الله تعالى، وكشف ما به منِ ضر وقال سبحانه: (. . . وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤).
وأشار إلى إسماعيل وإدريس وذي الكفل، وكل من الصابرين، وقال سبحانه: (وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ)، ثم ذكر سبحانه قصة ذي النون فقال: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨).
وذكر خبر زكريا، ونداءه ربه (رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ)، وقد استجاب الله تعالى له ووهب له يحيى.
ثم ذكر خبر مريم فقال: (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١).
ثم أشار سبحانه إلى أن الناس جميعا أمة واحدة دعيت إلى دين واحد، فقال: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢).
وأشار سبحانه إلى أنه مع هذه الوحدة الجامعة تفرقوا حول الأنبياء الذين دعوا إلى عبادة الله تعالى: (وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (٩٣).
وقد أشار إلى أحوال يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، وبين سبحانه أن الساعة آتية لَا ريب فيها، وقد اقتربت لأن كل آت قريب، وأشار إلى أحوال الناس عند هذه الساعة، وبين أنهم وما يعبدون من دون الله حصب جهنم، وبين لنا أن الذين سبقت لهم من الله الحسنى أولئك عن جهنم مبعدون، لَا يسمعون حسيسها وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون، لَا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون.
وذكر ما يكون للكون يوم القيامة، وما كتبه الله في كتبه السماوية أن الأرض يرثها الصالحون، وأمر نبيه أن يقول للمشركين الذين كفروا
стр. 7072
برسالته: (قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (١٠٩) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (١١١) قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢).
وبهذا تنتهي السورة الشريفة، وفيها كما يرى القارئ من هذا العرض أنها تشتمل على إشارات من قصص النبيين، وصلبها الدعوة إلى التوحيد، وما لقيه النبيون في سبيل هذه الدعوة التي هي الحق، وضل من يعاندها.
* * *
معاني السورة
تلقي الناس لدعوة الحق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤) بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦)
* * *
ابتدأ الله تعالى السورة الكريمة بذكر القيامة، وأعظم ما في القيامة أثرا هو الحساب الذي يعقب التوجه إلى النعيم، أو التوجه إلى الجحيم، ابتدأ به؛ لأن كل ما يذكر من إعراض عن ذكر الله تعالى في دعوات الأنبياء الذين أشارت إلى قصصهم
стр. 7073
سببه الغفلة عن ذكر الله وعدم إدراك معاني التوحيد، والإعراض عن دعوات التوحيد التي تجددت الدعوة إليه على لسان كل نبي من الأنبياء الذين بعثوا إلى الناس عصرا بعد عصر، حتى جاء خاتم النبيين محمد ﷺ .
والناس في قوله تعالى:
стр. 7074
(اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ) قيل عن ابن عباس ﵁ إنهم المشركون؛ لأنهم الذين غفلوا عن يوم البعث، وأعرضوا عما دعا إليه محمد ﷺ ، ولكن الظاهر أنهم الناس كافة الذين توالت عليهم النذر وخصوصا غير المؤمنين في أي جيل من الأجيال، بدليل ما تجيء به الآية بعد هذه الآية من قوله تعالى:
стр. 7075
(مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) وقوله تعالى: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ) نقول: إن معنى الاقتراب تأكُّد الوقوع كقوله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَة وَانشَقَّ الْقَمَرُ)، إذ إن كل أمر مؤكَّد الوقوع يصح أن يقال عنه إنه مقترب، وإن الأزمان بالنسبة للقرب والبعد عند الله سواء، فالقرب والبعد بالنسبة للحوادث لَا بالنسبة إلى واجب الوجوب، ورب البرية، ولأن هذه الآية نزلت على محمد ﷺ وقد كان مبعثه على قرب من القيامة، كما رُوي عنه أنه قال: " بعثت في نسم الساعة " (١) و (اقترب): صيغة افتعال من (قَرُب) وهي تدل على شدة الاقتراب، واقتراب الحساب هو اقتراب الساعة التي يكون فيها الحساب وعبر عنها بالحساب؛ لأن الحساب كما أشرنا هو الفصل بين الخلائق يوم القيامة لأنه هو الذي يعين مصائرهم، إما إلى الجنة أبدا وإما إلى النار أبدا، فذكرت القيامة بأعظم ما فيها، وهو ما يحدد مآل الناس، ولأن ذكره فيه ترهيب للناس وتنبيه لهذا اليوم الذي تجزى فيه كل نفس ما كسبت، فذكره تنبيه للغافلين.
والتعدية باللام في قوله تعالى: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ) إنها لتوكيد الحساب، وتنبيه الأفهام، وتقدير القول: اقترب حساب الناس، فكان النص السامي أبهم الحساب، بأن الاقتراب للناس، ثم بين أنه ليس لذواتهم، بل لحسابهم، وفي
стр. 7076
التوضيح بعد الإبهام فضل توكيد للمعنى، وزيادة في الترهيب بالإشارة إلى أن الاقتراب منهم.
ويلاحظ أن الاقتراب يتعدى بـ " إلى "، فيقال: اقترب إليه، وبـ " مِن " فيقال: اقترب منه، فلماذا كان التعدي في الاقتران باللام؛ ونقول في الجواب عن ذلك: إن التعدية بـ " إلى " أو " من " ربما تدل على المحبة والمودة، وهما لَا يصلحان في هذا المقام، فالاقتراب اقتراب مدة لَا قرب رفق ومودة، ويقال في قرب المبارزة، اقترب المبارز لخصمه، ولا يقال اقترب إليه أو منه؛ ولأن " اللام " تفيد الاختصاص، فالاقتراب للحساب يخصُّهم ويملكهم.
وقال تعالى: (وَهُمْ فِي غَفْلَة معْرِضُونَ) الجملة حالية، وقد وصفوا فيها بوصفين: الأول: أنهم في غفلة عن هذا الحساب إذ هم لَا يؤمنون بالبعث بسبب غشاوة جاءت على أعينهم، وقلوبهم غلف، فهم غافلون عن ذلك اليوم مأسورون بالحسّ، لَا يعرفون ما وراءه، وأول مظاهر اليقظة النفسية تعرُّف ما وراء الحس، فيتساءلون لماذا خلق الإنسان وما غايته؟ وما نهايته؟ ويدركون أنه لم يخلق عبثا، وهذا فرق ما بين الإنسان والحيوان.
فهم في غفلة عن هذا، وإذا جاء مذكر موقظ لعقولهم من رسول أو نبي أعرضوا عنه، فكان في أوصافهم أمران أولهما: غفلة نفسية لَا تدرك بذاتها، والثاني أنهم إذا جاء من يذكرهم أعرضوا عنه ونأوا بجانبهم، وقال تعالى: (معْرِضُونَ) بالوصف يدل الفعل للإشارة إلى أن الإعراض ملازمهم ملازمة الغفلة لهم؛ ولذا قال بعد ذلك:
(مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣)
الذكر هنا هو الرسول الذكِّر، وعبر عن الرسول بالذكر؛ لأنه عمله ورسالته، فعبر عنه بأخص أوصافه، كما قال تعالى: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ)،
стр. 7077
وكما قال تعالى: (. . . إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ. . .)، فالذكر هنا هو لب الرسالة، وغايتها، والمعنى أنهم غافلون، وإذا جاء الذكر لَا يتذكرون، وقد وصف الذكر بوصفين أولهما: قوله تعالى: (مِّن رَّبِّهِم) أضيف الذكر إلى أنه من ربهم الذي خلقهم من العدم وقام على تربيتهم، فهو أعلم بحالهم وما يناسبهم، فقد علم أنه لَا يناسبهم ملك من الملائكة ولكن يناسبهم رسول منهم هو من أنفسهم رحيم بهم رءوف عليهم، والوصف الثاني قوله تعالى: (مُحْدَثٍ) أي أنه تذكير يتجدد لم ينقطع عنهم، فالرسول ومعه الذكر يجيء إليهم آنًا بعد آنٍ، غير منقطع حتى خاتم النبيين ﷺ ، ونزل معه القرآن الحكيم الذي يذكرهم إلى يوم الدين.
والضمير في (اسْتَمَعُوهُ) يعود إلى الذكر، وهذا من باب الترشيح للمجاز في تسمية الرسول بالذكر لما ذكرنا، ويجوز أن نقول كما قال كثير من المفسرين: إن الذكر بمعنى الكتاب الذي جاء به الرسول، أو أريد به القرآن الذي جاء به محمد ﷺ ، ومعنى (مُحْدَثٍ) هو تجدد نزول آياته آية بعد آية مجددة التذكير الذي يهدي الضال ولكن الظالمين لَا يهتدون.
وقوله تعالى: (إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) حالان، حال بعد حال، والحال الثانية عن سببه عن الحال الأولى، فـ
стр. 7078
(لاهِيَةً ... (٣)
سببها تلقي الآيات التي تجدد الإيمان لمن له قلب، باللعب والعبث والسخرية وعدم الاعتبار والتبصير والتدبر، مع السخرية والاستهزاء، وبسبب ذلك تلهو قلوبهم، وتنصرف عن الإصغاء إلى الحق، وإنهم وهم في حال اللهو واللعب والانصراف عن الحق تماما - يعملون على مقاومته فيجتمعون ويتشاورون كيف يردون دعوة الرسول، وماذا يقولون لصد غيرهم عن سبيل الله وقد أضاء الحق في ظلام الجاهلية، اجتمعوا في كن من الخفاء، وهذا معنى قوله تعالى (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى) النجوى والتناجي: التحدث في سر لَا جهر فيه، ومعنى (أَسَرُّوا النَّجْوَى) تشاوروا في الأمر بعيدا عن الناس، وبالغوا في الإسرار، لكي يتدبروا الأمر الخطير الذي فوجئوا به، ويصرفوا الناس عنه
стр. 7079
ويعودوا إلى دين آبائهم، وقوله تعالى: (الَّذِينَ ظَلَمُوا) بدل من " واو الجمع " في قوله (وَأَسَرُّوا) وفائدة ذكر هذا البدل وصفهم بأنهم كانوا ظالمين في هذا التشاور والتآمر على الحق والصد عن سبيل الله، كما كانوا ظالمين في الإعراض عن ذكر الله المتجدد آية بعد آية، ورسولا بعد رسول.
وقد كانت نتيجة تآمرهم قولهم: (هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مُثْلُكُمْ) الاستفهام هنا للإنكار، والمعنى: ما هذا إلا بشر مثلكم، وهذا تسويغ لإنكارهم؛ لأنهم لا يعتقدون أن الرسول لَا يكون من جنس البشر بل يكون من الملائكة، فهم يريدون أن يلقوا في روع الناس أن هذا مثلهم، فلا يمكن أن يكون نبيا مرسلا، والاستفهام الذي يدل على النفي فيه تنبيه لهم، وكان النفي من السامع لَا من المتكلم. وقد بينوا أن إيمانهم به إيمان بالسحر، فقالوا: (أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ) " الفاء " عاطفة على فعل محذوف تقديره أتصدقونه فتأتون السحر وأنتم تبصرون، ومعنى إتيانهم السحر حضوره ومشاهدته فكأنَّهم هم الذين أتوه، (وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ) أي لم يموه على أبصاركم فسحر عيونكم، بل أنتم تدركون بكامل بصركم وترون الأشياء والوقائع.
وفى هذا حكم على القرآن بأنه سحر؛ لأنه يعمل السحر، ولم يجدوا طريقا لإدخال إفكهم على الناس إلا بهذا الادعاء الباطل، وإذا كانوا قد ائتمروا بالنبي ﷺ في إسرار نجواهم فالله تعالى يعلم ما تناجوا به، وما ائتمروا عليه، ولا يهمه ﷺ أن يعلم ما يتآمرون عليه من قول، وما يدبرونه من صد عن سبيل الله؛ ولذا قال تعالى:
стр. 7080
(قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤)
الضمير الفاعل لـ (قَالَ) يعود على النبي ﷺ ؛ لأنه المذكور قبل ذلك، إذ هو الرسول الأخير الذي خاطب المشركين، وأسروا له النجوى، وخرجوا إليه بالطعن فيه، وصرف الذين اتبعوه عنه، فهو يبين في هذا أن الذي يأتمرون به من نجوى أو جهر يعلمه الله وهو في معنى التفويض إليه سبحانه؛ لأنه رسوله الذي
стр. 7081
أرسله وكل كيد له هو لتعويق الرسالة فهو حافظه وكالئه، وهو الذي يحمى الذين اتبعوه عن فتنة القول الذي يدبره هؤلاء المشركون.
(قَالَ رَبِّي) الذي أرسلني ويقوم على حماية رسالتي (يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) والقول يشمل السر والجهر، وهو يفيد عموم علم الله تعالى لكل قول خفي أو جهير، في سر أو في علن، وهو راد كيدهم في نحورهم ومبطل تدبيرهم، وذكر (السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) لعموم علمه بكل قول سواء أكان من ملك كريم أم كان من شيطان رجيم، فهو لَا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وختم الآية بوصفه سبحانه بوصف الكمال، بقوله تعالى: (وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) أي أنه يعلم الأقوال كلها جهرها وسرها، وهو محيط بعلمه بكل شيء وذكر (السَّمِيعُ) لأن موضوع العلم في الآية القول الذي دبروا به كيدهم، وما كيدهم إلا في ضلال، وقال تعالى عما دبروا من قول يصدون به من آمنوا عن سبيل الحق:
стр. 7082
(بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) (بَلْ) هنا للإضراب الانتقالي؛ ينتقلون بقولهم من فرية إلى فرية يحسبونها أقوى صدّا، ثم إلى أقوى منها، انتقلوا من فرية السحر إلى فرية أضغاث الأحلام إلى فرية أنه افتراه على الله إلى فرية أنه شاعر، ثم ينتهون إلى أنهم لَا يرضون بهذه الآية الدالة على أنه مرسل من عند الله، كالآيات التي كانت للأنبياء السابقين من المعجزات الحسية كالعصي وإبراء الأكمه والأبرص، و " الأضغاث " جمع " ضغث "، وهو القبضة من الريحان والحشيش أو الحطب أو قضبان النبات، كما قال تعالى:
(وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ. . .)، وشبهت بها الأحلام المختلطة التي لَا تتبين حقائقها ولا تستبين عند الحالم. انتقلوا من ادعاء أن القرآن سحر ساحر إلى أنه تخاليط أحلام سيطرت على عقل النبي ﷺ إذ هي أخلاط، كالأحلام ليس فيها حق يدرك.
стр. 7083
ثم انتقلوا من هذا الادعاء إلى ادعاء آخر أوغل منه في الرد في زعمهم، فقالوا (بَلِ افْتَرَاهُ)، أي اخترعه من عنده اختراعا فهو قول مفترى، وهذا هو لب تكذيبهم، وإن لم يقصدوا إليه ابتداء، فهم مكذبون له في كل الأحوال، ثم انتقلوا إلى ادعاء أنه قول ساحر، ولم يقولوا إنه شعر لأنهم يعلمون الشعر في حقيقته، ويفرقون بذوقهم البياني بين القرآن والشعر، ولقد ادعوا أن محمدا شاعر، وأنه من أفانينه، وإن لم يكن شعرا، والشاعر يتفق في القول نثرا أو سجعا أو شعرا، وكل هذا باطل، وذلك التردد في القول دليل على حيرتهم في الرد، ودليل على لجاجتهم في الجحود، فقالوا مرة: ساحر، ومرة: أضغاث أحلام، ومرة: افتراه، ومرة: إنه شاعر. وهنا يجيء سؤال: أليسوا في كل أقوالهم يدعون الافتراء، فلماذا خص الافتراء بالذكر؟ ونقول إنهم في الثلاثة الأخر غير الافتراء يتكلمون في النبي ﷺ ، وفى الافتراء يتجهون إلى القرآن نفسه، ولقد قال في ذلك الإمام الزمخشري: " هم أضربوا عن قولهم هو سحر إلى أنه تخاليط أحلام ثم إلى أنه كلام يفترى، ثم إلى أنه قول " شاعر، وهكذا الباطل لجلج والمبطل متحير، رجَّاع غير ثابت على قول واحد، ويجوز أنه يكون تنزيلا من الله تعالى لأقوالهم في درج الفساد، وأن قولهم الثاني أفسد من الأول، والثالث أفسد من الثاني، والرابع أفسد من الثالث ".
وهذا الذي اخترناه، ونحن رأينا ابتداء أن هذه الإضرابات الانتقالية حكاية من الله تعالى لغيهم.
وخلاصة أقوالهم أنهم لَا يعدون القرآن آية دالة على أنه رسول من عند الله؛ ولذا طلبوا آية حسية كالأنبياء السابقين فقال: (فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ) " الفاء " لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي فرتب على جحودهم بالقرآن آية، قولهم: ليأتنا بآية حسية باهرة قاهرة حسية، كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ بآيات حسية، التشبيه بين ما يريدون من آيات وآيات الرسل الأولين.
стр. 7084
وقد بين سبحانه أن هذه الآيات جاءت كما طلبوا ولم يؤمنوا بها فقال تعالى:
стр. 7085
(مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦)
ْإذا كانوا يطلبون آيات كالآيات التي كانت الأولين التي طلبوها هم أيضا، فما آمنوا بعد أن أجيب طلبهم، وقد عاهدوا الله تعالى، على أن يؤمنوا إذا جاءتهم، فلما جاءتهم نكثوا في أيمانهم، فحل الهلاك بهم، فإذا كنتم تقايسون بين الآيات تطلبونها وآيات الذين سبقوا، ففكروا في نتائج آياتهم، وهي ذات النتيجة التي تكون منكم، فلن تؤمنوا كما لم يؤمنوا؛ لأن الجاحد لَا ينفعه دليل ولا تقنعه حجة.
قوله تعالى: (مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا) القرية المدينة العظيمة، أو الإقليم، والمعنى: ما آمنوا، بل كذبوا وهلكوا وا عتبروا بهم، ولقد قال تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩).
ولذا قال تعالى: (أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ) الفاء تفصح عن شرط تقديره: أإذا جاءتهم الآية هم يؤمنون؟! والاستفهام إنكاري، والمعنى أنهم لَا يؤمنون، كما أنه لم يؤمن من كانوا قبلهم، فالجحود، لَا يعالجه الدليل وكثرته، إنما يعالجه العقاب وصرامته.
وسياق الآيات الكريمات أنهم أنكروا أن يكون الرسول بشرا من البشر، ثم واصلوا إنكارهم فادعوا الافتراء، وقالوا في شخصه ساحر، وأن ما جاء به أضغاث أحلام، وأنه مفتر وأنه شاعر، ثم قالوا من بعد منكرين للآية الدالة على رسالته، ولم يعقلوا بعقلهم الجَحود المنكِر أن يكون القرآزا معجزة، وإن عجزوا عن الإتيان بمثله بعد أن تحداهم أن يأتوا بمثله أو بعضه ولو مفترى.
والحقيقة أن الجحود هو الذي أملى الاعتراض عليه، وهو أنسب معجزة لخاتم النبيين، لأنه باق متجدد الإعجاز لَا تبلى جدته، وهذا يناسب رسالة باقية ما بقي الإنسان على ظهر البسيطة.
* * *
стр. 7086
الرسل من البشر
(وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩) لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠) وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (١٣) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (١٥)
* * *
قال المشركون منكري رسالة النبي ﷺ : (هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مثْلكُمْ)، أي ليس هذا إلا بشرا مثلكم فكيف نؤمن بأنه رسول يوحى إليه؛ فرد الله تعالى قولهم بقوله تعالى:
стр. 7087
(وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧)
فما اعتمدوا عليه في تغرير الذين اتبعوا محمدا ﷺ بين الله تعالى بطلانه، فهو حجة داحضة؛ لأن الرسل جميعا ليسوا إلا رجالا، كما قال الله تعالى في
стр. 7088
آية أخرى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى. . .)، وقال تعالى: (قُلْ مَا كنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ. . .).
فسنة الله تعالى أن يرسل رسله من البشر، ليأنس بهم المدعون، وليأتلفوا
معهم، ولأن الملك لَا يمكن أن يخاطب البشر إلا إذا صار كالرجل كما قال تعالى:
(وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ). وقد نبههم سبحانه إلى أن تلك سنة الله تعالى فيمن يبعثهم، وبين أيديهم ما يعلمون فيه سنة الله في رسله، فإبراهيم ﵊ وإسماعيل ابنه كانا من الأنبياء، وإبراهيم عزهم ومناط فخرهم حيث كان رسولا من أولي العزم من الرسل - كان من الرجال ولم يكن من الملائكة، وبنى البيت الحرام الذي كان حرما آمنا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ، بناه بقوته البشرية لَا بالروح الملكية. ومع ذلك طلب الله تعالى أن يسألوا من يشايعونهم من اليهود الذين كانوا يناوئون الإسلام كما يناوئونه هم، ويؤذون النبي ﷺ كما يؤذيه المشركون على سواء ولقد قال تعالى: (. . . وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا. . .)، فقال سبحانه: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) " الفاء " واقعة في جواب شرط محذوف دل عليه ما بعده، وأهل الذكر هم أهل العلم بالرسالات، وأهل العلم هم كل من عنده علم بالرسالات الإلهية والرسل المهديين. وفي هذا النص رميٌ لهم بالجهل، وأن الذين يدَّعون العلم بأنه لَا رسول إلا من الملائكة غير عالمين، ومفسدون، وفي هذا إذلال لهم، ورميٌ لهم بالجهل المطبق، مع الإرشاد إلى الحق والاحتجاج بعلم أهل الكتاب الذين يناوئون النبي ﷺ مثلهم.
ثم قال تعالى مؤكدا معنى الآية السابقة:
стр. 7089
(وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨)
الضمير يعود إلى الرسل، لأنهم مذكورون في الآية السابقة بعبارة تفيد العموم بذكر الرجال (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا) والنفي داخل على الجسد الذي، لَا يأكل
стр. 7090
الطعام فمن طبيعة الجسد أن يأكل ويشرب ويمشي في الأسواق، وهذا ردا على من زعم أن الرسل ليسوا من البشر، وتجاهلوا ذلك أو جهلوه، ورد على الذين قالوا من المشركين: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق. (لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا)، وقد رد الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠).
نفَى الله تعالى بهذه الآيات أن يكونوا جسدا لَا يأكلون بل هم أجساد حية تحتاج إلى الغذاء كما يحتاج الجسد في قوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَاهُم جَسَدًا) لأن الجسد يدل على الجنس، والجنس يفيد العموم، ولأن الإفراد ملاحظ أيضا، فالمعنى: " وما جعلنا أي رسول جسدا لَا يأكل الطعام، وإن الطعام يعوض الجسم البشري ما يفقد منه يوميا حتى إذا ضعف الجسم عن الغذاء كان الموت؛ ولذا قال تعالى بعد ذلك: (وَمَا كَانُوا خَالدينَ) لأنه إذا كان الرسول جسدا فإنه تعروه عوامل الفناء الجسدي، حتى - يكَوَن البعث يوم القيام، كما قال تعالى: (كمَا بَدَأَكمْ تَعُودُونَ)، فقوله تعالى: (وَمَا كانوا خَالِدِينَ) تأكيد لمعنى الجسدية التي تأكل الطعام، وقد توهموا من معنى الملائكة أنهم لَا يموتون فأكد الله نفي الملكية عنهم بذكر أنهم ليسوا خالدين كما تزعمون في أن الرسل من الملائكة لَا يفنون، وهكذا أبطل الله تعالى دعواهم أن الرسل لَا يكونون من البشر، وأثبت سبحانه بالاستقراء والتتبع أن الرسل لَا يمكن أن يكونوا إلا من البشر الذين يوحى إليهم.
وإن الله تعالى إذ يرسل الرسل من البشر يحوطهم بعنايته؛ ولذا قال تعالى:
стр. 7091
(ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩)
الضمير في (صَدَقْنَاهُمُ) يعود إلى الأنبياء الذين مر ذكرهم في الآيات السابقة، وصدق الوعد معناه الوفاء به بأنه يجيء العمل موافقا للعهد، ومن ذلك قول الرسل صدق، وقوله تعالى: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ).
стр. 7092
وقوله تعالى: (ثمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ) العطف بـ " ثم " يفيد أنه بين الوعد وصدقه شدائد كثيرة نزلت بالأنبياء من رد وعناد واستهزاء وسخرية وإيذاء، كما قال تعالى: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠)، فكَان العطف بـ " ثم " مشيرًا إلى هذه الشدائد، وأنه لم يتبين صدق الوعد إلا بعد شدائد ذاقوها، ولم تهز ايمانهم، ولم توجد في قلوبهم يأسا من صدق وعد الله.
ثم قال تعالى: (فَأَنجَيْنَاهُمْ) " الفاء " تدل على أنه يجيء فور صدق الوعد الإنجاء للرسل، والإنجاء يشير إلى تضافر القوى ضدهم، (وَمَن نَّشَاءُ) هم التابعون للأنبياء الذين آمنوا بما جاءوا، وقد شاء الله تعالى إيمانهم لأنهم اختاروا الهدى، وقد عبر الله تعالى عنهم بقوله ومن نشاء للإشارة إلى أنهم آمنوا؛ لأن اللَّه تعالى شاء لهم الإيمان، وكل شيء في محيط مشيئته وإرادته، فلا يقع شيء إلا إذا تعلقت به مشيئة الله ولا يخرج شيء في الوجود عن إرادته.
(وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ) وهم الذين خالفوا النبيين وعاندوهم ولم يؤمنوا، وكفروا بأنعم الله، وعبر الله عنهم بالمسرفين، لأنهم أسرفوا على أنفسهم، وأوقعوها في الضلال بكفرهم برسالة الله، وإسرافهم في العناد وإيذاء المؤمنين وإسرافهم في ضلال العقل وعدم الإذعان لأي حجة أو برهان، وإسرافهم في المعاصي، وهي إفساد، والله لَا يحب المفسدين.
وإن الله تعالى أهلك المسرفين المفسدين دائما، ولكن بعد أن يرسل النذر، وقريش اختصت بكتاب فيه علمهم وذكرهم وشرفهم؛ ولذا قال عز من قائل:
стр. 7093
(لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)
أكد سبحانه نزول الكتاب من عنده إليهم بـ " اللام " التي تفيد التوكيد، و " قد " التي تفيد التحقيق، وكان التأكيد لأصل ما يعود به عليهم ذلك الكتاب العظيم؛ ولذلك قال تعالى في هذا الكتاب (فِيهِ ذِكْرُكُمْ) هذا من إضافة المصدر للمفعول، أي فيه تذكير لكم بالحق والمواعظ والأحكام الشرعية العادلة التي تنظم العلاقات بين
стр. 7094
العباد آحادا وجماعات ودولا، وفيه المواعظ والقصص والعبر، وكل هذا تذكرة وهداية وإرشاد.
ويقول الزمخشري: إن الذكر هنا هو الشرف، أي أن هذا الكتاب فيه شرف لكم لأنه يشرف من ينزل إليهم، ومن يشيع علمه بينهم، كما قال تعالى: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لكَ وَلِقَوْمِكَ. . .).
ونقول: إذا كان العرب يتفاخرون بقصيدة يقولها شاعر في قبيلة فتكون فخرا لها فإن القرآن أعلى كلام في الوجود، وأبلغه، وما قاله بشر، بل قاله الله تعالى وهو تنزيل من عزيز حميد، لَا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وإنه لا يعرف قدره إلا من يعلو في البيان إلى تدبر معانيه، وفصاحة مبانيه، وبلاغة كلامه ومقتضيات الأحوال؛ ولذا قال تعالى: (أَفَلا تَعْقِلُونَ) " الفاء " عاطفة على فعل محذوف يقدَّر بما يناسب المقام فيقدر مثلا: أتردونه فلا تعقلون، فلا تدركون بعقولكم حقيقة ما تردون، ويعود بالخير عليكم شرفا وهداية وإرشادا ومواعظ وعبرًا، والتنكير في (كتاب) لبيان شرفه أي كتاب أي كتاب.
عاد سبحانه بعد هذا الإرشاد الحكيم بالقرآن الكريم، فقال عز من قائل:
стр. 7095
(وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (١١)
هذه الآية الكريمة مفصلة بعض التفصيل لما تضمنه هلاك المسرفين في الآية السابقة (وَكَمْ) بمعنى الكثير، وهي مفعول لـ (قَصَمْنَا)، والقصم هو التكسير والتهشيم، الذي تنفصل فيه الأجزاء عن بعضها، وهي تدل على الغضب، والهلاك يكون لأهل القرية، والمعنى وكم قصمنا أهل قرية كانت ظالمة، وإني أرى كما رأى بعض المفسرين أن القصم كان في القرية نفسها، كما حدث لقوم لوط، إذ جعل عالي الأرض سافلها، وكما حصل لثمود، إذ جاءتهم ريح صرصر عاتية دمرتهم وكما حدث لعاد. . . إلى آخره، وقوله: (كَانَتْ ظَالِمَةَ)، أي أهلها ظالمون فالظلم
стр. 7096
لا يقع من البناء والأحجار، ولكن من الذين يحلون في القرية، فأسند الفعل إلى المحل وأريد الحالّ.
وقوله تعالى: (وَأَنشَأنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ) أي أن هذه القرية التي قصمت وحطم بنيانها وأزيلت من الوجود أنشأ بعدها قرية أخرى غير ظالم أهلها يسكنها قوم آخرون، وهنا أمران يوجبان الالتفات.
أولهما - أن الحديث عن القرية ولكنه سبحانه قال إنه لَا ينشئ القرية مرة أخرى، إنما ينشئ قوما آخرين، وإنشاء قوم آخرين ينشئ قرية، وليس الأمر أمر البنيان، وإنما الأمر أمر من يسكنون البنيان، ووصفوا بـ (آخَرِينَ) لبيان تباينهم عن الأولين.
الأمر الثاني - التعبير بـ (أَنشَانَا)، والتعبير بقوله (بَعْدَهَا)، فالذكر للبَعدية بالنسبة للقرية مع أن الإنشاء للأقوام الآخرين، وكان ذلك لأن الحديث عن قصم القرية، وتكسيرها وتهشيمها وهو المظهر الحسي لهلاك الأقوام بهلاك قراهم وأماكنهم التي كانوا بها يعيشون.
(فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (١٣)
стр. 7097
" الفاء " للتفصيل، (أَحَسُّوا بَأْسَنَا) معناها بدت بوادر البأس الشديد والهلاك العتيد، وعلموها بحسهم وقرب نزوله (إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ) " إذا " للمفاجأة أي أنهم فاجأوا من حولهم بركضهم، والركض هو السرعة، وهو مأخوذ من ضرب الدابة برجلها، وقد شبهوا في سرعة سيرهم وضربهم في الأرض بضرب، الدابة في الأرض، وذلك تصوير لفزعهم وهربهم مسرعين لَا يلوون، وقوله تعالى:
стр. 7098
(لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ ... (١٣)
أي لَا تفزعوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه، والإتراف هو الانغماس في النعيم، وأن يكونوا فاكهين فيه ناعمين، وإن ذلك يؤدي إلى بَطْرِ النعمة وغمط الناس والاستكبار، ولكن من القائل لهم ذالك؟ قيل: الملائكة بأمر من الله تعالى، وعندي أنها حال اعترتهم في نزعهم الأكبر، فكان
стр. 7099
الخوف يدفعهم إلى الركض والهروب من البأس، والحرص الذي استمكن في نفوسهم، وحرصهم على ما كانوا عليه يناديهم في ذات أنفسهم: لَا تركضوا وارجعوا إلى منازلكم التي كنتم فيها، وعلى النظر الأول يكون النهي عن الركض والرجوع إلى المتارف والملابس والمساكن التي ارتضوها مثابة لترفهم نوعا من التهكم عليهم، وكلا الاحتمالين ممكن الحصول، ويجوز أن يرادا معا، وقد قال الزمخشري في الكشاف في تصوير معنى الرجوع إلى مساكنهم، وفي تصوير قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ) ما نصه: " لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ: تهكم (على التخريج الأول) وتوبيخ، أي ارجعوا إلى نعيمكم ومساكنكم لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ غدا عما جرى عليكم ونزل بأموالكم ومساكنكم فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة، أو: ارجعوا واجلسوا كما كنتم في مجلسكم وتزينوا في مزاينكم حتى يسألكم عبيدكم وحشمكم ومن تملكون أمره وينفذ فيه أمركم ونهيكم، ويقول لكم: بم تأمرون؟ وبماذا ترسمون؟ وكيف تأتي وتذر كعادة المنعمين المخدومين، أو يسألكم الناس في أنديتكم المعاونة في نوازل الخطوب، ويستشيرونكم في المهمات والعوارض، ويستشفون بتدابيركم، ويستضيئون بآرائكم ويسألكم الواردون عليكم، ويستمطرون سحائب أكفكم، ويمترون أخلاف معروفكم وأياديكم، إما لأنهم كانوا أسخياء ينفقون أموالهم رئاء الناس وطلب الثناء، أو كانوا بخلاء فقيل لهم ذلك تهكما إلى تهكم وتوبيخا إلى توبيخ ".
هذا تصوير جيد لحال المترفين الذين ينعمون بنعيم الدنيا والسلطان، ويكون معنى (تُسْأَلُونَ) على أن الكلام من الملائكة بأمر الله تعالى، فيكون قوله: (لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ) فيه توبيخ أبلغ توبيخ. وعلى نظرنا الذي نقول فيه أنهم هم الذين حدثوا أنفسهم بالنهي عن الركوض في هذا الهول، فيكون لقوله: (لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ) تصوير لما كانوا عليه من عز ورفاهية تجعلهم مقصودين بالسؤال فهم في حيرة بين الاستجابة لفزعهم بالفرار وبين حرصهم بالبقاء، ومهما تكن هذه الحيرة فهم يحسون بالمرارة الشديدة والهم الأكبر، ويحسون بأنهم كانوا ظالمين ولذا:
(قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤)
стр. 7100
نادوا نداء الحسرة، وأشد الحسرة تكون عند الإحساس بالباطل عندما يكون العقاب عليه ولا يكون مناص منه، ينادون (يَا وَيْلَنَا) أي يا هلاكنا الذي كتب علينا أقْبِل فهذا وقتك، ومعنى نداءهم بهلاكهم الذي استحقوه هو أنه شعور. باستحقاقهم له، وإضافة الويل إليهم؛ لأنهم سببه، وقد استحقوه، وقرروا ذلك بصريح اللفظ بقول: (إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ)، أكدوا ظلمهم بـ (إن) (المؤكدة، وبـ " كنا " لأنها تدل على استمرار طلبهم، ووصفوا أنفسهم بالظلم، وكان ظلمهم من نواح كثيرة، فهم كفروا برسالة النبيين وجحدوها وعاندوهم، وآذوا المؤمنين، وكفروا بأنعم الله ولم يقوموا بحق شكرها، وهذا ظلم بيّن، وأشركوا في عبادتهم، وإِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ، وعاثوا في الأرض فسادا، وأكلوا أموال الناس بالباطل وغير ذلك مما يجيء تباعا للكفر بالأنبياء.
وإنهم يستمرون على الشعور بالويل وندائه والإحساس بالظلم إلى الموت.
ولذا قال تعالى:
стр. 7101
(فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (١٥)
الإشارة في (تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ) إلى (يَا وَيْلَنَا)، وسميت تلك دعوى يَدْعونها؛ لأنها بصيغتها تفيد نداء ويلهم كأنهم يقولون يا ويلنا ندعوك، الإشارة كما ذكرنا إلى قولهم يا ويلنا، وهي دعوى لأنها طلب لهم، والدعوى تطلب على طلب أمر من الأمور، وأكثر ما تكون أمام القضاء، فهي المطلب الحق تزعمه صاحبه، ويعتقد أنه حق، وسمي طلبهم دعوى مع أنه أقرب إلى الدعاء غير أنهم لَا يطلبونه ضارعين مبتهلين حتى يسمى دعاء، لأنهم مشركون، إنما يطلبونه لأنه استحقاق لهم بحكم ما ارتكبوه من ظلم، وقوله تعالى: (فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ) " الفاء " فاء الإفصاح، و (مَا زَالَت) تدل على استمرار هذه الدعوى وبقائها، واستمرارها يدل على استمرار التحسر والتوجع والشعور بالهلاك، أي أنهم استمروا على الشعور بالتحسر والبكاء على ما كان، وأشد ما يؤلم العاتي الظالم شعوره بعتوه ولقاء معتبه، وقد صرح الله تعالى في قرآنه العظيم بالنهاية لذلك البكاء المرير بقوله تعالت كلماته: (حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِين) والحصيد فعيل بمعنى مفعول وهو الزرع المحصود المقطوع
стр. 7102
الذي جف عوده شيئا فشيئا حتى يصير حطاما لانقطاع سبب الحياة عنه، وهذا فيه تشبيه لحالهم بحال الزرع المحصود الملقى المقطوع عن أسباب الحياة، كما انقطعت أسباب الحياة عنهم، وهذا تصوير لحلال هلاكهم ونزول الويل الشديد بهم، وأكد حالهم بقوله تعالى: (خَامِدِينَ)، والوصفان كناية عن موتهم وهمودهم، وأصل الخمود من قولهم خمدت النار خمودا طفئ لهيبها، ومنه استعير خمدت الحمى، وكأن هناك تشبيها آخر بعد تشبيههم بالزرع المحصود، شبههم أيضا بالنار الذي أطفئ لهيبها، وفي ذلك إشارة إلى ما كانوا يشعلونه من إيذاء، وما يوقدون من حروب مفرقة تجمح فيها النفوس عن مواطن الاطمئنان، وليس هنا ثلاثة مفعولات لـ (جعلنا)، إنما هنا مفعولان فقط، و (خَامدِينَ) حال، وليست مفعولا ثالثا، وأضاف الفعل إليه بالصيغةَ التي تليق بعظمته (جَعَلْنَاهُمْ) إرهابا وإفزاعا، والإشارة بأن الذي يتولى هلاكهم هو الله ﷻ ، وتقدست ذاته وأفعاله.
* * *
الله خالق السماء والأرض وبه ثبت وجوده
(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠) أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ
стр. 7103
عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤)
* * *
اللعب هو الفعل الذي لَا مقصد له، ويقال لعب فلان إذا كان فعله، لَا مقصد له أو ما قصد به قصدا جديا له غاية تليق بالحكماء، وأصله كما قال الراغب في مفرداته من اللعاب وهو البزاق السائل الذي لَا يكون إلا ممن لَا يملك قوة مانعة منه، وغير العقلاء، والله منزه عن أن يفعل فعلا لغير مقصد صحيح، وإن كان لَا يسأل عما يفعل، ولذا قال تعالى:
стр. 7104
(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ)
(السَّمَاءَ) هي كما نعلم طبقات النجوم وأبراجها من شمس وقمر وكواكب ونجوم كل في مداراتها، تربط بينها نواميس الكون التي تسمى أحيانا بالجاذبية، والقصور الذاتي، (وَالأَرْضَ) هي التي نعيش على سطحها، وتشمل الماء الذي يقدر بثلاثة أرباعها، واليابس مما في ظاهرها من جبال هي رواسيها، ووهاد، وأرض مبسوطة، وفيها المزارع الكبيرة، وفي باطنها فلزات وأحجار، وما لَا يمكن زرعه ملأه الله تعالى بالخيرات في باطنه، من معادن سائلة وجامدة.
وفى البحار جواهر ولحم طري من الأسماك وغيرها من ساكنات الماء حتى كان ما فيها من عوالم الأحياء لَا يقل عما هو في اليابس من حيوان مُتَبَدٍّ ومستأنس.
(وَمَا بَيْنَهُمَا) هو الفضاء الذي سخر للإنسان، وفيه السحاب المثقل بالماء ينزل ليروي الحرث والغراس، ويقول سبحانه: (لاعِبِينَ) أي على غير مقصد صحيح نافع هاد ومرشد، فهو خلق هذا كله لحكم أرادها ومقاصد قصدها، وذكر اللعب لبيان نزاهة الله تعالى عن العبث، كما قال سبحانه: (أَفَحَسِبْتمْ أَنَّمَا
стр. 7105
خَلَقْنَاكمْ عَبَثًا. . .)، ولأن ما ليس له مقصد نافع صحيح يعد لعبا، والعقلاء بعيدون عنه، فالله ﷻ منزه عنه بالأولى، ولقد صرح بأنه خلق هذه الأمور لمعرفة الإنسان، وتعريفه بطبائع الوجود وليعرف منها خالقه، وكماله، ونزاهته عن أن يكون كالحوادث؛ إذ هو خالقهم؛ ولذا قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا. . .)، وقال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، وقد بين هذا المعنى بقوله تعالت كلماته:
стр. 7106
(لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧)
(لَوْ) كما يقول النحويون حرف امتناع لامتناع أي امتنع الشرط لامتناع الجواب فهو نفي بدليل، إذ يتضمن شرطها وجوابها بيان امتناع الجواب وامتناع الشرط بتلازم الامتناع فيهما، واللهو ما يشغل عما يعنى به ويهتم له، وهو يعم كل ما يلهي عن الغايات والمطالب، وهو يطلق على الأسباب التي تلهي الإنسان عن الغايات العليا، كالزخارف والطنافس، والسُّقُف المرفوعة المزخرفة، والأثاث والرئْي وغير ذلك مما يعني به أهل الدنيا والسلاطين الذين في لهوهم يعبثون ويلعبون.
ويقول سبحانه: (لَهْوًا) أي ما يلهينا، وذلك مستحيل، لأن الله ﷻ لا يفعل إلا ما هو كمال، أو يؤدي إلى الكمال وكله خير، وهو معلم الخير، وجواب الشرط (لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا) أي لكان ذلك صادرا عن ذاتنا العليا وصفات الكمال، واللهو لَا يمكن أن يصدر عن ذاتنا المتصفة بكل كمال، والمنزهة عن صغائر الخصال، فكيف يصدر عنا، و (لَدُنَّا) بمعنى " عندنا " ولكنها أخص من " عند "؛ لأنها تدل على الابتداء لنهاية، أي أن اللعب من لدنا مبتدئ، وذلك لَا يسوغ ولا يجوز.
وقال تعالى: (إِن كُنَّا فَاعلينَ) إن هذه الجملة شرطية وجواب الشرط محذوف دلت عليه الشرطية التي قبلها (لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخذَ لَهْوًا) وفي ذلك تكلف التقدير، ونحس أنه غير متسق مع النص الأول، وإني أرَى أن (إِن) نافية، وتكون تأكيدا للنفي الثابت بقوله: (لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَدُنَّا) ويكون: ما كنا فاعلين ذلك؛ لأنه لَا يليق بالذات الكريمة ولا يتصور أن يكون منها، والله أعلم.
стр. 7107
وقد بين القصد الأسمى من خلق السماوات والأرض.
стр. 7108
(بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨)
(بَلْ) للإضراب النافي لما قبله، لَا مجرد الإضراب الانتقالي، والقذف الرمي من بعيد، والرمي من بعيد يكون مؤثرا في المرمى عليه أكثر من القريب، ويكون أدل على شدة الرمي، و " بل " التي للإضراب تدل أشد الدلالة على نفي اللعب عن أفعاله فوق النفي السابق، سبحانه وتعالى عما تتصف به الحوادث من لعب،، وتزجية الأوقات فهو القادر القهار الذي خلق كل شيء.
وفى قوله تعالى: (نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ) تشبيه للحق بالجسم الصلب القوي الشديد، والباطل أمامه بأنه هش ضعيف، وذلك لبقاء الحق وسلامته وصلابته، و (فَيَدْمَغُهُ) معناه يصيبه في دماغه، ويقال: دمغه إذا أصابه في دماغه أو كسر دماغه، ووصل إلى تجاويف رأسه حتى يصيب مخه فيقتله، وفي ذلك أيضا تشبيه، فشبه إصابة الحق للباطل بإصابة الدماغ ووراء إصابة الدماغ الموت؛ ولذا قال تعالى: (فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ) و " الفاء " و " إذا " للمفاجأة، والمراد من المفاجأة سرعة الإبطال، و (زَاهِقٌ) معناها ميت، لأن زهق معناه خرجت روحه، وفى هذا الكلام أيضا تشبيه للباطل إذا زال وذهبت دولته بالنفس إذا خرجت ومات صاحبها، وفي ذلك إشارة إلى أن الباطل لَا يبقى، والحق باق إلى يوم الخلود، وما يرمونه من باطل فهو ميت فانٍ، وما يثبت من حق باق خالد.
وبعد أن قرر سبحانه ذلك مؤكدا خلق السماوات والأرض لإحقاق الحق وإبطال الباطل، التفت بالخطاب للمشركين، فقال عز من قائل منذرا لهم: (وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) أي لكم الهلاك الذي يصحبه أنين وألم يستمر (مِمَّا تَصِفُون) " ما " موصول حرفي، والمعنى من الوصف الذي تصفونه به، و " من " سببية أي بسبب الوصف الذي تصفونه وأن له شركاء يعبدون، وإنهم يكونون شفعاء عنده، وهذه أوصاف لَا تليق بالذات العلية، وهم يقولون باطلا: (. . . مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى. . .).
стр. 7109
(وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩)
هذا النص مؤيد لمعنى الآية السابقة، وأنه لَا أحد يشاركه في ملكه، فهو وحده المالك للسماوات والأرض، وما فيهما ومن فيهما، والعندية هي عندية المنزلة، لا عندية المكان، لأن الله تعالى ليس له مكان حتى يكون في هذا المكان أحد، إنما العندية هي العندية المعنوية، وهي المكان، وأولئك هم الملائكة، وهم أزواج مطهرة ليس لها مكان نعرفه وهم عباد مكرمون، لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ.
وذكر العندية كما يفيد ما ذكرنا من أنها عندية معنوية وقرب من الله تعالى، ويفيد أيضا تشريفهم ومكانتهم عنده، ومع هذه المكانة (لا يَسْتَكْبِرونَ عَنْ عِبَادَته)، أي أنهم خاضعون له تعالى خضوع العبودية له سبحانه؛ كما قال تعالى: (لَن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ. . .)، وإذا كان الملائكة لَا يستنكفون عن عبادته وهم المقربون فأولى بكم أيها الناس ثم أولى أن تكونوا له عابدين، وهم في عبادتهم مستمرون لَا يكلون ولا يضجرون، ولذا قال تعالى نافيا الكلام: (وَلا يَسْتَحْسِرُونَ) وهو افتعال من الحسر بمعنى انكشاف قواهم، وظهور مللهم، وكان النفي بصيغة الافتعال الدالة على قوة الكلال مع أن المقام يقتضي نفي أصله لَا نفي الكلال القوي منه، إذ إن نفي القوي من أمر لَا يقتضي نفس الضعيف منه، ولكن نقول كان نفي القوي للإشارة إلى أنهم في حال كلال قوي، وكان يمكن أن يكلوا، ومع ذلك استمروا دائبين في عبادتهم مع شدة التعب، ولكن لَا تعب في أمر ما داموا يرضون ربهم، وهنا يسأل سائل لماذا أفردوا بالذكر مع أنهم داخلون في ملكية الله تعالى، ولما ذكر أنهم عنده؟ ونقول في الجواب عن ذلك: أفردوا لتعظيمهم ولقربهم من الله تعالى، ولأن بعض الناس كان يقدسهم، بل يعبدهم، فكان ذكرهم فيه عبرة لمن يعبدون الله تعالى، وذكر أنهم عنده لما ذكرنا تشريفا لهم، وللإشارة إلى قربهم من الله كما هو الشأن في الملوك، وقال الملا أبو
стр. 7110
السعود، إنهم عند الله تعالى بمنزلة المقربين من الملوك، ولله تعالى المثل، الأعلى، وهو تقريب ليدركوا معاني القرآن. وقال تعالى في أوصاف الملائكة وأعمالهم: