Полный текст (8 373 стр.). Показаны 7281–7320 · переход к 7286.
стр. 7281
ثم ذكر سبحانه حال المشركين، في استعجالهم العذاب، بدل أن يعملوا للثواب، وبين أنه يملي لهم ثم يأخذ الآثم بإثمه، (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨).
وذكر بعد ذلك أن عمل الرسول ﷺ هو الإنذار، والناس بعد ذلك أشقياء أو سعداء (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١).
ثم بين سبحانه أن الأنبياء بشر كسائر البشر، ولكن اللَّه يعصمهم، فإذا وسوس الشيطان في صدورهم نسخ ما يلقى الشيطان: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)
وما يلقيه الشيطان لَا يكون فتنة للأنبياء، ولكل يكون فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد.
ثم أشار إلى أن القرآن من عند اللَّه يعلم أهل العلم أنه الحق من ربهم، وأما الذين كفروا فإنهم في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة، أو يأتيهم عذاب يوم عقيم، وإن الملك للَّه يوم القيامة هو الذي يحكم، فالذين كفروا لهم عذاب مهين، (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩) ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠).
ْثم بين سبحانه آياته في الليل والنهار، وهذا يدل على أن اللَّه هو الحق، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن اللَّه هو العلي الكبير.
بعد هذا بين نعمه في أنه ينزل المطر فتصبح الأرض مخضرة، وأنه (سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأمْرِهِ وَيُمْسِكُ
стр. 7282
السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥) وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (٦٦). وإن مناسك الناس مختلفة، ولكلِ أمة جعلنا منسكا فلا ينازعنك في الأمر، ويخاطب نبيه فيقول: (. . . وَادْعُ إِلَى ربِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ).
ولا تجادلهم بعد أن تبين لهم الحق، واللَّه يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون، وإن اللَّه تعالى لَا يخفى عليه شيء، (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠). ثم ذكر عبدة الأوثان وهم مشركو مكة، فقال: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢)، وقد ضرب اللَّه تعالى مثلا بالذباب. فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤).
ثم بين سبحانه أن خلق اللَّه تعالى بالنسبة له على سواء، ولكنه يصطفي من الملائكة رسلا يكونون لخلقه، واصطفى من الناس رسلا يكونون دعاة للحق، والإخبار عن اللَّه تعالى بينهم، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، وإليه ترجع الأمور، ثم أشار سبحانه أن رسالة محمد ﷺ امتداد لرسالة إبراهيم، فقال:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨).
* * *
стр. 7283
معاني السورة الكريمة
هول يوم القيامة وجدل الناس حولها
قال اللَّه تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)
* * *
ذكر اللَّه تعالى هول يوم البعث حيث تزلزل القلوب والأرض، فإذا زلزلت الأرض زلزالها اضطربت مع هذه الزلزلة القلوب والنفوس، وزاغت الأبصار واضطربت الأفئدة.
стр. 7284
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ).
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ)، النداء للناس أجمعين في عصر النبوة؛ عرب وعجم، أبيض وأسود وأحمر، الحاضرون في عصر النبي ﷺ ، ومن جاء بعدهم، فالخطاب لهم بناء على أن ما ثبت للحاضرين يثبت على المقبلين بقانون المساواة الذي يثبت تساوي الناس في التكليف، وإنه لَا يرفع الخطاب إلا عن من ليس أهلا للخطاب، (اتَّقُوا رَبَّكُمْ)، أي ادّرِعوا لباس التقوى، ولتمتلئ نفوسكم باتقاء عذاب اللَّه تعالى، وخشيته سبحانه، فخشية اللَّه درع المؤمن، ووقايته من النار،
стр. 7285
وقوله تعالى: (إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) الزلزلة الحركة الشديدة العنيفة وترديدها مرة بعد أخرى، وقيل: إنها تكرار لـ " زال "، أي أنها تتحرك بزوال ثم تعود، فتضطرب الأرض، كما قال تعالى: (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨).
و (زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ) من إضافة المصدر إلى ظرفه، أي الزلزلة التي تكون في يوم الساعة، وهو يوم القيامة، وعبر عن ذلك اليوم بالساعة؛ لأنه يكون ساعة شديدة خطيرة، لها ما بعدها من هول أعظم، وحساب وعقاب، وقد عبر اللَّه سبحانه عن هذه الزلزلة بقوله: (إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ)، أي أنها شديدة شدة لَا يُكتنه كنهها، ولا يعبر عنها إلا بأنها (شَيْءٌ عَظِيمٌ)، فالشيء اسم لكل شديد، أي أن الألفاظ تضيق عن معانيها، فلا يتسع لها لفظ إلا ما يكون لفظا عاما غير محدودة، لأن شدتها غير محدودة، ولا يحدها نطاق.
وقد صور اللَّه تعالى هول هذه الزلزلة، فقال عز من قائل:
стр. 7286
(يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)
صور اللَّه تعالى الفزع الذي ينال الناس عند رؤية هذه الزلزلة فقال: (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ)، تذهل أي تنسى وتغفل، والذهول شغل يورث حزنا ونسيانا، وقوله تعالى: (عَمَّا أَرْضَعَتْ)، " ما " إما أن تكون بمعنى " الذي "، ويكون المعنى تذهل ناسية طفلها الذي أرضعته، وغذته من لبنها الذي هو قطعة منها، وكأنها في هذا الحزن الداهم تنسى نفسها أو قطعة من ذاتها، ويصحح أن تكون " ما " مصدرية، والمعنى أنها تنسى إرضاعها فتنسى تغذيه من هو كشخصها، أو امتداد
стр. 7287
لشخصها، ويزكي هذا التخريج التعبير بالماضي، وكلا التخريجين يفيد أنها في حال هذا الفزع تنسى وتذهل عما لَا يمكن أن يُنسى أو يذهل عنه.
وإنه من هول هذا الموقف، وتلك الزلزلة (وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا)
من الرهبة والفزع، فالحبالى ينزل حملهن من الفزع قبل ميعاد وضعه، ووضعه على الرغم منها لفزعها، واضطرابها، وكأن هذه الزلزلة تزلزل الجسم، وتزلزل النفس، كما قال تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأسَاءُ وَالضرَّّاءُ وَزُلْزِلُوا. . .)، وقد صور اللَّه تعالى حالهم بعامة رجالا ونساء، مراضع وغير مراضع، حبالى وغير حبالى، فقال: (وَتَرى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى)، أي تراهم كالبكارى، (وَمَا هُم بِسُكَارَى) فكأن هنا استعارة مؤداها أن الناس لفرط ذهولهم، ونسيانهم لأنفسهم شبهوا بالسكارى، فهم في غفلة وذهاب رشد، وضياع وعي كالسكارى، وإن لم يكونوا في حقيقة أمرهم سكارى تناولوا مسكرا، كما تقول لشجاع قوي هو أسد وليس بأسد، أي أنه في شجاعة الأسد، كأنه هو هو، وإن كان رجلا عاقلا، ولعل ذلك يكون أبلغ في وصفه بالشجاعة.
(وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) الاستدراك هنا لنفي السُّكر عنهم، وإن كانوا كالسكارى، وبهذا الاستدراك بين سبحانه شدة عذابه الواقع عند الزلزلة، والمتوقع بعدها، وأنهم يستقبلون هولا أشد وقعا، وأعظم إيلاما، فهو ليس إفزاعا عقليا ونفسيا فقط، بل هو مع ذلك إيلام حسي بالنار كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب.
وإنه مع هذه الزلزلة التي تزلزل العقول والنفوس، هنا ناس في لهو عن توقع ذلك مع شدة النذير، وكثرة العبر:
стр. 7288
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣)
إنه في الوقت الذي ينذر رسول اللَّه محمد ﷺ بأخبار يوم القيامة الذي تكون فيه السماوات غير السماوات وتزلزل النفوس والعقول بزلزلة الأرض يكون
стр. 7289
ناس من المشركين يجادلون في ذات اللَّه تعالى ويقول سبحانه: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ)، ومجادلتهم في اللَّه مجادلة في ذات اللَّه تعالى من حيث قدرته على البعث، ومن حيث إرساله الرسل مبشرين ومنذرين، ومن حيث إن له شركاء في العبادة، فهو في لهو مستمر عن الحقائق ولا يتلقون الحقائق التي جاء بها محمد ﷺ بالجدل فيها وحولها من غير إذعان وتسليم، بل بعناد ولجاجة، والجدل في أمر من شأنه أن يذهب لب الحقيقة في وسط شد الجدل وجذبه، ويروى أن الآية نزلت في جدل بعض المشركين وهو النضر بن الحارث، وكان رجلا جَدِلا خَصما يقول: الملائكة بنات اللَّه والقرآن أساطير الأولين، ولا بعث بعد الموت،. . . وهكذا، وعلى أي حال فالآية الكريمة عامة، ونرى هذا الصنف من الناس في كل عصر، يمضغون الحقائق بجدل عقيم يثيرونه حولها، واختص هذا الصنف من الناس اليهود الذين اتبعهم الأوربيون والأمريكان وحذوا حذوهم؛ لأن ملهمهم واحد وهو الشيطان، فتشابهوا وتشاكلوا، لوحدة المصدر.
ومن يجادلون في ذات اللَّه على النحو الذي أشرنا إليه، كالذي جاء خبره عن النضر بن الحارث لَا يكون جدلهم قائما على علم علموه، أو رسالة بلغوها، ولكنه التقليد المجرد للمبطلين، ولذا قال تعالى: (بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ) الشيطان هنا عام يشمل شيطان الإنس من القادة والأمراء والرؤساء الضالين المضلين، ويشمل شياطين الجن الذين يوسوسون بالشر، ويزينونه، وقوله تعالى: (كُلَّ شَيْطَانٍ)، الكلية تدل على أنهم يتبعون المنحرف من الأفكار والأقوال، فيتبعون أحيانا شياطين الوجودية، وأحيانا شياطين الشيوعية ورئيسها اليهودي، وأحيانا شياطين التحلل من كل خلق كريم، و (مَّرِيدٍ) معناه المتجرد من كل معنى كريم، والعاري عن الفضائل، جاء في مفردات الأصفهاني ما نصه: " المارد والمريد من شياطين الجن والإنس المتعري من الخيرات في قولهم إذا تعرى عن الورق، ومنه قيل رملة مرد، إذا لم تنبت شيئا ".
стр. 7290
فـ " المريد " على هذا التفسير المتجرد من الخيرات، العاري عن كل فضيلة، ومن سيطر عليه شيطان مريد أفسد نفسه، وأرسله إلى جهنم؛ ولذا قال سبحانه عز من قائل:
стр. 7291
(كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)
الضمير في (عَلَيْهِ) يعود إلى الشخص الذي يجادل بغير علم؛ لأنه هو المتحدث عنه؛ ولأن الكتابة التي يقدرها اللَّه تعالى تكون على المكلفين، فالأنسب عود الضمير إلى المجادل بغير علم، ويكون معنى (تَولَّاهُ) جعل الولاية له على نفسه، واتبعه فيما يوسوس به شيطان الإنس من دعوة إلى الباطل والفجور، وفيما يوسوس شيطان الجن من إغراء بالشهوات والأمنيات الباطلة، أي فمن يجعله له وليا، ويتبعه، ويحسبه نصيرا له، (فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ)، أي يوقعه في الضلالة، (وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ)، أي يسلك معه الطريق إلى عذاب السعير، أي إلى جهنم وبئس المهاد.
ويجوز أن تجعل الضمير في (عَلَيهِ) يعود إلى الشيطان المريد، وكذلك الضمير في (تَوَلَّاهُ) يعود إليه، ويكون أن من يتولاه الشيطان ويسيطر عليه ويجعله تابعا له يضله، ويوصله إلى عذاب السعير، وفى الحالين التعبير بقوله تعالى: (وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ)، فيه تهكم، ومؤداه أن الرسل يهدون إلى الجنة، أما الذين يتبعون الشياطين، فإن إغراءهم يوصلهم إلى النار، وتلك هدايتهم إن صح أن تسمى هداية.
* * *
القدرة على الابتداء تدل على البعث
قال اللَّه تعالى:
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ
стр. 7292
مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)
* * *
النداء في قوله تعالى:
стр. 7293
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ) لكل الناس عامة، وللمشركين واليهود خاصة، فإن من اليهود طائفة الصدوقيين لَا يؤمنون بالبعث والنشور، ولا يفهمون من الحياة إلا الدنيا.
(إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ) تخفيف من اللَّه تعالى لحالهم، فليست حالهم حال ريب وشك، بل حالهم حال إنكار، فذكر اللَّه تعالى حال الإنكار، والدليل المبين في جواب الشرط يثبت للمرتاب والمنكر، وإن التعبير بالريب كما قلنا تخفيف من حال المشركين وغيرهم من المنكرين، وهو أيضا فيه تصوير للنفس التي لم تفطر على اليقين، ولا على الإنكار؛ لأنه مغيَّب لَا يُعلم، فقد يعتري النفس شك لأنه لَا يعلم إلا بالنقل، فيكون الخطاب موافقا لكثير من الفِطَر، إذا كان الخطاب يذكر حال الريب دون القطع بالإنكار، وهو فوق ذلك يدعو المنكرين إلى أن تكون حالهم حال ريب وتردد لَا حال قطع وإنكار، بل انتظار حتى يجيء
стр. 7294
الدليل من النقل القاطع، وجواب الشرط هو: (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ. . .) وهو دليل مشتق من الماضي الواقع المستمر الدائم يوما بعد يوم، وساعة بعد ساعة؛ لأن الناس يخلقون كل يوم بل كل ساعة، يخلقون من نطفة، ثم علقة، ثم مضغة. . . إلى آخر ما ذكر سبحانه.
(خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ) كان الخلق من تراب مرتين: أولاهما في أصل الخلق والتكوين فخلق آدم أبا الخليقة من تراب، وقد ذكر سبحانه قصة ذلك الخلق وذلك التكوين، والمرة الثانية أن ذلك متجدد مستمر، فالأب والأم يأكلان مما تنبته الأرض من نبات، وثمرات مختلف ألوانها، ومن حيوان يرعى فيها، وما ينتجه طينها من نبات، فذلك من الأرض بتحويل عناصرها إلى نبات، وأشجار وتوليد الثمار من الأشجار، ثم تحول العناصر المختلفة إلى نطفة، وفي كل الأحوال يكوِّن سبحانه شيئا من شيء فهل يعجز عن تحويل الرميم إلى حي.
(ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ) وهي ماء الرجل يلتقي بخلية المرأة التي ينفثها رحمها في حال الحيض، وسمى النطفة، لأنه ينطفه أي يقطر منه وقد سماه سبحانه ماء دافقا، كما في قوله تعالى: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)، (ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ)، أي أن النطفة صارت علقة، وهي قطعة لحم طرية ثم تجمدت، وصارت مبتدأ لخلق آخر، وهو مضغة؛ ولذا قال عز من قائل: (ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ)، أي انتهت العلقة إلى مضغة، وصارت هذه ابتداء خلق آخر، (مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَة)، أي مصورة مميزة الأجزاء بالخلق والتكوين، وليست قطعة لحم فقط، بل صارت ذات شكل مميز يشير إلى أجزاء بعد كمال تكوينها، ولا تكون مخلقة قبل هذا التخليق وبيان الأعضاء، ولعل المخلقة هي التي تكون عظاما غير مكسوة بلحم أو مكسوة.
ونحسب غير المخلقة هي التي تكون مضغة لم تتكون عظامها؛ ولذا لم تذكر هنا حال كونها صارت عظاما، كما ذكر سبحانه في سورة " المؤمنون "، حيث قال
стр. 7295
تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)، هذه أدوار خلق الإنسان في بطن أمه، وما كان لأحد علم بهذه الأدوار التكوينية، حتى جاء العلم من بعد ببيانها، وعلم اللَّه الذي جاء في القرآن الحكيم فوق كل علم؛ لأنه العالم الخبير المنشئ الخالق، كما قال تعالى: (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ).
ولقد قال تعالى: (لِنُبَيِّنَ لَكُمْ)، " اللام " لام التعليل إذا كانت متعلقة بـ " ذكرنا " محذوفة، أي ذكرنا ذلك (لِنُبَيِّنَ لَكُمْ)، أي نعلمكم بالخلق والتكوين، وتكون اللام النافية إذا كانت اللام متعلقة بقوله: (خَلَقْنَاكُم)، أي خلقنا الإنسان) ذلك الخلق ليكون المآل والعاقبة أن يتبين لكم، وأن تعلموا بهذا الخلق والتكوين أمرين:
الأمر الأول - عجائب صنع اللَّه تعالى في خلق الكون والإنسان، كما أشار إلى ذلك بقوله جل وعز: (وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ)، وإن الله وحده هو الذي يخلق الأشياء من عدم، ثم يتولى هو تحويلها من حال إلى حال، حتى استوى الإنسان خلقا سويا.
الأمر الثاني - أن الذي حول التراب إلى كائنات حية، وتوالدت بخَلْقِه الأحياء أليس بقادر على أن يحيي الموتى.
(وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ) " الواو " كما يقول المفسرون واو الاستئناف، وإني أرى أن الواو واو الحال، أي أنه والحال أننا نضع على سبيل القرار في الأرحام ما نشاء، من نطفة وعلقة ومضغة مخلَّقة وغير مخلَّقة، فإنها في الأرحام تتحول من نطفة إلى علقة، فمضغة مخلقة بالعظام وغير مخلقة، وتكسى العظام باللحم، وإن قوله تعالى: (مَا نَشَاءُ)، أي الذي نشاؤه في أدواره المختلفة، فهو
стр. 7296
بوضعه بمشيئة اللَّه تعالى وإرادته، لَا بما يسمونه بالتفاعل من غير إرادة الفاعل المختار الوهاب، وإن وضعها إلى أجل مسمى هو مدة الحمل التي لَا يقدرها إلا اللَّه تعالى.
(ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا)، أي يخرج كل واحد منكم طفلا لَا يقوى على الحياة وحده؛ لأنه يكون ضعيفا كما قال اللَّه تعالى: (. . . وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا)، وأطول مدة لحاجة المولود إلى أبويه من الحيوان هو الإنسان، وفيها يحتاج إلى الرضاعة والحضانة، حتى يستوي شابا يبلغ أشده، وتكمل قواه، هذا قوله تعالى: (ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكمْ)، ثم عاطفة لتبلغوا أشدكم على فعل محذوف، هو في معنى جزء العلة، وتقديره مأخوذ من الكلام السابق، والمعنى يخرجكم طفلا لتتربوا وتكبروا شيئا فشيئا وتكَلأُون برعاية آبائكم وأمهاتكم، (ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ)، وكان العطف بـ " ثم "؛ لأن مدة الطفولة، تطول ولا تقصر، فالتراخي ثابت بالزمان، وبالبعد بين الطفولة والرجولة و " أشُدّ " يقول البيضاوي إنها جمع شدة، كأنْعُم جمع نِعمة، والشدة هنا القوة المستمكَنة التي تعتمد على ذاتها ويكون لها كيان مستقل عن أبويه، ومنكم من يتوفاه اللَّه تعالى في قوته وشبابه أو كهولته حتف أنفه أو قتلا في جهاد أو اعتداء: (وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ) ولم يقل يبلغ أرذل العمر؛ لأن بلوغ أرذل العمر ليس بلوغ غاية تُتَغيَّا وصالحة في ذاتها، وعبر بقوله: (يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ)؛ لأنه رجعة إلى الوراء، وعودة إلى الضعف في جسمه فَيَهِن العظم، ويتقوَّس الظهر، ويضعف العقل، ويضل الفكر، وينسى بعد أن كان يعلم؛ ولذا قال (لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا)، أي أن ما علمه ينساه، فما كان من علم يذهب وما كان عنده من تدبير وقدرة على العمل، ووزن للأمور، وسماه تعالى: (أَرْذَلِ الْعُمُرِ)، أي العمر المرذول الذي يكون عبئا على صاحبه.
وقد ذكر سبحانه بعد هذا الدليل الملزم المبين قدرة اللَّه تعالى ذكر دليلا آخر، وهو في المطر والنبات كما كان الأول في الإنسان، وإذا كان في الأول نعمة الإيجاد، ففي الثاني نعمة الإرث.
стр. 7297
(وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ).
تصوير لتغيير اللَّه تعالى الأحياء أو مواضعها من حال إلى حال والخطاب في قوله تعالى: (وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً) لكل من هو أهل للخطاب؛ لأنه استدلال للجميع على قدرة اللَّه تعالى في الأشياء من حال إلى حال، وأنه يخرج الحي من الميت، (وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً)، أي جف نباتها وذبل ما فيها ومات، وصارت كالأرض الميتة لَا حياة فيها ولا نبات ولا ماء، والهمود واضح أنه يعتري النبات، ووصفت به الأرض؛ لأنه محل هموده، ومحل حياته، فهو من إطلاق اسم الشيء وإرادة محله.
(فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ) من السماء أو الأنهار أو العيون، وسمي إنزالا؛ لأن أكثر الماء الذي يكون غيثا من السماء وماء الأنهار من الغيث، وماء العيون من ماء الأنهار الدفين في الأرض، فالأصل هو الإنزال، فيصح أن يطلق على ماء السماء، وماء الأنهار والمياه الجوفية العذبة.
والضمير في (عَلَيْهَا) يعود إلى الأرض، و (اهْتَزَّتْ)، أي اهتز نباتها الأخضر، فيميل يمينا وشمالا بالرياح التي تميله، والاهتزاز للنبات لَا للأرض، ولكن أطلقت الأرض وأريد نباتها لأنها محله؛ ولأن الاهتزاز يراه الرائي في اهتزاز النبات، وهو منبسط بلون سندسي، فيرى كأن الأرض هي التي تهتز لَا النبات، (وَرَبَتْ): أي نمت وعلت، والنمو والعلو للنبات، وهذا مجاز على النحو الذي ذكرناه، والعلو وصفت به الأرض؛ لأن الرائي يراه، كأن الأرض هي التي تعلو، وقال تعالى في إنبات الأرض: (وَأَنْبَتَتْ مِن كُل زَوْج بَهِيج)، أي حسن المظهر، يظهر في الأرض كأن يد راسم رسمته وزخرفته، و (زَوْج) المراد به الألوان المتقابلة من أبيض وأزرق، وأحمر وأصفر، فتبارك اللَّه الخلاق العليم.
стр. 7298
هذا هو الدليل الثاني، وهو محسوس في أنه أحيا الأرض بعد موتها، وأنبت فيها ما فيه قوت الأحياء، وفيها من المناظر، وقد حول اللَّه تعالى بهذا الماء، نباتا فيه غذاء الإنسان والحيوان، أفلا يستطيع إعادة الحياة إلى الإنسان كما بدأ.
بعد ذلك أخذ اللَّه سبحانه النتيجة من هذين الدليلين اللذين ينبهان العقول التي تدرك، وتلهمهم بالدليل المزيل لريبهم، إن كانوا يرتابون، ويفحمهم بالدليل القاطع إن كانوا ينكرون.
стр. 7299
(ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)
(ذَلِكَ) الإشارة إلى تحويل كون الإنسان من تراب إلى نطفة، ثم إلى مضغة مخلقة وغير مخلقة، ثم قراره في الرحم حتى يستكمل نموه في الدور الأول في بطن أمه، ثم يخرج طفلا في الوجود، ثم يبلغ أشده، وإنزال الماء والنبات، كل ذلك بسبب أن اللَّه هو الحق، فـ " الباء " للسببية (الْحَقُّ)، أي الثابت في ذاته المطلق في الوجود كله، فهو الموجود واجب الوجود، وكل موجود يستمد وجوده منه، وهو يخلق الأشياء ابتداء ويخلق بعضها من بعضها، فلا غرابة أن يخلق من الرميم حيا، ولو كانت في تكوين حجارة أو حديد، أو ما هو أقوى صلابة من هذين، (وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى)؛ لأنه خلقها ابتداء فإعادتها أسهل عليه، كما قال تعالى: (. . . كمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ)، ثم ذكر قدرته بـ " أنَّ " المؤكدة، وذكر لفظ الجلالة الذي يشتمل على الوصف كماله، والتنزيه من كل نقص، وأكده بتقديم الجار والمجرور (عَلَى كل شَيْءٍ) على (قَدِير)؛ لأن ذلك يدل على عظيم اهتمامه بخلقه.
وقد قدر سبحانه ما هو قاطع، وهو لب الإيمان، فقال عز من قائل:
стр. 7300
(وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)
الواو عاطفة على (بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ)، وهي تتضمن القصر، أي اللَّه وحده هو الحق، ولا حق غيره سبحانه، فعطف على ذلك (وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ
стр. 7301
فِيهَا)، أي أنه كما أن اللَّه وحده له الوجود، وأنه المعبود وحده، فكذلك الساعة آتية لَا ريب فيها فلا يلتفت إلى ريب الذين يرتابون فيها، وإذا كان من الناس من يرتابون، فالأدلة قائمة مثبتة موجبة مزيلة للريب كاشفة للحق، ثم قال تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ)، ولو تبددت أشلاؤهم، وتقطعت أوصالهم، وتداخلت في أجسام، فاللَّه على كل شيء قدير.
* * *
الجاحدون ومرضى القلوب والمنافقون
قال اللَّه تعالى:
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٩) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٠) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١) يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣)
* * *
هذه السورة مدنية، وفي المدينة التقى النبي ﷺ باليهود، وغيرهم من أهل الكتاب، ولم يكن الجدل بين النبي ﷺ لذلك تشعبت المناقشة حول اللَّه تعالى إلى شعب شتى فوق الجدل في عبادة الأوثان والإشراك باللَّه ، فكان الجدل حول ما أشاعه العرب من عبادة، وحول إرسال الرسل من غير بني
стр. 7302
إسرائيل، ومقام الشريعة التي جاء بها محمد ﷺ من الشرائع السابقة، وخصوصا شريعة التوراة بعد أن حرف الكلم عن مواضعه، وقد قال تعالى:
стр. 7303
(وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ).
المجادلة في اللَّه تعالى هي المجادلة في ذاته وصفاته وقدرته وعلمه ووحدانيته، وكل مجادلة حول شركاء له مجادلة في ذات اللَّه، وقوله تعالى: (بِغَيْرِ عِلْمٍ)، أي بغير علم يثبت بالضرورة، منكرًا كل أمر تهدي إليه الفطرة، ومتجاهلا الحقائق الثابتة بأن يتجاهل أن الأوثان لَا تضر ولا تنفع، ومنكر البدهيات، فمعنى (بِغَيْرِ عِلْمٍ) بجهالة، (وَلا هُدًى)، ولا دليل يهدي إلى الحق ويبينه، ويسدد المدارك إلى الحق، (وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ)، أي ولا كتاب منقول غير الحق، ويوضح السبيل إليه، ومعنى ذلك أنهم حائرون بائرون، لَا يأخذون بعلم ضروري، ولا بعلم يأتي بالنظر والبرهان، ولا بمنقول من كتاب منزل منير، ويهدي إلى سواء السبيل.
والآية السابقة، (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ) مع هذه الآية ليستا واردتين على مورد واحد، فالآية السابقة واردة على الذين يتبعون كل شيطان متمرد من شياطين الإنس ويقلدونه ويسيرون وراءه سير التابع وراء المتبوع، وهذه الآية التي نتكلم في معانيها السامية واردة في الذين يقولون مستقلين غير تابعين لمارد ولا ذي سلطان، ولكنهم لَا يتبعون علما ضروريا، ولا علما نظريا، ولا علما منقولا عن معصوم ينسب كلامه إلى رب العالمين.
وهذا من شأنه أن يعرض عن الحق، ويضل غيره؛ ولذا قال سبحانه؛
стр. 7304
(ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٩)
(العِطْف) هو الجانب، و (ثَانِيَ) اسم فاعل من ثنى يثني، أي لواه مستكبرا أو معرضا، أو هما معًا، أي مع أنه يجادل في اللَّه بغير أي نوع من العلم، بل
стр. 7305
بجهالة جهلاء، مع ذلك يلوى عنقه مستكبرا معرضا، مفاخرا بما هو عليه، كما قال تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥)، وكما قال تعالى: (وِإذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا. . .).
وإنهم بهذا التفاخر بالباطل والكبرياء والاستعلاء يضلون غيرهم لضعفهم، ولذا قال تعالى: (لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ)، أي ليضل غيره عن طريق الحق، فاستعلاء الباطل يغري باتباعه، وإذلال أهل الحق يغري بتركه إلا من ربط اللَّه تعالى على قلبه.
وقد ذكر اللَّه تعالى عند مغالبة الحق والباطل، فقال عز من قائل: (لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ)، يجعل كلمة الحق هي العليا، وكلمة الباطل هي السفلى، كما كان الخزي في بدر، والأحزاب، وغيرهما، وذلك لَا يعفيهم من عذاب الآخرة (وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ) هو وضعه في جهنم المحرقة نارها، وعبر بـ (نُذِيفهُ)، لأن الإلقاء في الجحيم من غير أن يذوق حريق النار، ويلهب إحساسه بها - لَا يدرك معه حقيقة العذاب، لأن العذاب في ذات الإحساس بالنار.
стр. 7306
(ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٠)
الإشارة في (ذَلِكَ) للعذاب و " الباء " للسببية، أي بسبب ما قدمت يداك، والمراد بما قدمت أنت، وعبر عن الذات باليد، من قبل التعبير عن الكل باسم الجزء، وهو من المجاز المرسل، إذا كان لذلك مزيد اختصاص فيما يساق له القول كما يعبر عن الجاسوس بالعين، وهنا كذلك عبر عن الذات باليد التي يكون بها الاعتداء بالبطش وسفك الدماء أو الاغتصاب والإيذاء.
و (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ) فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، أي يقال له ذلك الذي نزل بك متكافئ مع ما قدمت يداك فما كان اللَّه ظالما، ولكن أنت الظالم، ولذا قال تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ للْعَبِيدِ)، وأن معطوف على (بِمَا
стр. 7307
قَدَّمَتْ يَدَاكَ)، أي بسبب ما قدمت يداك، وبسبب أن اللَّه ليس بظلام للعبيد، و (بِظَلَّامٍ) صيغة المبالغة من الظلم، للإشارة إلى أن اللَّه تعالى لَا يعاقب إلا بذنب، وإنه لو عاقب من غير ذنب - معاذ اللَّه - لكان ظلاما وهو ليس بظلام، إذ يؤاخذ كل نفس بما كسبت، وإنه قد يعفو عن ظالم لخير فَعَلَه؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات؛ ولأنه غفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا، ولكن لَا يمكن أن يكون ظالما.
стр. 7308
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)
هذا صنف من الناس لَا يدخل الإيمان قلبه إلى درجة الصبر على البلاء في إيمانه، بل يكون إسلامه بظاهر، وهو كأُولئك الأعراب، الذين قالوا: آمنا، وأمرهم اللَّه تعالى أن يقولوا: أسلمنا، ولما يدخل الإيمان بعد في قلوبهم، هؤلاء هم الذين قال الله تعالى فيهم: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ).
" الحرف " هنا هو الطرف، أي يعبد اللَّه على طرف من الدين، كالذي يكون على طرف من الجيش يقر فيه إذا أحس بالنصر ليأخذ من الغنيمة، وإن أحسَّ بالهزيمة فرَّ لكيلا يناله القتل وآثار الهزيمة، وقال سبحانه: (يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرفٍ)، أي على طرف الإيمان، فلا يعبده عبادة من امتلأ قلبه بالإيمان، وذاق بشاشته، وأحس باطمئنان نفس، واستقامة اعتقاد، وهذا تصوير لضعفاء الإيمان الذين اضطرب اعتقادهم، فكأنهم يكونون على حرف مع الإيمان وهو أقرب إلى الكفر، فطرف الشيء هو الأقرب إلى ما يجافيه، وقد قالوا: إنها نزلت في بعض الأعراب الذين قدموا المدينة وكان بعضهم إذا صح بدنه، ونتج إبله وولدت امرأته وكسب مالا وماشية، قال ما أصبت من هذا الدين إلا خيرا واطمأن، وإن أصابه شر قال ما أصبت وانقلب، وروي عن ابن عباس أنه قال: كان ناس من الأعراب يأتون النبي ﷺ فيسلمون، فإذا رجعوا إلى بلادهم فإن وجدوا عام غيث، وعام ولاد حسن قالوا: إن ديننا هذا لصالح فتمسكوا به، وإن وجدوه عام جدوبة وعام ولاد سوء وعام قحط قالوا: ما في ديننا هذا خير، ويصدق على هؤلاء قوله
стр. 7309
تعالى: (الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ. . .)، وهؤلاء وأشباههم من ضعاف الإيمان هم الذين قال اللَّه
تعالى فيهم: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ)، أي أصابهم أمر يسرهم، وهو خير اطمأنوا وسكنوا، (وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ)، أي شديدة فيها ابتلاء لإيمانه واختبار لنفسه وترف لقوة إيمانه، انقلب على وجهه، أي ارتد بعد إسلام، وكفر بما أعلن الإيمان، وإن كان على طرف، وعبر سبحانه عن ردته بقوله: (انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ) وهذا التعبير فيه تشبيه حال المرتد عن دينه بحال من انقلب فوق وجهه فصار رأسه في أسفله، ورجلاه في أعلاه أي تصويره بصورة شوهاء، شاه منظرها، وقبحت حقيقتها.
وإن من يكون كذلك خسر الدنيا بما أصابه من فتنة لم يعتبر بها في دينه، وكانت شرا عليه في دنياه، إذا لم يستفد بها في دينه، وخسر الآخرة، لأنه يموت كافرا، وذلك الأمر الذي آل إليه هو الخسران المبين الواضح.
وقد وصف اللَّه تعالى من تكون هذه حاله بأنه كعبدة الأوثان على سواء.
стр. 7310
(يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢)
أي أن هذا الذي انقلب على وجهه وتشاءم بالإسلام يعود مرتدا إلى من لا يضر وما لَا ينفع، فإذا كان لم يعجبه دين اللَّه تعالى وتشاءم إذا أصابته فتنة يختبر بها إيمانه وتسليمه الأمور إلى اللَّه تعالى خالق كل شيء الذي ينفع ويضر، فقد رجا ما لَا يضر وما لَا ينفع، لقد ترك دعاء اللَّه تعالى وحاد إلى دعاء ما لَا يضر وما لَا ينفع، و (دُونِ اللَّهِ) معناها غير اللَّه، (مَا لَا يَضُرُّهُ)، أي الذي لَا يضر، أي ليس سبب فيه التشاؤم الذي بغض إليكم دين الحق لأنكم فتنتم فيه ليختبر مقدار تسليمكم للَّه، وقد زعمتم أنه لَا يضر إيمانكم به، فهو أيضا لَا ينفعكم؛ ولذا كرر اسم الموصول، أي يدعون ما لَا يضر، وهو أيضا ما لَا ينفع، فالإسلام دين اللَّه الذي يضر وينفع أما غيره فدين ما لَا يضر وما لَا ينفع.
стр. 7311
وإنكم إذ خرجتم من دينكم، فقد خرجتم من الهدى إلى الضلال؛ ولذا قال عز من قائل: (ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ)، أي ذلك الذي كان منكم، وهو أنكم تريدون الأقدار على ما تحبون، وتسير على ما تشتهون هو الضلال البعيد، أي الذي تبتدئون السير فيه حاسبين أنه هداية، وكلما أوغلتم بعدتم عنها بعدا طويلا، وبذلك تمعنون في الضلال والتيه إمعانا.
стр. 7312
(يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣)
في الآية السابقة ذكر سبحانه أنهم يدعون ما لَا يضرهم، وما لَا ينفعهم، وقلنا: إنه كان لَا يضرهم فهو لَا ينفعهم، وأن الموصوف واحد، ولكن خطر على عقلي بعد كتابة ما تقدم أنهما واردان على موصوفين أولهما لَا يضر، وثانيهما لا ينفع كما يدل تكرار الموصول، وهذا ضلال، ويناسب ما ذكر من بعد أنه الضلال البعيد الموغل في طريق الضلال، والمعنيان بين يدي القارئ يتخير أحدهما، والقرآن حمَّال معان كلها بيِّن لَا إيهام فيه قط.
وفى هذه الآية التي نتكلم في معناها، نجدها تشير إلى أن الذي يدعوه من العقلاء، بدليل التعبير بـ (مَنْ) في قوله: (لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَفْعِهِ)، ويكون الدعوة بمعنى الالتجاء والاستغاثة، أو الموالاة والنصرة، والاعتماد عليه، و (اللام) في قوله تعالى: (لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ)، تفيد التوكيد، سواء أكانت للتعليق أو للابتداء، فتلك تخريجات نحوية لَا تمنع ما تدل عليه من توكيد المعاني و " مَنْ " كما أشرنا تفيد أن من يدعونه من العقلاء، وليس معبودًا من الأوثان والجمادات، وأن الدعوة للنصرة والموالاة، والمعاونة على الباطل، وكان ضره أكبر من نفعه؛ لأن الاعتماد عليه فيه ضرر عقلي ونفسي؛ لأنه يعتمد على غير اللَّه، والاعتماد على غير الله تعالى رقٌّ لهذا المخلوق يحد من الحرية، ويمنع الانطلاق إلى العمل الصالح؛ ولأنه ضعيف مثله، لَا ينتصر له، ولأنه يجره إلى الشر، فيكون التعاون بينهما قائما على الإثم والعدوان، ولأن الاعتماد عليه اعتماد على شفير هارٍ ينهار به في نار جهنم.
стр. 7313
(لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ) " اللام " واقعة في جواب قسم محذوف، فهي تؤكد الحكم، وتثبته، و " بئس " من الأفعال الجامدة التي تدل على الذم، وهي في مقابل " نِعْم " التي تدل على المدح، و (الْمَوْلَى) النصير الموالي الذي يعتمد عليه من يدعوه، ويندبه للنائبات، ويرجو موالاته في الملمات، و (الْعَشِير) الصاحب الذي يعاشره، فيجره إلى الضلال، والصاحب الذي يوادّه، ويتعاون معه على غير الخير، بدليل ذمه، إذ لَا يذم من يتعاون على الخير، واللَّه وحده هو المستعان في الشدائد المغيث في الضراء، المحمود في السراء.
وخلاصة القول في معنى هذه الآية الكريمة: أن موضوعها ليس دعوة الأوثان والأحجار، إنما موضوعها الاستنصار بالأشخاص، والاعتماد على أهل الباطل في الولاء، والذين يعاشرونهم.
* * *
جزاء المتقين والفصل بين الناس
قال اللَّه تعالى:
(إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (١٤) مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (١٥) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)
* * *
стр. 7314
أشار إلى أصناف الناس في ضلالهم، فمنهم من يجادل في اللَّه مقلدا شيطانا مريدا من شياطين الإنس، ومنهم من يجادل في اللَّه غير متبع لغيره، ولكنه يتبع الهوى فلا يفكر بعلم ضروري أو نظري، أو نقل من كتاب منير، ومنهم من يعبد اللَّه على طرف يرجو خير الدنيا فقط، وينقلب على وجهه إذا أصابه ما يُختبر به ليتبين مقدار إيمانه بقضاء اللَّه وقدره، وإنه سبحانه هو المتصرِّف كما يريد هو لَا كما يريد ذوو الأهواء ومنهم من يدعو ما لَا يضر وما لا ينفع، ومنهم من يستنصرون بالموالي والعشراء، ويحسبون فيهم القوة والنصرة، وكل أولئك في النار.
بعد ذلك بين سبحانه جزاء أهل الإيمان الصادق، فقال:
стр. 7315
(إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (١٤) .
هذا جزاء المؤمنين الأبرار الذين آمنوا فطهروا قلوبهم وعقولهم من رجس الوثنية، وأزالوا ضلال الناس في أنفسهم، وفي الاعتماد على غير اللَّه تعالى، (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، أي عملوا كل ما فيه خير للناس، وخير لأنفسهم، وسلامة اعتقادهم وطاعتهم في عبادتهم، وإن اللَّه تعالى يسكنهم جنات فيها نعيم دائم مقيم، يلتقي فيها نعيم الجسم بسرور النفس، فالإقامة دائمة في ريحان الجنة، والأنهار تجري من تحت الأشجار فيكون متعة النظر، وراحة البصر، وإن هذه إرادة اللَّه تعالى، وقد أكد سبحانه هذه الإرادة، بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) أكد أنه سبحانه فاعل مختار لَا تصدر عنه الأشياء صدور العِلَّة عن معلولها، ولا السبب عن سببه، كما ضل الفلاسفة وغيرهم ممن اتبعهم، وقد أكد سبحانه القول بتأكيدات ثلاثة، أولها: " إنَّ "، وثانيها: لفظ الجلالة الذي يتضمن الوصف بكل كمال، وثالثها: التعبير بالمضارع الذي يدل على أنه سبحانه فعل ما أراد، ويفعل دائما ما يريد.
стр. 7316
وإنه الفعَّال لما يريد، إن أراد أمرا قال له كن فيكون، ولا يريد شرا أبدا، وإن نزل بأحد ما يسوؤه فلن يستطيع أحد أن يغيره، وإن نال أحد نفعه فلن يمنعه أحد، وإن أراد نصرة من غيره فلن تكون إلا بإرادة اللَّه؛ ولذا قال عز من قائل:
стр. 7317
(مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (١٥)
هذه الآية لبطلان وهم من يتوهم أن اللَّه تعالى لن ينصره إذا طلب النصرة العادلة منه، واعتمد على غيره، وذلك رد على من يوالي العباد من الموالي والعشراء في النصرة، فاللَّه وحده هو نعم المولى ونعم النصير، وبئس من يطلب نصرا من غيره وإنه ناصر نبيه في الدنيا والآخرة.
والضمير في (يَنصُرَهُ) في قوله تعالى: (مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ) يعود إلى النبي ﷺ وإن كان لم يجر ذكره في الآيات قبله، أو في الآية السابقة، فإنه حاضر في نفس القارئ للقرآن، وفي قلب كل مؤمن فهو حاضر دائما، وإن محمدًا بعد الهجرة قد قامت حروب بينه وبين المشركين، وبينه وبين اليهود، واللَّه ناصره دائما، ولم يهزم في موقعة، وإذا كان قد أصيب بجراح وقتل من قتل في أُحُد فهو لم يهزم ولم يندحر فيها، وكان ذلك يغيظ الكافرين وخصوصا اليهود الذين كانوا يجاورونه في المدينة، ويذهب بهم في طغيانهم إلى أن يتمنوا ألا ينصره اللَّه تعالى، كما يتمنى الحاسد الحقود، وقد بين سبحانه في هذه الآية أن من المستحيل ألا ينصره اللَّه وليموتوا بغيظهم؛ ولذا قال: (مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُره اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ) من كان يظن مستمرا في ظنه الذي لا يصدُق، والاستمرار في هذا الظن هو من التعبير بـ (كَانَ)، و " أنْ " مخففة من الثقيلة، واسمها الحال والشأن، أي من يظن أن الحال والشأن أن لن ينصر اللَّه محمدا، وذلك مستحيل، فليمدد بسبب إلى السماء، والسبب: الحبل الذي يصعد به على النخل، والسماء. روي عن ابن عباس أنه قال: إنه سقف البيت، أي
стр. 7318
ليمدد الحبل إلى سقف البيت، فإذا وصل وهو متصل به، مربوط في عنقه، ثم ليقطع ذلك الحبل، فيختنق اختناقا، قيد هذا الاختناق بذلك الحبل، (فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ)، والاستفهام بمعنى النفي؛ ولذا كانت نون التوكيد في الفعل، وهي تجيء في الفعل المنفي، تأكيدًا للنفي، وهذا تأكيد فوق تأكيد النفي بمجيئه بصيغة الاستفهام.
وهذا تخريج صادق كل الصدق، وهو في مضمونه كقوله تعالى: (. . . قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ. . .)، وإنا نوافق على التخريج ما دام منتجا معنى سليما مستقيما يتفق مع جلال القرآن، ومع سياق القصص في السيرة، ولكن نخالف فقط تفسير السماء بالسقف، فذلك ليس في القرآن، إنما تفسر السماء بما هو فوقك، من السماء ذات البروج، ومعنى " ليمدد "، أي ليمتد بالحبل إلى السماء، ثم ليقطعه فإنه يسقط مختنقا مجندلا، و " الكيد " التدبير، وإن اللَّه تعالى ناصر عبده محمدا في الدنيا والآخرة، ولتذهب نفس أعدائه حسرات، وكما أن الله تعالى ناصر نبيه في الدنيا والآخرة. ناصر نبيه: مثبت صدق رسالته بالقرآن المبين، ولذا قال تعالى:
стр. 7319
(وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦)
الإشارة إلى إنزال الآيات البينات الواضحات الهادية الدالة على صدق الرسول، والمشابهة بين ما قدر اللَّه تعالى إنزاله وما أنزله فعلا، أي أنزلناه في الواقع كما قدرناه في علمنا، وهذا تأكيد لإرادة اللَّه تعالى في أن تكون معجزة النبي ﷺ من نوع الوحي بآيات بينات، وقوله تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي من يُرِيدُ)، أي كذلك الإنزال أن اللَّه تعالى يهدي إليه من يريد له الهداية ويسلكها، وإني أرى أن المشابهة ليست بين الإنزال المقدر في علمه الأزلي، والمنزول الواقعي، وإنما أرى أن المشابهة بين نصر اللَّه لنبيه في الدنيا والآخرة وإقامة الحجة لرسالته في الدنيا، حتى يبلغ الأجل، ويكون المعنى كما ننصره في الدنيا والآخرة أيدناه بالمعجزة الباهرة القاطعة التي تتحدى الأجيال كلها أن يأتوا بمثله، وأنزلنا آيات بينات
стр. 7320
واضحات، وأن اللَّه يهدي بهديه من يشاء، فيهدي الناس ابتداء بها، ويزيد بها الذين اهتدوا، وذلك كما يريد، ومن يريد، وسلك طريق الحق، واتجه إليه غير ملتفت لسواه.
وبين بعد ذلك سبحانه أن الناس جميعا مجزيون بعملهم يستوي في ذلك المؤمن والمشرك واليهودي، والنصراني والصابئ، فقال عز من قائل:
следующие страницы →