← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 7351–7390 · переход к 7356.

стр. 7351

(ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) (ذَلِكَ)، الإشارة هنا إلى الحج الذي أذن به خليل الله إبراهيم، وتكون (ذَلِكَ) خبرا لمبتدأ محذوف تقديره الحج هو ذلك، لأن الآيات السابقة أشارت إلى أركانه وواجباته، إذ أشارت إلى الوقوف بعرفة أول الأيام العشرة، وأشارت إلى الطواف بالبيت، وأشارت إلى محرمات الإحرام، والتحلل، وحدَّت كل شعيرة من شعائره، ووقت لها في ميقاتها المعلوم، ثم حثت الآية الكريمة على المحافظة على حرمات الحج، فلا يتحلل قبل ميقاته لمن أحرم بالحج على حسب ما نوى من حج وعمرة أو أحدهما، ووقت تحلله من إحرامه، فقال: (وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ)، " الواو " عاطفة على جملة (ذَلِكَ) الدالة على التعريف الموجز للحج، والإشارة إلى أركانه، ومحرماته، وأوقاته، و (يُعَظِّمْ) معناها يعطيها

стр. 7352

حقها من الإعظام والإكبار، فلا ينتهك موانع الإحرام، ولا يؤدي الأركان في مواعيدها، ولا يرفث ولا يفسق ولا يجادل في الحج، كما قال تعالى في كتابه الكريم: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ. . .)، والحرمات جمع " حرمة "، وهو ما لَا يحل انتهاكه مما حرمه اللَّه تعالى في الحج من بعد الإحرام وهو فرض الحج عليه، وقد روي عن زيد بن أسلم أنه قال: حرمات الحج خمس: الكعبة الحرام، والمسجد الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام، وما حرمه اللَّه تعالى على المحرم بعد فرضه الحج على نفسه (١). (فَهُوَ خَيْرٌ لهُ عِندَ رَبِّهِ)، هذا جواب الشرط (وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ) و " الفاء " واقعة في جواب الشرط، وهو قوله: (فَهُوَ خَيْر لَّهُ عِندَ رَبِّهِ)، فيها تأكيد الخيرية أولا: بذكر ضمير الفصل " هو " - وثانيا: بتخصيص الخيرية " له "؛ لأنه قام بمناسك الحج، أدى موجباتها وبعد عن موانعها، وقام بحق ضيافة اللَّه تعالى حق قيامه، وتعاون مع المسلمين وتعرف بهم، وذلك خير له ولكل المؤمنين. وثالثا: بأن أضاف الخيرية بأنها (عِندَ رَبِّهِ) الكالئ له والحامي. وقد ذكر الحرمات مضافة إلى ذي العزة والجلال حضا على صيانتها وتكريمها ومراعاتها حق رعايتها، وأحل ما أحل وحرم ما حرم، وإن الحج لا يكون خيرا إلا إذا طهرت النفوس من الآثام واتجهت إلى الديان وحده لَا شريك له؛ ولذا قال تعالى عاطفا على ما قبله (وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ) الإضافة هنا بيانية، أي البهيمة التي هي الأنعام، أي أنها من النعم التي أنعم اللَّه بها عليكم، فتحريمها بغير تحريم اللَّه تعالى كفر بنعمته، واستباحتها بغير إباحة اللَّه تعالى كفر بنعمته أيضا؛ ولذا قال تعالى: (إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) وما تلي هو ما جاء في سورة البقرة والأنعام والمائدة، وآخرها ما جاء في المائدة، فقد قال تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ

стр. 7353

الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣). هذا ما أُحل وهذا ما استُثني من الحلال، وذكرت بهائم الأنعام وإحلالها في هذا المقام لمناسبة الهدْي ووجوبه والأكل منه، وإن المشركين كما أشرنا أحلوا ما حرم اللَّه فأكلوا ما أهلّ به لغير اللَّه من أوثانهم، وحرموا ما أحل اللَّه تعالى في تحريم السائبة والوصيلة والحام، ونسبوا التحريم إلى اللَّه تعالى، وذلك زور في القول، والإهلال لغير اللَّه والذبح على النصب والاستقسام بالأزلام، كل ذلك من الوثنية أو الكذب على اللَّه تعالى؛ ولذلك جاء من بعد النهي عن الوثنية وقول الزور، فقال عز من قائل: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ). (الرِّجْسَ) هو الشيء القذر، والقذارة هنا معنوية وليست حسية؛ لأن النفس والعقل يقذران بتقديس الأحجار وعبادتها؛ لأنها تنزيل للفكر، وضلال في العقل، وافتئات على اللَّه ﷻ ، والأوثان جمع وثن، وهو ما يعبد من تماثيل، وأصله من وثن الشيء أي أقامه في مقامه، فسمي الوثن كذلك؛ لأنه يركز في مقامه، وهو بطبعه جماد لَا يتحرك إلا بمحرك، و (مِنَ) في قوله تعالى: (مِنَ الأَوْثَانِ) بيانية، أي اجتنبوا الرجس، وهو الأوثان، ففي الكلام بيان بعد إبهام وهو يمكن المعنى في النفس، واجتنبوا معناها ابتعدوا كل الابتعاد، وهو أبلغ في النهي، وكان النهي عن الأوثان في هذا المقام؛ لأن اللَّه أحل بهيمة الأنعام، إلا الميتة وما يشبهها، وما أهل لغير اللَّه به، وقد استباحوا ما أهل به للأصنام وما ذبح على النصب، واستقسموا بالأزلام، فلا حج لمن كان كذلك، ولا خير له في حجه.

стр. 7354

وعطف اللَّه تعالى الأمر باجتناب قول الزور على اجتناب الأوثان؛ لأنهم كانوا يحرمون على أنفسهم بعض بهائم الأنعام، وينسبون التحريم إلى اللَّه كاذبين مزورين، ولا حج لهؤلاء، ولا خير لهم في تعظيمهم بعض مناسك الحج؛ لأن الخير يكون لمن قام بالواجب، وأبعد موانع القربى إلى اللَّه تعالى. وقد وصف اللَّه تعالى الذي يكون تعظيم حرمات اللَّه خيرا له عند ربه بقوله تعالى:

стр. 7355

(حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١) هذه الآية جزء متمم للآية السابقة متصلة بألفاظها؛ ولذا كانت كلمة (حُنَفَاءَ) حال من " الواو " في (فَاجْتَنِبُوا)، أي اجتنبوا الرجس من الأوثان، واجتنبوا قول الزور حال كونكم خالصين للَّه تعالى مستقيمين سائرين في سبيله، و (حُنَفَاءَ) جمع حنيف، وهو المائل من الانحراف إلى الاستقامة، فهؤلاء يخلصون من رجس الأوثان، ومن قول الزور الاستقامة والإخلاص للَّه تعالى أي يكونون كلهم للَّه تعالى لَا يبغونها عوجا فليس فيهم ضلال قط، ولا إشراك قط، بل خلصوا أنفسهم للَّه وحده، لَا يشركون في قلوبهم غيره، ولذا قال تعالى مؤكدا معنى إخلاصهم للَّه تعالى: (غَيْرَ مُشرِكِينَ بِهِ)، حال بعد حال، أي غير مشركين به أحدا أو شيئا في عبادته، وضرب بعد ذلك مثلا للمشركين يصور كيف ينحدر من سماء العقل والفكر، إلى منهوى الأرض، فقال تعالى: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) شبه اللَّه تعالى من يشرك باللَّه تعالى قد أضله الشيطان وأغواه بتشبيهين مبينين المنهوى الذي انهوى إليه عقله ومداركه، فشبهه في الأول بمن خر من السماء هابطا، ففي هبوطه تخطفه الطير، فتقطعه بمناقيرها، والتهمته أجزاء، وذلك لأن من أشرك قد هوى من سماء الإدراك السليم، والفكر المستقيم إلى مهاوٍ توزعته الأهواء، حتى صار ليس له فكر جامع، بل صار موزعا بين ضلال شتت نفسه، وصار موزعا بين أوهام فاسدة لَا راشدَ يرشده، ولا عقل يهديه.

стр. 7356

والتشبيه الثاني هو أن من يشرك باللَّه فكأنما خر من السماء، وصار كالريشة في مهب ريح الشك والأوهام فيركب من ريح هوجاء ألقته في مكان سحيق عن الحق، والهداية، بل صار ينتقل من ضلال إلى ضلال لَا إرادة له. والسَّحق التفتيت، والمكان السحيق، أي البعيد يلقى إليه مع بعده فتاتا مقطع الفكر موزع الأهواء، ولا فكر يسير ولا عقل يرشد، وقد قبسنا الكلام في هذين التشبيهين مع التوضيح والتوجيه من كلام الزمخشري، فقد قال: " ويجوز في هذا التشبيه أن يكون من المركَّب والمفرق فإن كان تشبيها مركبا قال من أشرك باللَّه فقد أهلك نفسه إهلاكا ليس بعده نهاية، بأن صور حاله بصورة من خر من السماء فاختطفته الطير فصيرته مزعا في حواصلها، أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطاوح البعيدة، وإن كان مفرقا فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء، والذي ترك الإيمان وأشرك باللَّه بالساقط من السماء، وشبه الأهواء التي تتوزع أفكاره بالطير المختطفة، والشيطان الذي يطوح به في وادي الضلالة بالريح التي تهوي بما عصفت به المهاوي المتلفة " اهـ. ونرى أنه جعله تشبيها واحدا مركبا ومفرقا، ونرى أنه تشبيهان مفرقين أو مركبين، وإن هذا التصوير كما ذكرنا، وكما ذكر الزمخشري هو على ذلك في الدنيا، لبيان هلاك المشرك، وتخطف الأهواء لمداركه ويبين فساد عقله وضلاله، وإنه لَا يكون بالنسبة للدين إلا في حيرة تسيره الأوهام ولا سلطان له على نفسه، وقد قال بعض المفسرين: إن تحقق هذه الحال المبينة بالتشبيه، إنما هي في الآخرة لا في الدنيا. وإننا نرى أن الجميع ممكن بأن تكون هذه حاله في الدنيا والآخرة، وإنه في الدنيا يتردى إلى ضلال الأوهام والأهواء من سماء الإيمان، وفي الآخرة يتردى إلى العذاب الأليم الذي يكون فيه خالدا.

стр. 7357

(ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) الإشارة إلى الحج، والفاصل كان متعلقا بالحج، فقد كان فيه الأمر باجتناب رجس الأوثان، والكذب على اللَّه بقول الزور والأمر بأن تكون الذبيحة للَّه، وأن

стр. 7358

يكون البعد عن الإشراك، وكل هذا إن لم يكن من الحج ليس بعيدًا عنه؛ ولذا كان الاعتراض بما هو تتميم للحج، فالمعنى ذلك الحج بما فيه من حرمات، وإذا كانت حرمات اللَّه تعالى يجب أن تكون مصونة غير معتدى عليها، فكذلك شعائر اللَّه تعالى يجب أن تكون مصونة معظمة، وشعائر اللَّه تعالى جمع شعيرة، وهي الأنعام التي وضعت عليها علامة على أنها خصصت للبيت الحرام تذبح فيه؛ ولذا صحت نسبتها إلى اللَّه تعالى أو إضافتها إليه ، وجاء في مفردات الراغب الأصفهاني: " ويقال: شعائر الحج الواحد شعيرة. . . أي ما يهدَى إلى بيت اللَّه تعالى، وسمى بذلك؛ لأنها تشعر أي تعلم بأن تدمى بشعيرة أو حديدة يشعر بها "، وكانت واجبة التعظيم، لَا لذات البهيمة، بل لأنها لبيت اللَّه تعالى، ولأنها دليل الاتجاه إلى العطاء الكريم في بيت اللَّه، ولأنها تكون لفقراء مكة الذين يكون إطعامهم استجابة لدعاء إبراهيم، وتعظيمها ألا تمس بسوء، وألا يعتدى عليها، وأن يحافظ عليها وعلى الشعار الذي أشعرت به، وأن تختار من خير صنفها في عظامه وسنامه، وسمنه، وأن يكون لها أكل طيب بالنسبة لها. ويقول تعالى: (فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)، الضمير في (فَإِنَّهَا) يعود إلى الشعائر، و " الفاء " واقعة في جواب الشرط، وهو قوله تعالى: (وَمَن يعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ) وكانت الشعائر من تقوى القلوب لأن تخصيصها لفقراء الحرم، والاتجاه بها في العبادة مظهر حسِّي يدل على تقوى القلوب، وهي بمقصدها وغايتها نابعة من التقوى، وهي استشعار خشية اللَّه تعالى والشعور بضيافته، ويلتقي بالناس متساويا معهم فقيرا وغنيا، ومعينا لفقيرهم، ومكرما لضيوف الرحمن من الحجيج، وأضيفت التقوى إلى القلوب، لأن القلب هو مكان التقوى، وقد قال ﷺ : " التقوى هاهنا "، وأشار إلى قلبه الكريم (١).

стр. 7359

(لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣) الضمير في (فِيهَا) يعود على الشعائر على أساس أن البُدن وغيرها من هدايا البيت هي الشعائر، على أساس ما يرمز إليه من تكريم البيت، والمعاونة في ضيافته، (لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ) بدرها وعملها، وصوفها ووبرها ما دامت في حوزتكم (إِلَى أَجَلٍ مسَمًّى)، وهو مدة بقائها في أيديكم إلى أن يحين وقت نحرها في يوم النحر، وفي هذه الحال يكون نسلها لكم، وكل ما يكون لها من نفع، (ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ)، (ثُمَّ) للترتيب والتراخي، والتراخي هنا التراخي الزمني، إن كان ثمة تراخ في الزمن، وهو زمن السير في ميقات الحج إلى محلها العتيق، والتراخي المعنوي، وهو أنها تنتقل من دابة لمنافع دنيوية إلى مرتبة دينية تشعر وتكون من شعائر الرحمن، وتحبس للفقراء في البيت، و (ثُمَّ) مع دلالتها على التراخي تدل على انتهاء الأجل المسمى والغاية التي تنتهي إليها هذه الشعيرة، وهي المكان الذي تذبح فيه (ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ)، أي محل ذبحها ينتهي إلى البيت العتيق، وهو أقدم بيت وأكرمه، وهو المعتق المعصوم من تحكم الملوك وسيطرتهم، فلم يسيطر عليه ملك قط، وما كان من هدم الحجاج الطاغية له مع أنه كان طغيان من لَا يهتم لمناسك اللَّه - لم يكن تسلطا من سلطان ملك، وقد بناه من بعد عبد الملك بن مروان الذي كان الحجاج يعمل له.

стр. 7360

(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) " المنسك " اسم مكان من " نَسَك " وهو مكان العبادة، والعبادة يطلق عليها النسك، وقد اختار اللَّه لأمة محمد البيت الحرام مكانا لنسكها وأداء العبادة في حج البيت الحرام، والإقامة فيما حوله، وأن يكون الذبح، وإطعام الفقراء، (لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ)، أي يذكروا اسم اللَّه تعالى عند ذبحها، شاكرين له نعمته وإذا كان اللَّه تعالى شارع الشرائع قد جعل لكل أمة منسكا هم ناسكوه؛ فذلك لأنه إلهكم أنتم وغيركم إلها واحدًا، فكان للماضين من الأمم

стр. 7361

منسك لكل أمة واحد، وإذا كان اللَّه واحدًا أحدًا، فالمناسك كلها في ماضيها وحاضرها له سبحانه، وهو مبينها للماضين، كما بينها للحاضرين، وجعل منسك أمة خاتم النبيين هي مكة المكرمة التي بها البيت العتيق، أول بيت وضع للناس بمكة المكرمة. و" الفاء " في قوله تعالى: (فَإلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) هي فاء الإفصاح؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، إذ المعنى إذا كان لكل أمة منسك فاللَّه الذي شرع المناسك واحد، وكلها لعبادته والتقرب إليه ، كذلك كان منسككم، وكان للماضين مناسك شرعها (فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ)، " الفاء " عاطفة، (أَسْلِمُوا)، أي أذعنوا، وأطيعوا متطامنين غير متمردين، ولا متطاولين ولا مستطيلين على أحد، ولذا قال تعالى: (وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ) بالثواب الجزيل والنعيم المقيم، ورضوان اللَّه تعالى، وهو أكبر الجزاء، فرضا الخالق بديع السماوات والأرض غاية أهل الإيمان العليا التي هي فوق كل مبتغى. والمخبت هو المتطامن المتواضع الذي لَا يتعالى، ولا يستطيل على أحد، وقد قال الراغب الأصفهاني في مادة خبت: " الخَبْتُ المطمئن من الأرض، وأخبت الرجل قصد الخبت أو نزله نحو أسهل وأنجد، ثم استعمل الإخبات استعمال اللين والتواضع، (وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ)، أي: المتواضعين، فالتواضع سمة المؤمنين، والغطرسة سمة الكافرين، والذين لم يشرب قلوبهم حب الإيمان، وهم ليسوا أذلاء، بل هم الأعزاء، ولقد قال محمد ﷺ : " مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ منْ مَال، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزا. وَمَا تَوَاضَعَ أحَدٌ لِلّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ " (١). وقد وصف اللَّه تعالى المخبتين الذين بشرهم بقوله:

стр. 7362

خلالٌ أربع هي جماع خصال المؤمن الذي هذبت نفسه، وتجمل بالصبر، وأقام الصلاة، وأنفق مما رزقه اللَّه تعالى. الخلة الأولى - (إِذَا ذُكرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ)، (الوجل) الخوف والخشية من اللَّه، لَا لأنهم كثيرو الذنوب، إنما هو لاستصغار حسناتهم، واستكثار سيئاتهم وتصورها، فهم من اللَّه تعالى القوي القهار في وجل، ومن خاف اللَّه حذر مخالفته، وحاول طاعته، وسعى في مرضاته، والوجل صفة أهل الإيمان كما قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)، وقال تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ. . .). هذه حال الذين يعرفون اللَّه ويتقونه حق تقاته. الخلة الثانية - فيها الصبر؛ ولذا قال تعالى: (وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ)، والصبر ضبط النفس، وسيطرة العقل، فإذا أصابهم أمر من أمور الدنيا المزعجة لا يهلعون ولا يفزعون، ويضبطون أنفسهم، فلا يكون عليهم شهوة جامحة، فلا يكون الهوى سيدا مطاعا، بل تكون الشهوة أمة لَا سيطرة لها، وإن كل شيء من مصائب الدنيا يهون أمام الصابر. والخلة الثالثة: إقامة الصلاة، أي أداؤها مقومة كاملة في ظاهرها وباطنها، فتكون النفس خاشعة خاضعة قانتة تحس النفس بروعتها، وأنها في حضرة ذي الجلال والإكرام وتمتلئ النفس بهيبته، وتخشع لعظمته؛ ولذا قال تعالى: (وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ) عبر باسم الفاعل لبيان أن الصلاة صارت شأنا من شئونه لا يتخلف عنها، والصلاة والصبر فيهما عون للمؤمن على الطاعة، قال تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ).

стр. 7363

والخلة الرابعة - الاتجاه إلى التعاون الاجتماعي، وذلك بمعونة الفقير، وسد الحاجات الاجتماعية والحربية، وهذا قوله تعالى: (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقونَ)، والإنفاق يشمل الزكاة المفروضة، والصدقات المنثورة، والصدقات تكفر الذنوب، كما قال النبي ﷺ : " الصدقة تطفئ الخطيئة، كما يطفئ الماء النار " (١)، ويشمل الذنوب والكفارات، ويشمل الإنفاق في الجهاد كما قال تعالى: (وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكمْ إِلَى التَّهْلكَةِ. . .)؛ لأن ترك الإنفاق في الجهاد يؤدي إلى التهلكة والانهزام. وقد تقدم قوله تعالى: (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ) على الفعل؛ لبيان أن الإنفاق مما رزقهم اللَّه وحده فليس من جهودهم ولا أعمالهم ولكن من توفيق اللَّه تعالى، ومن رزقه الذي رزقه إياهم. وإن الإنفاق بكل أنواعه التي أشرنا إليها هو تعاون اجتماعي في السلم والحرب؛ ولذا سماه اللَّه تعالى الماعون فقال تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)، وهي الزكاة؛ لأنها يكون بها التعاون الدائم المستمر. * * * أعلى أنواع الهدى قال اللَّه تعالى: وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا

стр. 7364

وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧) * * *

стр. 7365

البدُن جمع بدنة، وهي تطلق على البدنة من الإبل، وسميت كذلك، لبدانتها، وسمنها وضخامتها، ولا تطلق إلا على الإبل وتعطى البقرة حكمها، فتجزئ عن سبعة كما تجزئ البدنة؛ لأنهما متقاربان في الحجم، وما يؤخذ منهما من لحم، والبدن من شعائر اللَّه، أي أن سوقها في الحج من شعائر اللَّه، وهي جمع شعيرة، وهي العبادة المعلمة التي يجمع فيها بين البينة، والإعلام بمناسك الحج؛ وذلك لأن أيام الحج كلها أيام إعلام، وإشعار بمناسك الحج، يلتقي فيها المظهر الإعلامي، وتقوى القلوب، فهي باعتبارها، وكون العبد قائما في ضيافة الله، واستشعار عظمته وجلاله في كل عمل من أعماله، وطاعته، وتكبيره، وإهلاله وترتيبه، في كل هذا تقوى القلوب؛ ولأنها مظهر حسِّي، كانت شعيرة معلمة كالقيام والقراءة والركوع والسجود شعائر معلمة؛ ولأنها مناجاة العبد لربه كان فيها تقوى القلوب. (فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ)، وفي قراءة صوافن، وصواف جمع صافة، والصافة هي من رفعت إحدى يديها بالفعل لئلا تضطرب، والمعنى اذكر اسم اللَّه تعالى عند إعدادها للذبح، وصافنة كصافة في المعنى. والذي أراه أن تُصَفّ النوق صفوفا عند ذبحها، بحيث تكون مقدمة للذبح في صفوف متتالية بعضها وراء بعض، وذلك فيه روعة في المظهر، وظهور للمشعر، وقد جاء في مفردات الراغب الأصفهاني: (فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ) أي مصطفة، وصففت كذا: جعلته على صف واحد، قال تعالى: (. . . عَلَى سررٍ مصْفوفَة. . .). (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ)، (وَجَبَتْ جُنُوبُهَا)، أي سقطت ذبيحة بعد ذكر اسم اللَّه تعالى، (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ

стр. 7366

وَالْمعْتَرَّ)، " القا نع " من القناعة، وهو الفقير الراضي الذي لا يسأل الناس إلحافا و " الْمعْتَرّ " افتعل من عَرَّ، وهو الذي يكشف فقره ولا يستره، ويطلب من الناس، ولا يمتنع عن السؤال، والإعطاء لهؤلاء صدقة مبرورة، وقدم عليها أكله هو لكيلا يحسب الناس أنه لَا يصح أن يأكل، (كذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ)، أي أنها مسخرة لكم تقضون عليها حوائجكم، وتنقلكم في هذه الصحراء المحرقة، وكما يقول الناس: الجمل سفينة الصحراء، إنه ينقل الأحمال في الصحراء كما تنقل السفينة الأحمال من إقليم إلى إقليم على متن البحار، وسخرها معناها زللها لكم لتكون في منافعكم، والكاف للتشبيه، أي أن الإبل كما أن اللَّه جعلها من شعائر اللَّه قد سخرها لكم (لَعَلَّكمْ تَشْكُرُونَ)، أي رجاء أن تشكروا اللَّه تعالى على أنعمه التي أنعمها عليكم ولا تكفروها، (. . . لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ). وإن هذا كله لخير العباد، ولإعلان المناسك، ولا يعود على ذات اللَّه تعالى العلية منها شيء.

стр. 7367

(لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧) نفَى اللَّه تعالى نفيا مؤكدا، أن يصل إلى اللَّه تعالى منها شيء؛ لأنه واجد الوجود غير محتاج حتى يحتاج إلى لحم البُدن ودماؤها، فإنما يحتاج إلى ذلك من يكون فقيرا إليها، ولا أن تكون مرضاته في لحومها، ولا في دمائها، فإذا كان قد أوجب عليكم نحرها، والتقرب بذبحها، فليس ذلك لأجل رضائه باللحم والدماء، (وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكمْ)، أي يبلغ مبلغ رضاه وقبوله التقوى منكم، فاللَّه سبحانه لَا يرضى بلحم يؤكل ولا تكون مرضاته في دم يهراق، وان كان ذلك، وإنما يبلغ مرضاته وقبوله التقوى، وهذه إشارة إلى أمرين: الأمر الأول - أن الدم المهراق مطلوب في الحج تذكيرا بفداء إسماعيل.

стр. 7368

والأمر الثاني - أن اللَّه تعالى ما طلب شعيرة البدن إلا لأجل التقوى، ولتكون مظهر هذه التقوى القلبية، وشعار مناسك الحج. (كذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكمْ)، أي كهذا التسخير من ذبح وأكل وتصدق (سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّروا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكمْ)، واللام للعاقبة، أي سخرها لتكون العاقبة أن تكبروا اللَّه في الحج على هدايتكم إليه ، ولتقيموا شعائره، ولتحسنوا أداء التكليفات التي كلفتموها، (وَبَشِرِ الْمُحْسِنِينَ)، أي أن الْمُحْسِنِينَ ينالون الخير العميم، والفضل العظيم، والهداية، فبشرهم بالبشرى الطيبة، والجزاء الحسن، وإن اللَّه لَا يضيع أجر من أحسن عملا. * * * الإذن بالجهاد قال اللَّه تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١) * * *

стр. 7369

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ. . .)، وإذا كان الذين آمنوا أولياء اللَّه فإنه يتولى الدفاع عنهم، وحمايتهم ما داموا قائمين على الحق يستمسكون بالعروة الوثقى؛ ولذا قال تعالى:

стр. 7370

(إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ). لقد دافع اللَّه عن الذين آمنوا فحفظهم في مكة، وإذا كانوا قد تعرضوا للأذى، فقد حماهم اللَّه بالصبر، والهجرة فارين بدينهم إلى الحبشة مرتين، ثم إلى المدينة، وأفرغ عليهم الصبر، واحتموا بحمايته، وهو عدة المؤمنين، ولما هاجروا إلى المدينة خف عنهم الإيذاء وزال، ولكن كتب عليهم الجهاد، وأذن لهم في القتال، فكانت حماية اللَّه تعالى أوضح، ونجد هنا أنه سبحانه عبر بالمضارع والمستقبل، أي أن اللَّه من شأنه أن يدافع عن الذين آمنوا؛ لأنهم أولياؤه، وأحباؤه، ومن نصبهم للدفاع عن الحق ودين الحق، وقد أكد اللَّه دفاعه عن الحق بـ " إن، وذكر لفظ الجلالة اللَّه ﷻ القوي المنتقم، ومن ينصره اللَّه فلا غالب له، وقد أكد سبحانه دفاعه بأنه سبحانه لَا يحب أعداءهم، لأنهم أعداء الحق المتألبون عليه؛ ولأنهم خائبون وأشد الناس كفرا، فقال عز من قائل: (إِن اللَّهَ لا يُحِبُّ كل خَوَّان كفُورٍ) فهذه الجملة السامية في مقام التعليل لمدافعته سبحانه عن المؤمنين؛ إذ هو سبحانه لَا يحب مقاتليهم، قد ذكر وصفين من أوصافهما هما سبب أن اللَّه تعالى لَا يحبهم: الوصف الأول - الخيانة التي بالغوا في الاتصاف بها. والوصف الثاني - الكفر الذي أوغلوا فيه وأمعنوا؛ ولذا عبر بـ (خَوَّانٍ كَفُورٍ)، والخيانة تتضمن مخالفة الفطرة، وتتضمن عدم طاعة أوامره ونواهيه، وتتضمن عبادتهم أحجارا، وإشراكهم مع اللَّه، وتتضمن خيانة المؤمنين، ونكث العهود كما كان يفعل اليهود الذين حاربوا النبي ﷺ -ومالأوا أعداءه وعاونوهم،

стр. 7371

حتى برز لهم وأجلاهم من ديارهم، وقتل رءوس الفساد فيهم، وغزاهم في خيبر. و" الكَفُور " هو الذي أشرك وسيطرت عليه الأوهام، وكفر بنعمة اللَّه تعالى وافترى على اللَّه تعالى، فادعى أن اللَّه حرم وما حرم، وأحل وما أحل. وقد ذكر سبحانه الكُلِّية فقال: (كلَّ خَوَّانٍ كفُورٍ) لعمومهم في الخيانة آحادًا وجماعات، فليس منهم إلا خَوَّان كفُور. وقال تعالى: (يُدَافِعُ) بصيغة المفاعلة للدلالة على المغالبة بين الحق والباطل، وأن اللَّه معهم في هذه المغالبة.

стр. 7372

(أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) لم يجئ محمد ﷺ للقتال، ولكن جاء للحق والدعوة إليه، ولنصرة الفضيلة، وفضيلته إيجابية وليست سلبية، ودينه إيجابي، وليس بسلبي، وما كان ليستخذي أمام الباطل، بل يقاومه، وإلا عمَّ الفساد، ولذا قال تعالى: (. . . وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ)، ولقد كان المؤمنون في مكة يؤذَوْن فيصبرون، حتى إذا كانوا في المدينة وكانت لهم قوة حامية أذن لهم في القتال دفاعا عن كيانهم ودينهم، فقال تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ) وعبر بالبناء للمجهول. . و (يُقَاتَلُونَ)، إشارة إلى أن المؤمنين لم يبتدئوا بالقتال، بل ابتدأ غيرهم عندما كانوا يؤذون المؤمنين، وهموا بقتل النبي ﷺ ، وأحاطوا بداره ليقتلوه، ولكن اللَّه نجَّاه منهم، كما قال تعالى: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠). وقد علل اللَّه تعالى الإذن بالقتال: بقوله: (بِأنَّهمْ ظُلِمُوا)، أي بسبب أنهم ظلموا. وانتصار الأمة المظلومة من الظالمين لها أمر يسوغه قانون العدل وقانون الرحمة، فمن الرحمة بالإنسان وقف ظلمه، ورد بغيه عليه، وأن يدافع عن المؤمنين المظلومين كما وعد، ولذا قال سبحانه: (وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ)،

стр. 7373

أي أن اللَّه كالئهم، وقادر وقدرته مطلقة على نصرهم إذا أخذوا في الأسباب، وأعدوا للقتال عدته، وتقدموا بقلوب خاضعة للَّه تعالى مؤمنة به سبحانه، وقد أكد نصره لهم بـ (إنَّ) وبذكر لفظ الجلالة وهو (اللَّهَ) القادر الغالب، وبتقديم الجار والمجرور (عَلَى نَصْرِهِمْ)، وبـ " اللام " في قوله: (لَقَدِيرٌ)، واللَّه ينصر من ينصره، ويؤيد بالحق المؤمنين، ويخزي الكافرين. وقد ذكر سبحانه كيف ظُلِم المؤمنون، فقال عز من قائل:

стр. 7374

(الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ)، بيان لظلمهم، إذ إن الخروج من الديار والبعد عن الأوطان في ذاته ظلم، وإذا كان بغيرِ سبب مسوغ أو حق مبرر يكون الظلم، ولذا ذكر هذا الأشَر (١) فقال: (بِغَيْرِ حَقٍّ)، أي بغير مبرر إلا أن يكون (ظلما)، لأنه إذا لم يكن يسوغ أو يبرر فهو ظلم لَا محالة وقد أكد ذلك الظلم، وإنه بغير حق، بل لأمر غير الحق (إِلَّا أَن يقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ) وهذا من بديع القول ففيه تأكيد المدح بما يشبه الذم، وذلك كقول النابغة الذبياني: ولا عيبَ فيهم غير أن سيوفَهم ... بهنَّ فلُولٌ من قِراع الكتائبِ والمعنى للنص السامي أن هؤلاء المشركين أخرجوا المؤمنين من ديارهم وأموالهم بغير حق إلا أن يكون ما شاهت به عقولهم، وضلت به أفهامهم من إشراك باللَّه تعالى في العبادة، وخضوع للأوهام، فيحسبون قول: (رَبُّنَا اللَّهُ) باطلا وهو الحق، فإنهم ما أنكروه (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ. . .)، وقوله تعالى حكاية عن المؤمنين (رَبُّنَا الَلَّهُ) يفيد قصر الربوبية على اللَّه تعالى وحده إذ لَا ربَّ سواه، ولا خالق سواه، ولا معبود بحق سواه.

стр. 7375

وإنه تجب محاربة الباطل، ومقاومة الشر، ومدافعة الظلم، وإلا تحكم الفساد والطغيان، ولكان الناس تحت طاغوت مستمر، ولذا قال تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا)، (لَوْلَا) حرف امتناع لوجود، أي لولا وجود الدفع بأمر اللَّه (لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ. . .)، أي دور العبادة لكن لم تهدم بيوت العبادة لوجود منع اللَّه الأخيار للأشرار، والصوامع جمع صومعة، وهي البيوت المخصصة للرهبانية، و " البيع "، وهي كنائس النصارى، و " الصلوات " وهي بيوت العبادة لليهود، قال الزجاج: هي كنائس اليهود وهي بالعبرانية صلوتا، ثم عربت فصارت صلوات. والنص الكريم يفيد أن دفع الباطل إذا لم يكن لم يستطع أهل دين أن يقيموا عباداتهم، فتهدم صوامع الرهبان، وبيع النصارى، وصلوات اليهود وكانت تهدم هذه البيوت، ولا تقام شعائر أهل دين من الأديان السماوية قبل انتساخها، وساد الشرك وتحكم، وهذا النص السامي يفيد أمرين: الأمر الأول - تمكين أهل كل دين من عبادتهم ببقاء أماكن العبادة لَا تهدم ولا تمس. والأمر الثاني - منع هدم معابد أهل الذمة على ألا يحدثوا جديدا. (وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا)، (مَسَاجِدُ) معطوف على (صَوَامِعُ)، أي لهدمت مساجد يهدمها المشركون إذا استطاعوا، ولكن يدفع اللَّه الناس بعضهم ببعض، فلا يمكنون، ووصف اللَّه تعالى المساجد بأنها (يُذْكَر فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كثِيرا)، كما قال في آية أخرى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧). وأخيرا نقرر حكم اللَّه تعالى، وهو أن حكم اللَّه تعالى أنه إن لم يدفع الشر يتحكم، وتهدم بيوت العبادة كلها، وتهدم المساجد على العباد، واللَّه سبحانه يتولى عباده.

стр. 7376

(وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ)، هذا قسم من رب العزة ﷻ ، ولذلك كانت " اللام " وكانت " نون " التوكيد الثقيلة، وكان القسم من ذي العزة والجلال أن ينصر من ينصره بأن ينصر دينه ويطيع أوامره، ويجتنب نواهيه، ويكون معليا لكلمة الحق والإيمان، وإنه في مقابل نصره لله ينصره، فاللَّه لَا ينصر من يكون عدوا لله تعالى ولمبادئه ومشركا به أوثانا لَا يضرون ولا ينفعون، وإن من ينصره الله غالب لَا محالة؛ ولذا قال سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)، فينصر من يعمل لإعزاز دينه وهو قوي قاهر قادر على كل شيء، وأكد قوته سبحانه بـ (إِنَّ) الدالة على التوكيد، وبـ " اللام " وبذكر لفظ الجلالة (اللَّهَ)، وبوصفه بالعزة وهي أنه ذو المنعة الغالب القهار. وإن أولئك الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق إن مكنوا في الأرض أقاموا العبادة الحق، وأصلحوا، ولا يفسدون؛ ولذا قال تعالى:

стр. 7377

(الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١) إن الظلم وقع على الذين أخرجوا من ديارهم بحق إلا أن يقولوا ربنا الله، وإن هؤلاء خير البرية ولهم فضل أنهم لَا يشركون بالله، وإنهم ليقولون ربنا الله فيحكمون بوحدة الربوبية ووحدة الخلق ووحدة التكوين، وهم إن تمكنوا من الأرض عمروها، وسادتها العبادة الحق والتعاون في المال والفضيلة. قال تعالى: (الَّذِينَ)، هذا وصف ثان للذين أخرجوا من ديارهم، وقد صورهم سبحانه مظلومين أُذن لهم بالدفاع عن الحق الذي حملوه، وردع الباطل الذي ظلموا منه، ويصورهم الآن أنهم إن مكنوا في الأرض عمروها، ونشروا فيها الخير والفضيلة، و (إِن مَّكَّنَّاهُمْ)، أي جعلنا لهم مكانا متميزا في الأرض، ودولة قائمة في الأرض يظلها العدل والخير والفضيلة، وقد ذكر الله تعالى أعمالا يقومون بها إن وجدت في جماعة كانت الأمة الفاضلة في الأرض.

стр. 7378

أول هذه الأعمال: إقامة الصلاة التي تقوم بها تلك الجماعة الكريمة تطهير نفوس آحادها، وملؤها بطاعة اللَّه وخشيته، وذلك بإقامة الصلاة فقال: (أَقَامُوا الصَّلاةَ)، أي أتوا بها مقومة تمتلئ فيها القلوب بذكره سبحانه، وتستشعر خشيته وهيبته ومحبته وجلاله، وبذلك تتطهر القلوب، وتعمرها خشية اللَّه تعالى ومحبته، فتحب عباده، وتحب كل شيء له، ويتحقق فيهم قول النبي ﷺ : " لا يؤمن أحدكم حتى يحب الشيء لَا يحبه إلا لله " (١). ثاني هذه الأعمال: إيتاء الزكاة، (وَآتَوُا الزَّكَاةَ)، وهي حق السائل والمحروم، وهي رمز للتعاون الاجتماعي بين القادر والعاجز والغني والفقير، ومن ابتلاه اللَّه تعالى بالمال، ومن ابتلاه اللَّه تعالى بالحرمان. وثالث هذه الأعمال: التعاون على الخير، ودفع الآثام، وذلك يكون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتكوين رأي عام فاضل يحث على الفضيلة، ويمنع الرذيلة، وهو قوله تعالى: (وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ) وبها يتكون رأي عام فاضل يشجع الفضلاء، ويقمع الأرذلين. وقال تعالى في ختام الآية الكريمة: (وَلِلَّهِ عَاقِبَة الأُمُورِ)، وهو يشير إلى أنهم يؤمنون بلقاء اللَّه تعالى وأنهم لم يخلقوا سدى، فيكون الخير لأهله يوم القيامة جنات النعيم، ولأهل الشر عذاب الحميم. * * * تكذيب الرسل قبل محمد ﷺ قال اللَّه تعالى: (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣)

стр. 7379

وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) * * * هذه إشارات إلى قصص بعض النبيين الذين طغت أقوامهم في البلاد وأكثروا فيها الفساد، وكيف كانت عاقبة أمرهم من هلاك لم ينتظروه، وشر لم يتوقعوه، وذلك تسلية للنبي ﷺ في عناد قومه له، فهو تسرية عن النبي ﷺ وإنذار للمشركين الذين جحدوا بآيات اللَّه.

стр. 7380

(وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣). ذكر اللَّه تعالى ما يشير إلى قوم نوح، وقد عاندوه وجادلوه، وتحدوه أن ينزل بهم ما هددهم به، وقد أغرقهم اللَّه ولم ينج معه في السفينة إلا من آمن وأهله إلا امرأته وابنه إلى آخر ما بينه في قصصه الحكيم وآياته البينات. وأشار سبحانه إلى قصة عاد قوم نبي اللَّه تعالى هود ﵇ أن عاندوه وكفروا به فجاءتهم ريح صرصر عاتية، وإلى قوم ثمود قوم صالح ﵇، الذين عقروا الناقة، فدمدم عليهم ربك عذابا ريحا صرصرا عاتية. وأشار سبحانه إلى قوم إبراهيم ﵇ الذين أرادوا إحراقه عندما حطم لهم الأوثان، وإلى قوم لوط الذين كانوا يأتون الفاحشة ما سبقهم بها من أحد من العالمين، وكيف دمر عليهم ديارهم، وجعل عاليها سافلها، وأمطر عليهم حجارة من سجيل.

стр. 7381

(وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤) وأشار سبحانه إلى تكذيب فرعون لموسي ولأصحاب مدين الذين بعث فيهم شعيب بالتوحيد، وبالإصلاح الاقتصادي فقالوا له: (. . . ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ. . .). وبعد أن أشار سبحانه إلى هؤلاء الأنبياء وأقوامهم الذين عاندوا وكفروا وأفسدوا قال : (فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ). " الفاء " هنا لترتيب ما بعدها على ما قبلها، " أمليت لهم " أعطيتهم ملاوة من الزمان وأمهلتهم، ثم أخذتهم أخذا شديدا، فانظر كيف [كان] " نكير " ياء المتكلم محذوفة، فانظر كيف كان نكيري عليهم، فكيف كان قوم نوح كما [أشركوا] أغرقوا، وقوم لوط أهلكوا، وفرعون والملأ معه قد انطبق عليهم البحر، فكانوا من المغرقين. وعمم سبحانه مآل الجماعات الظالمة، فقال تعالت آياته:

стр. 7382

(فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) " الفاء " عاطفة على قوله تعالى: (فَأَمْلَيْتُ)، و " كَأَيِّنْ " بمعنى " كم " الخبرية الدالة على الكثرة، والمعنى فكثير من القرى، وهي المدن العظيمة بمعنى القبيلة المجتمعة في المدائن، أو الإقليم، والمعنى كثير من القرى أهلكها اللَّه تعالى بمعنى أهلك أهلها، وأضيف الهلاك إلى المكان؛ لأنه تخرب وتهدم، وسقطت عروشه على جدرانه وخوى، فكأن الهلاك أصابها في المظهر، وإن كان لَا يقع إلا على السكان، وقد ذكر اللَّه سبحانه أن ذلك كان والحال أنها ظالمة، فنسب إليها الظلم، وإن كان من أهلها، وذلك لعموم الظلم في كل ربوعها، وكل كيانها، فأكل أموال الناس بالباطل، وإشراك باللَّه، واعتداء على الضعفاء، وعدم إقامة لأي نوع من

стр. 7383

أنواع العدل، فلا عدل في قانون، ولا قضاء، ولا اجتماع، بل فساد في فساد، وقال تعالى: (وَهِيَ ظَالِمَةٌ)، ولم يقل ظالمة، للإشارة إلى أن الهلاك جاءها، والظلم محيط بها لَا تخرج عنه، ولأن في التعبير بالحال يدل على التلبس به؛ ولأن كلمة " هي " لتأكيد الظلم، ففيه تكرار لذكر القرية، ثم قال تعالى: (فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا)، " الفاء " عاطفة على (أَهْلَكنَاهَا)، و (خَاوِيَةٌ) بمعنى الخواء والفراغ وبمعنى السقوط، وإن العذاب الذي كان ينزل بأولئك الظالمين الذين أشركوا باللَّه، وعاثوا في الأرض فسادا، كان يجيئهم بصواعق تنزل بهم أو أمطار بحجارة من سجيل، أو نحوها كجعل عالي الأرض سافلها، ومن شأن هذا أن السقوف، وهي العروش المذكورة في الآية تهوي، ثم تتحطم أو تسقط الجدران من بعد على العروش، ولذا نرجح أن يكون تفسير الخاوية بسقوطها متهدمة على العروش. (وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ)، معطوفة على (قَرْيَة)، وتعطيل البئر كناية عن فناء الذين كانوا يردون إليها يستسقون منها، ومعهم نعمهم، وغيرها، ومعنى هذا أنه لم يكن أحد من أهلها يأخذ الماء ليحيى به هو ودوابه، بل ذهب كل ذلك، فتعطلت الحياة والأمواه. (وَقَصْرٍ مَشِيدٍ) مرتفع ومجصص بالجص مزين، أي أنه تعطل كما تعطلت البئر، وأصبح خاويا لَا ساكن فيه، وقد بناه للزينة والراحة، فذهب وبقي القصر، أو تهدم كالقرية أو في ضمنها، وقد أراده للبقاء. * * * في الأرض في الماضين عبرة قال اللَّه تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)

стр. 7384

وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١) * * * هذه الآيات الكريمة موضحة لما تضمنته الآيات السابقة، وهي شواهد حسية، لما أخبر به العليم الحكيم:

стр. 7385

(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦) . و" الفاء " في قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا) لترتيب ما بعدها على ما قبلها، وهي تنبههم إلى السير، وهي مؤخرة عن تقديم لأن الاستفهام له الصدارة، وتقدير الكلام: فألم يسيروا في الأرض. . .، وهذا حث لهم على السير للاعتبار بمن سبقوا والاتعاظ بما نزل، (فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا)، " الفاء " عاطفة ما بعدها على ما قبلها، والاستفهام حث على السير في الأرض للاتعاظ والاعتبار بمن مضوا، وهذا حث لهم على التعقل، والتدبر، فيترتب على السير أن يتدبروا بعقولهم، ويعملوها للوصول إلى الحق وألا يشركوا به شيئا، ويروا رسوم الديار التي عَفَت وأهلكها اللَّه بظلم أهلها، (أَوْ آذَانٌ يَسْمَعونَ بِهَا)، وهذا حث لهم على تعرف أخبار الديار ومن كانوا فيها، وما جرى منهم من ظلم، وما جرى عليهم من هلاك، وخراب أرضهم وديارهم.

стр. 7386

ولكنهم لم يعتبروا، ولم يتدبروا أمرهم، ولم يعيشوا حاضرهم على ماضي غيرهم؛ ولذا قال تعالى: (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ). هذا النص فيه إشارة إلى أنهم وإن كانوا ذوي أبصار تنظر وترى ولكنها عمت عن الحق، ولم تنظره نظرة اعتبار واستبصار، فهم عمت قلوبهم عن الإدراك وكانت غير مبصرة للحق، ولا نافذة إلى لبه ومعناه، وفي الكلام مجاز بالاستعارة إذ شبه عدم إدراك عقولهم للحق وعدم إذعان قلوبهم بالعمى - بجامع عدم الإدراك في كلٍّ، وقوله: (الَّتِي فِي الصُّدُورِ) ترشيح للاستعارة وإبعاد للأبصار عن أن يكون عماها هو المراد؛ لأنها في الوجوه دون القلوب، والضمير في (فَإِنَّهَا) ضمير الحال والشأن أي الحال والشأن لَا تعمى الأبصار وإن المشركين مع أن الرسوم والآثار تعلن ما نزل بالغابرين، يتحدونك فيستعجلون العذاب، فقال تعالى عنهم:

стр. 7387

(وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) السين والتاء للطلب، والمعنى يطلبون العجلة بالعذاب متحدين زاعمين أن ذلك الإنذار لَا يقع كما قالوا: (. . . فَأتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)، وإن هذا التحدي منشؤه غفلة في نفوسهم وعقولهم، إذ حسبوا أنه لن يجيء، على حسب زعمهم، فأكده اللَّه تعالى بقوله: (ولَن يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ)، فهو جاءٍ لَا محالة. وكل ما يأتي واقع وقريب مهما يكن تمادي الزمان، وإن الزمان قريب أو بطيء، هو بالنسبة للعباد، أما عند اللَّه فإنه لَا تحكمه الأزمان والأماكن، (وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ)؛ لأن أزمان أهل الدنيا، أعراض لأحوالهم، أما الزمن عند الله فهو غير مقدور ولا معدود؛ ولذا قال تعالى: (وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) فلا تستطيعوا أن تقدروا زمنا لما يعدكم به، فلا يقال لكم هو مائة أو مائتان، ولكن هو محكوم بإرادته وتقديره سبحانه، وهذا

стр. 7388

تصوير لإمهال اللَّه في تقديره، وهو العظيم الحكيم العلي القدير، وتقديره سبحانه، اليوم عند اللَّه تعالى بألف سنة مما نعده بالأيام والليالي، إشارة إلى أنه لا يُعدّ وهو فوق تقديركم، والعرب ما كانوا يعرفون إلا الألف ومضاعفاته عدًّا، روي أن أعرابيا أعطاه الخليفة ألف دينار، فذكر ذلك لبعض صحبه، فقال له: لو طلبت أكثر لأعطاك، فقال الأعرابي: ما كنت أعرف فوق الألف عددا، فذكر الألف تقدير بأكبر عدد نعرفه، أو إطلاق للعدد، فالمعنى أنه ليس لكم أن تتصوروا سنين معدودة، بل إن وعد اللَّه بالعذاب سيجيئكم لَا محالة، ولا تتحدوا رسوله، وإنهم يرونه بعيدا، ونحن نراه قريبا.

стр. 7389

(وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨) في الآية السابقة استعجلوا العذاب وتحدوا النبي ﷺ أن يأتيهم به قريبا بعد أن ذكر لهم اللَّه القرى التي أهلكت وهي ظالمة، وفي هذه الآية ضرب لهم الأمثال بمن أملى لهم، وأمهلهم من القرى، وأن ذلك الإمهال قد غرهم أو اغتروا به ولم يفلتوا فقال: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ)، فـ (كَأَيِّنْ) هنا كأختها السابقة بمعنى (كم) الخبرية الدالة على الكثرة، أي كم من قرية أهلكناها (وَهِيَ ظَالِمَةٌ)، والجملة حالية، أي وهي في حال ظلم قد أحاطوا بأعمالها من شرك وعتو، وكبر وفساد في الأرض فأمهلها سبحانه مع بقاء هذه الحال، ثم جاءها العذاب من حيث لَا يتوقعون بياتا أو هم قائلون، أو ضحى وهم يلعبون. ولذا قال تعالى: (ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ)، (ثُمَّ) للتراخي ليتناسب التراخي مع الإمهال الذي أملى اللَّه تعالى به لهم، وإضافة الأخذ إليه سبحانه فيه تهديد شديد لأن الآخذ لهم القوي الجبار الذي لَا يفلت عن قدرته شيء، ثم قوله تعالى: (وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ)، أي أنهم يصيرون إليه سبحانه، وهو الذي أنذر وأرسل الرسل مبشرين ومنذرين، وهو شديد المحال، يجزيهم بما اكتسبوا من سوء وإيذاء وإضلال.

стр. 7390

وقد بين بعد ذلك أن الرسالة المحمدية مقصورة على الإنذار، وليس عليه أن يؤمنوا، فقال:
следующие страницы →