القصص، فكل قصة لست جزءا من القصة هو عبرة في موضعها غير مكرر مع غيره، وقد نبهنا إلى ذلك من قبل، وضربنا المثل بقصة بدء خلق الإنسان، والمفارقات.
وسورة الأنبياء سورة مكية وآياتها اثنتا عشرة آية ومائة.
وقد ابتدأت السورة الكريمة بذكر الساعة وقربها وما وراءها من حساب على ما قدمت أيديهم، (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)
ويأخذون الحياة لعبا ولهوا حتى ما يكون تذكيرا باليوم الآخر (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ. . .)
وقالواً لكل رسول جاءهمَ (. . . هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مثْلُكمْ أَفَتَأتونَ السِّحْرَ وَأَنتًمْ تُبْصِرُونَ)، واتهموا كل رسول يرسل إليهم بأن كلامه أضغاث أحلام وأن كلامه افتراء افتراه على الله تعالى، (. . . بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأتِنَا بِآيَةٍ. . .) ويذكر العبرة في حال من سبقوا (مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦)
ويخاطب نبيه فيقول: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨).
ولقد كفر أقوامهم فصدق الله تعالى وعده لأنبيائه فأنجاهم وأهلك الكافرين لأنهم أسرفوا في الضلال، وبين للنبي ﷺ أنه مذكور في الكتب قبله، وأن الكتاب
стр. 7068
الذي أنزله الله إليكم فيه ذكركم ورفعتكم، وقد ذكر الله أنه أهلك الذين من قبلهم لضلالهم، (وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (١١)، وقد أحسوا الهلاك النازل بهم عند نزوله (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (١٣) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (١٥).
وقد بين خلق السماوات والأرض ودلالتها على وحدانية الخالق، وأنه مالك السماوات والأرض (وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠) أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١).
ولقد جاء إثبات الوحدانية بدليل يجمع بين البلاغة وأعلى درجات المنطق فقال تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)، ولقد تحداهم سبحانه أن يأتوا بما يدل على ألوهية غيره سبحانه فقال: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤).
وقد أشار سبحانه من بعد إلى أنه قد أرسل رسلا من قبلكم وكانت دعوتهم التوحيد الخالص ونفَى سبحانه عن ذاته العلية اتخاذ الولد (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨).
ونفى سبحانه أن يقول أحد ممن ادعوا أنهم أبناء الله، ومن يقل بذلك يجزيه جهنم وكذلك يجزى الله الظالمين.
وقد أتى سبحانه بقضية كونية لم يصل إليها العلم إلا في العصور المتأخرة، وهو أن السماوات والأرض كانتا شيئا واحدا فقال: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠).
стр. 7069
وبين بعد ذلك ما في الأرض من جبال راسيات، ومن مهاد، ومن فجاج وسبل، وجعل السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون، وبيَّن سبحانه أنه خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون، وأن نهاية النفوس جميعا إلى الموت (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)، ثم أشار سبحانه إلى استهزاء المشركين يقولون عند رؤية النبي ﷺ (أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٦)، وقد أشار سبحانه إلى ما في الإنسان في طبيعته من الاستعجال، ويستعجلون العذاب (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)، ثم بين سبحانه حال الكافرين (لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠).
ولقد ذكر الله تعالى لتسلية النبي ﷺ ما كان يفعله السابقون من السخرية برسلهم وحاق بالذين سخروا ما كانوا به يستهزئون.
ثم نبه سبحانه إلى ما أنعم به عليهم من نعم وهي دائمة (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢)، وليس لهم من يمنعهم من الله، وأنه سبحانه مَتَّعَ هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم [الْعُمُرُ] (١) وظنوا أنه لا حساب، وقد وجدوا عقاب الله تعالى لمشركي مكة بالحرب التي كانت تنقص عليهم الأرض من أطرافها.
ولقد أشار سبحانه إلى موسى وهارون وقد آتاهم ما أضاء الحق وذكَّر المتقين، وما كان فرقانا بين الهدى والضلال، وهذا ذكر مبارك وهو القرآن، أفأنتم معشر المشركين له منكرون.
ذكر بعد ذلك شيئا من مجاوبة إبراهيم لعُبَّاد الأوثان قائلا لهم: (. . . مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٥٤) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ
стр. 7070
أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧)
وحطم أصنامهم ووضع الفأس التي حطمها بها في عنق كبيرهم، ثم جاءوا وتحروا فوقعت الظنة على إبراهيم فأرادوا أن يحرقوه بالنار فجعلها الله تعالى بردا وسلاما على إبراهيم، وهذا القدر من قصة إبراهيم لم يذكر في أي سورة أخرى، مما يدل على أنه لَا تكرار في قصص القرآن، وإن بدا ذلك بظاهر الأمر لمن لم يفحص مرامي القصص وموضع العبرة فيه، وقد جرت بين الشاب وبينهم مجادلات في عبادة الأوثان، حتى انتهى إلى قوله لهم: (أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧).
ونجى الله من كيدهم إبراهيم كما نجى الله تعالى لوطا.
وذكر سبحانه بعد ذلك ما وهبه له من إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعله الله من الصالحين وجعلهم أئمة يهدون بأمره، ويقول سبحانه: (. . . وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣) وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥). ثم ذكر نوحا: (. . . إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧).
وذكر سبحانه داود وسليمان، وقضايا سليمان وما فهَّمه من الحكم فيها وما علمه لداود من صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون، وما مكَّن لسليمان، وقال: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (٨٢).
وقص سبحانه قصة نبي الله تعالى أيوب وما أصابه من ضر وصبره لما أصابه (. . . إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣)، وقد استجاب له
стр. 7071
الله تعالى، وكشف ما به منِ ضر وقال سبحانه: (. . . وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤).
وأشار إلى إسماعيل وإدريس وذي الكفل، وكل من الصابرين، وقال سبحانه: (وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ)، ثم ذكر سبحانه قصة ذي النون فقال: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨).
وذكر خبر زكريا، ونداءه ربه (رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ)، وقد استجاب الله تعالى له ووهب له يحيى.
ثم ذكر خبر مريم فقال: (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١).
ثم أشار سبحانه إلى أن الناس جميعا أمة واحدة دعيت إلى دين واحد، فقال: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢).
وأشار سبحانه إلى أنه مع هذه الوحدة الجامعة تفرقوا حول الأنبياء الذين دعوا إلى عبادة الله تعالى: (وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (٩٣).
وقد أشار إلى أحوال يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، وبين سبحانه أن الساعة آتية لَا ريب فيها، وقد اقتربت لأن كل آت قريب، وأشار إلى أحوال الناس عند هذه الساعة، وبين أنهم وما يعبدون من دون الله حصب جهنم، وبين لنا أن الذين سبقت لهم من الله الحسنى أولئك عن جهنم مبعدون، لَا يسمعون حسيسها وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون، لَا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون.
وذكر ما يكون للكون يوم القيامة، وما كتبه الله في كتبه السماوية أن الأرض يرثها الصالحون، وأمر نبيه أن يقول للمشركين الذين كفروا
стр. 7072
برسالته: (قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (١٠٩) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (١١١) قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢).
وبهذا تنتهي السورة الشريفة، وفيها كما يرى القارئ من هذا العرض أنها تشتمل على إشارات من قصص النبيين، وصلبها الدعوة إلى التوحيد، وما لقيه النبيون في سبيل هذه الدعوة التي هي الحق، وضل من يعاندها.
* * *
معاني السورة
تلقي الناس لدعوة الحق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤) بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦)
* * *
ابتدأ الله تعالى السورة الكريمة بذكر القيامة، وأعظم ما في القيامة أثرا هو الحساب الذي يعقب التوجه إلى النعيم، أو التوجه إلى الجحيم، ابتدأ به؛ لأن كل ما يذكر من إعراض عن ذكر الله تعالى في دعوات الأنبياء الذين أشارت إلى قصصهم
стр. 7073
سببه الغفلة عن ذكر الله وعدم إدراك معاني التوحيد، والإعراض عن دعوات التوحيد التي تجددت الدعوة إليه على لسان كل نبي من الأنبياء الذين بعثوا إلى الناس عصرا بعد عصر، حتى جاء خاتم النبيين محمد ﷺ .
والناس في قوله تعالى:
стр. 7074
(اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ) قيل عن ابن عباس ﵁ إنهم المشركون؛ لأنهم الذين غفلوا عن يوم البعث، وأعرضوا عما دعا إليه محمد ﷺ ، ولكن الظاهر أنهم الناس كافة الذين توالت عليهم النذر وخصوصا غير المؤمنين في أي جيل من الأجيال، بدليل ما تجيء به الآية بعد هذه الآية من قوله تعالى:
стр. 7075
(مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) وقوله تعالى: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ) نقول: إن معنى الاقتراب تأكُّد الوقوع كقوله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَة وَانشَقَّ الْقَمَرُ)، إذ إن كل أمر مؤكَّد الوقوع يصح أن يقال عنه إنه مقترب، وإن الأزمان بالنسبة للقرب والبعد عند الله سواء، فالقرب والبعد بالنسبة للحوادث لَا بالنسبة إلى واجب الوجوب، ورب البرية، ولأن هذه الآية نزلت على محمد ﷺ وقد كان مبعثه على قرب من القيامة، كما رُوي عنه أنه قال: " بعثت في نسم الساعة " (١) و (اقترب): صيغة افتعال من (قَرُب) وهي تدل على شدة الاقتراب، واقتراب الحساب هو اقتراب الساعة التي يكون فيها الحساب وعبر عنها بالحساب؛ لأن الحساب كما أشرنا هو الفصل بين الخلائق يوم القيامة لأنه هو الذي يعين مصائرهم، إما إلى الجنة أبدا وإما إلى النار أبدا، فذكرت القيامة بأعظم ما فيها، وهو ما يحدد مآل الناس، ولأن ذكره فيه ترهيب للناس وتنبيه لهذا اليوم الذي تجزى فيه كل نفس ما كسبت، فذكره تنبيه للغافلين.
والتعدية باللام في قوله تعالى: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ) إنها لتوكيد الحساب، وتنبيه الأفهام، وتقدير القول: اقترب حساب الناس، فكان النص السامي أبهم الحساب، بأن الاقتراب للناس، ثم بين أنه ليس لذواتهم، بل لحسابهم، وفي