هذه أوصاف المؤمنين حقا وصدقا، وهم الذين يفوزون بجنة الفردوس، ويخلدون فيها، وهم الذين يفلحون أمام الله، وقد أكد فلاحهم بقد، التي لم تستعمل في القرآن الكريم إلا للتحقيق، وتأكيد القول، وقد عبر بالماضي، مع أن دخول الفردوس، والفوز سيكون بعد يوم القيامة والحساب؛ إذ من بعد ذلك يكون الثواب بالفوز بالفردوس، وذلك لتأكد الوقوع، وأنه لَا محالة سيكون كقوله تعالى: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ. . .).
وقد ذكر اللَّه تعالى في هذه صفات للمؤمنين بها تتنزه نفوسهم وجوارحهم.
أولى هذه الصفات الخشوع في الصلاة، وقد قال تعالى في هذه الصفة:
مظهر الخشوع في الصلاة ألا يلتفت المصلي يمينا أو شمالا بأن يكون كل اتجاهه إلى اللَّه تعالى قلبا ونفسا وإحساسا، وجوارح، والخشوع في ذاته محله القلب، والجوارح مظهره، وروي عن النبي ﷺ أنه رأى رجلا يعبث بلحيته في الصلاة، فقال: " لو خشع قلب هذا الرجل لخشعت جوارحه " (١). وإن الخشوع يتضمن أن يكون المصلي قد عمر قلبه بذكر اللَّه تعالى، وإذا عمر قلبه استحضر اللَّه في كل أركان الصلاة وأحس بأنه في حضرة اللَّه تعالى، فلا يحس بسواه.
وابتدأ بهذا الوصف، لأنه الطهارة النفسية والقلبية التي هي الأصل في تربية المؤمن.
والصفة الثانية: الإعراض عن اللغو، وقال تعالى:
стр. 7463
(وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣)
هو جاء في مفردات القرآن للراغب الأصفهاني " اللغو من الكلام، ما لا يعتد به وهو الذي يورد لَا عن روية وفكر، فيجرى مجرى اللغا، وهو صوت العصافير، ونحوها من الطيور. . قال تعالى: (لا يسْمعونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا).
وإن سماع اللغو من القول يهون في النفس الأمور الخطيرة، ويجعلها في حال عبث ولهو، ومع الإكثار من سماع اللغو تنماع النفس انمياعا، ولا تقوى على تحمل مشاق التكليفات الشرعية، وما تقتضيه من صبر، وضبط نفس، ولا يكون رجلا نافعا أبدا، وتقديم (عن اللغو) يفيد أهمية الإعراض عن اللغو، وأنه لَا يعرض إلا عن اللغو، لتكون كل نفسه للجد من الأمور والمشاركة في الأعمال النافعة، والإعراض يفيد البعد عن اللاغين، وعن مجالسهم. . . ألا فليعتبر الذين يجعلون حياتهم لهوا ولعبا وعبثا.
وِالصفة الثالثة إيتاء الزكاة، ولقد ذكر سبحانه هذه الصفة بقوله تعالى:
стр. 7464
(وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤)
المعروف في تعبير القرآن الكريم أنه يعبر عن الزكاة بقوله عز من قائل: (وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ)، وهو مناسب لمعناها، لأن الزكاة عطاء، وفضلها في إيتائها، ولكن
стр. 7465
هنا عبر عنها بـ (فاعلون). قال الزمخشري في هذا لِمَنْ يُعطى، ومعنى من المعاني ينسب للمعطي على أنه فعلها، فهو قد فعل الأمر المعنوي، وهو أنه أخرج الزكاة راضيا بالعطاء، ونقول إنه يرشح لهذا المعنى أن الآيات كلها تتجه إلى النواحي المعنوية، لَا إلى مجرد الأعمال الحسية، والزكاة لها ناحيتها المعنوية، وهو أن يدفعها طيبة نفسه، راضية يحسبها مغنما، ولا يعدها مغرمًا، وهذا هو الخير فيها، فإن الأمة تكون بخير ما عدت الزكاة مغنما ولم تعدها مغرما، وأن المعطِي لها يغنم من العطاء أكثر مما يعطيه المعطَى له من مال.
وإن ذلك يكون أعلى درجات الإحساس بالتعاون الإنساني والاجتماعي والإسلامي.
الوصف الرابع العفة: والمحافظة على النسل، وهذا ما عبر اللَّه تعالى عنه بقوله:
стр. 7466
(وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)
الفروج جمع فرج، وهو عضو التناسل عند الرجل وعند المرأة، واللام لتقوية التعدية بسبب تقدم الفروج على اسم الفاعل (حافظ)، وحفظ الفروج يتضمن ثلاثة معان:
أولها - معنى الصيانة، فهو يصونها عن رجس الحرام، ورجس الحرام معنوي ومادي. أما المعنوي فهو ما في الحرام من خبث يطهر نفسه منه، وأما المادي فهو يكون في الزنى من تعرض لأمراض خبيثة، هي التي جاءت من الأوربيين، والتي يسمى بعضها المرض الإفرنجي، ولا مانع من أن نشير إليها عند تفسير الآية، وإن لم تكن معروفة، ولكنها عرفت. فمنزل القرآن هو علام الغيوب.
ثانيها - الاستمساك والتحفظ بالعفة، وألا يرمي ماءه في غير محله، وليحفظ له نسبه.
стр. 7467
ثالثها - التقيد، أي ليسوا منطلقين يلقونها في أي مكان، وعلى أي امرأة، كل ينزو كما تنزو القردة، وكالحمار ينزو على كل أتان.
والحفظ عن كل النساء وفي كل الأحوال.
стр. 7468
(إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ... (٦)
ولتضمن الحفظ معنى الاستمساك والصيانة، كانت الإباحة متعدية بـ (على) في المستثنى (إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ)، لَا يرسل نفسه إلا على زوجه أو ما ملكت يمينه، أي أنه مرسل على زوجه أو ما ملكت يمينه وأن التعدية بـ " على " جار مجرى قولهم: فلانة تحت فلان، أو فلان تحته فلانة، وربما يكون التعبير مأخوذا من الواقع الحسي، وفي التعدية بـ " على " إشارة إلى الحقيقة الإسلامية (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ. . .).
ويصح أن يكون الاستثناء منقطعا، ويكون المعنى وصفهم بأنهم يحافظون على فروجهم في كل الأحوال، وباستمرار، ولكن على أزواجهم وما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين، ولا يمنع ذلك من جواز أن يكون متصلا.
وقوله تعالى: (فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) " الفاء " للإفصاح لأنها تفصح في شرط مقدر مأخوذ من الكلام، أي فإذا كان ذلك (عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِين) أي ليس حراما، وفي التعبير بقوله تعالى: (غَيْرُ مَلُومِينَ) إشارة إلى أن عدم المحافظة والانطلاق موضع لوم في ذاته مع تحريمه؛ لأنه لَا يليق بأهل العقل والحكمة والفضيلة.
والوطء بملك اليمين حلال؛ لأن فيه تكريما للأمة وإعلاء لمنزلتها كالزوجة، وذريعة لعتقها، ومنع بيعها؛ لأنها إذا صارت أم ولد حرم بيعها، وإذا ولدت عتقت.
وإن من سار في غير ذلك وراء شهوته فهو المعتدي.
стр. 7469
(فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)
" الفاء " تفيد ترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي إذا كان الحلال في هذه الدائرة فغيره عدوان على الأسر، وعلى المجتمع وعلى النفس، فيترتب على التحريم السابق
стр. 7470
منع ابتغاء المحرمات، والابتغاء هو الطلب الشديد الذي يؤدي إلى العدوان؛ لأن الابتغاء افتعال من البغي، والبغي في ذاته في معنى التعدي، وأولئك الذين تنحرف طبائعهم، فلا يقفون عند الانحلال يطلبون الشهوات بشدة تؤدي بهم إلى الانحراف عن الجادة، وقوله: (وَرَاءَ ذَلِكَ) أي سواه، وعبر عنه بـ " وراء " إشارة إلى أنه انحطاط في الرتبة، وإلى أنه وراء الإنسانية المستقيمة، وانحراف في القصد: (فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) الإشارة إلى هؤلاء الذين يبتغون غير الحلال، والإشارة إلى الموصوف بصفة فيها بيان أن هذه هي علة الحكم، والحكم أنهم عادون، أي ظالمون ومتجاوزون، فقد تجاوزوا حد الحلال وهو واسع: يجوز زواج أربع، والتسري بمن يشاء من الإماء، وهو ظالم لنفسه بارتكاب الحرام، وظالم لنسله، وظالم للمجتمع، والظلم مرتعه وخيم، ولا شك أن نكاح المتعة مما وراء ذلك؛ لأنها ليست زواجا، ولا ملك يمين، وبها احتجت عائشة على ابن عباس، وأخطأ الزمخشري ومن تبعه إذ عدها زواجا، وما هي بزواج، وما سماها أحد من السلف زواجا.
الوصف الخامس: مراعاة الأمانة، وهكذا انتقلت الآيات من مرتبة النفس إلى التعاون الاجتماعي إلى إقامة الأسرة على أساس العدل، والمحافظة على النسل، ثم بينت بعد ذلك الأسس التي يقوم عليها التعامل الإنساني، وهو الأمانة، فقال عز من قائل:
стр. 7471
(وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨)
الأمانة: ما يؤتمن عليه الإنسان، والعهد ما يكون اتفاقا بين طرفين يتعهد كل واحد لصاحبه، والمحافظة على الأمانة والعهد من صفات المؤمنين، وخيانتهما من صفات المنافقين، وقد ورد في الحديث الصحيح " آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر "، وزيدت في رواية أخرى رابعة، " وإذا خاصم فجر ".
ورعاية الأمانة - والعهد القيام عليهما وملاحظتهما، والدقة في المحافظة عليهما، كما يرعى الراعي رعيته، وقال الزمخشري في ذلك: والراعي القائم على
стр. 7472
الشيء يحفظه بهمة وإصلاح كراعي الغنم وراعي الرعية ويقال: مَنْ راعي هذا الشيء أيْ متوليه وصاحبه.
وإن اللفظ يشمل كل ما يؤتمن عليه الإنسان من مال وشرف، وسر وعرض، وكل ما يطلع عليه الإنسان، ولا يكون من المروءة إعلانه، وكل ما يعاهد عليه، ويكون من البر والخير الوفاء به، ولقد قرن اللَّه تعالى الأمر بأداء الأمانة بالأمرِ بالعدل، فقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ. . .)، فأداء الأمانات وإقامة العدل يستقيم بهما أمر الناس، ويتعاونون فيما بينهم من غير شطط ولا مجاوزة للحد، ويكون المجتمع فاضلا.
وقرنت خيانة الأمانة بخيانة اللَّه ورسوله، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ).
الوصف السادس: هو المحافظة على الصلاة، وهو غير الخشوع، فالأول وصفهم بالخشوع، وهنا الوصف بالمحافظة عليها، وكلاهما لازم، ومطلوب، وهو صفة للمؤمن، فالمؤمن يحافظ على الصلاة، ويخشع فيها، ولكن قدم الخشوع على المحافظة؛ لأن الخشوع لبها، ولأنه أساس كل الفضائل الإسلامية؛ ولأنه روحانية الصلاة؛ ولأنه امتلاء النفس بها، وقال تعالى في المحافظة عليها:
стр. 7473
(وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩)
والمحافظة على الصلاة تقتضي:
أولا - المداومة عليها.
ثانيا - أداؤها في أوقاتها.
ثالثا - إقامتها بإتيانها مقومة ظاهرة وباطنة، وإن المداومة على الصلاة في أوقاتها مع إقامتها مصحوبة بذكر اللَّه واستحضاره في قراءتها وقيامها وركوعها وسجودها، وامتلاء النفس بالخشية تكون مذهبة لصدأ النفوس، يبتدئ يومه بصلاة
стр. 7474
الصبح، ليقبل على اليوم طاهر النفس خاشعا من خشية اللَّه، حتى إذا ابتدأ الصدأ يعلوها بمعالجة الحياة وأعمالها جاءت صلاة الظهر، ثم صلاة العصر، ثم صلاتا العشي؛ المغرب والعشاء، ثم ينام طاهرا مطهرا، كما ابتدأ طاهرا، والمحافظة على الصلاة في أوقاتها تجعل المؤمن في خشية دائمة، وهو مشفق منه سبحانه.
تنبيهان:
أولهما - أن الأوصاف التي وصف الله تعالى عباده المؤمنين بها كان سبحانه يذكرها مقرونة بعبارات تفيد اختصاصهم بها، وأنها مقصورة عليهم، وهم مقصورون عليها بدليل اقتران (هُمْ) بكل الأوصاف.
فقال سبحانه في الخشوع: (الَّذِينَ هُمْ فِى صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) فهم مختصون من بين عباد اللَّه تعالى من الإنس والجن بأنهم الخاشعون في صلاتهم، وأنهم وحدهم الذين هم عن اللغو معرضون؛ وأنهم الذين هم للزكاة فاعلون راغبين في إعطائها معتبرين ذلك مغنما وليس مغرما، وأنهم هم وحدهم الذين يستمسكون بالمحافظة على أعراضهم، وأنهم وحدهم الذين يداومون على الصلوات، وأنهم هم الذين يراعون العهود والأمانات، وإنه في هذه الأمور يعبر عنهم باسم الفاعل ما عدا الأخير فقد عبر بالمضارع للدلالة على أنه صار لهم صفة.
والثاني - ما أشرنا إليه من أن الآية تدل على المباح من العلاقة بين الرجل والمرأة، وهو ما يكون بالزواج أو بملك اليمين، وعلى ذلك تكون المتعة حراما، وتكون داخلة في قوله تعالى: (فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) وليست زواجا، حتى عند الذين يبيحونها؛ ولذلك احتجت بهذه الآيات عائشة ﵂ وعن أبيها - على عبد اللَّه بن عباس عندما بلغها أنه يبيح المتعة، وهي لا تتوافر فيها شروط الزواج حتى تكونه؛ لأن من شروط عقد الزواج ألا يكون فيه ما يدل على التوقيت.
وقد ذكر اللَّه سبحانه بعد ذلك جزاء أولئك المتصفين بهذه الصفات، وهم المؤمنون حقا، فقال عز من قائل:
стр. 7475
(أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)
الإرث انتقال المال من إنسان لإنسان بحكم الخلافة عنه، أو بحكم البقاء دونه، وهذا المعنى هو الظاهر من العبارات، فإن أولئك المشركين كانوا يحسبون أنهم وحدهم الباقون؛ لأنهم أكثر مالا وأعز نفرا، وبقاؤهم في هذه الدنيا؛ لأنهم ما كانوا يؤمنون بالبعث، ويقولون أئذا متنا وكنا ترابا أئنا لفي خلق جديد، ويفرضون أنه إن كان بعث فإنهم أصحاب السلطان يوم البعث.
فبين اللَّه تعالى أن أهل هذه الصفات هم الذين يرثون، ويخلفون غيرهم، وأنهم الباقون، وأن كل متع الآخرة تكون لهم؛ لأنهم أبقى وسجاياهم تجعلهم أهل النعيم الباقي، ولذا قال عن ميراثهم:
стр. 7476
(يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)
الفردوس الأرض الواسعة المملوءة بالحدائق الغناء، والمثمرات اليانعات، والجنات المزهرة، وينعمون فيها بخيراتها ومناظرها إذ تجري من تحتها الأنهار، وينعمون مع ذلك بالخلود؛ ولذا قال تعالى: (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)، والضمير في (فِيهَا) يعود إلى الفردوس على أساس معناها، لأن معناها الجنة -
* * *
آية الله في خلق الإنسان
قال تعالى:
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)
* * *
стр. 7477
السلالة: هي صفو الطين هنا، والإنسان دخل في تكوينه صفو الطين مرتين: المرة الأولى - عندما خلق آدم من تراب فكان صفو الطين في تكوينه، والثانية - أن الطين يدخل في تكوينه بعد أن صار كيانا إنسيا؛ ذلك أن غذاءه يتكون من النبات والحيوان وكلاهما من صفو الطين؛ لأن النبات ينبت من اختلاط الطين بالماء، والحيوان آكل من النبات، فكانت سلالة من طين فيه
стр. 7478
(مِن) في قوله تعالى: (مِن سُلالَة) هي (مِن) الابتداء التي تدل على أن الإنسان يكون من سلالة طين و (مِّن) الثانية بيانية، أي من سلالة هي طين.
ولقد ذكر سبحانه خلقه بعد أن صار في أصلاب الآباء، ثم أرحام الأمهات، فقال:
стр. 7479
(ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣)
العطف بـ " ثم " له موضعه؛ لأنه مر بأصلاب الآباء، ثم دفق الماء الذي هو النطفة في أرحام الأمهات، كما قال تعالى في تكوينه: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠)، وقوله: (ثُمَّ جَعَلْنَاهُ)، الضمير يعود إلى الطين الذي جعل سلالته أي ما ينسل منه - نطفة.
و (جَعَلْنَاهُ) هنا بمعنى حولناه في أصلاب الآباء نطفة هي الماء الدافق الذي ألقي في أرحام الأمهات، وهذه الأرحام هي (القرار المكين) فالقرار معناه المستقر، ووصف بأنه مكين، أي أنه محكم، ما استقر فيه لَا يمكن أن يخرج منه، ووصف المستقر بأنه مكين من حيث إن ما يدخله يكون ثابتا، بل يتربى في موضعه ويتغذى حتى يحين ميقاته، فوصف الموضع بالاستقرار، والمكانة والثبات مع أن الثابت المستقر هو ما أودعه، كما يوصف الطريق بأنه سائر مع أن السائر هو الماشي فيه.
وإن الله الخلاق العليم يجعل الأرحام عندما يدفق فيها الماء يغلق عليه ويتربى فيه، ويتغذى من الدم، حتى يحين ميعاد الولادة، والأدوار التي يذكرها اللَّه تعالى بعد ذلك وهو في القرار المكين، حتى خلق خلقا جديدا فقال تعالى:
стр. 7480
(ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)
العطف بـ " ثم " في خلق العلقة من الماء السائل الأبيض في موضعه؛ لأنه يكون في وقت أطول، إذ إنه يتحول إلى لحمة حمراء، ويتحيز في مكان بعد أن كان سائلا ليس له مكان متحيز فيه يملأ فراغا، وعبر هنا بالخلق، ولم يعبر بالجعل، لأنه أنشأه إنشاءً، إذ إن تحول ما ينسل من الطين إلى ماء هو النطفة تحويل بخلق الخالق، ولذا عبر بـ " جعل " التي تدل على الخلق، والتصيير والتحويل، بعد ذلك (فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً)، أي أن العلقة تحولت إلى مُضْغة، والأصل في المضغة قدر ما يمضغ في الفم من اللحم، ويبتدئ في المضغة تشكيل اللحم وتصويره بالصورة التي تكون عليه؛ ولذا جاء في سورة الحج: (ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ مخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مخَلَّقَةٍ. . .)، فيبتدئ في المضغة التخليق، وينتهي بأن يكسى عظاما، والتعبير بـ (خَلَقْنَا) هنا للإشارة إلى أن ذلك التصيير أو التحويل إنما هو بخلق اللَّه تعالى لَا بالسببية التي تحول الجنين من نطفة إلى علقة ثم إلى مضغة، فإن اللَّه تعالى هو الخلاق العليم الذي ينشئ الشيء، فلا ينشأ شيء بغير إرادته، إنما إرادة اللَّه تعالى وقدرته هي الفاعلة.
ثم قال سبحانه: (فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا)، أي بعد أن تخلقت المضغة، وتميزت أجزاؤها، جعلها اللَّه تعالى عظاما أي جعل من هذه المضغة عظاما صلبة تتحمل. سبحان اللَّه تعالى، طين فماء مهين فقطعة لحم، فمضغة مخلقة وغير مخلقة، ثم قال تعالى: (فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لحْمًا)، أي جعلنا العظام التي خلقت من المضغة - مكسوة باللحم، وظاهر أن ذلك بخلق اللَّه وتكوينه، ابتدأت بماء مهين، ثم بقطعة لحم ثم بمضغة قدر ما يمضغه الإنسان، ثم بتخليقها، وجعلها عظاما ثم يكسو العظام باللحم، ذلك بقدرة العليم الحكيم وخلقه.
وهنا نلاحظ أن العطف كان بالفاء الدالة على الترتيب والتعقيب، في قوله تعالى: (فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا)؛ وذلك للدلالة على سرعة
стр. 7481
التكوين مع تفاوت هذا التكوين، أو التحول بإرادة اللَّه تعالى وحده، وبذلك يتبين أنه سهلٌ يسيرٌ عليه، وأن إعادته تكون أيسر، وما خلق الإنسان بأكبر من خلق السماء والأرض.
وأما قوله تعالى في سورة الحج: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا. . .).
وكان العطف بـ " ثم " لا بـ " الفاء "؛ لأن السياق لبيان المراحل، كما قال سبحانه: (لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ) وقد اقتضى هذا أن يكون العطف بما يدل على التراخي، وإن ذلك نسبي، فهو بالنسبة لنا تراخ حقيقي، إذ إن تكوّن العلقة من النطفة يحتاج إلى زمن، وإن كان عند اللَّه يسيرا، فأيامنا عنده أزمان قصيرة، وإن طالت عندنا، وقال تعالى: (ثُمَّ أَنشَأنَاهُ خَلْقًا آخَرَ)، أي أوجدنا فيه حالا غير الأحوال السابقة، فقد خرج إلى الحياة طفلا، ثم بلغ أشده ومنهم من يتوفى، ومنهم من يرد إلى أرذل العمر؛ لكيلا يعلم من بعد علم شيئا، وقد جعل اللَّه تعالى لهم سمعا وبصرا وأفئدة، وبذلك صار إنسانًا سويا، وأرسل إليه الرسل فَضَلَّ من ضلَّ واهتدىِ من اهتدى، وكل هذا أشار إليه بقوله عز من قائل: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ) وكان العطف بـ " ثم " له موضعه؛ لأن ذلك الخلق الآخر أخذ أدوارا مختلفة.
وكلمة (آخَرَ) تشير إلى أنه وصل إلى حال هي غير الطينِ وغير العلقة وغير المضغة، بل إنه خلق كامل، وقد قال في ذلك الزمخشري: (خَلْقًا آخَرَ)، أي خلقا مباينا للخلق الأول مباينة ما أبعدها حيث جعله حيوانا، وكان جمادا، وناطقا وكان أبكم، وسميعا، وكان أصم، وبصيرا، وكان أكمه، وأودع باطنه وظاهره، وكل عضو من أعضائه، وكل جزء من أجزائه عجائب قدرته، وغرائب حكمه لَا تدرك بوصف الواصف، ولا بشرح الشارح.
(فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) " الفاء " للإفصاح؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر معناه إذا كان اللَّه هو الذي خلق ذلك الخلق فتبارك اللَّه أحسن الخالقين، وروي أن
стр. 7482
عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل عندما سمعا الآية من قوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَان مِن سُلالَة مِّن طين) إلى قوله تعالى: (ثُمَّ أَنشَأنَاهُ خَلْقًا آخَرَ)، قالا: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) فقال النبي ﷺ : هكذا أنزلت (١)، ونحن لَا نرضى هذه الرواية، ولكن ذكرناها؛ لأنها تنبئ عن أن هذه الجملة السامية ثمرة طيبة للخلق السابق.
والبركة أصلها من موضع برك الجمل، وقد أطلقت على كل أمر خير ثابت، (فَتَبَارَكَ) معناها تسامي في البركة وعلا، حتى لَا يناهده أحد في خيره الدائم، و (أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)، أفعل التفضيل ليس على بابه إنما معناه أن خلق اللَّه تعالى وصل إلى أعلى درجات الحسن، بحيث لَا يناصبه حسن قط، وحقا لقد خلق اللَّه الإنسان في أحسن تقويم، كما قال تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم).
وإن نهاية هذا الإنسان في الدنيا هي الموت، ولم يخلق عبثًا، بل يكون بعد الموت البعث؛ ولذا قال تعالى:
стр. 7483
(ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)
العطف بـ " ثم " في موضعه؛ لأن مؤداه أنهم بعد خلقهم في أحسن خلقة، ومنهم من يرده اللَّه تعالى إلى أسفل السافلين، ويستمرون إلى أجل مسمى، ضَلوا فيه أو اهتدوا، أخلصوا دينهم لِلَّهِ أو كفروا، وبعث فيهم الرسل مبشرين ومنذرين إنهم، بعد هذا الدور لميتون، وقد أكد سبحانه موت الناس مع أنه واقع مشاهد كل يوم يموت ناس ويولد ناس، وكان التأكيد بـ " أنَّ " وبالجملة الاسمية، وباللام وبالوصف، (مَيِّتُون) وكان ذلك التوكيد لكيلا يغتر الناس بغرور هذه الدنيا، وأنها إلى فناء مهما طَالت، وأن الحياة الآخرة هي الباقية الخالدة في سعادة ونعيم، أو في شقاء وجحيم.
وفى التعبير بالوصف (مَيِّتُونَ) إشارة إلى أن حياتهم في الدنيا كانها الموت لأنه يترصدهم، فلا يغتروا بغرورها، وبعد الموت يكون البعث، ولذا قال تعالى:
стр. 7484
(ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)
كان العطف بـ " ثم " له موضعه؛ لأن الأجسام تبقى في القبور أو حيث تكون في أجزاء أخرى كما قال تعالى: (قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ. . .) وقد أكد : البعث لأن اللَّه تعالى لم يخلقنا عبثا، وقال عز من قائل: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجعون).
أكد اللَّه البعث ليعظم إنكارهم له، ولقد بالغوا في إنكاره كشأن الذين لَا يؤمنون إلا بما يحسون ولا يؤمنون بالغيب، وأكده سبحانه بـ " أن " وبالجملة الاسمية، وجعل ذلك يوم القيامة، واللَّه هو الذي خلق وأبدع، وخلقه في الإنشاء، دليل على قدرته على الإعادة.
* * *
خلق الكون ونعم الله على الإنسان
قال تعالى:
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧) وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨) فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (١٩) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)
* * *
стр. 7485
بعد أن بين اللَّه تعالى خلق الإنسان، وما فيه من عجائب تدل على قدرة اللَّه تعالى - جل وعز - أخذ يبين خلق ما هو أكبر من الإنسان، وما فيه حياة الإنسان ومعاشه، وما هو مسخر له في السماوات والأرض فقال تعالى:
стр. 7486
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ).
الطرائق جمع طريقة، وهي هنا بمعنى مطروقة من طرق النقل من حيث إنها مسالك، ومن طرق الخوافي في الطير، بمعنى أن كل طبقة منها فوق الطبقة الأخرى، وطرائق السماء أفلاكها، إذ كل فلك فوق الفلك الآخر وكل مربوطة بأرسان (١) من الجاذبية والنواميس الكونية، بحيث تكون متماسكة، كل نجم وكوكب فيها مشدود بالآخر، كأن حبلا أو سلكا يمسكه، وفسر بعض علماء الفلك هذا النص السامي بأن سبع طرائق سبعة أفلاك لكل سماء طريق يجري بما فيها من الأقمار والنجوم.
وقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ) أي أن هذه الطرائق بما فيها من كواكب ونجوم مسخرات بأمره سبحانه يجري كل تحت رعاية اللَّه تعالى وعينه، وهو القائم على كل شيء يسيره بأمره سبحانه إنه عليم خبير (أَلا يَعْلَمُ منْ خَلَقَ وَهُو اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ).
ونفَى الغفلة عن ذاته العلية، وهي منفية بحكم علمه الكامل ولكن كان نفي الغفلة كناية عن كمال عنايته بخلقه، وأنه يمسك السماوات والأرض أن تزولا، وأن كل الوجود تحت رعايته وعنايته، وأنه يسير بأمره، وعلى مقتضى إرادته النافذة، وحكمته العالية.
وصيغة النفي تدل على أن الغفلة ليست من شأنه تعالى، لأنه نفي الكينونة بقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ)، أي ليس من شأننا أن نغفل عن خلقنا، بل نحن قائمون عليه مراقبون له محافظون عليه،
стр. 7487
ولقد بين بعد ذلك نعمه على خلقه في صلة الأرض بما فوقها، فقال تعالى:
стр. 7488
(وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨)
يمن اللَّه علينا، وله المن والفضل، بأننا نعيش في الأرض برخاء، ونجد حاجاتنا منها موفورة، وأسبابها قائمة بقوله: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءَ بِقَدَرٍ)، أي بمقدار مصلح للأرض على أن يكون غيثا لَا عتيا، فالمطر الزائد كالسيل الجارف لا يكون غيثا بل يكون عتيا، ويهدد الله به الظالمين من الناس، كالسيل الذي أغرق قوم نوح، فقوله تعالى: (بِقَدَرٍ) أي على القدر الذي تعنيه الحاجات، ويكون إصلاحا، ولا يكون فيه فساد للزرع والضرع، ويقول سبحانه: (فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ) أي جعلنا في الأرض مستقرا له، كأنما يسكنها، كما يأوي الآوي إلى مسكنه.
وذلك أن ما تنزله السماء قسمان: قسم عارض ممطر يغيث في وقت الجدب، ولا ينزل بانتظام كالمطر الذي ينزل بالاستسقاء، كما كان النبي ﷺ يستسقي، ومن بعده أهل الصلاح والتقوى، وقسم يجري في أنهار ويسلك ينابيع الأرض في عيون، وهذا يُسكنه الأرض، كنهر النيل، فإنه ينزل على الجبال، وفي البحيرات التي تمده، وهذا يبدو كأنه الساكن في الأرض، وإن كان في سير دائم من منبعه إلى مصبه، وهذا وأشباهه يوجد الخصب والنماء بإذن اللَّه تعالى، ومن الناس مَن اعتقد أنه دائم لا يغيض، ولذا قال تعالى: (وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ) أي إنا على إذهابه لقادرون، والباء للتعدية، ولقوة الإذهاب كقوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ)، وإن مثل الأنهار العيون، فهي ينابيع في الأرض قد اختزنتها الأرض في جوفها وهي للَّه، (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠).
وقد قال تعالى في بيان بعض نعم الماء:
стр. 7489
(فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (١٩)
الفاء عاطفة، وانشأنا، خلقنا بإنشاء جديد لَا بمجرد التوليد لشيء من شيء، فإن إخراج الحي من الجامد ليس توليدا مجردا، إنما هو إنشاء لمخلوق جديد، واقرأ قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥)، ثم يقول تعالى: (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩).
وقوله تعالى: (مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَاب)، من هنا بيانية، فهي بيان لنوع الجنات، (وَأَعْنَاب)، جمع عنب، وجمعه لأنه أنواع مختلفة فالأعناب بكل أنواعها، خلقها اللَّه تعالى وأنشأها إنشاء، ولم تذكر الحبوب؛ لأنها كانت قليلة في مكة وما حولها، وإنما كان النخيل والأعناب فيها، وفي الطائف القريبة منها.
وهذان النوعان النخيل والأعناب، فاكهة يانعة يتفكهون بها، وغذاء طيب يستغنون به عن كل الأطعمة، فإذا كان عند الرجل نخلة وناقة، فعنده الغذاء الموفور من التمر واللبن، ولذا قال تعالى: (لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ)، أي إنها فاكهة وغذاء، فالعنب يؤكل رطبا وزبيبا، والبلح يؤكل رطبا وبسرا، وهو أنواع مختلفة.
وذكر نوعا ثالثا من الأشجار، وهو الزيتون، فقال تعالى:
стр. 7490
(وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠)
الواو عاطفة، (شَجَرَةً) معطوفة على (جنات)، أي أنشأنا شجرة، وقال المفسرون جميعا، إنها شجرة الزيتون وهي شجرة مباركة، وتنكيرها لبيان فضل خيراتها، و (مِن) للابتداء أو بمعنى (فِي)، والمعنى شجرة تخرج مباركة في طور
стр. 7491
سيناء، والطور هو جبل الطور، والمراد كل سيناء، وعرفت بأكرم مكان فيها؛ لأن فيه تجلى اللَّه على موسى كليمه، وهي أرض مقدسة من الأراضي التي شرفها اللَّه تعالى بتقديسه، وقد أقسم اللَّه تعالى بها، فقد قال عز من قائل: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)، فقرنها في القسم بالبلد الأمين بيت اللَّه الحرام، وكان ذكرها لتوجيه الأنظار إليها وعدم تركها لقتلة الأنبياء وفسقة الأرض، وليس لليهود أن يطلبوا تراث موسى أو ما خلفه، لأن أحق الناس بموسى ﵇ محمد ﷺ ومن اتبعه، فلو كان موسى حيا ما وسعه إلا أن يتبعه، فإن يهود هذا الزمان ومن قبلهم مقطوعون عن موسى ﵇ قد قتلوا الأنبياء؛ ولأن شريعة محمد ﷺ قد نسخت شريعة التوراة، وما جاء به موسى إلا ما أبقاه القرآن الكريم كشريعة القصاص.
وإن ذكر طور سيناء منسوبة إليها شجرة الزيتون، لتوجيه عقول المسلمين إليها، إذ الزيتون شجرته في كثير من أرض اللَّه تعالى، وقد وصف اللَّه تعالى شجرة الزيتون بقوله: (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ)، أي تنبت هذه الشجرة المباركة مصاحبة للدهن، أي تنبت وقد أودعها اللَّه تعالى الدهن، وإن الذي ينبت هو أخشاب الشجرة، ولكن لأن الدهن خلقه اللَّه تعالى فيها، وتفيض به جعلت كأنها أنبتت الدهن ذاته، أو أن الدهن نبت مع أخشابها، والدهن هو الزيت، وإن فيه شفاء للناس، وقد وصف اللَّه تعالى شجرته بأنها مباركة فقال تعالى في سورة النور:
(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ. . .).
والصبغ، وهو إدام الطعام، وإنه يؤخذ من زيتون الشجرة إذا لم يعصر زيته إدام للطعام، يسهل تناوله، وذكر سبحانه بعد ذلك نعم اللَّه تعالى التي تجيء ثمرة للنبات الذي أنتجه اللَّه تعالى بالماء.
стр. 7492
(وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١)
الأنعام: جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم، وما يشبهها فيما يؤدي مؤداها ما يزلل للإنسان، ويكون تحت سلطانه، ويطوَّع لإرادته، وأول ما حكم به سبحانه أن فيها عبرة أي اعتبارًا بدلالتها على خلق الخالق وقدرته وإبقائه على الإنسان، فهي حيوان مسخر للإنسان، ومع أن له إرادة، وإن لم تكن عاقلة، وكونا مستقلا، سخره اللَّه تعالى للإنسان مطوعة له مستأنسة له، وذكر من هذه العبر ما في درها من لبن يسقينا إياه رب العالمين، ولكم فيها منافع، فيتخذ من أصوافها، وأوبارها وأشعارها أثاثا، ويتخذ من جلودها بيوتا وأخبية، (وَمِنْهَا تَأْكلُونَ) أي نأكل لحمها فهو حلال طيب، فحياتها كلها خير تدر لبنا، ويؤخذ منها أثاث، وبيوت ومساكن، ولحمها يؤكل، وكل هذه نعم يجب علينا شكرها، ولا يصح أن نكفر بها، ونشرك باللَّه تعالى المنعم؛ إذ شكر المنعم واجب بحكم العقل والإيمان.
ويقول :
стр. 7493
(وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)
الضمير في (عَلَيْهَا) يعود على الأنعام، وليس معناه أن كلها يحمل الإنسان بل إن بعضها، وهو الإبل، والخيل والبغال والحمير إن أدخلناها في عموم النعم، ومن المؤكد أن بعضها وهو الإبل يتخذ للحمل حتى سموا الإبل سفينة الصحراء، وقد قال ذو الرمة في الإبل: سفينة بر تحت خدي زمامها.
ولذا ذكرت وراء الإبل من الأنعام الفلك، فإن الفلك تجري بقدرة اللَّه تعالى حاملة الأمتعة والمنافع من الشرق إلى الغرب، رابطة الأقاليم في الأرض بعضها إلى بعض، فهي التي تنقل خيرات الأرض بعضها لبعض.
* * *
стр. 7494
من أخبار الرسل
قال تعالى:
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٢٣) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠)
* * *
قص اللَّه تعالى بعد ذلك قصص النبيين تسلية للنبي ﷺ ، وتعليما له وبيانا لتشابه إجابة الكافرين؛ مما يدل على موطن الشك في قلوبهم الذي ينادي بها إلى الكفر، وظلم النبيين، وإنكار الحقائق التي تؤيدها الفطرة، وإنهم إذ يتشابهون في الكفر قد تشابهوا فيما يتذرعون به من إنكار، كما أن دعوات النبيين واحدة في
стр. 7495
ابتدائها وهي الدعوة إلى عبادة اللَّه تعالى وحده، وهذا نوح الأب الثاني للبشرية يقول اللَّه تعالت كلماته فيه: