سيناء، والطور هو جبل الطور، والمراد كل سيناء، وعرفت بأكرم مكان فيها؛ لأن فيه تجلى اللَّه على موسى كليمه، وهي أرض مقدسة من الأراضي التي شرفها اللَّه تعالى بتقديسه، وقد أقسم اللَّه تعالى بها، فقد قال عز من قائل: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)، فقرنها في القسم بالبلد الأمين بيت اللَّه الحرام، وكان ذكرها لتوجيه الأنظار إليها وعدم تركها لقتلة الأنبياء وفسقة الأرض، وليس لليهود أن يطلبوا تراث موسى أو ما خلفه، لأن أحق الناس بموسى ﵇ محمد ﷺ ومن اتبعه، فلو كان موسى حيا ما وسعه إلا أن يتبعه، فإن يهود هذا الزمان ومن قبلهم مقطوعون عن موسى ﵇ قد قتلوا الأنبياء؛ ولأن شريعة محمد ﷺ قد نسخت شريعة التوراة، وما جاء به موسى إلا ما أبقاه القرآن الكريم كشريعة القصاص.
وإن ذكر طور سيناء منسوبة إليها شجرة الزيتون، لتوجيه عقول المسلمين إليها، إذ الزيتون شجرته في كثير من أرض اللَّه تعالى، وقد وصف اللَّه تعالى شجرة الزيتون بقوله: (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ)، أي تنبت هذه الشجرة المباركة مصاحبة للدهن، أي تنبت وقد أودعها اللَّه تعالى الدهن، وإن الذي ينبت هو أخشاب الشجرة، ولكن لأن الدهن خلقه اللَّه تعالى فيها، وتفيض به جعلت كأنها أنبتت الدهن ذاته، أو أن الدهن نبت مع أخشابها، والدهن هو الزيت، وإن فيه شفاء للناس، وقد وصف اللَّه تعالى شجرته بأنها مباركة فقال تعالى في سورة النور:
(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ. . .).
والصبغ، وهو إدام الطعام، وإنه يؤخذ من زيتون الشجرة إذا لم يعصر زيته إدام للطعام، يسهل تناوله، وذكر سبحانه بعد ذلك نعم اللَّه تعالى التي تجيء ثمرة للنبات الذي أنتجه اللَّه تعالى بالماء.
стр. 7492
(وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١)
الأنعام: جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم، وما يشبهها فيما يؤدي مؤداها ما يزلل للإنسان، ويكون تحت سلطانه، ويطوَّع لإرادته، وأول ما حكم به سبحانه أن فيها عبرة أي اعتبارًا بدلالتها على خلق الخالق وقدرته وإبقائه على الإنسان، فهي حيوان مسخر للإنسان، ومع أن له إرادة، وإن لم تكن عاقلة، وكونا مستقلا، سخره اللَّه تعالى للإنسان مطوعة له مستأنسة له، وذكر من هذه العبر ما في درها من لبن يسقينا إياه رب العالمين، ولكم فيها منافع، فيتخذ من أصوافها، وأوبارها وأشعارها أثاثا، ويتخذ من جلودها بيوتا وأخبية، (وَمِنْهَا تَأْكلُونَ) أي نأكل لحمها فهو حلال طيب، فحياتها كلها خير تدر لبنا، ويؤخذ منها أثاث، وبيوت ومساكن، ولحمها يؤكل، وكل هذه نعم يجب علينا شكرها، ولا يصح أن نكفر بها، ونشرك باللَّه تعالى المنعم؛ إذ شكر المنعم واجب بحكم العقل والإيمان.
ويقول :
стр. 7493
(وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)
الضمير في (عَلَيْهَا) يعود على الأنعام، وليس معناه أن كلها يحمل الإنسان بل إن بعضها، وهو الإبل، والخيل والبغال والحمير إن أدخلناها في عموم النعم، ومن المؤكد أن بعضها وهو الإبل يتخذ للحمل حتى سموا الإبل سفينة الصحراء، وقد قال ذو الرمة في الإبل: سفينة بر تحت خدي زمامها.
ولذا ذكرت وراء الإبل من الأنعام الفلك، فإن الفلك تجري بقدرة اللَّه تعالى حاملة الأمتعة والمنافع من الشرق إلى الغرب، رابطة الأقاليم في الأرض بعضها إلى بعض، فهي التي تنقل خيرات الأرض بعضها لبعض.
* * *
стр. 7494
من أخبار الرسل
قال تعالى:
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٢٣) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠)
* * *
قص اللَّه تعالى بعد ذلك قصص النبيين تسلية للنبي ﷺ ، وتعليما له وبيانا لتشابه إجابة الكافرين؛ مما يدل على موطن الشك في قلوبهم الذي ينادي بها إلى الكفر، وظلم النبيين، وإنكار الحقائق التي تؤيدها الفطرة، وإنهم إذ يتشابهون في الكفر قد تشابهوا فيما يتذرعون به من إنكار، كما أن دعوات النبيين واحدة في
стр. 7495
ابتدائها وهي الدعوة إلى عبادة اللَّه تعالى وحده، وهذا نوح الأب الثاني للبشرية يقول اللَّه تعالت كلماته فيه:
стр. 7496
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٢٣) .
ناداهم مقربا لنفوسهم متلطفا معهم في القول: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ) ابتدأ بذكر أنهم قومه الذين ألفهم وألفوه، وجربوه، ولم يعهدوا عليه كذبا، وما أشبه هذا بقول محمد ﷺ في أول دعوته لقريش: " أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم؛ ما جربنا عليك إلا صدقا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد " (١) قال نوح لقومه: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ) أي وحده فلا عبادة إلا له وحده؛ ولذا قال بعد ذلك (مَا لَكُم مِنْ إِلَهٍ غيْرُهُ) (مِّنْ) لاستغراق النفي، أي ليس لكم أي إله غيره، فلا ألوهية إلا له ، وحرضهم على الطاعة، وخلع عبادة الأوثان، فقال: (أَفَلا تَتَّقُونَ)، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي ترتب على الأمر بعبادته سبحانه وحده وبطلان عبادة الأوثان التي يعبدونها أن يطلب منهم محرضا تقوى اللَّه واتقاء عذابه، والفاء مؤخرة عن تقديم لأن الاستفهام له الصدارة، والاستفهام للتنبيه، والتحريض على اتقاء العذاب، كما قال النبي ﷺ لقومه في أول دعوته: " إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. وإنها للجنة أبدا أو النار أبدا " (٢).
هذا كلام نوح ﵇ في دعوته قومه، وقد بينا أنه يتشابه مع دعوة النبي ﷺ قومه، وقد كان جواب قومه بعد أن دعاهم ﵇ مشابها لإجابة قريش لمحمد ﷺ بعد أن أمعن في دعوته، قالوا له ﵇:
стр. 7497
كانت إجابتهم إجابة من فوجئ بأمر لم يألفه ولم يعرفه، وكذلك كانت إجابة أهل مكة للنبي ﷺ قالوا أولا - (مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مثْلُكُمْ)، كذلك قال أهل مكة، قالوا: (مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ)، وقالوا ثانيا - (يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ) أي يطلب الفضل عليكم بالرياسة والسلطان، كذلك قال أبو جهل أحد زعماء الشرك وأطغاهم؛ فقد قال في سبب كفره: تنازعنا وبني عبد مناف الشرف، اطعموا فأطعمنا، وسقوا فسقينا، حتى إذا تحاذينا على الركب قالوا منا نبي، فأنى يكون لنا ذلك، واللَّه لَا نؤمن به أبدًا.
وقالوا ثالثا - (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَنزَلَ مَلائِكَةً)، أي لو شاء اللَّه أن ينزل رسالة من عنده لأنزل بها ملكا يخاطبنا، كذلك طلب المشركون أن ينزل عليهم بالرسالة ملك، (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩).
وقالوا رابعا في رد دعوة نوح للتوحيد: (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ)، أي إنهم لَا يتبعون إلا ما كان عليه آباؤهم، كما قال تعالى عن مشركي مكة، (بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ)، وهكذا نجد رد قوم نوح ﵇ يشبهه تماما رد المشركين على النبي ﷺ ، وقد كانت نتيجته أن أهلك اللَّه تعالى الكافرين من قوم نوح، وكان عليهم أن يتوقعوا مثل ما نزل بقوم نوح، لولا رحمة اللَّه، عسى أن يخرج اللَّه من أصلابهم من يعبد اللَّه، بل أن يكون منهم من ينصر الحق، ويجاهد مع المجاهدين.
ولقد استمرت دعوة نوح ﵇ إلى الحق، واستمر عنادهم، ووصفوه بأنه مجنون، وأنهم ينتظرونه حتى يفيق.
стр. 7498
(إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥)
(جِنَّةٌ) بكسر الجيم، أي مما هو إلا رجل به جنون (فَتَرَبَّصُوا بِهِ) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي إذا كان به جنون فتربصوا به حتى حين، أي إلى حين
стр. 7499
يستفيق ويرشد، والتربص انتظار زوال أمر، أو مجيئه، أي انتظروه حتى يفيق، أو يعرض عن هذه الدعوة.
وكذلك قال قوم محمد ﷺ فقالوا مجنون، وقالوا إن كان الذي يأتيك رئيا من الجن بذلنا من أموالنا ما نكشفه عنك، وهكذا تشابهت أقوال الكفار لأنها تنبع جميعا من نفوس غير مؤمنة، وتشك في القول الحكيم المرشد.
يئس نوح من إيمان قومه أو الأكثرين منهم، وقال له اللَّه تعالى: (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)، فاتجه إلى ربه ضارعا طالبا النصرة.
стр. 7500
(قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٢٦)
أي قال: انصرني عليهم لأنهم كذبوني ودفعهم تكذيبهم إلى الفساد، وقال:
(وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧).
وهنا نجد الفارق بين نوح ﵇، وخاتم النبيين محمد ﷺ ، فبينما نوح يدعو لهلاك الكافرين من قومه ويخاطب ربه، فيقول: (إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا)، يقول خاتم النبيين صاحب الرسالة الأخيرة الباقية: " إني لأرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لَا يشرك به شيئا " (١).
استجاب اللَّه تعالى لدعاء نوح، ودبر له الأمر لينجو نوح ومن آمن معه، وما آمن معه إلا قليل، وقال تعالى:
стр. 7501
ْأوحى الله تعالى إلى نوح أن يصنع الفلك لينجو فيه من أراد اللَّه تعالى نجاته وهم الذين آمنوا وأهل نوح الذين لم يكفروا، أن تفسيرية، لمعنى الإيحاء الذي أوحى به إلى نوح ﵇، فقوله: (اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا)، أي اصنع الفلك برعايتنا ورقابتنا، كمن يكون تحت العين والبصر، ولا يعد ذلك تأويلا، بل إنه ظاهر اللفظ، من غير تأويل، فلا حاجة إلى ما قيل إن هذا تأويل كقول الخلف، ولا إلى القول بأن للَّه عينا ليست كأعيننا، كما يُدَّعى أنه قول السلف (راجع في هذا رسالة الغزالي: إلجام العوام عن علم الكلام).
أي أن صناعة الفلك كانت برقابة اللَّه - تعالى - ورعايته ووحيه في البناء والتصرفات، (وَفَارَ التَّنُّورُ الفُرْنُ الذي يخبز فيه الخبز، والتعبير عن سبب سير السفينة الذي يقترن بسيرها بقوله تعالى: (وفَارَ التَّنُّورُ) فيه ما يشير إلى أنها كانت تسير ببخار الماء، وقد أشرنا إلى هذا المعنى في سورة هود.
(فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كلٍّ زَوْجَيْنِ)، أي أدخل فيها من كل صنفين زوجين ذكر وأنثى، واسلك بمعنى أدخل هي في اللغة، ومن ذلك قوله تعالى: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَر)، أي ما أدخلكم فيها، وقال تعالى: (وَأَهْلَكَ)، أي أدخل أهلك إلا من سبق عليه القول بهلاكهم لأنهم كافرون، وقد خاطبه نوح في شأن ابنه كما جاء في سورة هود إذ قال نوح ﵇ إشفاقا على ابنه: (إنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي. . .)، فقال اللَّه تعالِىٍ له: (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غيْرُ صَالِحٍ. . .). وقوله: (مَن سَبقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) وهو الحكم عليهم بالهلاك، ولذا تعدى بعَلَىَ وقد التفت الله تعالى حكمه، من بعد ذلك إلى نوح ومن معه مذكرًا لهم بعد أن أغرق الكافرين، فقال مخاطبا نوحا:
стр. 7502
(فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨)
استويت، أي تمكنت واقتعدت أنت ومن معك مقاعدكم، (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)، وإن ذلك يدل على أن قوم نوح قد ساوروه بالأذى وإرادة
стр. 7503
إهلاكه وقومه، حتى أمر بأن يحمد الله تعالى على نجاته منهم وقد كانوا ظالمين، وهذا كقوله تعالى: (فَقطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ)، وهكذا أمر اللَّه تعالى نوحا بأن يحمد اللَّه تعالى إذا استوى كما قال في سورة هود: (وَقَالَ ارْكَبُوا فيهَا بِسْمِ اللَّه مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ ربِي لَغَفُورٌ رحِيمٌ)، كما أمره سبحانه وتعالي أن يدعو اللَّه في قابل أمره شاكرا حامدا، فقال تعالى:
стр. 7504
(وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩)
الخطاب لنوح ﵇، وصوره: بـ (رَبِّ) للإشارة إلى أنه إذ نجاه لا يصح أن يلجأ إلا لعنايته وكلاءته وحمايته (أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا) المنزل هنا بمعنى المصدر، لَا بمعنى المكان، أي أنزلني إنزالا فيه خير ونماء وبركة، بأن يثبت اللَّه تعالى قلوب الذين آمنوا على الحق، وقد رأوا بأعينهم عاقبة الذين ظلموا أنفسهم بالكفر ومعاندة الحق، وقد بارك سبحانه من معه، فجعل منهم ذرية الخليقة فكان بحق الأب الثاني للإنسانية، وقد أثنى على ربه بما هو حقه، (وأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلينَ)، أي أنت الذي تنزل منازل أعلى ما يكون الإنزال المبارك.
وقد بين العبرة في هذا قصص المحكم الخاص بنوح وقومه، فقال عز من قائل:
стр. 7505
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠)
أي أن في ذلك القصص الخاص بنوح وقومه، وكيف أرهقوه من أمر الرسالة عسرا، لآيات وعبر للذين يستبصرون، ويدركون أن الأمور البالية يتعرض أصحابها للمشقات من أهل الباطل والضلال، وقد كان إحجام الضالين أولا لأنه بشر مثلهم، ولأنهم ينكرون البعث ولا يؤمنون به، ولأنه اتبعه الضعفاء والفقراء الذين ازدرتهم أعين المستكبرين، وهكذا مما ابتليت به أنت، وكانت الآية الأخيرة أن الله تعالى أغرقهم، وقطع دابر الذين ظلموا، وفيه آية سامية في علوها وهي أن الزلفى عند اللَّه بالحق والإيمان به، لَا بالقرابة فهذا ابن نوح كان من المغرقين مع أنه أقرب الناس إلى نوح.
وإن من فضل اللَّه تعالى وشأنه أن يعامل الأخيار معاملة المختبرين، ولذا قال تعالى: (وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ) إن هنا هي المخففة من الثقيلة، وإنها ضمير الشأن،
стр. 7506
والمعنى، وإن الحال والشأن للذات العلية (كُنَّا لمُبْتَلِينَ)، و (كان) تدل على الدوام واللام واقعة في خبر إن مميزة لها، ومبتلين خبر كنا، وهي اسم فاعل، لَا اسم مفعول، أي إن الحال والشأن أن نعامل الأبرار معاملة المختبرين لكي يعرف خيرهم، ويظهر استحقاقهم للثواب، وإن المخير لَا يأتي عفوا سهلا ميسرا، لَا بد له من من جهاد، وعلى قدر الجهاد يكون الثواب، وكان حقا على محمد ﷺ أن يجاهد المشركين، ولا ييأس من نصر اللَّه، وللَّه ورسوله الغلبة والعزة.
* * *
الرسل بعد نوح لاقوا ما لاقى
قال تعالى:
(ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٣٩) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (٤٠) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١)
* * *
стр. 7507
ذكر اللَّه تعالى نبذة صغيرة من قصة نوح ﵇ مشيرة إلى سائرها الذي ذكر مفصلا في سورة هود، وهي نموذج قرآني لقصة الذين كانوا بين نوح ومحمد ﷺ ، من الرسل، في تكذيب أقوامهم، ونوع هذا التكذيب، فهم يحسبون أن الرسول لَا يكون بشرا يأكل مما يأكلون، ويشرب مما يشربون، ويحسبون أنه لَا بعث ولا نشور، وأن الأتباع يكونون من الأقوياء لَا من الضعفاء الأذلين في زعمهم الفاسدين، وفي ذلك بيان أن ما ينزل بمحمد من بلاء الأقوياء المستكبرين هو صور من صور ما لاقاه النبيون من نوح. فعليه الصبر كما صبر أولو العزم من الرسل.
قال تعالى:
стр. 7508
(ثُمَّ أَنشَأنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ).
العطف بـ (ثُمَّ) لتطاول الزمن بين نوح، وبين من جاءوا بعد، والقرن جماعة من الناس، وذكرهم بالمفرد ولم يذكرهم بالجمع، لتشابه أحوالهم في نوع إنكارهم، وما يدعون إليه رسلهم، فكانوا كقرن واحد، وليسوا قرونا متعددين، وكلمة (آخَرِينَ)، أي ليس هم قوم نوح، وإن كانوا على شاكلتهم، وكفروا كفرهم، وضلوا ضلالهم. ولم يذكر سبحانه من هم هذا القرن، ولا شك أنه جاء بعد نوح عاد وثمود، ومدين، وأرسل لهم رسلا آخرين دعوهم إلى ما دعا إليه نوح ﵇، من توحيد، وإيمان بالبعث والنشور، وأن الثواب للمؤمنين، والعقاب للظالمين، ولم يذكر اللَّه تعالى بالتعيين هؤلاء الأقوام، وإن لم يقصص القرآن قصصهم فقد قال تعالى: (مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ). وإن أهل هذه القرون أُرسل إليهم رسل فقال تعالى:
стр. 7509
(فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣٢)
في هذا النص أنه أرسل إليهم رسولا، مع أن الذين جاءوا بعد نوح رسل في أقاليم مختلفة، وفي قرون متوالية، رسولا بعد رسول، وربما يكونون عدة رسل في جيل واحد، كإبراهيم ولوط، وكموسى وهارون، ولكن أفرد ذكر الرسول؛ لأنهم جميعا جاءوا برسالة واحدة وهي التوحيد، والإصلاح، فهم وإن
стр. 7510
تعددوا هم كرسول واحد، وذكرت الدعوة بالصيغة التي ذكرت بها دعوة نوح ﵇: (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ) و (أَن) هنا تفسيرية؛ لأن ما بعدها تفسير لـ (فَأَرْسَلْنَا)، أي أرسلناهم بأن يقولوا اعبدوا اللَّه ما لكم من إله غيره. أي ليس لكم من إله أي إله غيره، (أَفَلا تَتَّقونَ)، وقد تقدم ذكر معناها قريبًا، ولقد ذكر سبحانه أن الرسول منهم يعرفونه ويألفونه، ويكون من أوسطهم نسبا، وأعلاهم مكانة، ولقد كان رد قومه عليه - وهو مثل من الرسل الذين جاءوا بعد نوح - كرد قوم نوح فقال تعالى عنهم:
стр. 7511
(وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣)
وصف الله الذين كفروا وكذبوا بثلاث صفات هي الصفات الملازمة لمعارضي الأنبياء ومعانديهم، الصفة الأولى: أنهم من الملأ، أي من أشراف قومه وبطانة الرؤساء والكبراء، وليسوا من الضعفاء ولا الفقراء والعبيد، الصفة الثانية: أنهم كذبوا بلقاء الآخرة، لَا يؤمنون بالبعث والنشور؛ لأنهم استغرقتهم المادة، فلا يؤمنون بالبعث، ولا يصدقون إلا المحسوس الذي يرونه، ومن لَا يؤمن إلا بما يحس فقلبه أعمى وعقله في ضلال، وهو كالأنعام بل أضل سبيلا، وقوله تعالى: (وَكَذبُوا بِلِقَاءِ الآخِرةِ) من إضافة المصدر إلى ظرفه، أي اللقاء الذي يكون في الآخرة، وهو لقاء الحساب والعقاب والثواب، ولقاء ملائكة العذاب، أي أنه يلقى كل في الآخرة كل ما هو شقاء مرهوب.
والصفة الثالثة: قوله تعالى (وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) والترف التوسع في النعيم، وأترفوا في الحياة الدنيا معناها وسع لهم فيها، ونالوا نعيمها، وذكر (الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) إشارة إلى أنهم ينعمون في الحياة الدنيا، ولم يلهموا شكر النعمة فيها؛ لأنهم لو ألهموا الشكر، لوسعت عليهم النعمة في الدنيا والآخرة.
وذكر الإتراف في هذه الحياة الدنيا؛ لأن الترف فيها لَا يجعلهم يعملون للآخرة؛ إذ تلهيهم أموالهم وأولادهم عن العمل للآخرة، كما قال الله تعالى
стр. 7512
للكافرين: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)؛
ولأن الترف من غير إيمان يجعل النفس مائعة غير جادة إلا فيما يعني جمع المال؛ ولأن كثرة المادة تمنع إدراك معاني الإيمان لأن المادة تستغرق الإدراك، وأساس الإيمان هو الإيمان بالغيب، وبما وراء الحس، ولا يكون ذلك إلا بقلب مملوء بالرحمة والمعاني الإنسانية السامية.
ومع هذه الأوصاف نجد سبب إنكارهم أنه بشر مثلهم، فيقولون في تكذيبهم:
(مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ) فهم أولا يحكمون بالمثلية لهم، وفي ذلك إشعار بأنهم ينفسون عليه مكانته من النبوة دونهم، وأن ذلك يومئ بحقدهم عليه، وحسدهم له على ما آتاه اللَّه تعالى من فضله، ووضحوا هذه المثلية بقوله تعالى عنهم: (يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ) فأقيستهم مادية صرفة، ولا يؤمنون بمعنى من المعاني العالية، ولقد قرروا خسرانهم إن أطاعوا بشرًا مثلهم، فقال تعالى حاكيا عنهم:
стр. 7513
(وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤)
أكدوا من فرط حسدهم خسرانهم إن أطاعوا بشرا مثلهم، وأكدوه بلام القسم، وبالقسم، وبالتأكيد في الجواب بـ (إن) أوبلام التوكيد الواقعة في جواب (إن)، وإنهم في زعمهم يخسرون مكانتهم في قومهم وشرفهم المزعوم في قبيلهم، وسلطانهم في أقوامهم، ويصيرون تابعين لمثلهم، وهم المتبوعون في أقوامهم، وذلك كله غرور الترف، وفساد المقاييس، وسيطرة المادة.
ويذكرون بعد ذلك أشد ما يدعوهم استنكارا، وهو وعدهم بالبعث، فيقول تعالى عنهم:
стр. 7514
(أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥)
كانت المادة الأولى لإنكارهم التي سوغت كفرهم أنه بشر مثلهم، ثم كانت المادة الثانية أنه يعدهم بأنهم سيبعثون، قالوا مستنكرين ومستبعدين: (أَيَعِدُكمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ) الاستفهام للإنكار، أي استنكار هذا الوعد، لإنكار الواقع، فهو في معنى التوبيخ للنبيين على هذا الوعد الذي وعدوه، والذي هو جزء من رسالتهم، ويذكرون سبب الإنكار في أمرين:
стр. 7515
ْأولا - أنهم ماتوا.
والثاني - أنهم صاروا ترابا وعظاما بالية، وهي رميم، وإن ذلك يجعل الإعادة في نظرهم مستحيلة؛ لأن الأرواح زهقت بالموت، والأجسام بليت، ونسوا أن الذي بدأهم وأنشاهم من العدم، كما قال سبحانه: (كمَا بَدَأَكُمْ تَعودُونَ)، وأن الذي فطرهم أولا هو الذي يعيدهم ثانية. ويزيدون في استبعادهم أو إنكارهم أنهم مخرجون من دفائن القبور إلى ظاهر الوجود، وكل ذلك من سيطرة المادة.
ويؤكدون ذلك فيقولون:
стр. 7516
(هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦)
(هَيْهَاتَ) يقول النحويون: إنها اسم فعل ماضٍ بمعنى بَعُدَ، وقد أكدوا البعد بالتوكيد اللفظي بتكرار الكلمة، كما أكد الاستبعاد باللام في قوله تعالى: (لِمَا تُوعَدُونَ) فكأن مضمون الكلام البعد المؤكد لما توعدون، أي الذي توعدونه من بعث ونشور وعقاب وحساب، كاللام في قوله تعالى: (هَيْتَ لَكَ. . .)، أي النداء لك أو لإغرائك.
وهكذا قد غشيت المادة تفكيرهم، حتى صاروا لَا يفكرون إلا عن طريقها، ويستبعدون بأهوائهم، ولا يفكرون بعقولهم، ويؤكدون إنكار البعث، فيقولون كما حكى اللَّه تعالى عنهم بقوله:
стр. 7517
(إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧)
فصلت هذه الجملة عما قبلها؛ لأنها في معنى البيان لها، وتوكيدها، وقد انتقلوا من مرتبة الإنكار، إلى مرتبة ادعاء النقيض وادعاء أنه لَا حياة بعد هذه الحياة قالوا: (إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا) فإن نافية، ففي الجملة نفي وإيجاب، وهذا يفيد القصر، أي لَا حياة إلا هذه الحياة الدنيا، والدنيا مؤنث أدنى، أي هذه الدنيا القريبة وليست الحياة البعيدة (هِيَ) - تفيد التوكيد، إذ مضمونها أن هذه الحياة وحدها.
стр. 7518
(نَمُوتُ وَنَحْيَا) أي يولد من يولد، ويموت من يموت، ويحيا بالميلاد من يحيا، كما نرى الموتى والأحياء، فهم يقرون بالواقع المحسوس فقط، ليموت من يموت، ولا يعود، ويولد من يولد فيحيا ثم يموت، ولا عود لمن مات، ولذا حكى عنهم أنهم يقولون: (وَمَا نَحْنُ بِمَبْعوثِينَ) أكدوا النفي بالباء، وبنفي الوصف، أي ليس من شأننا أن نبعث؛ لأن من مات لَا يعود؛ ولأنه لَا تحيا العظام بعد أن صارت رميما.
بعد هذا الإنكار الذي من شأن الذين كذبوا بلقاء الآخرة ينتقلون من مرتبة الإنكار المجرد، إلى مرتبة التهجم على مقام الرسالة، فيقولون:
стр. 7519
(إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨)
الافتراء: الاختلاق؛ لأنه افتعال من فرى بمعنى قطع، أي أنه قطع واشتد في اختلاق الكذب، بما قال من قول بعيد عن معقولهم وأهوائهم، وادعوا أنه افتراء الكذب على اللَّه تعالى، وهو أعظم الافتراء، (إِنْ) نافية، وبعدها الاستثناء فهو نفي وإيجاب، ومعنى ذلك أنهم قصروا حال الرسول على افتراء الكذب على اللَّه تعالى، وكأن عبارتهم فيها نوع تحقير لرسولهم، إذ يقولون: (إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ) من غير أن يذكروا اسمه، أو رسالته، ويحصرونه في الافتراء عليه سبحانه، ثم يردفون ذلك مؤكدين كفرهم (وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ)، أي ما نحن بمذعنين لقوله ولا مصدقين به، ولتضمن الإيمان معنى الإذعان والتسليم عدي باللام، أي ما نحن بمصدقين، ولا مذعنين له.
كان كلامهم هذا إيذانا بالإيذاء، وقد هددوه، ولذا يتجه الرسول إلى من أرسله، فيطلب نصره:
стр. 7520
(قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٣٩)
اتجه الرسول، وهو أي رسول جاء بعد نوح، فهم في معاندة الكافرين لهم، والتجائهم إلى ربهم بسبب صورة واحدة تكررت في القرون التي جاءت بعده عليه
стр. 7521
السلام، تبين طبائع بعض الناس في تلقي الحق، وتبين صبر الرسل، وبقاء العنت من أقوامهم. ونادى ربه الحافظ الكالئ الحامي، (انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ)، أي التكذيب، وما تبع التكذيب من إعنات وإيذاء، ومقاومة عنيفة آثمة، فطلب النصرة لا يكون من التكذيب المجرد، إنما يكون مما يصحبه ويكون ملازما له.
أجابه ربه بأن نصره قريب فقال له:
стр. 7522
(قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (٤٠)
(عَمَّا) هنا لتأكيد القول، ولبيان القلة الزمنية التي تكون حتى ينزل عليهم عذاب اللَّه الساحق الماحق، أي عن قليل من الزمن متجاوزين عنه أي تاركين له أي قلة في غيهم يرتعون (لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِين) على كفرهم وعلى عنادهم، وصدهم عن سبيل الله بعد مقاومتهم للحق.
وقد تأكد نزول العذاب بهم بمؤكدات، فأكد أولا - بـ " مَا "، المؤكدة، وثانيا - بالقسم، وثالثا - لام القسم، ورابعا - نون التوكيد الثقيلة، وقد بين سبحانه كيف نزل بهم العذاب، فعبر عن أمر اللَّه بعذابهم بصيحة أرجفت أرضهم وديارهم، وجاءتهم بريح صرصر عاتية، فقال:
стр. 7523
(فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١)
" الفاء " عاطفة على القسم السابق جاء ما بعده فوره، أي بعد زمن ليس ببعيد في علم، والصيحة بالحق هي إرادة اللَّه التي تكون بالحق دائما، فهي كناية عن إرادة اللَّه تعالى التي لَا يتخلف حكمها ساعة من زمان، وكانت هذه الإرادة تتجلى في رجفة تجعل عالي الأرض سافلها، أو تدكدك الديار، أو بريح صرصر عاتية، كما فعل اللَّه مع قوم لوط وعاد وثمود.
وقوله تعالى: (فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ) تعبير مجازي مؤداه أنه نزلت بهم آثارها التي أرادها اللَّه تعالى بهم، وقد شبهت الصيحة بسبع: التهمهم وأخذهم؛ لأنها لم تُبقِ منهم ولم تذر، وقال تعالى: (فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً) الفاء عاطفة على (فَأخَذَتْهمُ)،
стр. 7524
أي أن هذه أمور متعاقبة من غير تراخ، والغثاء الأشياء التي ليس لها كيان ولكن تبدو كأنها شيء موجود له كيان، جاء في مفردات الراغب الأصفهاني في مفردات القرآن، الغثاء غثاء السيل والقدر، وهو ما يطفح ويغرق من النبات اليابس، وزبد القدر، ويضرب به المثل فيما يضيع، ويذهب غير معتد به، ويقال: " غثا الوادي غثوا، وغثت نفسه تغثى غثيانا غثيت ".
ومؤدى هذا القول: أن أولئك الذين كانوا يحسبون أنهم كجلاميد الصخر في عنفهم وعنادهم وإيذائهم قد صاروا شيئا ليس له كيان، وإن كان لهم كيان، فهو لا يبقى زمانين، بل كان رغاء، يعلو وينتفخ ويزول بنفخة واحدة، وقال تعالى: (فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالمِينَ) الفاء للإفصاح، أي إذا كانوا قد صاروا غثاء فقد بعدوا وهلكوا فبعدا وهلاكا لهم، والبعد ضد القرب، والبعد لغير أوبة هلاك وموت؛ لذا يقال: " بعِد " بكسر العين بمعنى مات وهلك، كما قال تعالى: (كمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ)، أي هلكت، وأظهر سبحانه في موضع الإضمار لبيان أن ذلك كان بسبب ظلمهم لأنفسهم، وللناس، وللحقائق، ولتدليهم في الشرك فعقابهم قصاص من ظلمهم، وما ربك بظلام للعبيد.
* * *
القرون من بعدهم
قال تعالى:
(ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (٤٢) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (٤٤) ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِ
(ثُمَّ) للترتيب والتراخي، وقد ذكرت هنا للإشارة إلى أنها مهما تتطاول الأزمنة، فإنها متعاقبة، لَا يخلو جيل من رسول، وقد توالت النذر، و (أَنْشَأْنَا) معناها أوجدنا بعد عدم (الفاسقين) الظالمين قبلهم (قُرُونًا)، أي أجيالا آخرين، يجيئون جيلا بعد جيل، يخلف كل جيل ما قبله، والقادر الحكيم العليم هو المنشئ لها جميعا.
وإن كل جيل أمة واحدة تجيء في ميقاتها تعقب من سبقها، ويسبق من بعدها، والدنيا لَا تقف حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا، وحتى يبعث اللَّه مَن في القبور.
стр. 7527
(مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣)
الأجل الوقت المعلوم المحدود لها، فلا توجد أمة قبل ميقاتها تجيء في وقت، (وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ)، أي ما يطلبون تأخير وقتها فتزيد في عمرها، بل إن ما حدَّه اللَّه تعالى، هو الواقع في حده، وعاد الضمير إلى الأمة بضمير الجمع العاقل للإشارة إلى أن الأمة مجموعة العقلاء المدركين المكلفين، المخاطبين من الرسل، وإن حد زمن كل أمة محدود برسولها الذي بُعث بخطاب اللَّه تعالى لها، ولذا قال تعالى ذاكرا رسلهم المرسلين إليهم فقال:
стр. 7528
(ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (٤٤)
ذكر (ثُمَّ) هنا كما أشرنا لتطاول الأزمنة، وقوله تعالى: (تَتْرَا) أصلها وترى، والألف للتأنيث كما قال الزمخشري أو للإلحاق، وهناك قراءة بالتنوين، أيِ تترًا (١)، والمعنى واحد، أي أرسلنا رسلنا وترا، أي واحدا بعد واحد (كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذبوهُ) ومجيء الرسول لأمة هو مجيء دعوته ورسالته التي كلفه اللَّه تعالى بتبليغها، فليس مجيء الرسول مجيء شخصي مجرد، إنما مجيئه بوصف كونه رسولا من اللَّه تعالى، وبهذا الوصف يكون مجيء الرسالة، والتكذيب له في هذه الرسالة مع أنه في كل الأحوال معروف بالصدق بينهم، ولا يختار الرسول إلا من الصادقين أهل الأمانة.
(فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا) الضمير يعود إلى المكذبين، والإتباع إنما هو إتباع المكذبين بالإهلاك أي بعضهم في الهلاك يتبع من سبقوه، فتوالى الإرسال، وتوالى الجحود، وتوالى الهلاك من بعد ذلك، وقد صاروا بعد الهلاك المتعاقب أحاديث تذكر للعبرة والاعتبار، و (أَحَادِيثَ) اسم جنس لحديث.
والمعنى أنهم بعد هلاكهم المتوالي في العصور والأزمان صاروا أحاديث للناس يعتبر بها من يعتبر، ويستبصر بها من يستبصر، ويتلهى بها من يتلهى بأخبار الأولين.
(فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ)، أي فهلاكا لقوم لَا يؤمنون، أي ليس من شأنهم الإيمان والإذعان للحق المبين، والفاء للسببية أي بسبب ذلك التكذيب المتتابع، والهلاك المترادف تكون الدعوة بالهلاك للذين لَا يؤمنون، ويتجدد كذبهم آنًا بعد آنٍ.
وبعد أن ذكر سبحانه تتابع الرسل في أرض العرب، أشار سبحانه إلى أنبياء بني إسرائيل، وابتدأ بموسى وأخيه هارون اللذين أنقذ اللَّه تعالى بني إسرائيل على أيديهما فقال:
(ثُمَّ) التي للتراخي لبعد الزمان وبعد المكان، وللانتقال من قوم متشابهين إلى غيرهم، ذكر اللَّه تعالى رسالة موسى وهارون؛ لأن الله تعالى استجاب لموسى عندما دعا ربه أن يجعل له وزيرا من أهله، هارون، وقد خاطبا معا فرعون ذا الأوتاد عندما لقياه.
أرسلهما اللَّه تعالى بآياته، وقد بلغت تسعا، (وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ) أي بحجة باهرة، فالسلطان في لغة القرآن يطلق على الحجة؛ ولأن الحجة سلطان الداعي وقوته، ولا قوة لمن لَا حجة له ولو كان فرعون، ووصف اللَّه تعالى السلطان بأنه (مّبِينٍ)، أي واضح بين من حيث الحجية؛ إذ إنه غير قابل للنقض، ومعلوم معروف؛ لأنه غير قابل للإنكار.
وقد ذكر الله تعالى من أرسل إليه موسى وأخاه هارون فقال: