← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 7386–7425 · переход к 7391.

стр. 7386

ولكنهم لم يعتبروا، ولم يتدبروا أمرهم، ولم يعيشوا حاضرهم على ماضي غيرهم؛ ولذا قال تعالى: (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ). هذا النص فيه إشارة إلى أنهم وإن كانوا ذوي أبصار تنظر وترى ولكنها عمت عن الحق، ولم تنظره نظرة اعتبار واستبصار، فهم عمت قلوبهم عن الإدراك وكانت غير مبصرة للحق، ولا نافذة إلى لبه ومعناه، وفي الكلام مجاز بالاستعارة إذ شبه عدم إدراك عقولهم للحق وعدم إذعان قلوبهم بالعمى - بجامع عدم الإدراك في كلٍّ، وقوله: (الَّتِي فِي الصُّدُورِ) ترشيح للاستعارة وإبعاد للأبصار عن أن يكون عماها هو المراد؛ لأنها في الوجوه دون القلوب، والضمير في (فَإِنَّهَا) ضمير الحال والشأن أي الحال والشأن لَا تعمى الأبصار وإن المشركين مع أن الرسوم والآثار تعلن ما نزل بالغابرين، يتحدونك فيستعجلون العذاب، فقال تعالى عنهم:

стр. 7387

(وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) السين والتاء للطلب، والمعنى يطلبون العجلة بالعذاب متحدين زاعمين أن ذلك الإنذار لَا يقع كما قالوا: (. . . فَأتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)، وإن هذا التحدي منشؤه غفلة في نفوسهم وعقولهم، إذ حسبوا أنه لن يجيء، على حسب زعمهم، فأكده اللَّه تعالى بقوله: (ولَن يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ)، فهو جاءٍ لَا محالة. وكل ما يأتي واقع وقريب مهما يكن تمادي الزمان، وإن الزمان قريب أو بطيء، هو بالنسبة للعباد، أما عند اللَّه فإنه لَا تحكمه الأزمان والأماكن، (وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ)؛ لأن أزمان أهل الدنيا، أعراض لأحوالهم، أما الزمن عند الله فهو غير مقدور ولا معدود؛ ولذا قال تعالى: (وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) فلا تستطيعوا أن تقدروا زمنا لما يعدكم به، فلا يقال لكم هو مائة أو مائتان، ولكن هو محكوم بإرادته وتقديره سبحانه، وهذا

стр. 7388

تصوير لإمهال اللَّه في تقديره، وهو العظيم الحكيم العلي القدير، وتقديره سبحانه، اليوم عند اللَّه تعالى بألف سنة مما نعده بالأيام والليالي، إشارة إلى أنه لا يُعدّ وهو فوق تقديركم، والعرب ما كانوا يعرفون إلا الألف ومضاعفاته عدًّا، روي أن أعرابيا أعطاه الخليفة ألف دينار، فذكر ذلك لبعض صحبه، فقال له: لو طلبت أكثر لأعطاك، فقال الأعرابي: ما كنت أعرف فوق الألف عددا، فذكر الألف تقدير بأكبر عدد نعرفه، أو إطلاق للعدد، فالمعنى أنه ليس لكم أن تتصوروا سنين معدودة، بل إن وعد اللَّه بالعذاب سيجيئكم لَا محالة، ولا تتحدوا رسوله، وإنهم يرونه بعيدا، ونحن نراه قريبا.

стр. 7389

(وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨) في الآية السابقة استعجلوا العذاب وتحدوا النبي ﷺ أن يأتيهم به قريبا بعد أن ذكر لهم اللَّه القرى التي أهلكت وهي ظالمة، وفي هذه الآية ضرب لهم الأمثال بمن أملى لهم، وأمهلهم من القرى، وأن ذلك الإمهال قد غرهم أو اغتروا به ولم يفلتوا فقال: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ)، فـ (كَأَيِّنْ) هنا كأختها السابقة بمعنى (كم) الخبرية الدالة على الكثرة، أي كم من قرية أهلكناها (وَهِيَ ظَالِمَةٌ)، والجملة حالية، أي وهي في حال ظلم قد أحاطوا بأعمالها من شرك وعتو، وكبر وفساد في الأرض فأمهلها سبحانه مع بقاء هذه الحال، ثم جاءها العذاب من حيث لَا يتوقعون بياتا أو هم قائلون، أو ضحى وهم يلعبون. ولذا قال تعالى: (ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ)، (ثُمَّ) للتراخي ليتناسب التراخي مع الإمهال الذي أملى اللَّه تعالى به لهم، وإضافة الأخذ إليه سبحانه فيه تهديد شديد لأن الآخذ لهم القوي الجبار الذي لَا يفلت عن قدرته شيء، ثم قوله تعالى: (وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ)، أي أنهم يصيرون إليه سبحانه، وهو الذي أنذر وأرسل الرسل مبشرين ومنذرين، وهو شديد المحال، يجزيهم بما اكتسبوا من سوء وإيذاء وإضلال.

