← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 7316–7355 · переход к 7321.

стр. 7316

وإنه الفعَّال لما يريد، إن أراد أمرا قال له كن فيكون، ولا يريد شرا أبدا، وإن نزل بأحد ما يسوؤه فلن يستطيع أحد أن يغيره، وإن نال أحد نفعه فلن يمنعه أحد، وإن أراد نصرة من غيره فلن تكون إلا بإرادة اللَّه؛ ولذا قال عز من قائل:

стр. 7317

(مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (١٥) هذه الآية لبطلان وهم من يتوهم أن اللَّه تعالى لن ينصره إذا طلب النصرة العادلة منه، واعتمد على غيره، وذلك رد على من يوالي العباد من الموالي والعشراء في النصرة، فاللَّه وحده هو نعم المولى ونعم النصير، وبئس من يطلب نصرا من غيره وإنه ناصر نبيه في الدنيا والآخرة. والضمير في (يَنصُرَهُ) في قوله تعالى: (مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ) يعود إلى النبي ﷺ وإن كان لم يجر ذكره في الآيات قبله، أو في الآية السابقة، فإنه حاضر في نفس القارئ للقرآن، وفي قلب كل مؤمن فهو حاضر دائما، وإن محمدًا بعد الهجرة قد قامت حروب بينه وبين المشركين، وبينه وبين اليهود، واللَّه ناصره دائما، ولم يهزم في موقعة، وإذا كان قد أصيب بجراح وقتل من قتل في أُحُد فهو لم يهزم ولم يندحر فيها، وكان ذلك يغيظ الكافرين وخصوصا اليهود الذين كانوا يجاورونه في المدينة، ويذهب بهم في طغيانهم إلى أن يتمنوا ألا ينصره اللَّه تعالى، كما يتمنى الحاسد الحقود، وقد بين سبحانه في هذه الآية أن من المستحيل ألا ينصره اللَّه وليموتوا بغيظهم؛ ولذا قال: (مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُره اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ) من كان يظن مستمرا في ظنه الذي لا يصدُق، والاستمرار في هذا الظن هو من التعبير بـ (كَانَ)، و " أنْ " مخففة من الثقيلة، واسمها الحال والشأن، أي من يظن أن الحال والشأن أن لن ينصر اللَّه محمدا، وذلك مستحيل، فليمدد بسبب إلى السماء، والسبب: الحبل الذي يصعد به على النخل، والسماء. روي عن ابن عباس أنه قال: إنه سقف البيت، أي

стр. 7318

ليمدد الحبل إلى سقف البيت، فإذا وصل وهو متصل به، مربوط في عنقه، ثم ليقطع ذلك الحبل، فيختنق اختناقا، قيد هذا الاختناق بذلك الحبل، (فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ)، والاستفهام بمعنى النفي؛ ولذا كانت نون التوكيد في الفعل، وهي تجيء في الفعل المنفي، تأكيدًا للنفي، وهذا تأكيد فوق تأكيد النفي بمجيئه بصيغة الاستفهام. وهذا تخريج صادق كل الصدق، وهو في مضمونه كقوله تعالى: (. . . قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ. . .)، وإنا نوافق على التخريج ما دام منتجا معنى سليما مستقيما يتفق مع جلال القرآن، ومع سياق القصص في السيرة، ولكن نخالف فقط تفسير السماء بالسقف، فذلك ليس في القرآن، إنما تفسر السماء بما هو فوقك، من السماء ذات البروج، ومعنى " ليمدد "، أي ليمتد بالحبل إلى السماء، ثم ليقطعه فإنه يسقط مختنقا مجندلا، و " الكيد " التدبير، وإن اللَّه تعالى ناصر عبده محمدا في الدنيا والآخرة، ولتذهب نفس أعدائه حسرات، وكما أن الله تعالى ناصر نبيه في الدنيا والآخرة. ناصر نبيه: مثبت صدق رسالته بالقرآن المبين، ولذا قال تعالى:

стр. 7319

(وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦) الإشارة إلى إنزال الآيات البينات الواضحات الهادية الدالة على صدق الرسول، والمشابهة بين ما قدر اللَّه تعالى إنزاله وما أنزله فعلا، أي أنزلناه في الواقع كما قدرناه في علمنا، وهذا تأكيد لإرادة اللَّه تعالى في أن تكون معجزة النبي ﷺ من نوع الوحي بآيات بينات، وقوله تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي من يُرِيدُ)، أي كذلك الإنزال أن اللَّه تعالى يهدي إليه من يريد له الهداية ويسلكها، وإني أرى أن المشابهة ليست بين الإنزال المقدر في علمه الأزلي، والمنزول الواقعي، وإنما أرى أن المشابهة بين نصر اللَّه لنبيه في الدنيا والآخرة وإقامة الحجة لرسالته في الدنيا، حتى يبلغ الأجل، ويكون المعنى كما ننصره في الدنيا والآخرة أيدناه بالمعجزة الباهرة القاطعة التي تتحدى الأجيال كلها أن يأتوا بمثله، وأنزلنا آيات بينات

стр. 7320

واضحات، وأن اللَّه يهدي بهديه من يشاء، فيهدي الناس ابتداء بها، ويزيد بها الذين اهتدوا، وذلك كما يريد، ومن يريد، وسلك طريق الحق، واتجه إليه غير ملتفت لسواه. وبين بعد ذلك سبحانه أن الناس جميعا مجزيون بعملهم يستوي في ذلك المؤمن والمشرك واليهودي، والنصراني والصابئ، فقال عز من قائل:

стр. 7321

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧) الناس جميعا يوم القيامة تميزهم أعمالهم، وهي التي ينالون بها الجزاء عقابا أو ثوابا، والفاصل بينهم هو أحكم الحاكمين رب العالمين وأعمالهم هي التي تقدمهم. وقد ذكر سبحانه أصنافا ستة، وهم: المؤمنون، واليهود، والصابئون (وهم عبدة الكواكب الذين ادعوا دخولهم في النصرانية عندما أرادهم المأمون الخليفة العباسي على أن يدخلوا في دين كتابي، وهم أخفى الناس لاعتقاد)، (وَالنَّصَارَى) على اختلاف طوائفهم ما بين كاثوليك وأرثوذكس، وإنجيليين، (وَالْمَجُوسَ)، وهم عبدة النار، (وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا)، أي الذين أشركوا مع اللَّه تعالى غيره في العبادة، وبهذا يدخل فيهم الذين قالوا: إن الملائكة بنات اللَّه، ويدخل البراهمة؛ لأنهم قالوا: إن كرشنة ابن اللَّه، وهم يصورون آلهتهم بتماثيل، كما يدخل البوذية؛ لأنهم قالوا إن بوذا ابن اللَّه، ويدخل الكونفوشيوسية الآخذون بتعاليم كونغ فوتس الذي حُرِّف بكونفشيوس، وهكذا فهم يدخلون في المشركين؛ لأن الإشراك غير مقصور على العرب الأقدمين، بل هو فيهم وفي غيرهم مع ملاحظة أن كونغ فوتس بوذي الديانة ولكن له مذهبا خلقيا أخذ به أهل الصين. وإن ذكر هؤلاء جميعا في موضوع واحد متعاطفين يدل على أمرين:

стр. 7322

الأمر الأول - أنه لَا عبرة في إجابة النبيين إلى اختلاف الملل والنحل، بل الجميع أمام الرسالات الإلهية على سواء، فمن أسرف وظلم كان حسابه عسيرا، ومن آمن واهتدى كان من اللَّه قريبا، وإن اللَّه سيفصل بينهم. الأمر الثاني - أن اللَّه وحده هو الذي يبين يوم القيامة: الحق فيثيب أهله، والباطل فيعذب الذين تردوا فيه؛ ولذا قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) الفصل بين الأشياء والأشخاص إبانة كل بخيره وشره، والفصل بين الأقوال تبين صادقها من كاذبها، وحقها من باطلها، وكذلك الفصل بين النحل وأصحابها، أي بيان الحق فيها والباطل منها، وجزاء أهل الباطل، وثواب أهل الحق، وإن ذلك الفصل هو الحق؛ لأن الفاصل هو اللَّه تعالى، وهو خير الفاصلين؛ ولأنه العالم بكل شيء وبهم جميعا، ولذا قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)، أي عالم علم من شاهد وعاين، فهو حكم مؤيد بأسبابه، وشاهده الأكبر، وقوله تعالى: (عَلَى كلِّ شَيْء شَهِيدٌ) فيه التعدية بـ " على " إشارة إلى معنى الرقابة عليهم، والإحاطة بهم، وهو بكل شيء محيط؛ لأن كل شيء خاضع له سبحانه. * * * خضوع الوجود لإرادته سبحانه قال اللَّه تعالى:

стр. 7323

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨) * * *

стр. 7324

هذا بيان من اللَّه تعالى لخضوع الناس جميعا والكون كله لإرادته سبحانه، والاستفهام هنا لإنكار الوقوع بمعنى النفي، وهو داخل على حرف النفي " لم " ونفي النفي إثبات مؤكد، كأنه كان استفهام ثم نفي، والمعنى لقد رأيت أيها القارئ للقرآن الكريم أن اللَّه يسجد له من في السماوات والأرض، أي يخضع خضوعا مطلقا كل من في السماوات والأرض طوعا أو كرها، كما قال تعالى في سورِة الرعد: (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (١٣)، إلى أن قال عز من قائل: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥). والسجود طوعا هو بإرادة العبادة من العقلاء المختارين، والسجود كرها، أي بحكم الخضوع المطلق لإرادة المنشئ للكون الواحد القهار. و (مَن) في قوله:. (مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ) ظاهر الكلام أن ذلك من العقلاء كالملائكة الذين لَا يعصون اللَّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، والعقلاء من الجن والإنس المختارين المريدين، والباقي ممن ذكر من الشمس والقمر والنجوم والجبال والدواب، هؤلاء ينطبق عليهم السجود كرها، فالوجود كله خاضع للَّه سبحانه، وإن من شيء إلا يسبح بحمده فهم خاضعون له خضوع الشيء لمن أوجده، فالجبال تخر له وتصير هباء منبثا، وتتحرك بإرادته وأمره، ثم ذكر سبحانه الظالمين والمهتدين من عباده بالتفرقة بين الضال والمهتدي فقال سبحانه: (وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ)، أي كثير اهتدوا وآمنوا فهم في ذاتهم ليسوا عددا قليلا، وإن كان الفريق الثاني أكثر عددا، وإن لم يكونوا مهتدين؛ ولذا قال تعالى: (وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ)، أي أنه ليس بالمهتدي، بل كان من عبدة الأوثان أو من أهل التثليث، أو من أعداء البشرية اليهود، أو من عبدة النيران، أو من عبدة الكواكب وعبدة الملائكة الذين قالوا عنهم إنهم بنات اللَّه تعالى. وذكر هؤلاء الضالين بجزائهم، وهو قوله: (حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) للإشارة إلى أنه ملازمهم، به يعرفون، وبه يعيَّنون وقوله تعالى: (حَقَّ

стр. 7325

عَلَيْهِ الْعَذَابُ)، أي ثبت لهم ولازمهم وكان عذابهم بحق لأنهم ظلموا أنفسهم والناس، وضلوا ضلالا بعيدا بعد أن جاءهم المرسلون، وقد كذبوا، وآذوا المؤمنين، وعاندوا الحق، وجحدوا به واستيقنته أنفسهم. وإن الله قسم الناس، مهتد مكرم، ومهين قد لازمته الإهانة، ولا يمكن أن يكرمه أحد أبدا؛ ولذا قال تعالى: (وَمن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِم) وإهانة الله تعالى لمن يكتب له في لوحه المحفوظ وقدره المحتوم، إنما تكون لمن سلك سبيل الغواية، وسد مسامع الهداية، فيأخذه سبحانه إلى مواطن الهوان، فبفعله هانَ، وبإعراضه عن الحق مريدا مختارا عُذِّب، وحق عليه العذاب فما لأحد أن يكرمه، ولا يمكن أن يُمكَّن من ذلك، ولا قدرة له عليه. وقد أكد سبحانه إرادته الخالدة فقال: (إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ)، أي مما يريده ويشاؤه ويحبه، وليس لأحد من خلقه عنده إرادة (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ)، وأعمالهم في سلطان إرادة الله فلا تخرج حركة عن حركة إلا بإذنه، وهو السميع العليم، وقد أكد سبحانه أن له وحده المشيئة المطلقة، والإرادة المختارة بـ (إِن) المؤكدة، وبذكر لفظ الجلالة الذي يدل على الإرادة المطلقة، والاتصال بكل كمال، والله على كل شيء قدير. * * * الخصمان أمام الله يوم القيامة قال الله تعالى: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا

стр. 7326

أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٢٢) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٢٣) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (٢٤) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥) * * *

стр. 7327

(هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) الخصمان هما الذين آمنوا بمحمد ﷺ ، والذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين، وهما خصمان؛ لأنهما في جانبين متقابلين؛ ولأن المؤمنين يؤمنون بكل ما جاء عن الله، وغيرهم يجادلون في اللَّه؛ لأن الخصومة في الحق قائمة بينهم وهي من جانب الذين اتبعوا محمدا ﷺ هداية وإرشادا، ومجادلة بالتي هي أحسن، ومن جانب المخالفين لهم عناد وإغواء ودس وخيانة، ومجادلة بالباطل، وادعاء له. وواضح أن الخصومة كانت في الدنيا، وفي الآخرة كان الجزاء الوفاق، وكل ينال ما يستحق، (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ)، أي تقدر لهم على قدر أجسامهم، وتقطع وتخاط، بحيث تحيط النار بأجسامهم ماسة أبدانهم كما يمس الثوب جسم اللابس له، ويحتك بلحمه،

стр. 7328

وتكون النار مشتعلة في الثياب والأجسام معا، و (يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ)، وهو الماء الساخن الذي يصل إلى درجة الغليان، فالنار تحرقهم في أجسامهم ورؤوسهم، وتصل إلى داخل أبدانهم، ولذا قال تعالى:

стр. 7329

(يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) الصهر إذابة الحديد، فقوله تعالى: (يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ) من أحشاء من معدة وأمعاء وقلب وكبد وغيرها، يذاب هذا كله، وأي عذاب يكون في هذه الحال، (وَالْجُلُودُ) أيضا تذاب من شدة الحرارة، ولا شك أن ذلك كله تصوير للعذاب الذي ينزل بهم، وإنه لواقع، واللَّه هو الذي ينجي المؤمنين بفضل رحمته، وبمنٍّ منه، وهو الرءوف الرحيم. وقد وصف سبحانه بقية من عذابهم، فقال:

стр. 7330

(وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٢٢) المقامع جمع مِقمْع، وهو ما يذلل به، ويدفع، وكان خزنة جهنم من الملائكة الأطهار، واقفون كلما هموا أن يخرجوا من النار ردوهم إليها بهذه المقامع التي تزودهم وتدفعهم، وتردهم إليها؛ ولذا قال تعالى:

стр. 7331

(كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا ... (٢٢) فارين من جهنم ونيرانها وغمها وآلامها ردوا بالمقامع إليها وأعيدوا فيها، وقالوا لهم: (وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ)، أي عذاب النار التي تحرق أجسامكم في ظاهرها كما شوت أحشاؤكم في باطنها، كما أذقتم المؤمنين العذاب في الدنيا، وقوله: (مِنْ غَمٍّ)، أي بسبب غم العذاب وغم البؤس، وشعورهم بأنه أبدي خالد، هذا جزاء الكافرين المعد لهم الذي يرتقبهم، وهو جزاء الخصم الأول، أما الخصم الثاني وهو المؤمن فجزاؤه روح وريحان وجنة النعيم؛ ولذا قال عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٢٣)

стр. 7332

بعد أن بين سبحانه حال الخصم الأول، ويشمل الكافرين بشتى أنواعهم الذين يجادلون المؤمنين، بين سبحانه حال الخصم الآخر وهم المؤمنون، وإذا كان الفريق الأول قطعت لهم ثياب من نار، وصب من فوق رؤوسهم الحميم وصهرت أحشاؤهم إذا كان هذا الفريق كذلك، فالفريق المؤمن يُدخله اللَّه تعالى بسبب إيمانه، ولقد عبر بالموصول، (جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) ويجتمع فيها النعيم الحسي، والنفسي، فيكون المنظر البهيج بالأنهار تجري من تحت الجنات، وغرف أهل الجنة، وقد أضاف الإدخال إليه كأنهم في ضيافته مكرمون، لا يلقون في الجحيم مدحورين معذبين. وإذا كانت ثياب المجرمين قطعت من نار لبسوها، فثياب المؤمنين من ذهب ولآلئ وحرير؛ ولذا قال تعالى: (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا). يصح أن تكون من تبعيضه، أي يحلون بعض أساور من ذهب، وأساور جمع لسوار، إذ هي جمع أسورة، وأسورة جمع سوار، ويصح أن تكون (مِنْ) ابتدائية، أي يحلون، وحليتهم من أساور فتكون بيانية، أي هي من أساور، (وَلُؤلؤًا) عطف على محل (مِنْ أَسَاوِرَ)، لأن محلها النصب، أو نقول مفعول لفعل محذوف تقديره وترصع لؤلؤا، (وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ)، أي لَا يلبسون إلا حريرًا، وهذا أقصى أحوال النعيم الحسي، وقد يقال: كيف يذكر ذلك على أنه من نعيم أهل الجنة، وقد وردت الآثار بأن الذهب والحرير حرام على رجال الأمة، فكيف يذكران على أنهما من نعيم أهل الجنة (١). والجواب عن ذلك: إن الجنة ليست دار تكليف، إنما هي دار ثواب، ولذا كان فيها أنهار من خمر لذة للشاربين، (لا يُصَدَّعُونَ عَنهَا وَلاً يُنْزِفُونَ)

стр. 7333

وفوق ذلك أن الجنة فيها نعيم الرجال والنساء، ولا شك أن الأساور واللآلئ والحرير من نعيم النساء، واللَّه هو المكافئ العلي القدير. وإنه بجوار هذا النعيم الحسي من كل الجوانب في الجنة النعيم المعنوي؛ ولذا قال تعالى:

стр. 7334

(وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (٢٤) هذا وصف لأهل الجنة من أقوالهم وأفعالهم في الدنيا، أم هو وصف لأقوالهم في الجنة، وقبل أن نتكلم في مكان القول نشير إلى بعض ما يدل عليه: القول الطيب هو القول الحق، الذي يتقرب به إلى الله تعالى، والذي يقرر القائل له كمال اللَّه تعالى ووحدة ألوهيته والطاعة للَّه تعالى، وتكبيره، وتقديسه، وتسبيحه، والخضوع المطلق له، وحمده في كل وقت، و (صِرَاطِ الْحَمِيدِ)، هي طريق اللَّه تعالى بإعلان عبادته وحده لَا يشرك به شيئا، و (الْحَمِيدِ)، أي المحمود في كل ما يوصف به، والإضافة إما أن تكون بيانية، كقولهم خاتم حديد، أي خاتم هو حديد، ويكون المعنى صراط هو الحميد المحمود في كل مسالكه من مبتدئه إلى منتهاه، فهو طريق كل خير، ينتقل فيه من مرحلة خير إلى غيرها، فهو مراحل الاستقامة تبتدئ من أولها إلى نهايتها، ويصح أن يكون المراد من (الْحَمِيدِ) ذات اللَّه تعالى لأنه المختص بالحمد، ويكون المعنى، وهدوا إلى طريق الله تعالى البالغة الموصلة له مثل قوله: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ. . .)، وهدوا بالبناء للمجهول في الفعلين، ولم يذكر الفاعل مع أن الهداية كلها من اللَّه تعالى، فحذف للعلم به؛ ولأن الهداية تتعدد مسالكها، فهي تبتدئ بعمل من المهدي بأن يتجه إلى الحق مخلصا النية، فيأخذ اللَّه بيده ويبلغ به إلى أقصى ما يبلغ به من مراتبه. بقى أن نتكلم في زمانها ومكانها، أكانت في الدنيا، وهي التي أوصلتهم إلى هذا الجزاء الوفاق في الآخرة، ويكون ذكرها في الجنة تحقيقا لها، وتأكيدا لها

стр. 7335

وبيان أن ذلك هو السبب في النعيم الذي آتاهم اللَّه بفضله ومنته، فبعملهم في الدنيا وأقوالهم الطيبة بالتوحيد والعبادة، وسلوكهم الطريق الأقوم نالوا ما نالوا في الآخرة. وثمة اتجاه آخر، وهو أن هدايتهم إلى القول الطيب، والصراط الحميد هو في الآخرة ويكون من النعيم النفسي، إذ إن أهل الجنة يسمرون ويتبادلون القول الطيب، والسلوك الحميد في الآخرة، فيضاف إلى إنعام اللَّه إنعامٌ بالمسامرة التي ليس فيها فسوق في القول، بل مبادلة محبة ومحبة، وعندي أنه يجمع بين القولين، فتكون الهداية إلى القول الطيب والطريق المحمود في الدنيا والآخرة، واللَّه أعلم. بعد أن بين اللَّه تعالى جزاء المؤمنين عاد سبحانه إلى ذكر جزاء الكافرين وأعمالهم التي استحقوا بها هذا الجزاء فقال تعالى:

стр. 7336

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥) ابتدأ القول بذكر الكافرين مؤكدا كفرهم بـ " إنَّ " الدالة على التأكيد، وقد ذكر الموصول لبيان أن الصلة هي سبب هذا الجزاء، والصلة فيها أمور ثلاثة تستدعي الاستنكار والعذاب الشديد: الأمر الأول - الكفر، وكفر أهل مكة هو الإشراك باللَّه تعالى بعبادة الأوثان. الأمر الثاني - الصد عن سبيل اللَّه تعالى بإيذاء المؤمنين ومحاربتهم، ودعوة العرب إلى عدم الإيمان باللَّه وبرسوله. الأمر الثالث - بصدهم عن المسجد الحرام، ومنعهم من أداء المؤمنين الحج فيه، ويظهر أن هذه الآية نزلت في فترة الحديبية؛ لأن المسلمين حيل بينهم وبين الوصول إلى المسجد الحرام، وهو للناس جميعا؛ ولذا وصفه اللَّه تعالى بالموصول

стр. 7337

بقوله: (الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءًا لْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ)، أي أن هولاء الناس المصدون عن المسجد الحرام من يريد الحج إليه وقد جعله اللَّه - الذي باركه وأكرمهم به - للناس جميعا، وليس لقريش وحدها، فهم فيه كغيرهم من الناس، وإن كان اللَّه تعالى كرمهم بأن جعل منهم سدنة البيت والقائمين عليه وعلى خدمته وعمارته، وكلمة (سَوَاءً) قرئت مفتوحة وتكون مفعولا لجعلناه وهي المفعول الثاني، والأول الهاء، وتكون (لِلنَّاسِ) متعلقة بـ (سَوَاءً)، وقرئت مضمومة، وتكون مبتدأ، ويكون المعنى مستوفية العاكف والباد، وتكون الجملة في مقام المفعول الثاني أو حال (١). و (الْعَاكِفُ) المقيم في مكة، وعبر عنه بالعاكف إيماء إلى أنه ينبئ أن يكون عاكفا عابدا، لَا أن يكون وثنيا مشركا، صادًّا عنه مانعًا له، والبادي: المقيم في البادية، وإذا كان المقيم ببادية يستوي مع المقيم في مكة حول البيت الحرَام فأولى المتحضر المقيم في الحاضرة؛ ولذا قالوا: إن البادي هو من يكون من غير أهل مكة سواء الحاضر فيها والبادي، والتعبير بالمضارع في يصدون إشارة إلى استمرارهم على الصد عن سبيل اللَّه. وخبر " إن " محذوف، دل عليه ما يجيء بعد ذلك من قوله: (وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ) تقديره له عذاب شديد، وقوله تعالى: (وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)، أي إن الذي يريد فيه إلحادا وميلا عن الحق واحترام البيت وصيانته بظلم يرتكبه بالشرك والاعتداء على حرماته، وصد الناس، ومنعهم من الطواف يذيقه اللَّه تعالى من عذاب أليم ينزل به في الدنيا بالحروب التي تهزمهم، وفي الآخرة بالنار يذوقون حريقها. وفى قوله تعالى: (وَمَن يرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ) أمور بيانية نشير إليها:

стр. 7338

الأمر الأول - في قوله (فِيهِ) الضمير يعود إلى المسجد الحرام أي يريد خروجا عن مبادئ الحق والإيمان متلبسا بإلحاد، و (مَن) شرطية، وجواب الشرط (نُذِقْهُ) إلى آخره، و " الباء " للملابسة أو الملاصقة أو تقوية التعدية، والإلحاد الميل عن الحق والانحراف إلى الباطل، يقال ألحد إلى كذا: مال إليه، ويقول الأصفهاني في مفرداته: الإلحاد ضربان: إلحاد إلى الشرك باللَّه وإلحاد إلى الشرك بالأسباب، فالأول ينافي الإيمان ويبطله، والثاني يوهن عُراه ولا يبطله، ومن هذا النحو قوله تعالى: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ). ونرى أن الإلحاد هنا من النوع الذي يبطل الإيمان، فهو ميل وانحراف إلى عبادة غير اللَّه تعالى، وقد فعل ذلك المشركون في المسجد الحرام، فقد كانت الأوثان مادة ذلك الإلحاد في البيت وموضوعة على الكعبة نفسها. الأمر الثاني - أن قوله تعالى: (بِظُلْمٍ)، بيان لنوع الإلحاد، وهو الظلم، والشرك أفظع الظلم وأشده، ولقد قال تعالى: (. . . إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)، وإن اللفظ المطلق إذا لم يقيد انصرف إلى أكمل أفراده، فهو هنا انصرف إلى الشرك وكان من المشركين مع الشرك الذي هو أشد الظلم ظلمات أخرى فكان فيهم ظلم الضعفاء وإيذاؤهم، وكان فيهم ظلم الاعتداء المتكرر منهم على المؤمنين، وكان فيهم ظلم الاستهزاء بالنبي ﷺ ، وكان فيهم ظلم الغدر والخيانة ونكث العهود، وكانوا لَا يرقبون في المؤمنين إِلًّا وَلَا ذِمَّةً. الأمر الثالث - في قوله تعالى: (نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)، (مِنْ) هنا بيانية أو ابتدائية، أي نذقه عذابا أليما، أو نذقه ذوقا مرا مأخوذا من عذاب أليم، والله أعلم. * * *

стр. 7339

آيات في الحج قال اللَّه تعالى: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩) * * * الحج شريعة إبراهيم باني البيت ﵇، لأنه باني الكعبة، ولأنه أول من أمره اللَّه بالدعوة إليه، ولأن مناسكه كلها هي مناسك إبراهيم ﵇؛ لأن ما فيه من هدْي يومئ إلى فدية اللَّه تعالى الذي فدى بها إسماعيل ﵇ عندما هم بذبحه، برؤيا إبراهيم ﵇، وذكر هنا في هذا المقام إشارة إلى أنه ليس حق الطواف فيه مقصورا على قريش وحدها.

стр. 7340

(وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ). وقوله تعالى: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ) متعلق بفعل محذوف تقديره اذكر يا محمد لهؤلاء الذين يصدون عن البيت، (وِإذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ)، بوأ بمعنى

стр. 7341

هيَّأ وسوَّى، وهيأ المكان سوَّاه وأعده، و " اللام " في قوله تعالى (لإِبْرَاهِيمَ)، " لام " الاختصاص، أي بوأنا المكان وسويناه لإبراهيم يتخذه مكانا للبيت الحرام، ويكون مثابة للناس وأمنا، كما أشارت لذلك الآيات الأخرى الكثيرة، وإن هذه التبوئة والمكان كان مكان عبادة، فهو إشارة إلى الكعبة التي هي أول بيت وضع للناس؛ ولذلك كانت التبوئة من سياق تاريخ إبراهيم وأعماله ﵇ متضمنة معنى العبادة، وقد فسر اللَّه تعالى العبادة التي أمر اللَّه بها نبيه وخليله إبراهيم بقوله تعالى: (أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) (أن) هنا تفسيرية، وهي بيان لما تضمنه معنى التبوئة والتخصيص، وجعله مثابة للناس وأمنا. فسر الله تعالى العبادة التي طالب اللَّه خليله بها هي: أولا - (لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا)، أي شيئا من الشرك، أي اجعل عبادتك لي خالصة، فلا تشرك في عبادتك صنما، ولا كوكبا، ولا شمسا ولا قمرا، ولا تُرائي بأي نوع من الرياء في أي عبادة من العبادات. وثانيا - تطهير البيت من كل ما فيه قاذورات حسا أو معنى، (لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)، والقائمون هم القائمون للصلاة، فكأنه قد ذكر فيها الأمر بالصلاة، بالأمر بأركان من قيام وركوع وسجود، و (الرُّكَّعِ) جمع راكع، و (السُّجُودِ) جمع ساجد وقوله تعالى: (أَنْ لَا تُشْرِكْ) وما عطف عليها فيها الطلب بالنهي في (لَا تُشْرِكْ)، وبالطلب في (وَطَهِّرْ بيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّع السُّجُودِ)، وأضاف إلى ذاته البيت في قوله تعالى: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ) إلى آخره، تشريفا لهذا البيت زاده اللَّه تشريفا وتكريما، ولبيان أن البيت بيت الله تعالى للناس أجمعين، فلا يسوغ لأحد أن يصد عنه؛ لأنه يصد عن أكرم بيوت اللَّه تعالى، فكأن الصد عنه تحدِّ للَّه تعالى، ولقد أمر سبحانه بعد الأمر بما أمر، وبما نهى عنه - أمر بأن يؤذن للحج، فقال تعالى:

стр. 7342

(وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) (وَأَذِّنْ) أمر من اللَّه تعالى لإبراهيم باني الكعبة، (وَأَذِّنْ) - من " أذن " بمعنى أجاز - وأعلم كآذن، والتأذين: الإعلام والدعوة، والمؤذن هوَ الداعي إلى اللَّه تعالى، وخصص - عرفا - بالدعوة إلى الصلاة. (فِي النَّاسِ) إخبار للناس كلهم عربا وعجما، وهي دعوة عامة إلى حج البيت الحرام، وعدى الفعل بـ " في "، ولم يقل " الناس "، بل قال تعالى: (فِي النَّاسِ) للإشارة إلى عموم الإعلام في الناس، لأنه إذا لم يذكر (في)، فقد يفهم أنه يكلم أهل عصره، أو من يمكنه خطابهم فقط، وذكر (فِي) يدل على أن الإعلام في أوساط الناس كلهم، لَا فرق بين القريب الداني والبعيد القاصي، فالجميع يجب أن يبادروا إلى الحج إلى بيت اللَّه، لأنه أول بيت وضع للعبادة للناس، ولأن التأذين بالحج يتضمن إعلام الناس، أو معناه إعلام الناس تعدى بالباء. والحج معناه القصد، وخص بالقصد إلى بيت اللَّه الحرام، وخصص عرفا شرعيا، أو اصطلاحا دينيا بالقصد إلى الكعبة طائفا، وإلى الصفا والمروة ساعيا، وإلى عرفة واقفا في ميقاته، وهو من زوال اليوم التاسع، والبيات بمنى، والوقوف بالمشعر الحرام، وهو المزدلفة، والعود إلى منى ورمي الجمار بها بعد النحر في أيام ثلاث بعد يوم النحر، وهي أيام التشريق ويكون الهدْي، وسيشار إلى كثير من ذلك في الآيات التي نتكلم في معانيها من بعد. (يَأتُوكَ رِجَالًا)، أي إذا ناديت وأعلمتهم بفريضة الحج يأتوك راجلين سائرين على أقدامهم، و (رِجَالًا) جمع راجل كصاحب وصحاب، وتاجر وتجار، والراجل هو الماشي على رجله، في مقابل الراكب، وهنا أمران بيانيان:

стр. 7343

الأمر الأول - في قوله (يَأتوكَ رِجَالًا)، والدعوة ليست المجيء إلى إبراهيم، إنما المجيء إلى البيت وما حوله، ولكن ذكر المجيء إلى إبراهيم لأنه المؤذِّن، ولأنه الباني للبيت. والأمر الثاني - أن (يَأتُوكَ)، جواب الأمر، وهو يدل على قوة الإجابة، إذ يجمع الناس على الحق والهداية والتعاون وهو بيان لما ينبغي ويجب، ولا يمنع ذلك أن يكون في الناس عصاة لَا يهتدون ولا يجيبون داعي اللَّه تعالى. (وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ)، الضامر: البعير الهزول الذي ضمر من شدة التعب، وأجهده السفر، وهذه الحال تكون عند وصوله مكة وما حولها، ويكون هذا الوصف دليلا على أن الذين جاءوا إلى البيت، وقد صرحت الآية بذلك في وصف الابتداء الذي ابتدأت به للاتجاه إلى بيت اللَّه تعالى، فقال تعالى: (مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) الفج يطلق على الطريق بين جبلين ويطلق على الطريق الواسع، والعميق معناه البعيد، وأطلق على البعيد بعدا رأسيا كالآبار ونحوها، ثم أطلق على البعيد مطلقا، و (يَأتِين) يعود الضمير إلى الإبل تكريما لها في حمل الحجيج إلى بيت اللَّه الحرام. وإن هذه الدعوة التي قام بها إبراهيم خليل اللَّه ومنشئ أول بيت وضع للناس في مكة وسط العالم والتي يصلي حولها العباد المسلمون وقد أخذت الآيات الكريمة تشير إلى مناسك الحج من غير بيان تفصيلي.

стр. 7344

(لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) " اللام " هنا لام العاقبة، أي لتكون عاقبة ذلك السفر الطويل أن يشهدوا منافع لهم، ويذكروا اللَّه على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، والشهود هو الحضور، أي يحضروا منافع لهم، ويعاينوها، ولكن ما هي هذه المنافع التي تسبق ذكر اللَّه بالعبادة والذبح، قال ابن عباس ﵁: منافع الدنيا والآخرة، أما منافع

стр. 7345

الدنيا فما يصيبون من منافع البُدن والذبائح والتجارات، وأما منافع الآخرة، فرضوان اللَّه تعالى، وكذا قال مجاهد راوي التفسير عن ابن عباس، ونقول: إنه ذكر المنافع بلفظ نكرة، والتعبير بالنكرة يدل على أنها منافع عظيمة، لَا يقدر قدرها ولا تدرك نهايتها للناس، ونرى أن هذه المنافع مادية ومعنوية وعبادية، وهي سنام المنفعة، أما المنافع المادية فتجارات تتبادل بين الأقاليم الإسلامية، فأهل كل إقليم يجلبون معهم من مواردهم ما لَا يكون عند غيرهم، فما عند الهنود من خيرات يفيضون به على غيرهم من المسلمين، وما عند المصريين من خيرات يفيضون به على غيرهم ممن ليس عندهم مثلها أو هو قليل، وتعقد في مواسم الحج الصفقات الاقتصادية وذلك ليس بممنوع، بل هو مطلوب، كما قال تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ. . .)، وإن ذلك يجيز بل يوجب أن يعقد في موسم الحج الاتفاقات التجارية، ويتخذ من موسم الحج موعدا للدراسات الاقتصادية بين المسلمين، ولقد كانت في مكة الأسواق التجارية مثل عكاظ وذي المجاز، وغيرهما. أما المنافع المعنوية، فدراسة التعاون الإسلامي من كل النواحي الاجتماعية والحربية والتعاونية والتعليمية ويعمل كل إقليم على التعرف ببقية الأقاليم الإسلامية والتعريف بحاجاته من العلم والحرب، وغيرهما وكذلك يشعر كل إقليم بأنه يعيش في مدن الأقاليم الإسلامية، ولا يشعر بنفرة الانفراد. أما المنافع الدينية، فهي قضاء النسك الإسلامي في أماكن النسك، وإن المنافع السابقة لَا تخلو من أنها دينية، وأنها تكون عبادة إذا قصد بها وجه اللَّه ورفعة الإسلام، وإيجاد الوحدة الإسلامية وتوثيقها، فالمسلمون جميعا أمة واحدة، وبذلك ينتفع الحاج إلى بيت اللَّه الحرام، وهو مزود بالتقوى والمعرفة والأخوة في اللَّه تعالى. وقوله تعالى: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) (اللَّه) ذكر الله تسبيحه وامتلاء القلب بالإيمان به، والخضوع له، والخشوع،

стр. 7346

والضراعة له، وذكر اسمه لهذا أيضا، ولكن يذكر اسم الله على الذبيحة لتكون لله، وللبعد عن رجس الجاهلية في ذبحهم على النصب، وذِكْر اسم الأوثان، وذكر اسم الله تعالى هنا على ذبائح الهدْي من البدن والغنم، والبدن اسم حبشى جمع للبدنة، وهي الذبائح من الإبل والبقر، فالواحدة منها تكفي عن سبعة. ونلاحظ أنه ذكر سبحانه أن ذِكْر اسمه تعالى في أيام معلومات، وأن الذكر يكون على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، فالذكر يكون على بهيمة الأنعام، والإضافة بيانية، أي بهيمة هي الأنعام جمع نَعَم، وهي الإبل والبقر والغنم، وسميت نعما؛ لأنها نعمة الله تعالى، وهي التي تكون هديا في الحج، لمن يجمع بين الحج والعمرة في إحرام واحد، أو في إحرامين بينهما تحلل في أشهر الحج. وذكر اسم الله يكون في أيام معلومات، وهذا يقتضي أن يكون ذبح الهدْي في هذه الأيام المعلومات، ولكن ما هي الأيام المعلومات التي يكون فيها الذبح، وذكر اسم الله تعالى فيها، بالتسبيح والتكبير، وامتلاء النفس والمشاعر المؤمنة به، ما هي هذه الأيام المعلومات، روي أنها الليالي العشر التي تبتدئ بيوم عرفات، وينتهي بها الحج، والتي جاء فيها النص القرآني بقوله تعالى: (. . . فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩) فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١). وقد وردت الآثار الصحيحة عن النبي ﷺ بفضل ذكر الله ودعائه في هذه الأيام العشر التي تبتدئ من اليوم التاسع، فقد روى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: " ما من أيام أعظم عند الله، ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد " (١).

стр. 7347

وقيل: إن هذه الأيام المعلومات هي الأيام المعدودات في قوله تعالى: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى. . .) ونميل إلى أنها الأيام العشرة، ولقد قيل: إنها الليالي العشر في قوله تعالى: (وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ). قال تعالى: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ)، " الفاء " هنا للإفصاح؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، أي إذا ذبحتموها اذكروا اسم اللَّه تعالى فكلوا منها، فالأكل من الهدْي مندوب، وليس فرضا، ولا ممنوعا، والبائس هو الذي يكون في شدة وبؤس شديد من مرض، أو شدة، أو إجهاد في سفر، والفقير المحتاج، وقد قال العلماء في الهدْي: إن المندوب أن يأكل ما لَا يزيد على الثلث، ويهدي ما لا يزيد على الثلث، ويطعم الفقير المحتاج، وقد يكون ثمة فقر شديد، وحاجة ملحة فيزيد في إطعام البائس الفقير. وقال تعالى:

стр. 7348

(ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩) التفث: الأوساخ والأدران التي تكونت بسبب المنع من الاستحمام، وحلق الشعر، والعانة والإبط، مما يوجبه الإحرام، ويستمر به الشخص محرما، لَا يتناول شيئا مما حرمه اللَّه تعالى، وذلك ليعيش عيشة الفقراء، فيحس بآلام الفقراء، وبؤس المحرومين من زينة الدنيا، وليكون الناس على سواء أمام اللَّه تعالى، وليجيئوا إلى ضيافة الرحمن، كما ولدتهم أمهاتهم، ويخرجوا من الحج، كما ولدتهم أمهاتهم، وقضاء التفث يرمز إليه بحلق الرأس، أو التقصير والاكتفاء بقدر من قص الشعر، وتقليم الأظفار الذي كان ممنوعا بالتحريم. والتعبير بـ (ثُمَّ) هنا لإفادة التفاوت بين حال المنع بالإحرام، وحال التحلل منه مثوبا مكرما، وحين ذلك يكون نحر الهدْي لمن وجب عليه الهدْي.

стр. 7349

(وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) أمر بالوفاء بالنذور ووقته هو بعد التحلل من إحرام الحج، لأن الوفاء بالنذر، لقول النبي ﷺ : " من نذر أن يطيع الله، فليطعه، ومن نذر أن يعصي اللَّه فلا يعصه " (١)، وقد قال الفقهاء: إن النذر يجب الوفاء به بشرط ألا يكون معصية وأن يكون طاعة في ذاته، وأن يكون من جنسه، وكان الوفاء بالنذر بعد التحلل من الإحرام، لكيلا تختلط عبادتان، وليكون إحرام الحج خالصا للحج، ثم قال تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) وشدد سبحانه في الطواف بصيغة الافتعال، تشديدا في الوجوب؛ لأن صيغة الافتعال تفيد التشديد في الفعل، وإن هذا الطواف الذي يكون بعد النحر والوقوف بعرفة والمشعر الحرام هو الركن، وهو ما يسمى بطواف الزيارة، و " البيت " هو المسجد الحرام، وذكره مجرد إشعار بشرفه، ولأنه معرف من غير تعريف، ووصف بالعتيق، " العتيق " معناه القديم، ومعناه المعتق من التعدي على حرماته، فهو أول بيت وضع للناس، كما قال تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا. .،)، وهو معتق من الاعتداء عليه من عدو مهاجم، وبذلك يتبين الإثم الكبير الذي رمى به الطاغية الأثيم الحجاج بن يوسف الثقفي، وهذا إلحاد في البيت، ولا يبرره أي مبرر، ولكن مع إثم الحجاج قد أعاد الله بيته على يده الهادمة، فكان معتقا أيضا. * * * تعظيم مناسك الحج قال اللَّه تعالى: ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠)

стр. 7350

حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥) * * *

стр. 7351

(ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) (ذَلِكَ)، الإشارة هنا إلى الحج الذي أذن به خليل الله إبراهيم، وتكون (ذَلِكَ) خبرا لمبتدأ محذوف تقديره الحج هو ذلك، لأن الآيات السابقة أشارت إلى أركانه وواجباته، إذ أشارت إلى الوقوف بعرفة أول الأيام العشرة، وأشارت إلى الطواف بالبيت، وأشارت إلى محرمات الإحرام، والتحلل، وحدَّت كل شعيرة من شعائره، ووقت لها في ميقاتها المعلوم، ثم حثت الآية الكريمة على المحافظة على حرمات الحج، فلا يتحلل قبل ميقاته لمن أحرم بالحج على حسب ما نوى من حج وعمرة أو أحدهما، ووقت تحلله من إحرامه، فقال: (وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ)، " الواو " عاطفة على جملة (ذَلِكَ) الدالة على التعريف الموجز للحج، والإشارة إلى أركانه، ومحرماته، وأوقاته، و (يُعَظِّمْ) معناها يعطيها

стр. 7352

حقها من الإعظام والإكبار، فلا ينتهك موانع الإحرام، ولا يؤدي الأركان في مواعيدها، ولا يرفث ولا يفسق ولا يجادل في الحج، كما قال تعالى في كتابه الكريم: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ. . .)، والحرمات جمع " حرمة "، وهو ما لَا يحل انتهاكه مما حرمه اللَّه تعالى في الحج من بعد الإحرام وهو فرض الحج عليه، وقد روي عن زيد بن أسلم أنه قال: حرمات الحج خمس: الكعبة الحرام، والمسجد الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام، وما حرمه اللَّه تعالى على المحرم بعد فرضه الحج على نفسه (١). (فَهُوَ خَيْرٌ لهُ عِندَ رَبِّهِ)، هذا جواب الشرط (وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ) و " الفاء " واقعة في جواب الشرط، وهو قوله: (فَهُوَ خَيْر لَّهُ عِندَ رَبِّهِ)، فيها تأكيد الخيرية أولا: بذكر ضمير الفصل " هو " - وثانيا: بتخصيص الخيرية " له "؛ لأنه قام بمناسك الحج، أدى موجباتها وبعد عن موانعها، وقام بحق ضيافة اللَّه تعالى حق قيامه، وتعاون مع المسلمين وتعرف بهم، وذلك خير له ولكل المؤمنين. وثالثا: بأن أضاف الخيرية بأنها (عِندَ رَبِّهِ) الكالئ له والحامي. وقد ذكر الحرمات مضافة إلى ذي العزة والجلال حضا على صيانتها وتكريمها ومراعاتها حق رعايتها، وأحل ما أحل وحرم ما حرم، وإن الحج لا يكون خيرا إلا إذا طهرت النفوس من الآثام واتجهت إلى الديان وحده لَا شريك له؛ ولذا قال تعالى عاطفا على ما قبله (وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ) الإضافة هنا بيانية، أي البهيمة التي هي الأنعام، أي أنها من النعم التي أنعم اللَّه بها عليكم، فتحريمها بغير تحريم اللَّه تعالى كفر بنعمته، واستباحتها بغير إباحة اللَّه تعالى كفر بنعمته أيضا؛ ولذا قال تعالى: (إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) وما تلي هو ما جاء في سورة البقرة والأنعام والمائدة، وآخرها ما جاء في المائدة، فقد قال تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ

стр. 7353

الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣). هذا ما أُحل وهذا ما استُثني من الحلال، وذكرت بهائم الأنعام وإحلالها في هذا المقام لمناسبة الهدْي ووجوبه والأكل منه، وإن المشركين كما أشرنا أحلوا ما حرم اللَّه فأكلوا ما أهلّ به لغير اللَّه من أوثانهم، وحرموا ما أحل اللَّه تعالى في تحريم السائبة والوصيلة والحام، ونسبوا التحريم إلى اللَّه تعالى، وذلك زور في القول، والإهلال لغير اللَّه والذبح على النصب والاستقسام بالأزلام، كل ذلك من الوثنية أو الكذب على اللَّه تعالى؛ ولذلك جاء من بعد النهي عن الوثنية وقول الزور، فقال عز من قائل: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ). (الرِّجْسَ) هو الشيء القذر، والقذارة هنا معنوية وليست حسية؛ لأن النفس والعقل يقذران بتقديس الأحجار وعبادتها؛ لأنها تنزيل للفكر، وضلال في العقل، وافتئات على اللَّه ﷻ ، والأوثان جمع وثن، وهو ما يعبد من تماثيل، وأصله من وثن الشيء أي أقامه في مقامه، فسمي الوثن كذلك؛ لأنه يركز في مقامه، وهو بطبعه جماد لَا يتحرك إلا بمحرك، و (مِنَ) في قوله تعالى: (مِنَ الأَوْثَانِ) بيانية، أي اجتنبوا الرجس، وهو الأوثان، ففي الكلام بيان بعد إبهام وهو يمكن المعنى في النفس، واجتنبوا معناها ابتعدوا كل الابتعاد، وهو أبلغ في النهي، وكان النهي عن الأوثان في هذا المقام؛ لأن اللَّه أحل بهيمة الأنعام، إلا الميتة وما يشبهها، وما أهل لغير اللَّه به، وقد استباحوا ما أهل به للأصنام وما ذبح على النصب، واستقسموا بالأزلام، فلا حج لمن كان كذلك، ولا خير له في حجه.

стр. 7354

وعطف اللَّه تعالى الأمر باجتناب قول الزور على اجتناب الأوثان؛ لأنهم كانوا يحرمون على أنفسهم بعض بهائم الأنعام، وينسبون التحريم إلى اللَّه كاذبين مزورين، ولا حج لهؤلاء، ولا خير لهم في تعظيمهم بعض مناسك الحج؛ لأن الخير يكون لمن قام بالواجب، وأبعد موانع القربى إلى اللَّه تعالى. وقد وصف اللَّه تعالى الذي يكون تعظيم حرمات اللَّه خيرا له عند ربه بقوله تعالى:

стр. 7355

(حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١) هذه الآية جزء متمم للآية السابقة متصلة بألفاظها؛ ولذا كانت كلمة (حُنَفَاءَ) حال من " الواو " في (فَاجْتَنِبُوا)، أي اجتنبوا الرجس من الأوثان، واجتنبوا قول الزور حال كونكم خالصين للَّه تعالى مستقيمين سائرين في سبيله، و (حُنَفَاءَ) جمع حنيف، وهو المائل من الانحراف إلى الاستقامة، فهؤلاء يخلصون من رجس الأوثان، ومن قول الزور الاستقامة والإخلاص للَّه تعالى أي يكونون كلهم للَّه تعالى لَا يبغونها عوجا فليس فيهم ضلال قط، ولا إشراك قط، بل خلصوا أنفسهم للَّه وحده، لَا يشركون في قلوبهم غيره، ولذا قال تعالى مؤكدا معنى إخلاصهم للَّه تعالى: (غَيْرَ مُشرِكِينَ بِهِ)، حال بعد حال، أي غير مشركين به أحدا أو شيئا في عبادته، وضرب بعد ذلك مثلا للمشركين يصور كيف ينحدر من سماء العقل والفكر، إلى منهوى الأرض، فقال تعالى: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) شبه اللَّه تعالى من يشرك باللَّه تعالى قد أضله الشيطان وأغواه بتشبيهين مبينين المنهوى الذي انهوى إليه عقله ومداركه، فشبهه في الأول بمن خر من السماء هابطا، ففي هبوطه تخطفه الطير، فتقطعه بمناقيرها، والتهمته أجزاء، وذلك لأن من أشرك قد هوى من سماء الإدراك السليم، والفكر المستقيم إلى مهاوٍ توزعته الأهواء، حتى صار ليس له فكر جامع، بل صار موزعا بين ضلال شتت نفسه، وصار موزعا بين أوهام فاسدة لَا راشدَ يرشده، ولا عقل يهديه.
следующие страницы →