← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 7421–7460 · переход к 7426.

стр. 7421

يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤). فهذا النص الكريم يوضح نزول المطر من السحاب المتكاثف بقدرة اللَّه تعالى وما كانت لتدرّه إلا بأمر اللَّه، وإنه ينزل المطر إلى الأرض لتعمل أيدي الزراع فتبذر البذور وترجو الثمار من الرب، وتخضر الأرض، ولذا قال تعالى: (فتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً)، " الفاء " عاطفة، وهي للتعقيب، وبظاهر اللفظ يكون الاخضرار عقب نزول المطر بلا تراخ في الزمن، وكيف يكون وثمة تراخ بإنبات البذر وظهور عيدانه، وصيرورة الأرض مخضرة؟ والجواب عن ذلك أن التراخي في أعمال العباد، وليس من اللَّه، بل إن إرادة الله لَا تراخي فيها، إنما هي أن يقول كن فيكون؛ ولأن التعبير بـ " الفاء " التي تفيد الفورية فيه تنجيه إلى عجائب الله في الخلق والتكوين، إذ يكون من التلاقح بين الماء والأرض اليابسة نبات مخضر تزدان به الأرض، وتكون ذات منظر بهيج، وقد وصف سبحانه الأرض بأنها مخضرة إذ اختفت طينتها، ولم تبد إلا خضرة زرعها، والاخضرار للزرع لَا لها؛ ولكن لأنه فيها سنح أن توصف هي بالاخضرار باعتبار ما فيها، ولأنه صار لها كسوة باهرة زاهرة. وختم اللَّه تعالى الآية بقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ)، أي لطيف بعباده عليم علما دقيقا علم خبرة بما ينفعهم ويقوم به عيشهم، فيوفقهم له. وجملة (إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ)، في مقام التعليل لإنعامه بهذه النعم الكثيرة المتوالية نعمة تلو أخرى.

стр. 7422

(لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤) هذه الجملة في مقام التعليل للآية السابقة، أي أن اللَّه ينزل من السماء ماء فتصبح الأرض اليابسة مخضرة تكون بهجة للناظرين؛ لأن اللَّه تعالى (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)، وله ما فيها، وهو غني عن عباده، فهو

стр. 7423

غير محتاج إليهم وهم محتاجون إليه فاللَّه هو الغني، ونحن الفقراء إليه، ولأنها في معنى التعليل لما تضمنته الآية السابقة كان الفصل بينهما ولم يكن وصل بـ " الواو " و " اللام " للملكية، فاللَّه تعالى مالك لما في السماوات من شمس وقمر ونجوم مسخرات بأمره، ومالك لما في الأرض من جبال ووهاد، وزروع وثمار، وحيوان وأنعام، وإبل وأفراس، وما في باطنها من فلزات ومعادن وكنوز، وما فيها من لآلئ وجواهر، ولحم طري، كل ذلك للَّه، لأنه خالقه، (وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) وتعريف الطرفين في قوله تعالى: (وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) يدل على القصر والاختصاص، فاللَّه وحده هو الغني، وجميع الوجود محتاج إليه سبحانه، والحميد بمعنى المحمود، فهو " فعيل " بمعنى مفعول، فهو وحده المستحق لأن يُحمد، ولا يحمد في الوجود سواه. وقد تأكد غناه سبحانه ﷻ ، بـ " إن " الدالة على التوكيد، وبـ " اللام " في قوله: (لَهُوَ)، وبضمير الفصل، وبتعريف الطرفين كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الناسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)، وكل الوجود يحتاج إليه سبحانه، وهو لَا يحتاج لشيء في الوجود. * * * فضل الله على خلقه قال اللَّه تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥) وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (٦٦) لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ

стр. 7424

فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦٧) وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (٦٨) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩) * * *

стр. 7425

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥) . الاستفهام هنا للإنكار بمعنى نفي الوقوع، وهو داخل على " لم " النافية، ونفي النفي إثبات، فهو بيان لأن اللَّه سخر ما في الأرض، والمعنى قد سخر اللَّه لكم ما في الأرض، وكأن الاستفهام هنا مع النفي تنبيه؛ لأن اللَّه تعالى ذلل ما في الأرض لكم، وقدم (لَكُم) على المفعول وهو (مَا فِي الأَرْضِ)، لبيان أن التسخير من اللَّه تعالى لكم، ليذلل كل ما فيها لإرادتكم ورغباتكم، ومعاشكم، فكل ما فيها ظاهرا فوق أرضها من زروع وثمار، وغابات، وجبال ووهاد، وما في باطنها من معادن وكنوز، وفي بحارها من لآلئ، ولحم طري، كل هذا سخره اللَّه تعالى وذلَّلَهُ لكم، فهي نعم تنادي من أُنعم عليه بها بشكرها، وذكر أمرا في الأرض، وخصَّه بالذكر، لوضوح نعمته تعالى فيه، (وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ)، فهذه الفلك تجري في البحر بإذن اللَّه وأمره وتسييره لها أنها (بِأمْرِهِ) مع أن كل شيء بأمره، وذلك لأنها في مرأى تسير في البحر ماخرات عبابه، لَا يسيّرها شيء إلا الهواء، فإن التعبير (بِأَمرِهِ) في هذا مسايرة لمرأى العين ومجرى الريح، وهي آية من آيات اللَّه تعالى، ولذا قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ)، وهي تجري في البحر ناقلة ما تحمل من خيرات الأرض إلى أقاليم أخرى، ولذا قال في آية أخرى: (. . . وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ. . .)، فهي تصل الناس بعضهم ببعض بالمتاجر، والرحلات والتعارف والاتصال الدائم بينهم.

стр. 7426

وإن اللَّه رفع السماء عن الأرض بغير عمد ترونها، ولكنها مربوطة بقوى الجاذبية والقصور الذاتي، وحفظ اللَّه توازن الكون، وإنه بهذه النواميس الكونية التي تسري بأمره، والتي خلقها سبحانه، بحفظ الكون، ويمسك السماء أن تقع على الأرض؛ ولذا قال: (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ)، أي يمسك السماء من أن تقع على الأرض، لأنها بغير عمد ترونها، إنما يمسك سبحانه بقوى ونواميس خلقها، " وأن تقع " مجرورة بمن، وقوله تعالى: (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤). وإن هذا التوازن الكوني بين السماء والأرض ليعيش الناس في أمن واطمئنان من حوادث الكون، ولذا قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) الرءوف من " رؤف "، والرحيم صفة مشبهة للرحمة، والرأفة أصلها رقَّة القلب، والشفقة بالناس، والرحمة من الناس تشمل معنى الإنعام الذي يناسب الناس، أما الرأفة بالنسبة للَّه تعالى فهي ما يقتضيه اتصافه بالكمال، وتنزيهه سبحانه عن المشابهة بالحوادث، وهو أنه سبحانه يقدم ما يكون إنعاما عليهم في مشاعرهم وأحاسيسهم، والرحمة الإنعام والإحسان في عامة أمورهم. وقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رحِيمٌ)، أي يعاملهم معاملة من يرأف بهم ويشفق عليهم، ومعاملة من ينعم عليهم ويرحمهم في عامة أمورهم، وإن هذه الجملة السامية في مقام التعليل لما سبق من تصرفه في الكون، وقد أكد سبحانه رأفته ورحمته بهم، بعدة مؤكدات، أولها، (إِنَّ)، وثانيها تقديم (بِالنَّاسِ)، وثالثها بـ " اللام "، ورابعها بالتعبير بالصفة المشبهة، وذكر سبحانه بيان قدرته فيهم فقال عز من قائل:

стр. 7427

(وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (٦٦) الضمير يعود على اللَّه ﷻ ، وهي معطوفة على قوله تعالى: (سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ)، وقد ذكر سبحانه فضله تعالى، وهو المنشئ المنعم في ثلاثة أدوار:

стр. 7428

الدور الأول - أنه هو الذي أمدنا بالحياة ذاتها فأخرجنا من التراب، ثم من نطفة، إلى أن جعلنا في أحسن تقويم، وأمدنا بما يبقي حياتنا من نبات وثمار، وحيوان يأكل مما تنبت الأرض، وعبَّر سبحانه بقوله: (وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكمْ) وقد أشار إلى عناصر الحياة التي تمدها بالبقاء بإرادته في آيات أخر. الدور الثاني - الموت، بعد أجل مسمى من ابتداء الحياة، وهذا محسوس مرئي يحدث كل يوم، ولذا قال تعالى: (ثُمَّ يُمِيتُكُمْ) وقد عبر بالمضارع؛ لأنه مستمر متجدد يُرى كل يوم، ولا يرتاب فيه مرتاب، لأنه مرئي بالعيان. الدور الثالث - الحياة بعد الموت، وهو البعث والنشور، وقد عبر عن ذلك الدور بقوله: (ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) وعبر بالمضارع؛ لأنه واقع في المستقبل يؤمن به من يؤمن بالغيب، ومن يعلم أن الإنسان لم يخلق عبثا، ولكن لأن هذا الدور ليس مشاهد الآن بالعيان أنكره الكافرون، لأنهم قالوا: أئذا متنا وكنا ترابا (. . . أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا)، ولكن اللَّه الذي خلق الإنسان من تراب، وأمده بكل عناصر الحياة والبقاء أخبر بأنه هو القادر الذي خلقهم وأحياهم، وأنه يعيدهم كما بدأهم (. . . كمَا بَدَأَكمْ تَعُودُونَ)، ولكنْ المشركون وهم كثيرون لم يؤمنوا بالبعث وكفروا به، ولذا قال تعالى عقب ذلك: (إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ)، أي يجحد الدور الأخير؛ لأنه لَا يؤمن إلا بالأمر المحسوس، وإنما ذلك أمر مغيب، والفرق بين الكافر والمؤمن أن المؤمن يؤمن بالغيب، والكافر لَا يؤمن إلا بالحس، وقد أكد سبحانه كفر الكافر بالغيب، أولا بـ (إِنَّ)، وثانيا بـ " اللام "، وثالثا بالصفة المشبهة " كفور ". و (الإِنسَانَ) هنا هو الذي لَا يؤمن بالغيب، ويلاحظ في التعبير بـ (ثُمَّ) أنها للتراخي، ففترة ما بين الحياة والموت ليست قصيرة يعمل فيها ما يحاسب عليه بالعقاب أو الثواب، وكذلك الفترة بين الموت والحياة الثانية. إن أهل الديانات التي تنتمي لأصل سماوي يعترضون على الإسلام بما اشتمل عليه من أحكام ليست عندهم، فرد اللَّه تعالى كلامهم بقوله تعالى:

стр. 7429

(لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦٧) المنسك مكان النسك وهو العبادة، أو مصدر ميمي، والمراد العبادة أيضا، ويقرر أكثر المفسرين أن النسك هو شرائع النبيين، كقوله تعالى: (. . . لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا. . .)، فاللَّه تعالى جعل لكل أمة شريعة جاء بها نبيها، وجاءت شريعة مهيمنة على كل الشرائع، وخاتمة لها، وناسخة لما يخالفها، ولو كان موسى بن عمران حيا ما وسعه إلا اتباع محمد ﷺ ؛ لأن شريعته هي خاتمة الشرائع الإلهية، وقوله تعالى: (هُمْ نَاسِكُوهُ)، أي العابدون اللَّه تعالى على منهاجه، والضمير يعود على النسك، وناسكوه كما أشرنا: سالكون طريق العبادة الذي سن فيه. (فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ)، " الفاء " للإفصاح، أي إذا كان لكل أمة دين، فلا ينازعنك في الأمر، و " لا " ناهية، والنهي لمن يحتمل أن يكون للنبي ﷺ ومعناه النهي عن تمكينهم من منازعته، وردهم في هذه المنازعة والمجادلة، وربما يؤيد هذا قوله تعالى من بعد في الآية التالية: (وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ)، فمضمون النهي عن عدم الالتفات إليهم، والسير على منهاجه، ولذا قال سبحانه بعد ذلك: (وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ)، أي امض في طريقك داعيا إلى ربك العليم بكل عمل، وبكل قول حقا أو افتراء، وهذا النهي كقوله تعالى: (وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ. . .)، ثم أكد سبحانه مضيه وعدم التفاته إليهم بقوله: (إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيم)، أي وإنك في نسكك وشريعته لمستمكن من الهداية المستقيمة تمكين من يعلو على الهداية، فالتعبير بقوله تعالى: (لَعَلَى هُدًى) أنك متمكن من هدايتك تمكن من كان فوق الهداية مستمكنا منها كالقائم عليها والجالس عليها ووصف سبحانه الهدى الذي استمكن منه ﷺ واقتعده بالاستقامة، والاستقامة وصف للحق، ولكل هداية.

стр. 7430

هذا هو الاحتمال الذي يكون النهي فيه موجها للنبي، لأنه ﷺ صاحب رسالة اللَّه تعالى، وحاملها، وهو المخاطب بتكليفات الرسالة، وليس المخالفون مخاطبين إلا عن طريقه. وقد ذكر المفسرون احتمالا آخر، ورجحه كثيرون، وهو أن يكون النهي للمخالفين المعترضين، ونراه بعيدا، وإذا كان اللَّه ينهاه عن المنازعة؛ لأنه لا موضوع لها إذ لكل دين نسكه وشريعته، وإن شريعة محمد ﷺ عامة ناسخة ما يخالفها، فقد نهاه أيضا عن الجدل معهم، فقال عز من قائل:

стр. 7431

(وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (٦٨) الجدل إحكام فتل الحبل، وإحكام البناء، والجدال في مسائل الحق والباطل إحكام كل مجادل قوله ليستطيع أن يزيف الحق أو أن يزيف كلام خصمه، وإنه شاع في قول الباطل، والمجادلة في الحق، وهذا النوع من الجدال من شأنه أن يبعثر الحق، ويشكك فيه، وقد كان الإمام مالك ﵁ ينهى عن الجدل في الحقائق، وكان يقول: كلما جاء رجل أجدل من رجل نقص مما جاء به محمد ﷺ ، وقد أمر اللَّه تعالى ألا يجادل المشركين واليهود، وأن يفوض أمورهم بعد أن تبين لهم الحق الذي يجب اتباعه، ودلائله من آيات اللَّه المتلوة والكونية، وأمره أن يقول لهم: (فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ)، وهذا فيه تهديد لهم على عملهم، ومؤداه لا تحاولوا تبرئتكم في أعمالكم بالملاحاة والمجادلة، فاللَّه أعلم بعملكم. وأفعل التفضيل هنا ليس على بابه، فلا مفاضلة في علم اللَّه تعالى، إنما المعنى أن اللَّه يعلم بما تعملون علما ليس فوقه علم وإن علم اللَّه بأعمالكم سيبينه يوم القيامة، فقال عز من قائل:

стр. 7432

(اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩) إذا كان اللَّه تعالى هو الذي يعلم عملهم علما ليس فوقه علم، فهو الذي يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون، وخاطبهم اللَّه تعالى بقوله: (اللَّهُ

стр. 7433

يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) الخطاب للذين جادلوا النبي ﷺ ، وأمره اللَّه تعالى بالإعراض عنهم، وألا يلتفت إليهم، وهم كانوا مختلفين فيما بينهم، فاليهود مختلفون مع المشركين، واليهود مختلفون فيما بينهم في عقائدهم، فمنهم صدوقيون لَا يؤمنون بالبعث، ومنهم ربانيون، ومنهم قراء، والمشركون واليهود مختلفون مع النبي ﷺ ، واللَّه تعالى يحكم بين هؤلاء أجمعين، وإن الجحيم مأوى الكافرين به. * * * الله خالق الكل والعليم بما خلق اللَّه تعالى: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢) يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤) * * *

стр. 7434

ذكر اللَّه تعالى في الآيات السابقة أن اللَّه تعالى هو الذي يحكم بين الكافرين والمؤمنين فيما خالفوا فيه، ويحكم بين الكافرين صت أهل الكتاب فيما يختلفون فيه فيما بينهم، وكل باطل، بعد هذا الذي ذكره سبحانه بالعبارة وبالإشارة ذكر أنه حكم عالم لَا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فقال عز من قائل:

стр. 7435

(أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠) . (أَلَمْ تَعْلَمْ) معناها: قد علمت، وبينا كيف استخلص ذلك المعنى السامي، الاستفهام الإنكاري الداخل على فعل منفي، وسياق القول: قد علمت يا محمد علما مؤكدا يقينيا (أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) من عقلاء وأناس مكلفين، وما مكَّن لهم فيهما، وماذا فعلوا فيما سخر لهم، فإذا كان هو اللَّه الذي يحكم بينهم فحكمه هو الفصل، وهو خير الفاصلين، وإنه مع علمه سبحانه المحيط، قد سجل ذلك في كتاب وهو اللوح المحفوظ، وهو الكتاب الذي لَا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وقد بين اللَّه تعالى الحكم والإحصاء في كتاب سهل يسير على اللَّه تعالى، فقال تعالت كلماته: (إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير)، أي سهل لَا يحتاج إلى معاناة من اللَّه العلي الكبير، بل إنه سهل عليه سبحانه، وإن الحكم الفاصل يقع منه في ساعات أو لحظات. هذا هو الحق، وإنه سيلاقيهم يوم يعلم كل إنسان ما قدمت يداه، ولكن المشركين في عماء عن الحق؛ ولذا قال تعالت كلماته:

стр. 7436

(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١) الضمير في (وَيَعْبُدُونَ) يعود إلى الكافرين الذين سيطرت عليهم الأوهام والأهواء والتقليد، فيعبدون ما لم تنزل به حجة ترشدهم إلى عبادته، والسلطان في قوله: (مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا)، أي حجة نقلية نزلت من عند اللَّه تعالى، وسميت سلطانًا؛ لأنها تكون قوة تجعل لمن نزلت له قوة تجعل ما عنده قويا

стр. 7437

كالسلطان ولكن لم ينزل شيء من ذلك، وإذا كان لم ينزل دليل نقلي من عند اللَّه بعبادته، هل لديهم برهان عقلي ينتج يقينا؛ نفى اللَّه تعالى ذلك أيضا فقال تعالى: (وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ)، أي ليس لهم به برهان عقلي يسوغ عبادتهم، بل إن البرهان العقلي يؤدي إلى نقيضه؛ لأنه لَا يسمع ولا يبصر، والقانون العقلي يوجب أن يكون المعبود أعظم من العابد، فكيف يعبدون جمادًا، وهم أحياء، وهو لا يعقل، وهم يعقلون؟!!. إذا لم يكن عندهم دليل من عند اللَّه أنزله فكان لهم سلطان، ولا علم عقلي فإن ذلك يكون ظلما؛ ولذا ختم اللَّه سبحانه الآية الكريمة بقوله تعالى: (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ)، وإذا كانوا يعبدون ما لَا دليل عليه من نقل أو عقل، ويشركون مع خالقهم في العبادة، وهو الواحد الأحد، فإن ذلك لأنفسهم ولقولهم ضلال وفساد، وقد نفى اللَّه تعالى أن يكون لهم نصير أيَّ نصير؛ إذ لَا يمكن أن يكون نصيرا أمام قوة اللَّه. ومن لاستغراق النفي أي ليس نصير أيَّ نصير من ملك أو إنسان. ونشير هنا إشارة بيانية في قوله تعالى: (وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ) فيه أن كلمة (لَهُم) قدمت على (عِلْمٌ)، وهي المبتدأ؛ للدلالة على أنهم تهجموا من غير علم فقدَّم عقابه في الاهتمام، وللدلالة على ضلالهم، وقدم (بِهِ) على (عِلْمٌ) للدلالة على إمعانهم في الضلال وظلمهم للحق، والله وليُّ المؤمنين. وإن هؤلاء الذين سيطرت عليهم الأوهام، وتحكمت فيهم الأهواء والتقليد الأعمى لَا يلقون آيات اللَّه تعالى بما يستحق من عناية، بل يقابلون بالاستنكار والسخرية، فلا يهتدون ولا يفتحون قلوبهم لدخول الهداية، ولذا قال تعالى عنهم: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢)

стр. 7438

إن حال هؤلاء الذين يعبدون من دون اللَّه ما لَا دليل عندهم يسوغ عبادته إلا أن تكون الأوهام التي تضلل الأفهام - من شأنهم ألا يستمعوا إلى الحق، بل يعرضون عنه إعراضا؛ ولذا قال عز من قائل: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِف فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ) الآيات هنا آيات القرآن المنكرة فإذا تتلى عليهم تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر - يصح أن يفسر المنكر هنا بالإنكار ويكون من قبيل المصدر الميمي، كالمكرم بمعنى الإكرام، وتكون معرفة الإنكار من الوجوه بالتهجم، والغيظ، ويصح أن يكون المنكر هو حال وجوههم من التغيظ والبسور، والاستفظاع، وسميت هذه الحال، (الْمُنكَرَ)؛ لأنها في ذاتها أمر منكر، إذ لا يتلقون الحق بالتفهم والتدبر، بل يبادرون برده ردا عنيفا مستكبرين، قد غلظت أعناقهم، وتجهمت وجوههم (يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا) السطو: الوثب للفتك بالذين يتلون، كما حاولوا أن يسطوا بأبي بكر الصديق، وكما حاول الجاهلون بالسطو على المستضعفين من المؤمنين، وقال تعالى: (يَكَادُونَ يَسْطُونَ)، مع أنهم سطوا بالفعل، ونقول: إن ذلك حكم عام، والسطو الفعلي كان من بعضهم، لَا من جميعهم، وما كان من التلاوة فقط، بل كان من اعتناقهم الإسلام مع هذه التلاوة، فالمقاربة بالنسبة لجميعهم، لَا بالنسبة لبعضهم. وقد أمر اللَّه تعالى نبيه الكريم أن يقول لهم: (قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)، الإنباء الإخبار بأخبار خطيرة لا تسرهم بل تضرهم، والتنبيء كالإنباء بيد أن اللفظ ينبئ عن خطر ما تضمنه، و " الفاء " في (أَفَأُنَبِّئُكُم) فاء الإفصاح عن شرط، تقديره مثلا أئذا كنتم تتجهمون من التلاوة أفأنبئكم بشر من هذه التلاوة، وهذا نوع من التهكم بهم وإنذارهم بالإنذار الشديد، والعقاب العتيد، وبيان لمقابلة التهجم من القرآن والإعراض عنه بأنه يستقبلهم بما يوجب الغيظ والتجهم، والبسور أشد وأفظع، وهو النار أنذر اللَّه تعالى بها الذين كفروا، وعبر بالموصول للإشارة إلى أن الصلة وهي الكفر، والإعراض عن الآيات البينات (هى سبب الحكم)، وإنها نار لَا نهاية لعذابها، بل

стр. 7439

هم خالدون فيها، وهي مصيرهم الذي لَا ينتهي، ولذا قال تعالى: (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) بئس من أفعال الذم، ومع أنها جامدة فهي من الألفاظ الدالة على البؤس، فالنار مصير هو بؤس. وقد بين اللَّه سبحانه ضلالهم في اعتقادهم الباطل الذي لم يُبن على علم نقلي أو عقلي بمثل عظيم، فقال:

стр. 7440

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) الخطاب عام للناس وقالوا: إنه إذا كان النداء: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) كان يعم الناس عامة والمشركين خاصة، وإن موضوع القول، وهو عبادة الأوثان يجعل الخطاب للمشركين أَمَسّ وأقرب، و (ضُرِبَ) معناها: بُيِّن، والمثل الحال والشأن، ففيه تقريب حال بحال، فحال ضعفهم الشديد صورها سبحانه بأنهم لعجزهم (لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ) فحالهم حال عجز عن خلق أي حي، ولو اجتمعت الأوثان كلها، وكيف تُعبد، وهي لَا تستطيع خلق الذباب، ولو اجتمعت له كل هذه الآلهة التي يعبدونها من دون اللَّه تعالى، و (لَن) هي لتأكيد النفي، وذكر ضمير الأوثان ضمير عقلاء على زعمهم وتفكيرهم، وليسوا أحياء فضلا عن أن يكونوا عاجزين، وعبر سبحانه عن حال عجزهم بالمثل، كأنه مثل مضروب سائر، وبيّن ذلك الزمخشري فقال: " قد سميت الصفة أو القصة الرائعة الملقاة بالاستحسان والاستغراب مثلا تشبيها لها ببعض الأمثال المسيرة لكونها مستحسنة مستغربة ". وإن هذا التصوير السامي الذي سماه ﷻ مثلا، هو برهان على عدم صلاحيتهم للألوهية؛ لأنها عاجزة محتاجة، والمعبود قادر غير عاجز. (وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ) هذا النص السامي دل على أن هذه الآلهة أعجز من الذباب؛ لأنه يعدو عليها؛ لأنه لو أخذ منها شيئا على سبيل

стр. 7441

السلب لَا يستطيعون أن يستردوه منه، فهو القادر عليها، و (يَسْتَنْقِذُوهُ)، السين والتاء للطلب، أي لَا يستطيعون بأكثر جهد وطلب أن ينقذوه منه؛ لأنها لَا قوة لها في أي ناحية، فهي جماد لَا يتحرك، ولكن الوهم هو الذي جعل لها قوة في نظرهم الذي لَا يبصر، وَسَوَّل لهم الشيطان عبادتها. ونقف هنا وقفة قصيرة، فنسأل الذين ينكرون وجود اللَّه، وهم ملاحدة هذا الزمان الذين يحسبون إلحادهم يقوم على فلسفة عقلية: لقد اختبرتم الكون وعلمتم علمه، وعرفتم النواميس التي خلقها اللَّه، وإن كنتم تحسسبونه ظواهر للأشياء، وعلوتم إلى داخل الفضاء حتى وصلتم إلى القمر وإلى المشترى، وعلمتم تكوين الأشياء وأجزاءها وعناصرها، فهل استطعتم أن تخلقوا ذبابة، إن للَّه في كل شيء آية، فآمنوا به ولا تنكروه. لم تستطع آلهتهم أن تستنقذ ما يسلبه الذباب، ولو بذلت أقصى الجهد إن كان لها جهد، ولذا قال تعالى: (ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ)، (الطَّالِبُ) هو الأوثان فإنها لَا حياة فيها ولا قوة لها، (وَالْمَطْلُوبُ) وهو الذباب فهو حيوان ضعيف يستحقر في أعين الناس ولكنه مخلوق للَّه يضرب به المثل، كما قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا. . .)، فسر بعض السلف الطالب بالعابد والمطلوب بالصنم، فضعيف الفكر والعقل والإدراك يدعو ضعيفا في ذاته لأنه جماد، وكلا الرأيين معقول.

стр. 7442

(مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤) هذه الآية نتيجة للآيات السابقة؛ ولذلك كان الفصل بدل الوصل، فبينهما ما يشبه علاقة العلة في الحكم بالعلول، أو المقدمة والنتيجة. إن هؤلاء الذين خضعوا لأوهامهم فعبدوا حجارة لَا تنفع ولا تضر، وبالأولى لَا تخلق ذبابًا، ولو اجتمعت أصنام كل أمة وثنية ما عرفوا الله حق المعرفة، ولا أدركوا كماله وجلاله حق الإدراك، ولا عرفوا معنى الألوهية حق

стр. 7443

المعرفة، إن اللَّه تعالى هو القادر الخالق، وهو الواحد في ذاته وصفاته، وليس في الأوثان من هذا، واللَّه تعالى قوى قاهر، ولا يمكن أن يكون عاجزًا؛ ولذا عرف اللَّه تعالى رب العالمين بقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)، أي قَوِيٌّ قادرٌ على كل شيء، عزيز غالب لَا يحتاج لشيء، ويحتاج إليه كل شيء، وهو العليم القدير. وأكد سبحانه قوته بـ (إِنَّ) الدالة على توكيد الحكم، وبـ " اللام " في قوله تعالى: (لَقَوِيٌّ) وبـ " الجملة الاسمية "، سبحانه إنه القاهر فوق عباده. * * * الرسل مصطفون، والرسالات الإلهية متصلة قال اللَّه تعالى: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨) * * *

стр. 7444

(اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) (اللَّهُ) ذو الجلال والإكرام، (يَصْطَفِي)، أي يختار من صفوة خلقه (مِنَ الْمَلائِكَة رُسُلًا) كجبريل الأمين روح القدس، اختاره ليكون رسولا لأنبيائه ورسله الذين اختارهم أيضا من صفوة عباده، فاختار سبحانه من الملائكة من يبلغون عن اللَّه تعالى مصطفين من الناس ليتلقوا رسالة الله إلى الناس، فالذين اختارهم من صفوة الملائكة ما اختارهم تعالى إلا ليبلغوا خلقه، وكل ذلك بأمر اللَّه وباختياره، وإن هؤلاء المختارين من الملائكة يبلغون إما بِالوحي وإما برسل يرسلون، كما قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا. . .). وإن الله تعالى لَا يختار لهذا المنصب الأقدس منصب التبليغ عن اللَّه تعالى إلا من كانوا في أعلى القداسة والنزاهة النقية (. . . اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ. . .)، ولذا قال تعالى مبينا أن اللَّه تعالى لَا يصطفي إلا عن علم من لَا يخفى عليه شيء، فقال: (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)، أي أن اللَّه عليم علما يقينيا هو علم من يسمع، فهو السميع، وعلم من يبصر فهو البصير. ولقد أكد سبحانه إحاطة علمه فقال تعالى:

стр. 7445

(يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦) (مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) وهو الحاضر المهيأ، وسمي بين أيديهم، لأنه أمامهم، فشبه علم حاضر بما يكون مهيأ معدا، (وَمَاخَلْفَهُمْ) الخلف يطلق على ما هو خلف الإنسان وهو ضد القُدَّام، فهو يطلق على الماضي والقابل، وهو الذي يخلفه من بعده، ولعله من الخلافة، وقد فسر بالقابل الذي لم يقع، ويكون المعنى يعلمِ حاضرهم، وقابلهم الذي يخلف ذلك الحاضر والضمير في قوله تعالى: (مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ)، قيل: يعود إلى الرسل، والظاهر أنه يعود إلى الذين يبلغهم الرسل فالضمير يعود إلى كل الناس، ولذا عقب الآية بقوله: (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ

стр. 7446

الأُمُورُ)، أي أن الأمور كلها ترجع إليه وحده يوم القيامة، ليحاسب كل نفس بما كسبت، وتجد كل نفس ما عملت محضرا، من خير أو من شر، ويكون له وحده الجزاء، وفي تقديم الجار والمجرور بيان أن المرجع إليه وحده، وله وحده الحساب، وهو بكل شيء عليم. بعد ذلك خاطب اللَّه تعالى الذين آمنوا برسالة محمد ﷺ ، فقال:

стр. 7447

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) واضح كل الوضوح أن النداء للرسول وأتباعه، وليس لكل الناس، فالناس يدخلون في النداء إذا آمنوا ومن يؤمن بالرسالة المحمدية فهذا تكليفها، وهو الصلاة، واختصت بالابتداء لأنها عمود كل دين، ولا دين من غير صلاة وإن اختلفت أشكالها في الديانات السماوية وكل طريق إلى اللَّه واتجاه إليه سبحانه، ولأن الصلاة هي العبادة التي تنصرف فيها النفس والجوارح إلى اللَّه وحده، ولأنها امتلاء النفس بذكر اللَّه تعالى؛ ولأنها إذا أديت على وجهها من قيام وخشوع كامل، وضراعة صادقة، واستحضار النفس لكل معانيها، لَا تقع من الإنسان المنهيات، كما قال تعالى فى خاصتها: (. . . إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ. . .)، وخص الركوع والسجود بالطلب مع أن الصلاة لها أركان قراءة وتكبير، وركوع وسجود، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِين آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكمْ)؛ وذلك لأن الركوع والسجود هما الظهر الحسي للخضوع للَّه تعالى خضوعا كاملا، ولأنهما لَا يسقطان عن المكلف قط، فالقراءة قد تسقط عن المكلف إذا كان يصلي مؤتما بإمام قارئ، وتسقط عند العجز عن القراءة، أما الركوع والسجود فلا يسقطان فإن لم يستطع الصلاة قائما، صلى قاعدا، وإذا لم يستطع الصلاة بحركات صلى بالإيماء، وإلا فهو في عفو اللَّه، وروي أن بعض الشافعية أجاز الصلاة بالإيماء بالعينين، ولأنهما لَا يسقطان فكانا رمزا للصلاة كلها.

стр. 7448

وبعد الصلاة أمر بالعبادات كلها، وهذا من قبيل ذكر العام بعد الخاص، فيشمل ذكر العبادة الصوم والحج، والكفارات والنذور، والزكاة، والصدقات المنثورة، وأن يعبد اللَّه تعالى في كل عمل يعمله، بأن يقصد به وجه اللَّه تعالى، فالعامل في مصنع أو في متجر أو فلاحة الأرض يقصد وجه اللَّه ونفع الناس، فيكون في عبادة مستمرة، ويصدق عليه قوله ﷺ : " لا يؤمن أحدكم حتى يحب الشيء لا يحبه إلا لله " (١). وقد أمر بفعل الخير أمرا مطلقا غير مقيد ولا محدود فقال عز من قائل: (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكمْ تُفْلِحُونَ)، الخير كل عمل يكون فيه نفع للناس، ويتفاوت الخير فيه بتقارب مقدار النفع، فالنفع الكثير يكون الخير بقدره، ونفع أكبر عدد يكون الخير كله، مع القيام بالعبادات على شتى فروعها وكل أنواعها. وقال تعالى: (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، أي رجاء أن تفلحوا وتفوزوا في الدارين في الدنيا فتكونوا خير الناس، لأن النبي ﷺ يقول: " خير الناس أنفعهم للناس " والرجاء من العباد لَا من اللَّه؛ لأن اللَّه تعالى لَا يرجو بل يعلم وينفذ. إنه عليم حكيم. ونرى أن الآية ابتدأت بالأمر بتطهير النفوس بتوجهها إلى اللَّه تعالى في الصلاة والعبادة، ثم اتجهت الأوامر إلى نفع الجماعة وأن يكون كل واحد عنصر نفع إنساني فيها. ثم اتجهت من بعد إلى ما فيه حماية الأمة الإسلامية ونشر دعوتها، فقال تعالى:

стр. 7449

(وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ

стр. 7450

وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨) هذا تكميل ما جاء في الآية السابقة، ففي الآية السابقة كان التدرج من الأمر بتطهير النفس، وملئها باللَّه تعالى في الصلاة والعبادة، ثم فعل الخير لأكبر عدد ممكن في الأمة، وفي هذه الآية المطالبة بالنفع الإنساني بتبليغ الرسالة المحمدية رسالة الإنسانية للناس جميعا، وذلك بالدعوة إلى الإسلام، وهو جهاد، وتذليل العقبات في سبيل هذه الدعوة، وإزالة كل المحاجزات التي تحاجز دونها، ولو كان ذلك بالحرب، ولذا قال تعالى: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكمْ). الجهاد مفاعلة ببذل الجهد، فالمؤمن يبذل جهده في الدعوة إلى اللَّه، والمقاوم من الكفار يبذل جهده في الصد عن سبيل اللَّه، ومقاومة الحق. وقوله تعالى: (فِي اللَّهِ)،، أي الجهاد لأجل ذات اللَّه وابضغاء مرضاته فـ (فِي) هنا تفيد السببية، كما في الحديث الشريف: " دخلت امرأة النار في هرة " (١)، والإتيان بـ (فِي) بدل " الباء " أو " من " فيه معنى إحاطة اللَّه تعالى بالجهاد بأن يكون كله للَّه تعالى، وقوله تعالى: (وحَقَّ) الإضافة فيه بيانية، أي الجهاد الحق الذي يكون من غير إرادة الفخر، أو ابتغاء دنيا يصيبها، وحق الجهاد أن يخلص النفس من أدران الهوى، وإرادة إراقة الدماء، وأن يجاهد المقاتل نفسه أولا، فيقيها عن شهواتها، ويبعد عنها نزغات الشيطان، وأن يجاهد للحق ورفعته، ويكون الجهاد أحيانا أمام الحكام الغاشمين، ولقد قال النبي محمد ﷺ : " أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر " (٢)، وإذا قتله يكون خير الشهداء.

стр. 7451

وحق الجهاد ألا يرفع السيف في سبيل الدعوة الإسلامية إلا إذا تعذرت الإجابة بالتي هي أحسن، وإلا بعد البيان، ومحاجزة أهل الباطل بين الدعوة المحمدية والناس، ولذلك كان الجهاد في الإسلام ليس للشعوب، ولكن لمعسكر السلطان الذي يحول بين الدعوة الإسلامية والشعوب، وإذا وصلت الدعوة إلى الشعوب فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما ربك بظلام للعبيد، فلا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي. ويقول سبحانه مشيرا إلى الحقائق الإسلامية، ومبينا أن الأمة الإسلامية هي المختارة لهذه الدعوة فقال تعالى: (هُوَ اجتَبَاكمْ)، أي اختاركم من سائر الناس، أي اختاركم واصطفاكم، ونقول هنا: هذا خطاب لكل المسلمين على أنهم الأمة المختارة للتوحيد والدعوة إليه، والجهاد في سبيله، أم أن المخاطب هم العرب على أساس أن البعثة المحمدية كانت فيهم، وأن اللَّه اختار نبيه منهم، وأنهم الذين حملوا الدعوة، وقد بينا لماذا كان الاجتباء في كتاب خاتم النبيين. ومعنى (اجْتَبَاكمْ)، من الجَبْي بمعنى الجمع، يقال: جبى الخراج، بمعنى جمعه، واجتباه، افتعال من جبى، فهو جمع الناس جمعا كاملا، وخص بعض هذه الجموع بالخير، فكان المجتبي، وإن اللَّه تعالى اجتبى العرب أو المسلمين بعامة، ليكونوا حاملي الدعوة، والمجاهدين ابتداء في سبيلها، ومنع المحاجزات التي تعترض طريقها بكل طرق الجهاد، وقد قال ﷺ : " جاهدوا المشركين بأنفسكم وأموالكم، وألسنتكم " (١). وقد أشار إلى أعذار الجهاد، فقال عز من قائل: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِن حَرَجٍ) ومع أن هذا النص يشير إلى أن الجهاد مفروض على كل القادرين يشير إلى أصحاب المعاذير كالذين في قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ

стр. 7452

لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢). فقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) فيه إشارة إلى أن فرضية الجهاد مرفوعة عن أصحاب المعاذير وقت عذرهم، وهي في الوقت ذاته قاعدة عامة في معاني الشريعة الإسلامية، والحرج أصله الضيق بين الأشياء المجتمعة فهو الضيق في صدور الناس وفي تكليفاتهم. والشريعة الإسلامية جاءت لنفع الناس وجلب الخير لهم، " وخير الدين أيسره " (١)، كما روي عنه ﷺ ، وقد روت أم المؤمنين عائشة عن أعمال النبي ﷺ ، فقالت: ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، ذلك أن الشاق يصعِّب على المؤمن المداومة، والمداومة تربي في النفس عادة الطاعة، وتكون لها في النفس مجار تنير الخير، ولذلك روى في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: " أحب الأعمال أدومها وإن قلَّ "، وروي عنه أنه قال: " إن الله يحب الديمة من الأفعال "، ونهى عن التشدد في الدين، وقال: " لَا تشددوا، ولكن سددوا وقاربوا "، وقد وصل الله تعالى شيريعة محمد ﷺ بشريعة إبراهيم أبي العرب لتقريبها إليهم، فقال: (مِّلَّةَ أَبِيكمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا)، (مِّلَّةَ) منصوب على الاختصاص، أي أعني ملة أبيكم إبراهيم ﵇، وسمي أبًا للعرب، وإن كان أبا لبعضهم؛ وذلك لأن العرب جميعا كانوا يتفاخرون بالانتساب إليه، ولأنه باني البيت الحرام الذي كان مناط عزة العرب أجمعين، ولأنه أب بالفعل لقريش الذين ابتدأت الدعوة المحمدية فيهم، وكان ذكر هذه الدعوة الكريمة تقريبا وتأليفا، وإدناء من الإسلام، (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسلِمِينَ مِن قَبْلُ)، الإشارة إلى القرآن، وسماهم المسلمين من قبل في مثل ما حكاه اللَّه تعالى من دعاء إبراهيم ﵇: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا

стр. 7453

مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ) وسمى القرآن المتبعين لمحمد ﷺ كما قال تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ. . .). قوله تعالى: (لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) " اللام " وما بعدها متعلق بقوله تعالى، (وَجَاهِدُوا)، والمعنى جاهدوا لأجل أن يكون الرسول شهيدا عليكم بأنكم بلغتم وأديتم الأمانة التي أودعها اللَّه ونبيه إياكم، فيشهد الرسول بأنكم أديتموها حق أدائها، ورعيتموها حق رعايتها، وإن رسالة نبيكم والقرآن فيهما شهادة للأنبياء أجمعين ومعجزاتهم، ومن أطاعوا ومن كفروا، وأنتم بهذا تكونون شهداء بأن بلغتم لهم رسالات اللَّه مؤيدة بمعجزاتها، وأن منهم من آمن ومنهم من كفر. ولان لهم هذه المنزلة، ومقامهم من رسالة محمد ﷺ والرسائل السابقة أمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فقال تعالت كلماته: (فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ)، " الفاء " للإفصاح عن شرط مقدر تقديره إذا كانت لكم هذه المكانة، فادرعوا بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والاعتصام باللَّه فأمرهم بإقامة الصلاة وقال: (فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) ائتوا بها مقومة خالصة لوجه اللَّه تعالى بأركانها من ركوع وسجود وقعود خاشعين للَّه مستحضرين لذاته العلية، إذا ذكرتموه وإذ كبرتم، (وَآتُوا الزَّكآةَ)، وقد جمع سبحانه بذلك بين التهذيب الروحي بالصلاة، والتعاون الاجتماعي بالزكاة، ثم أمر بالاتفاق على طاعة اللَّه تعالى فقال: (وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ) الاعضصام الاستمساك، فمعنى الاعتصام باللَّه الاستمساك به، بأن يكونوا مستمسكين بأوامره ونواهيه، ومستمسكين بذاته العلية لَا يفكرون إلا فيه، ولا يبتغون غيره، ويلتفون حول شريعته غير منفصلين عنه، وهو نعم المولى ونعم النصير، ولذا ختم السورة بقوله: (فَنِعْمَ الْمَوْلَى) الذي تكون له ولاية المؤمن لَا يوالي غيره ولا يواد من يحادّ اللَّه ورسوله، (وَنِعْمَ النَّصِيرُ) الناصر، فلا ناصر في الشدائد، ولا منجي سواه. * * *

стр. 7454

(سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ) تمهيد: هي سورة مكية نزلت قبل الهجرة، وعدد آياتها ١١٨ (ثماني عشرة ومائة آية)، قيل أنها نزلت بعد سورة الأنبياء، وقد ابتدأت بأوصاف المؤمنين الذين كتب اللَّه تعالى لهم الفلاح والفوز في الدنيا والآخرة: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)، ثم بين سبحانه أن رعاية الأمانة والعهد من أوصاف أهل الإيمان، وأشار إلى أن الذين وصفوا بهذه الأوصاف هم (الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). وبين سبحانه أصل خلق الإنسان من سلالة من طين، ثم جعله سبحانه نطفة في قرار مكين، ثم خلق النطفة علقة، ثم خلق من العلقة مضغة، فخلق من المضغة عظاما، فكسا العظام لحما، ثم أنشأه خلقا آخر (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)، ثم إنكم يوم القيامة مبعوثون. ولقد بين بعد ذلك خلق الكون، فأنشأ فوق الأرض سبع طرائق، (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨)، ثم بين سبحانه نعمه تعالى فيما أنشأ به الماء من جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه ومنها

стр. 7455

تأكلون، ثم ذكر ما أنعم اللَّه به من شجرة الزيتون التي تنبت في سيناء، وبين نعم اللَّه تعالى في الأنعام، والعبرة في أنه يسقينا ما في بطونها، وما فيها من منافع، ونأكل من لحمها. وذكر خبر قوم نوح وكفرهم وما آل إليه أمرهم بعد أن صنع الفلك ونجا هو وأهله ومن اتبعه، ثم بين سبحانه أنه بعد أن أغرق قوم نوح أنشأ من بعدهم قرنا آخرين، وأرسل فيهم رسولا وكذبوه، وكان ما سوغوه لأنفسهم من كفر أنه بشر مثلهم، وأنه ينذرهم بالبعث، فقالوا: (هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧). ورموا رسولهم بالكذب وقالوا: (إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨)، فاتجه رسولهم إلى ربه يستنصر به، قال: (قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٣٩) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (٤٠). ثم بين بعد ذلك ما نزل بهم من عذاب ساحق (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١). بعد ذلك أشار الله تعالى إلى قصة موسى وهارون وإرسالهما (إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ)، استغربوا أن يؤمنوا لموسى وهارون، وقومهما مستعبدون لهم، فكذبوهما، وكانوا من المهلكين، (وَلَقَدْ آتَيْنَا موسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ)، وجاء من بعد موسى عيسى ابن مريم، (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (٥٠). وبعد ذلك وجه اللَّه تعالى خطابه للرسل عامة فقال: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) ولنبين بذلك وحدة الرسالة الإلهية، ولكن الناس تقطعوا أمرهم وكل حزب بما لديهم فرحون، واغتر الأكثرون بما أوتوا من مال وبنين، (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦).

стр. 7456

ويذكر سبحانه حال المؤمنين الذين اتبعوا الرسل: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١) وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٢). ويبين سبحانه بعد ذلك ظلم الظالمين، وأنهم في غمرة من هذا القرآن، ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون، وأن الترف هو الذي أفسد نفوسهم (حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (٦٥) قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤). وإن الرحمة تطغيهم، وكشف الضر يعميهم، (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ)، وإنهم يتحيرون إذا أنزل اللَّه تعالى عليهم عذابا. ومن بعد ذلك يبين سبحانه فضل الإنشاء، وقدرته في الإحياء والإماتة، واختلاف الليل والنهار: (أَفَلا تَتَّقُونَ)، بل قالوا مثل ما قال الأولون: (قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣). يوجه أنظارهم إلى خلق السماوات والأرض وما فيهما، وَمَن رب السماوات السبع والأرض ورب العرش، ومن بيده ملكوت كل شيء وهو يجير

стр. 7457

ولا يجار عليه وسيقولون في كل هذه الأسئلة المنبهة بأنها لِلَّهِ : (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٩٠) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢). وقد أمر اللَّه تعالى بأن يدعوهم هو ومن تبعه (قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥)، ويأمرهم سبحانه بالدعوة إلى الحق (بِالَّتِي هِي أَحْسَنُ) ولا يحاربهم في حمقهم (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨) حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠). ثم يذكر بعد ذلك يوم القيامة، وكيف يبتدئ بالنفخ في الصور (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذ وَلا يَتَسَاءَلُونَ)، وإن الميزان بعد ذلك يقام (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤)، ويبين لهم كيف كذبوا بآيات الله ويجيبون مدعين، (قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦)، ويتجهون إلى ربهم طالبين أن يخرجهم، وأنهم لَا يعودون، فيجابون: (اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨). ويبين فريق الصالحين، وأنهم يعاملون بما قدموا، (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١).

стр. 7458

ويبين سبحانه أن أمد الدنيا قصير في علم اللَّه مهما يطل في علم الناس، وإنهم لَا يحسون معدود ما يلبثون في الدنيا، (قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤). وقد بين اللَّه تعالى حكمة البعث فقال: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥). وختم السورة ببيان واسع سلطانه، وكفر من يشرك به فقال عز من قائل: (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨). * * *

стр. 7459

معاني السورة المؤمنوق حقا. قال اللَّه تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١) * * *

стр. 7460

هذه أوصاف المؤمنين حقا وصدقا، وهم الذين يفوزون بجنة الفردوس، ويخلدون فيها، وهم الذين يفلحون أمام الله، وقد أكد فلاحهم بقد، التي لم تستعمل في القرآن الكريم إلا للتحقيق، وتأكيد القول، وقد عبر بالماضي، مع أن دخول الفردوس، والفوز سيكون بعد يوم القيامة والحساب؛ إذ من بعد ذلك يكون الثواب بالفوز بالفردوس، وذلك لتأكد الوقوع، وأنه لَا محالة سيكون كقوله تعالى: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ. . .). وقد ذكر اللَّه تعالى في هذه صفات للمؤمنين بها تتنزه نفوسهم وجوارحهم. أولى هذه الصفات الخشوع في الصلاة، وقد قال تعالى في هذه الصفة:
следующие страницы →