стр. 7390

وقد بين بعد ذلك أن الرسالة المحمدية مقصورة على الإنذار، وليس عليه أن يؤمنوا، فقال:

стр. 7391

(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) الخطاب للنبي ﷺ ، وهو أمر له ﷺ ، (قُلْ) يا رسول اللَّه تعالى حاسما لهم: (يَا أَيُّهَا النَّاس) الحظاب للناس كافة، وللمشركين من أهل مكة خاصة، (إنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مبِينٌ)، (إِنَّمَا) للقصر، والقصر هنا لأنهم طلبوا استعجال العذاب ولضلالهم البعيد، ولاستمكان الغفلة عن الحق في قلوبهم، يقولون للنبي (. . . فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)، فيقول لهم النبي ﷺ بأمر ربه: إن عملي فيكم، ورسالتي إليكم، أني نذير موضح مبين لكم الحق والشريعة، والعذاب أمره إلى اللَّه تعالى وحده، وكذلك الثواب والعقاب إليه وحده، وكل امرئٍ بما كسب رهين، ولذا قال سبحانه:

стр. 7392

(فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) " الفاء " تفصح عن شرط مقدر يتبين من الآية السابقة، ومعناه إذا علمتم أني لكم نذير مبين فقط، فإما أن تطيعوا فتكونوا مؤمنين، وإما أن تعصوا فتكفروا بآيات اللَّه تعالى ونعمه، والجزاء يذكر للمؤمنين إيمانا صادقا ويعملون عملا صالحا، والعمل الصالح ذكرناه في موضع أنه الطاعات من أوامر ونواه، والقيام بكل ما هو نافع للناس مرضاة للَّه تعالى، فلا يقصد بنفعهم إرضاءهم، إنما يقصد إرضاء ربهم، فمن يقصد إرضاء الناس فقط قد يرتكب إثما في سبيل إرضائهم. وسياق الكلام يتجه إلى أن الكلام كلام النبي بأمر ربه يحكيه اللَّه تعالى عنه، وذكر جزاء المتقين بقوله: (لَهُم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ)، المغفرة تنبئ عن رضا اللَّه تعالى عليهم، وهي ذاتها جزاء؛ لأن المؤمن مهما يكن تقيًّا له هفوات وهنات يحس بها في ذات نفسه، وكلما أرهف إحساسه الديني، وكلما هُذِّبت نفسه بالتقوى أحسَّ بهفواته واستكثرها، واستصغر حسناته، ولقد قال اللَّه تعالى لنبيه:

стр. 7393

(لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ. . .)، وما كان له ﷺ ذنب، ولكن اللَّه تعالى يخبر نبيه بمحبته، إن المغرورين هم الذين يستكثرون حسناتهم، ويستصغرون سيئاتهم، وحالهم هذه قد تجرهم إلى العصيان والوقوع في الشر، وما دام الرجل يستصغر ما فعل من حسنات، فهو لَا يُدل بها، ولا يمنّ على اللَّه، كما حكى عن بعض الأعراب قال: (يَمُنُّونَ عَلًيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا. . .). والرزق الكريم بعد المغفرة هو دخول الجنة، فهي ذاتها رزق كريم، وفيها كل ما تشتهي الأنفس، وأنهار جارية من تحت أشجارها، وعسل مصفى، وأنهار من خمر لذة للشاربين وحور عين، وغير ذلك، وكل رزق من اللَّه كريم رزق المتقين إياه، وهو رزق سخي طيب، جزاء ما فعلوا من خير، وكفوا أنفسهم عن الأهواء والشهوات، وهو رزق واسع دائم، ونعيم مقيم. هذا

стр. 7394

(وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١) (وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ)، أي اجتهدوا في آياتنا لَا لإدراكها ومعرفة ما فيها من حجة وبرهان، بل ليغالبونا فيها ويعاجزونا، أي ليبادلونا المناقشة في إعجازها، ودلالاتها على رسالة محمد ﷺ وعلى وحدانية اللَّه تعالى جل وعلا، وقد قال الزمخشري في هذه الآية: " وسعى في أمر فلان إذا أصلحه أو أفسده بسعيه، وعاجزه: سابقه؛ لأن كل واحد منهما في طلب عجز الآخر عن اللحاق به، فإذا سبقه قيل أعجزه وعجَّزه، والمعنى سعوا في معناها بالإفساد من طعن، حيث سموها سحرا وأساطير الأولين، ومن تثبيط الناس عنها سابقين، أو مسابقين في زعمهم وتقديرهم، طامعين في أن كيدهم للإسلام يتم لهم ". والمرمى في هذا الكلام أن هؤلاء المشركين يجتهدون في آيات اللَّه تعالى متعرفين غايتها ودلالتها لَا بصدق وأمانة وإدراك سليم، بل لغاية، وهي معاجزة المؤمنين، وتحويل الأمر إلى جدل عقيم، يحاولون إعجاز المؤمنين في حجتهم، والمؤمنون يتحدونهم أن يأتوا، وبتحول الأمر إلى مجادلة ضاعت الحقيقة، وتبعثرت في وسط لجاجتهم في القول.

стр. 7395

هؤلاء بين اللَّه تعالى جزاءهم بقوله: (أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) الإشارة إلى هؤلاء الذين يسعون لإفساد الحق على أهله، وضياعه في لجاجة من الباطل يثيرونها، ولكن الحق لَا يضيع بلجاجة الباطل، أولئك المتصفون بهذه الصفة بسببها يدخلون النار، وهم أصحاب الجحيم الملازمون لها ملازمة الصاحب لصاحبه. * * * الرسول ﷺ بشر صانه الله وعصمه قال اللَّه تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤) وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥) * * *

стр. 7396

(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ). " التمني " قال فيه الراغب الأصفهاني في مفرداته: " والتمني تقدير شيء في النفس وتصويره فيها، وذلك قد يكون عن تخمين وظن، ويكون عن روية، وبناء

стр. 7397

على أصل لكن لما كان أكثره عن تخمين صار الكذب له أملك وأكثر التمني تصور ما لَا حقيقة له، والأمنية: الصورة الحاصلة في النفس من تمنى شيء. و" الرسول " هو الذي يوحى إليه بشرع يكون شريعة للناس، و " النبي " لا يكون له شريعة مستقلة، ولكن يشرح بوحي من اللَّه شريعة رسول كالأنبياء من بني إسرائيل من بعد موسى، ولقد ورد في الأثر: " علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ". وإن هذه الآية الكريمة تصور كيف يدخل الشيطان في قلب الإنسان، إنه يجيئه من ناحية ما يتمناه، وما يجيء نتيجة لهذا التمني وهي الأمنية، فإذا تمنى ألقى الشيطان بزيفه وتضليله في نفس المتمني، ولو كان رسولا مرسلا أو نبيا يوحى إليه، لكن ما يلقيه الشيطان في نفس النبي أو الرسول ينسخه اللَّه تعالى أي يزيله، ولا يبقي له في نفسه أثرًا، بخلاف الذين في قلوبهم مرض، وليست إرادة تكف كإرادة الأنبياء. وهذا قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلا نَبِيّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ)، أي إلا إذا قدر لنفسه شيئا يريده ويحبه ويتمناه إلا وجد الشيطان لنفسه الذريعة التي ينفذ منها بوسوسته، فيلقي ما يوسوس في أمنيته ما يتمناه، ولكن النبي له إرادة حاكمة، وفي قلبه نور وهدى، وبهذه الإرادة والنورانية التي قذفها اللَّه في قلبه يزيل بها الله تعالى ما وسوس به الشيطان، ثم يحكم اللَّه آياته، أي ينزلها محكمة لَا ريب فيها، وهدى للعالمين، واللَّه عليم حكيم، يعلم كل شيء ويدبره. ويذكر بعض علماء الأثر قصة الغرانيق العلا الذي ادُّعيَ فيها أن النبي ﷺ سُحِر، وقال عن اللات والعزى: تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى، فهي قصة باطلة كاذبة مهما يكن راويها، ومنزلته في الرواية، فتصديقها يؤدي إلى الطعن في الرسالة المحمدية، وتكذيب راوٍ في قصة مهلهلة خير من تكذيب الرسالة والرسول، ومن يقبلها فهو في غفلة لَا يلتفت إليه، ويجب أن ننبه هنا إلى أمرين:

стр. 7398

الأمر " الأول " - أننا لسنا بالنسبة لرواية أحاديث النبي ﷺ ممن يسبقون بالقول فنقدم الشك في الرواية على تصديقها ما دامت رواية ثقات، ولم يكن من النصوص الثابتة ما يخالفها. الأمر الثاني - أننا لَا نقدم ما يرويه الراوي مهما يكن ثقة على نص قطعي غير قابل للتخصيص، فكيف نقدم رواية تؤدي إلى الطعن في صدق الرسالة المحمدية كلها ككون النبي ﷺ سُحِر، وقال عن اللات والعزى: تلك الغرانيق العلا، فهذا كذب لَا يمترِي في تكذيبه مؤمن. وننبه أيضا إلى أن الشيطان يأتي قلوب الناس يوسوس فيها من ناحية أمانيهم، وقد أزال تعالى ذلك عن أنبيائه بالنص القرآني القاطع، وادعاء سحره يناقض ذلك النص القاطع، أما غيرهم فإنه يغويهم لأنهم ليسوا عباد اللَّه المخلصين، والأنبياء بلا ريب من عباده المخلصين، وقال تعالى:

стр. 7399

(لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) إن اللَّه تعالى عصم الأنبياء؛ لأنهم حملة رسالته إلى خلقه، ويعرفوها نيرة سائغة، أما غير الأنبياء فإنهم أقسام؛ قسم أخلص للَّه، واستقامت قلوبهم، وهم من عباده المخلصين، وهم الصديقون والشهداء والذين يتبعون النبيين. وقسم آخر في قلوبهم مرض وضعف إيمان، بما قلدوا واتبعوا أهل الشر، وسلموا أنفسهم لهم، ولم يسلموها للَّه تعالى. وقسم قست قلوبهم فهي كالحجارة أو أشد قسوة بما مردوا عليه من نفاق، وقد غلفوا قلوبهم، فلا يدخلها نور الحق، وهم المنافقون واليهود شر البرية وهذان الفريقان هم الذين قال تعالى فيهم هذه الآية. وقوله تعالى: (لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ)، " اللام " هي التي تسمى لام العاقبة، أي لتكون نتيجة ترك الشيطان مسلطا على الناس يأتيهم من قبل أمانيهم، أي يجعل سبحانه ما يلقيه الشيطان من

стр. 7400

وسوسة وإغواء بمسايرتهم فيما يتمنونه حتى يصلوا إلى ما يرديهم (فِتْنَةً)، أي نعاملهم معاملة المختبر لصنفين من الناس يستهويهم بشرِّه، وقد أقسم ليغوينهم أجمعين إلا عباد اللَّه المخلصين. والذين في قلوبهم مرض هم الذين قد استولى عليهم الشك، فالشك مرض القلوب، وهم الذين يتبعون آباءهم، ويقولون: (. . . بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ)، فالتقليد من غير تفكير، ووزن للأقوال مرض كالشك أو يزيد، والقاسية قلوبهم هم اليهود وغيرهم ممن يستمسكون بما هم عليه من أقوال لَا تمت إلى التوراة بسبب، وقد وصفهم اللَّه تعالى بقسوة القلوب، فلا تفتح للحق بل هي مغلقة، تسد كل نور لهداية، فقال تعالى فيهم: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤). وقد رأينا المشركين آمنوا بعد شرك، أما اليهود، فلم يؤمنوا، وعاشوا للدس والخيانة ونقض العهود والمواثيق، وختم اللَّه تعالى الآية الكريمة بذكر أولياء الشيطان فقال: (وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ)، والظلم وصف يعم ظلم العبادة فيشمل الشرك، وإن الشرك لظلم عظيم، كما قال لقمان الحكيم لابنه، ويشمل ظلم العباد بعضهم لبعض، ويشمل الخيانة والنميمة فعل اليهود. (وَإن الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ)، أي كل فريق منهم في شق يفارق الآخر، فالمشركون في شق، واليهود في شق، والمنافقون في شق، والنفاق ضروب مختلفة، وكل شق بينه وبين الآخر مسافة بعيدة، ولذا وصف الشقاق كله بأنه (بَعِيد)، مختلف في أجزائه.

стр. 7401

(وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤) " الواو " عاطفة، و " اللام " هنا كـ " اللام " هناك، أي لتكون نتيجة إلقاء الشيطان بوسوسته، للاختبار لمرضى القلوب والقساة الغلاظ، (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) من أتباع النبيين الحق، أي أنهم أوتوا علم النبوة من الأنبياء فنفوا عن

стр. 7402

أنفسهم بما ألقى الله تعالى في قلوبهم من علم بالصدق والصبر الضابط للنفس (أَنَّه الْحَقُّ)، الضمير يعود على القرآن الذي ذكر الله تعالى أنه أحكمت آياته، بعد دفع إغواء الشيطان ووسوسته عن الرسل والأنبياء من وقت مبعثهم إلى أن قبضهم اللَّه إليه. وقوله: (أَنَّهُ الْحَقُّ)، فيه قصر، لتعريف الطرفين أي أن القرآن الكريم هو الحق، فليس حديثا يفترى ولا أساطير الأولين، (فَيُؤْمِنُوا بِهِ)، ولذلك يؤمنون به و " الفاء " للسببية، أي بسبب علمهم يؤمنون به (فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ)، الإخبات قال فيه الراغب في مفرداته: الخبت المطمئن من الأرض، وأخبت الرجل قصد الخبت أو نزله نحو أسهل وأنجد، ثم استعمل الإخبات استعمال اللين والتواضع، والمعنى تواضعت قلوب المؤمنين، ولم تمار في الحق قلوبهم، بل أخبتت وسكنت إلى الحق. و" الفاء " في قوله تعالى: (فَيُؤْمِنُوا) فاء السببية أو عاطفة على العلمِ الذي أوتوا، وكذلك " الفاء " في قوله تعالى: (فَتُخْبِتَ)، ثم قال تعالى: (وإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مسْتَقِيمٍ)، أي أن اللَّه من شأنه ﷻ أن يهدي الذين آمنوا بأن سلكوا إلى الطريق الأقوم أو شرعوا فيأخذ اللَّه بأيديهم، والصراط هو الطريق المستقيم، وهو صراط اللَّه تعالى، كما قال تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ. . .). وقد أكد سبحانه هداية الله تعالى المؤمنين إلى الصراط المستقيم بـ (إن) المؤكدة وبـ " اللام " وبـ " الجملة الاسمية ".

стр. 7403

(وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥) (وَلا يَزَالُ) معناها استمر، وكأنه كان يتوقع بتوالي الأدلة، وتضافر الإثبات أن يزول ريبهم، ولكنه لم يزل بل استمر، والمرية: الشك، والضمير في

стр. 7404

(مِنْهُ) يعود على القرآن، فبينما الذين أوتوا العلم وهبوا اليقين أنه الحق من ربهم وخالقهم وذارئهم، ولا يمكن أن يكون إلا حقا لتوالي التحدي وتوالي العجز، (وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كفَروا فِي مِرْيَةٍ منْهُ)، وإنهم مستمرون على هذا الشك (حَتَّى تَأتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً)، أي القيامة وينتهي الكون، وهم في ضلالهم القديم، (أَوْ يَأتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ)، في هذا اليوم الذي وصفه اللَّه تعالى بالعقيم، وأنه لا خير فيه، ولا ثمرة تنتج منه، ويحتمل أن يكون يوم القيامة ويكون عقمه في أن كل يوم له يوم يعقبه، وكأنه عقبه الذي أنجبه، أما يوم القيامة فليس له تالٍ يكون كالعقب له، والسياق يجافي ذلك؛ لأن الساعة يوم القيامة و (أَوْ) تقتضي أن يكون اليوم العقيم غيره، ويحتمل أن يكون يوما كيوم بدر، ووصف بأنه عقيم؛ لأن فيه قطعت أرحام قطعها المشركون، وفيه حرمت النساء من أولادهن فصاروا كأنهم لم يلدوهم، ولأن يوم بدر وأشباهه يوم حرب، ويوصف رجاله ومقاتلوه بأنهم أبناء الحرب، والحرب لَا تنتج، فهي عقيم، ثم هو لَا خير فيه للمشركين، فهو يوم عقيم، ويقال كما في القرآن الكريم: (. . . الرِّيحَ الْعَقِيمَ)، أي لَا مطر فيها ولا خير. هذا، وإن الكافرين يستمرون في مريتهم، والشك حيرة واضطراب، حتى تأتيهم الساعة أو يأتيهم يوم يقاتلون فيه، ولا خير فيه يعود عليهم، بل شرٌّ مستطير، فهو يوم عقيم، واللَّه يهدي من يشاء بإذنه. * * * الملك لله يوم القيامة قال اللَّه تعالى: (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧)

стр. 7405

وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩) * * *

стр. 7406

(الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) . (الْمُلْكُ) في يوم القيامة للَّه وحده، فليس لأحد في ذلك سلطان ولو صوريا كسلطان أهل الدنيا، ولا حكم، ولو تحكميا، كحال الملوك المستبدين، ولا رقابة لأحد غير اللَّه تعالى، كل الملك للَّه وحده فلا طاغوت ولا طغيان، ولا حكم لغير الله، والتنوين في (يَوْمَئِذٍ) ينبئ عن مضاف إليه يناسب المقام، وهو يوم القيامة والجزاء والحساب، والمعنى على ذلك يكون الملك المطلق يوم تقوم القيامة، وينصب الميزان، ويكون الحساب ومن بعد الثواب والعقاب، وذلك فيه إنذار شديد بأن المؤمنين ومخالفيهم يلاقون ربهم، ويواجهون أعمالهم، ويفصل بينهم سبحانه بالحق والقسطاس المستقيم. (فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ)، " الفاء " للإفصاح عن شرط مقدر، والمعنى إذا كان اللَّه تعالى هو الحكم وحده (فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، من عبادات، وطاعات للأوامر والنواهي، وعمل صالح نافع للناس لا يقصدون به إلا وجه اللَّه، (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ)، الإضافة هنا بيانية، أي في جنات النعيم الدائم الخالد المقيم.

стр. 7407

(وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧) هذا جزاء المؤمنين عندما يلاقون ربهم أما الذين كفروا من المشركين وأهل الكتاب، وكذبوا بآياتنا، وعبر بالموصول في الكفر والتكذيب بآيات الله؛ للإشارة

стр. 7408

إلى أن سبب الجزاء هو كفرهم برسالة محمد ﷺ وتكذيبهم لآيات اللَّه، وتكذيب آيات اللَّه تسجل تكذيبهم للآيات القرآنية، أي تكذيبهم للقرآن مع عجزهم عن أن يأتوا بمثله، وتكذيبهم لدلالة الآيات الكونية الدالة على وحدانيته وإبداعه في خلقه. وأضاف الآيات لذاته العلية لبيان عظيم افترائهم، وأنهم فعلوا ذلك استعلاء واستكبارًا، ولذلك وصف اللَّه العذاب النازل بهم بأنه عذاب مهين مذل ملقٍ بهم في الهوان؛ لاستعلائهم على الحق وآيات اللَّه.

стр. 7409

(وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) هذه الآية فيها حث على تجميع المؤمنين في لواء واحد، وكل مؤمن مدعو للهجرة إلى تجمع المؤمنين، حتى لَا يكون المؤمنون مبعثرين في الأرض، فالمستضعف في أرض عليه أن يهاجر إلى موضع تجمع المؤمنين، فليس لمؤمن أن يعيش ذليلا للاستضعاف في أرض عدو لَا يستطيع أن يقيم شعائره الإسلامية فيها، فقد قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠). فالهجرة ليصل إلى جماعة المؤمنين أو ليقاتل ويجاهد [والجهاد] ما زال بابه مفتوحا وفيه ثواب الجهاد والهجرة، وحديث " لا هجرة بعد الفتح " (١)، يراد به الهجرة من

стр. 7410

مكة إلى المدينة، فقد صارت مكة أرضا للإسلام، لَا يهاجر منها إلا للجهاد في المدينة والتجمع كما يكون في المدينة يكون في مكة. وإذا كانت الهجرة مطلوبة من أرض فيها ضعف إلى حيث العزة الإسلامية والجهاد، فالذين هاجروا في سبيل اللَّه تعالى ليجتمعوا مع المؤمنين ويجاهدوا معهم لهم جزاء؛ ولذا قال تعالى: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، أي كانت هجرتهم في سبيل اللَّه، أي إن ذات الهجرة للجماعة الإسلامية جهاد في ذاته، وقال تعالى: (ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا)، العطف بـ (ثُمَّ) الدالة على التراخي في موضعه؛ لأن قتلهم ليس عقب الهجرة، ولا موتهم، بل إنهم يعيشون مقيمين مع المؤمنين ما شاء اللَّه أن يقيموا مجاهدين حتى يستشهدوا في قتال أو يموتوا حتف أنوفهم، وقد بين اللَّه تعالى جزِاءين أحدهما في الدنيا، وقد بينه بقوله: (لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ). أقسم اللَّه سبحانه بأنه يرزقهم رزقا حسنا، أي طيبا سخيا، يغدق اللَّه تعالى فيه عليهم من خيره، من الفيء وغنائم الحرب، فإن اللَّه تعالى جعل رزق المجاهدين في ظلال سيوفهم، وشكاة سلاحهم، وفي سنابك خيلهم، (وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)، واللَّه أكرم الرازقين. وأفعل التفضيل ليس على بابه، بل إن اللَّه تعالى رزقه في أعلى درجات الرزق، هذا هو جزاء الدنيا، فإن الهجرة من أرض الذل إلى أرض العزة في سبيل الله يكون فيه الرزق. أما الجزاء الأخروي فقد ذكره سبحانه بقوله عز من قائل:

стр. 7411

(لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩) أقسم سبحانه وتعالت قدرته، فقال: (لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ)، أي ليدخلنهم اللَّه، وكأنهم ضيوفه يوم القيامة، وأكد ذلك بـ " القسم " و " لامه " و " نون " التوكيد، (مُّدْخَلًا)، اسم مكان، وصفه بأنهم (يَرْضوْنَهُ)، يستطيبون نعيمه، ويفكهون في خيره، وهو الجنة التي تجري من تحتها الأنهار، (وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ)، بأحوال خلقه يعلم مؤمنهم وكافرهم، وهو حليم يغفر السيئات

стр. 7412

بالحسنات، كما قال تعالى: (. . . إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ. . .) ، والخلق جميعا قبضته يوم القيامة. * * * نصر الله تعالى وقدرته العليا، وعلمه قال الله تعالى: (ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤) * * *

стр. 7413

(ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ). (ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ) الآية، الإشارة إلى البعيد، من قوله تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا. . .) إلى آخر ما جاء بعد ذلك من جزاء أهل الحق في الدنيا والآخرة، وجزاء أهل الباطل في الدنيا والآخرة ذكر اللَّه أن من يرد الاعتداء بمثله، (ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْه)، أي إذا بُغي عليه بعد ذلك (لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ).

стр. 7414

وسمى سبحانه رد الاعتداء عقابا للجاني، وذلك حق؛ لأنه أوذي فيعاقب المؤذي بمقدار، ولكن سمى الاعتداء عقابا وذلك من قبيل المشاكلة اللفظية، وليتم القصاص بين الجاني والمجني عليه بالتساوي، وإن اللَّه يذكر أنه بعد العقاب برد الاعتداء بمثله، لَا يصح للمعتدي أن يعاود اعتداءه؛ لأن ذلك يكون بغيا وظلما، ولذا قال تعالى: (ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ)، وكان التعبير بـ (ثُمَّ) للإشارة إلى بعد ما بين مرتبة القصاص العادل والبغي الظالم، وإن الله تعالى ينصر العادل على الباغي. (لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ) الضمير يعود إلى من بُغي عليه، وقد أكد اللَّه تعالى نصره للمعاقب المقتص، بالقسم و " لام " القسم، وبـ " نون " التوكيد الثقيلة كما يعبر النحويون. وختم الله تعالى الآية الكريمة بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّه لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) العَفُوُّ " فعول " من العفو، أي أنه كثير العفو، وهو صفة من صفاته جل وعلا، أو اسم من أسمائه، فهو يعفو عن كل تقصير، وكل مخالفة ليست ذنبا، وهو غفور يغفرها إذا كانت مما لم يأثم بالنفس، ويكسبها إعتاما وإظلاما، بل يكون بجواره حسنات تكشف ظلمتها، وتكون مع ذلك توبة نصوح تَجُبّ السيئات. وقد قيل: لماذا ختمت الآية بالعَفُوّ الغفور، مع أن النصرة لدفع الظلم، وذلك يقتضي اسم القدرة والقهر؟ ومعاذ اللَّه أن يكون المفسرون قد يتطاولون على عبارات القرآن الكريم، ونقول: المناسب هو العفو الغفور، بالنسبة للباغي، والمعاقب، ذلك أن الحرب في عصر النبي ﷺ ، وما قام به الصحابة والتابعون من بعده ما كانت حرب دماء وغلب، بل كانت حرب هداية وإرشاد، وتعليم، ورفع للظلم، ورحمة للعالمين؛ ولذلك دعا اللَّه تعالى إلى العفو فيها فقال تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)، وقال تعالى في هذا المقام أيضا: (وَلَمَن صبرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمورِ)، وقال: (. . . فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلَى اللًّهِ)،

стр. 7415

وهكذا أكثرت الآيات التي طالبت بالعفو مع القصاص، فكان القصاص سائغا، والعفو والتسامح والصفح مندوبا إليه، كما قال تعالى (. . . فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ)، ولذا كان ختم الآية بالعفو والغفران له موقعه، وهو من الأسلوب الحكيم الذي لَا يعلو إليه متكلم في الأرض، فهو يحث على العفو كما حثت الآيات الأخر، وهو يبين أن حرب الإسلام العادلة يؤثر اللَّه فيها الصفح من أهل الإيمان ما كان سبيل إليه، إذ إنها ليست للانتقام، وإلا تكررت الحروب، فهذا الفريق يقتصُّ، ثم الفريق الآخر يبغي، ويتوالى القصاص والبغي، وفتح باب العفو يغلق باب الحرب، ما دام الحق يمكن إقامته بغير توالي القتال، القتال عادلا، أو باغيا. وقد صور اللَّه تعالى دفع الباطل بالحق، وكون النصر والقتال له يكون دولة بإيلاج الليل في النهار، فقال تعالى:

стр. 7416

(ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) الإشارة إلى نصر اللَّه لمن يبغى عليه بعد أن دافع عن نفسه، والولوج الدخول في مضيق كما جاء في قوله تعالى: (. . . حتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ. . .)، وجاء في المفردات قوله تعالى: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ) تنبيه على ما ركب اللَّه العالم من زيادة الليل في النهار، وزيادة النهار في الليل، وذلك بحسب مطالع الشمس ومغاربها. والمعنى أن هذا تنبيه لاختلاف مدار الأرض حول الشمس، وقربها أو بعدها بجعلها قريبة نسبيا بقدر ضئيل، فيطول النهار، وبعيدة نسبيا بمثله فيطول الليل، وكل شيء عند ربك بمقدار، وهو الكبير المتعال المالك لكل شيء، والمسير للكون بإحكام، وبنواميس لَا تتخلف، كما اختار العزبز الحكيم العالم بكل شيء (وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) " أن " معطوفة على (بِأَنَّ اللَّهَ يولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ) إلى آخره،

стр. 7417

(وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ) لما يجري في الكون، يعلم علم من يسمع، و (بَصِيرٌ) يعلم علم من يبصر لا يغيب عنه شيء في السماء ولا في الأرض. ويسأل سائل هنا: لماذا ذكر ذلك في هذا الموضع من نصره لمن بُغي عليه؟، وأنه يعفو عمن يترك ما يؤذيه إليه سبحانه، ويغفر له؟ والجواب عن ذلك أن اللَّه تعالى ذكر أمرين أو أشار إليهما: الأمر الأول - أن اللَّه سبحانه ينصر من بُغي عليه وأكد نصره، بالتوكيدات التي ذكرناها في موضعها. والأمر الثاني - أن اللَّه تعالى يندب إلى العفو والتسامح عند القصاص، وفي هذا النص السامي الكوني يشير سبحانه إلى أنه يجعل النصر والهزيمة دولة بين الناس، والقوة والضعف دولة بين الناس كما يجعل الليل يدخل في النهار، والنهار يدخل في الليل، فيزاد هذا تارة وينقص أخرى، فعلى الدولة المنتصرة أن تذكر أنها قد تنهزم، فلا تغالي في القصاص، بل تفتح زاوية للمعروف من العفو والتسامح. وبذلك يدعو الإسلام إلى أن لَا تكون الحروب الإنسانية قاطعة مانعة لكل سلام، بل يجب أن يشع نور السلام في وقت الحروب العادلة، إلا أن يكون العدو شرسا كاليهود أعداء الإنسانية.

стр. 7418

(ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢) الإشارة إلى معنى الآية السابقة من نصره سبحانه لمن بُغي عليه مع دعوته إلى العفو إذا كان له موضع، ويفتح باب السلام ولا يغلقه، ما لم يكن مطمعا للباطل في الحق، أي كان ذلك بإجازة القصاص مع فتح الباب بالعفو، (بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ)، أي بسبب أن اللَّه هو الحق، واللَّه تعالى هو الحق لأنه منشئ الكون، وناصر الحق والداعي إليه، وهو المعبود الحق الذي لَا إله غيره؛ ولذا وصف بأنه

стр. 7419

الحق، وأنه هو الخالق الحق، والواحد في ذاته وصفاته، والمعبود بالحق، لذلك أخبر عنه بأنه الحق، والتعبير بقوله: (هُوَ الْحَقُّ) يفيد القصر، أي أنه لَا حق غير اللَّه، فكل ما عداه باطل، لأنه إلى فناء. (وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ)، أي ما يعبدون من آلهة غيره باطلة؛ لأنها لا تضر ولا تنفع، وليس لها من وجود في ذاتها، إذ هي جماد، لَا يتحرك إلا إن تحرك. (وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ) الذي لَا يساميه موجود، ولا يناهده أحد، إذ الجميع خلقه، وهو القاهر فوق العباد، وهو (الْكَبِيرُ)، فهو واجب الوجود المطلق، وكل شيء يستمد منه وجوده فهو وحده الكبير، والنص السامي يدل على انحصار العلا والكبر بذاته وصفاته فيه وحده، ودل على اختصاصه بذلك التعبير بقوله (هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) تعريف الطرفين فإنه يدل على القصر، فكان العلاء والكبرياء مقصورين عليه وحده، إذ كل مخلوق سواه مستمد وجوده منه، ووجوده غير باق، فهو سبحانه الباقي وحده، وهو وحده واجب الوجود. وبين سبحانه نعمه على خلقه، فقال عز من قائل:

стр. 7420

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣) (أَلَمْ تَرَ)، الاستفهام هنا للتنبيه، وقد جاء على صيغة الاستفهام الإنكاري الدال على نفي الوقوع، وهو داخل على " لم " النافية ونفي النفي إثبات، والمعنى لقد رأيت بنظرك وعلمك (أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً)، والسماء هنا ما علاك، فليست أجرام السماء من شمس وقمر وكواكب في أبراجها، وتماسكها، إنما المطر ينزل من سحاب قريبة دانية أو بعيدة قاصية، وذلك بينه قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ

стр. 7421

يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤). فهذا النص الكريم يوضح نزول المطر من السحاب المتكاثف بقدرة اللَّه تعالى وما كانت لتدرّه إلا بأمر اللَّه، وإنه ينزل المطر إلى الأرض لتعمل أيدي الزراع فتبذر البذور وترجو الثمار من الرب، وتخضر الأرض، ولذا قال تعالى: (فتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً)، " الفاء " عاطفة، وهي للتعقيب، وبظاهر اللفظ يكون الاخضرار عقب نزول المطر بلا تراخ في الزمن، وكيف يكون وثمة تراخ بإنبات البذر وظهور عيدانه، وصيرورة الأرض مخضرة؟ والجواب عن ذلك أن التراخي في أعمال العباد، وليس من اللَّه، بل إن إرادة الله لَا تراخي فيها، إنما هي أن يقول كن فيكون؛ ولأن التعبير بـ " الفاء " التي تفيد الفورية فيه تنجيه إلى عجائب الله في الخلق والتكوين، إذ يكون من التلاقح بين الماء والأرض اليابسة نبات مخضر تزدان به الأرض، وتكون ذات منظر بهيج، وقد وصف سبحانه الأرض بأنها مخضرة إذ اختفت طينتها، ولم تبد إلا خضرة زرعها، والاخضرار للزرع لَا لها؛ ولكن لأنه فيها سنح أن توصف هي بالاخضرار باعتبار ما فيها، ولأنه صار لها كسوة باهرة زاهرة. وختم اللَّه تعالى الآية بقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ)، أي لطيف بعباده عليم علما دقيقا علم خبرة بما ينفعهم ويقوم به عيشهم، فيوفقهم له. وجملة (إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ)، في مقام التعليل لإنعامه بهذه النعم الكثيرة المتوالية نعمة تلو أخرى.

стр. 7422

(لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤) هذه الجملة في مقام التعليل للآية السابقة، أي أن اللَّه ينزل من السماء ماء فتصبح الأرض اليابسة مخضرة تكون بهجة للناظرين؛ لأن اللَّه تعالى (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)، وله ما فيها، وهو غني عن عباده، فهو

стр. 7423

غير محتاج إليهم وهم محتاجون إليه فاللَّه هو الغني، ونحن الفقراء إليه، ولأنها في معنى التعليل لما تضمنته الآية السابقة كان الفصل بينهما ولم يكن وصل بـ " الواو " و " اللام " للملكية، فاللَّه تعالى مالك لما في السماوات من شمس وقمر ونجوم مسخرات بأمره، ومالك لما في الأرض من جبال ووهاد، وزروع وثمار، وحيوان وأنعام، وإبل وأفراس، وما في باطنها من فلزات ومعادن وكنوز، وما فيها من لآلئ وجواهر، ولحم طري، كل ذلك للَّه، لأنه خالقه، (وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) وتعريف الطرفين في قوله تعالى: (وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) يدل على القصر والاختصاص، فاللَّه وحده هو الغني، وجميع الوجود محتاج إليه سبحانه، والحميد بمعنى المحمود، فهو " فعيل " بمعنى مفعول، فهو وحده المستحق لأن يُحمد، ولا يحمد في الوجود سواه. وقد تأكد غناه سبحانه ﷻ ، بـ " إن " الدالة على التوكيد، وبـ " اللام " في قوله: (لَهُوَ)، وبضمير الفصل، وبتعريف الطرفين كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الناسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)، وكل الوجود يحتاج إليه سبحانه، وهو لَا يحتاج لشيء في الوجود. * * * فضل الله على خلقه قال اللَّه تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥) وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (٦٦) لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ

стр. 7424

فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦٧) وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (٦٨) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩) * * *

стр. 7425

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥) . الاستفهام هنا للإنكار بمعنى نفي الوقوع، وهو داخل على " لم " النافية، ونفي النفي إثبات، فهو بيان لأن اللَّه سخر ما في الأرض، والمعنى قد سخر اللَّه لكم ما في الأرض، وكأن الاستفهام هنا مع النفي تنبيه؛ لأن اللَّه تعالى ذلل ما في الأرض لكم، وقدم (لَكُم) على المفعول وهو (مَا فِي الأَرْضِ)، لبيان أن التسخير من اللَّه تعالى لكم، ليذلل كل ما فيها لإرادتكم ورغباتكم، ومعاشكم، فكل ما فيها ظاهرا فوق أرضها من زروع وثمار، وغابات، وجبال ووهاد، وما في باطنها من معادن وكنوز، وفي بحارها من لآلئ، ولحم طري، كل هذا سخره اللَّه تعالى وذلَّلَهُ لكم، فهي نعم تنادي من أُنعم عليه بها بشكرها، وذكر أمرا في الأرض، وخصَّه بالذكر، لوضوح نعمته تعالى فيه، (وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ)، فهذه الفلك تجري في البحر بإذن اللَّه وأمره وتسييره لها أنها (بِأمْرِهِ) مع أن كل شيء بأمره، وذلك لأنها في مرأى تسير في البحر ماخرات عبابه، لَا يسيّرها شيء إلا الهواء، فإن التعبير (بِأَمرِهِ) في هذا مسايرة لمرأى العين ومجرى الريح، وهي آية من آيات اللَّه تعالى، ولذا قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ)، وهي تجري في البحر ناقلة ما تحمل من خيرات الأرض إلى أقاليم أخرى، ولذا قال في آية أخرى: (. . . وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ. . .)، فهي تصل الناس بعضهم ببعض بالمتاجر، والرحلات والتعارف والاتصال الدائم بينهم.
следующие страницы →