← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 7526–7565 · переход к 7531.

стр. 7526

(ثُمَّ) للترتيب والتراخي، وقد ذكرت هنا للإشارة إلى أنها مهما تتطاول الأزمنة، فإنها متعاقبة، لَا يخلو جيل من رسول، وقد توالت النذر، و (أَنْشَأْنَا) معناها أوجدنا بعد عدم (الفاسقين) الظالمين قبلهم (قُرُونًا)، أي أجيالا آخرين، يجيئون جيلا بعد جيل، يخلف كل جيل ما قبله، والقادر الحكيم العليم هو المنشئ لها جميعا. وإن كل جيل أمة واحدة تجيء في ميقاتها تعقب من سبقها، ويسبق من بعدها، والدنيا لَا تقف حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا، وحتى يبعث اللَّه مَن في القبور.

стр. 7527

(مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) الأجل الوقت المعلوم المحدود لها، فلا توجد أمة قبل ميقاتها تجيء في وقت، (وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ)، أي ما يطلبون تأخير وقتها فتزيد في عمرها، بل إن ما حدَّه اللَّه تعالى، هو الواقع في حده، وعاد الضمير إلى الأمة بضمير الجمع العاقل للإشارة إلى أن الأمة مجموعة العقلاء المدركين المكلفين، المخاطبين من الرسل، وإن حد زمن كل أمة محدود برسولها الذي بُعث بخطاب اللَّه تعالى لها، ولذا قال تعالى ذاكرا رسلهم المرسلين إليهم فقال:

стр. 7528

(ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (٤٤) ذكر (ثُمَّ) هنا كما أشرنا لتطاول الأزمنة، وقوله تعالى: (تَتْرَا) أصلها وترى، والألف للتأنيث كما قال الزمخشري أو للإلحاق، وهناك قراءة بالتنوين، أيِ تترًا (١)، والمعنى واحد، أي أرسلنا رسلنا وترا، أي واحدا بعد واحد (كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذبوهُ) ومجيء الرسول لأمة هو مجيء دعوته ورسالته التي كلفه اللَّه تعالى بتبليغها، فليس مجيء الرسول مجيء شخصي مجرد، إنما مجيئه بوصف كونه رسولا من اللَّه تعالى، وبهذا الوصف يكون مجيء الرسالة، والتكذيب له في هذه الرسالة مع أنه في كل الأحوال معروف بالصدق بينهم، ولا يختار الرسول إلا من الصادقين أهل الأمانة. (فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا) الضمير يعود إلى المكذبين، والإتباع إنما هو إتباع المكذبين بالإهلاك أي بعضهم في الهلاك يتبع من سبقوه، فتوالى الإرسال، وتوالى الجحود، وتوالى الهلاك من بعد ذلك، وقد صاروا بعد الهلاك المتعاقب أحاديث تذكر للعبرة والاعتبار، و (أَحَادِيثَ) اسم جنس لحديث. والمعنى أنهم بعد هلاكهم المتوالي في العصور والأزمان صاروا أحاديث للناس يعتبر بها من يعتبر، ويستبصر بها من يستبصر، ويتلهى بها من يتلهى بأخبار الأولين. (فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ)، أي فهلاكا لقوم لَا يؤمنون، أي ليس من شأنهم الإيمان والإذعان للحق المبين، والفاء للسببية أي بسبب ذلك التكذيب المتتابع، والهلاك المترادف تكون الدعوة بالهلاك للذين لَا يؤمنون، ويتجدد كذبهم آنًا بعد آنٍ. وبعد أن ذكر سبحانه تتابع الرسل في أرض العرب، أشار سبحانه إلى أنبياء بني إسرائيل، وابتدأ بموسى وأخيه هارون اللذين أنقذ اللَّه تعالى بني إسرائيل على أيديهما فقال:

стр. 7529

(ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (٤٦) العطف بـ

стр. 7530

(ثُمَّ) التي للتراخي لبعد الزمان وبعد المكان، وللانتقال من قوم متشابهين إلى غيرهم، ذكر اللَّه تعالى رسالة موسى وهارون؛ لأن الله تعالى استجاب لموسى عندما دعا ربه أن يجعل له وزيرا من أهله، هارون، وقد خاطبا معا فرعون ذا الأوتاد عندما لقياه. أرسلهما اللَّه تعالى بآياته، وقد بلغت تسعا، (وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ) أي بحجة باهرة، فالسلطان في لغة القرآن يطلق على الحجة؛ ولأن الحجة سلطان الداعي وقوته، ولا قوة لمن لَا حجة له ولو كان فرعون، ووصف اللَّه تعالى السلطان بأنه (مّبِينٍ)، أي واضح بين من حيث الحجية؛ إذ إنه غير قابل للنقض، ومعلوم معروف؛ لأنه غير قابل للإنكار. وقد ذكر الله تعالى من أرسل إليه موسى وأخاه هارون فقال:

стр. 7531

(إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (٤٦) فرعون في عصره كان طاغية الدنيا، وكان المصريون قد استسلموا له وكان ملؤه حكام مصر يحكمون بطغيانه، ويسولون له كل ما يفعل، ويسوغون له ما به يعلو ويسرف، وباسمه عتوا عن أمر العقل والمنطق والحق، بعث الله تعالى موسى وهارون إلى هؤلاء وكل يعتز بعزة فرعون، وكانوا يستفتحون بعزته، فكانوا من منطق الوقائع، لَا من منطق الحق والعقل مستكبرين؛ ولذا رتب على حالهم أنهم مستكبرون فقال: (فَاسْتَكْبَرُوا)، و (الفاء) فاء السببية، أي بسبب هذه الطغواء استكبروا وكانوا قوما عالين، أي مرتفعين عن الناس، لَا في ذات أنفسهم، بل بحكم واقع الحكم والأمور التي تسير سيرا مطردا، وهم يعلون في أنفسهم ادعاء وغلوا وطغيانا لَا يستمعون إلى الحق، ولا يصغون إلى داعية، يغالون في رده، ولقد قال تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)، وقد ذكر اللَّه تعالى مضمون ردهم، فكان كرد غيرهم، وهو استبعاد أن يكون الرسول مثلهم، وقد تواضعوا في ذكر هذه المثلية.

стр. 7532

(فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (٤٧) الفاء عاطفة ما بعدها على (فَاسْتَكْبَرُوا)، وقولهم (أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا) الاستفهام هنا للإنكار بمعنى النفي مع الإنكار الشديد، فالمعنى لَا نؤمن ولا نذعن لبشرين مثلنا، وقد سببوا كفرهم بسببين. أولهما - أنهما مثلهم في البشرية، وكأنهم تصوروا أن الرسالة الإلهية لَا تكون لبشر، وقد لفوا في هذا لف غيرهم من المشركين الذين مر ذكرهم. والثاني - أن قومهما - وهم بنو إسرائيل - لهم عابدون، أي خاضعون خضوعا مطلقا قد استذلوهم وذبحوا أبناءهم واستحيوا نساءهم، وعبَّدوهم، كما فرض فرعون على المصريين أن يعبدوه، وقال لهم: (مَا عَلِمْتُ لَكُم مِنْ إِلَهٍ غَيرِي. . .)، ومهما يكن فهم كانوا يعدونهم دونهم، كما يعد القوي دائما الضعيف الذليل دونه قدرا ومكانا.

стр. 7533

(فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨) " الفاء " للإفصاح، والمعنى إذا كان ذلك قولهم فقد كذبوهما، وكفروا برسالة موسى ﵇ مع توالي الآيات المثبتة لرسالته، ومع غلبه عليهم، وقد جمعوا الجموع من المدائن حاشرين، ولذلك كانوا مهلكين، ولذا قال تعالى: (فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ) أي فرعون وملؤه وجيوشه، فقد فتح البحر لبني إسرائيل، فكان كل فرق كالطود العظيم، فسار فرعون وملؤه وجنده فانطبق عليهم، فكانوا من المغرقين، ونجا المصريون الذين لم يكونوا من ملته ولا من جنده. وإن حكم فرعون كان يقوم على إرادته المنفردة، فما أراده فهو قانون، يفرض بالقسر والقوة، فعندما بعث فيهم موسى بين لهم أن القانون من الله، لَا من فرعون وأشباهه، وأنه أتى لهم بهذا القانون في التوراة، ولذا قال تعالى:

стр. 7534

(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩) أكد الله تعالى أنه أعطاهم كتابا ينظم العلاقة بين الناس بعضهم مع بعض، والعلاقة بين الحاكم والمحكوم، وينظم الأسرة، ويقيم العلاقات بين آحادها، وأكد

стр. 7535

سبحانه وتعالى إيتاء موسى هذا الكتاب الذي يعد دستور الحكم لأرض مصر وغيرها، ويقيد فرعون وغيره، ويكفه عن طغيانه، جاء موسى بهذا من عند اللَّه تعالى في عصر لم يكن يعرف إلا حكم الطاغوت من فرعون وأشباهه من طواغيت أهل مصر، (لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ)، أي رجاء أن يهتدوا إلى العمل الصالح، وأن يعرفوا ما لهم من حقوق إنسانية، وما عليهم من واجبات، وتنظم بها العلاقات بين الناس على أساس من العدل والحق. ويجب أن ننبه هنا إلى أن الذي بين أيدينا مما يسمى كتب العهد القديم ليست هي توراة موسى، بل نسوا حظا مما ذكروا به، وزيد فيها أحاديث ما أنزل اللَّه بها من سلطان بل هي أساطير الأولين. وبعد موسى جاء أنبياء ينفذون أحكام التوراة التي كانت صادقة، كداود وسليمان وأيوب وغيرهم، ثم جاء من بعدهم عيسى ﵇، ولذا قال تعالى:

стр. 7536

(وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (٥٠) أي صيرنا ابن مريم وأمه آية، أي معجزة خارقة للعادة، وعرف عيسى بأنه ابن مريم لبيان أنه ليس له أب، وأن مريم ولدته من غير أب، وكان بذلك هو وأمه آية خارقة لمجرى العادات، ذلك أن مجرى العادات في الأسباب والمسببات أن الولد يكون من نطفة توضع في رحم المرأة فيجيء الولد بإذن اللَّه تعالى، كما تبين في قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣). إلى آخر الآيات الكريمات، فكانت المعجزة في أن عيسى جاء من غير أب؛ وذلك لإثبات قدرة اللَّه تعالى وإرادته، وأنه مختار فعال لما يريد، ذلك أن الفلسفة الأيونية التي ظهرت في آسيا الصغرى، وتولدت منها الفلسفة اليونانية كانت تؤمن إيمانا عميقا - ولو كان باطلا - بأن الدنيا وجدت بالسببية، أي بوجود المعلول عن علة، حتى قالوا إن الكون كله وجد عن السبب الأول بالعلة، وبولادة عيسى من غير أب تبين أن اللَّه فاعل مختار، رزاق، وهو ذو القوة المتين، وكان عيسى ﵇ وأمه آية خارقة للعادة، فأمه ﵍ حملت من غير نطفة، وهو ولد من غير أب، فكانت المعجزة في كليهما، ومكونة منهما.

стр. 7537

ويقول تعالى: (وَآوَيْنَاهُمَا)، أي جعلنا مأواهما ربوة، أي مكانا مرتفعا، قد أوت إليه مريم عندما فأجأها المخاض إلى جذع النخلة، حتى لَا يراها الناس وقد قال تعالى في ذلك: (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦). والربوة مع أنها مرتفع من الأرض (ذَاتِ قَرِارٍ وَمَعِينٍ)، أي يمكن القرار فوقها، لأنها مستوية، فيها مهاد كالفراش، (وَمعِينٍ) أي ماء طاهر ثرّ. وقال الزجاج: هو الماء الجاري، وقال بعض الباحثين في اللغة يقال: معن الماء إذا جرى، وهكذا اقترنت ولادة عيسى بمعجزات، فكانت الربوة في المرتفع عن الأرض، ذات قرار ممهد، وفيها الماء الجاري، وتكلم في المهد صبيا، وكان هو في ذاته معجزة. * * * الأنبياء بشر يأكلون، والكفر بهم واحد قال اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦) إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩)

стр. 7538

وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١) وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٢) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣) حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (٦٥) * * *

стр. 7539

(يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ) النداء للرسل، وهو نداء لبيان حقيقة الرسل، وأنهم من البشر يأكلون الطعام، وكان النداء لهم وقد مضوا إلى ربهم، ولم يكن عند نزول الآية الكريمة إلا محمد ﷺ ، وذكر النداء في هذا للدلالة على أنهم كانوا يخاطبون بهذا الخطاب، رسول منهم كان يخاطب بهذا الخطاب، وتباح له طيبات الطعام، والطيبات من الرزق، ويؤمر به كالأمر بكل مباح، والطيبات تتحقق طيبتها بأمور؛ منها: أولهما ألا يكون خبيثا في ذاته كالميتة والدم ولحم الخنزير، وأن يكون قد سمي عليه عند ذبحه، وأن يكون قد كسب من حلال، فيجتمع فيه الحل الذاتي والحل الديني، (وَاعْمَلُوا صَالِحًا) وليس الأمر الذي يكون به متميزا عن سائر البشر إلا العمل الصالح بأن يكون خالصا له، والعمل الصالح هو العمل الطيب الذي يكون خيرا محضا للناس لَا يكون معه شر لَا في ذاته، ولا في نيته، والعمل الصالح ما يكون فيه النفع لأكبر عدد ممكن، وما تكون فيه سعادة عاجلة لأكثر الناس، أو سعادة آجلة لعامتهم، ويدخل في هذا دعوتهم إلى الهداية والرشاد، والتبليغ عن أمر ربهم. (إِنِي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) وقد وثق اللَّه تعالى العمل الصالح عليهم ببيان إحاطة علمه تعالى به، فقال: (إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)، وقد أكد اللَّه تعالى علمه بكل ما

стр. 7540

يعملون ليترقبوا جزاءه الوفاق لأعمالهم، وهم بشر يجزون بالخير على ما يقدمون كغيرهم من البشر. وقد أشار سبحانه إلى أن الناس جميعا فطرة واحدة ينبعثون عن غرائز واحدة، ويختلفون عند اصطدام هذه الغرائز، واختلاف النزوع باختلافها، ولذا قال عز من قائل:

стр. 7541

(وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) (وَإِنَّ هَذِهِ) إن بالكسر، على أن الواو لاستئناف كلام جديد، له وثيق الصلة بالآية السابقة، وقال أكثر المفسرين: إن الأمة بمعنى الدين والملة، وأمة منصوبة بالحال، أي أن هذه أمتكم حال كونها أمة واحدة أي على دين واحد، وهو توحيد اللَّه - تعالى - بلغته الرسل أجمعون، ولكن جاء الاختلاف، فتقطعوا زبرا، وصاروا أحزابا، ولكن كل حزب بما لديهم فرحون، وقوله تعالى: (وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَقُونِ)، أي أن ربكم واحد، كما أن دينكم واحد، أجمع عليه الرسل الذين بعثوا من عند اللَّه، والفاء في قوله تعالى: (فَاتَّقون) سببية، أي بسبب أني ربكم الذي خلقكم، ويكلؤكم بالليل والنهار (فَاتَّقُونِ)، أي اعبدوه، واجعلوا بينكم وبين غضبه وقاية. هذه على تفسير أمتكم بمعنى دينكم الواجب اتباعه، ولا يصح أن تسمى غير التوحيد دينا قيما، وقد عرض لي أن نفسر كلمة أمة بما فسرناها به في سورة البقرة، في قوله تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً. . .)، أي صنفا على طريقة واحدة، وعلى غرائز واحدة وقد تتناحر نوازع نفوس التي تسير وراء الغرائز من غير تهذيب بدين يجيء به نبي مرسل، وبذلك يترتب التقاطع من هذه الوحدة في الغرائز والطبائع، فإذا كان حب الغلب غريزة، فإنه لابد من التغالب؛ لأن كلا يجد في نفسه دافعا لأن يكون هو الغالب، فيكون التنازع والتقاطع، ويكون التعبير بالفاء في قوله في الآية الآتية:

стр. 7542

(فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا. . .)، أي أنه جاء التقطع من وحدة الغرائز. هذا ما بدر لنا، واللَّه أعلم بمراده، وقوله: (وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ)، أي أن النداء بالتقوى لكف الغرائز، وتهذيبها هو الذي يكفها، ويجعلها في ميزان الاعتدال.

стр. 7543

(فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) الزبر جمع زبرة أو اسم جنس جمعي، وهو الذي يفرق فيه بين المفرد والجمع بالتاء أو بياء النسب، كروم ورومي، والزبرة قطعة من الحديد، وقد شبهت الجماعات المختلفة في نزاعها بزبر الحديد، من حيث إن كل واحدة شديدة في التمسك بما عندها كأنها صلب الحديد، لَا تترك رأيها، كما لَا تتفرق زبر الحديد. أي اختلفوا متقطعين متنابزين غير مجتمعين في أمرهم، بحيث لَا متسع للالتقاء فيما بينهم، يتحزبون في تفكيرهم: (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)، أي كل جماعة متحزبة متعصبة لما عندها، فرحة به، وتحسب أنه الحق الذي لَا ريب فيه، وهو الضلال المبين، وإن التحزب لفكرة يدفع إلى التعصب لها، والتعصب يعمي ويصم، وتقديم الجار والمجرور - بما لديهم - لبيان أهميته عندهم. وهنا ننبه إلى أن الفاء في قوله: (فَتَقَطَّعُوا) فاء السببية، وهي بهذا المعنى يرجح أن معنى الأمة ما بدر لنا، وتبعا أن يكون معناها: دين التوحيد؛ لأنه لا يترتب عليه التقاطع والتفرق.

стр. 7544

(فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) الخطاب للنبي ﷺ ، والضمير يعود إلى المشركين، فإنهم حاضرون في ذهن النبي ﷺ في أنهم في كفرهم وعنادهم موضوع القول، وتسرية اللَّه لنبيه لأجل أذاهم المستمر اللحوح، والغمرة الماء الكثير الذي يغمر من ينزل فيه، والمراد الجهالة، أي ذرهم في جهالتهم التي غطت عقولهم وفكرهم كما تغطي الغمرة: التي تغطي أجسامهم، وإن جهالتهم هذه جعلتهم في حيرة بين حق رأوا دلائله، وباطل قد استولى على نفوسهم، وقوله تعالى: (حَتَّى حِينٍ) إلى حين ليس ببعيد، وإنه لقريب؛ لأنه واقع، وكل واقع قريب مهما يتباعد زمانه. والفاء فاء الإفصاح، والمعنى إذا كانوا قد أعرضوا عن الحق، ولجوا في إعراضهم جهالة وحيرة فذرهم حتى حين، والحين الذي ينتهي عنده انتظار أمر الله

стр. 7545

هو ما بعد الهجرة، ولقاؤهم في ميدان القتال، ويكون دفع ظلمهم ووقفهم عند حدودهم، ولا يصح أن يظنوا أن مالهم وأولادهم تغني عنهم شيئا، ولذا قال تعالى: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦) هذه الآية الكريمة متصلة بما قبلها؛ إذ مغزى الآية السابقة أن اللَّه تعالى ينذرهم بأنهم بعد حين سيتسلط عليهم العباد المؤمنون، وإذا كانت نقمة اللَّه تعالى نازلة بهم لَا محالة على أيدي عباد اللَّه الصابرين، فلا يصح أن يظنوا أن اللَّه يسارع لهم في الخيرات،

стр. 7546

(أَيَحْسَبُونَ) الاستفهام للاستنكار بمعنى النفي مع رميهم بالجهل والغرور، أي لَا يحسبون أن الذي نمدهم من مال وبنين، وكل أسباب القوة مسارعة لهم في خير لهم، إنما هو مطاولة، وإمهال من غير إهمال،

стр. 7547

(بَل لَا يَشْعُرُونَ) بل للإضراب، أي إضراب عن هذا الزعم الذي يزعمونه، والحسبان الذي يظنون، إنما هم لَا يشعرون، أي لَا يشعرون بما يرتكبون من جرائم، ولا يشعرون بأن عذاب اللَّه واقع، ولذا لَا يستعدون. ولقد ذكر بعد ذلك المؤمنين فقال عز من قائل:

стр. 7548

(إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) الخشية خوف يشوبه تعظيم، والإشفاق خوف تشوبه محبة، وكذلك شأن المؤمن فهو يخاف اللَّه ويعظمه، ويحبه، فهو يحب اللَّه تعالى، ويحبه اللَّه تعالى، وهو يعظم اللَّه تعالى، ويخاف عذابه، فهو يستكثر أخطاءه، ويخاف العقاب، ولذلك كان من شأن أهل الإيمان أن يغلب في نفوسهم خوف العقاب على رجاء الثواب، وقد أكد سبحانه خشية المؤمنين وإشفاقهم بمؤكدات: أولها - (إِنَّ) فهي لتوكيد الكلام. وثانيها - ضمير الفصل (هُم).

стр. 7549

ْوثالثها - تقديم الخشية على متعلقها. ورابعها - التعبير بربهم، أي القائم على أمورهم وكالئهم، وحاميهم. هذا هو الوصف الأول من أوصاف أهل الإيمان الذين يستحقون الثواب، ولهم الغرفات الآمنة عند ربهم. وذُكر أولا - لأنه يتضمن إذعان القلب، وامتلاء النفس بهيبته سبحانه، فيكون قريبا منه، يفطن لآياته، ولذا قال سبحانه في الوصف الثاني:

стр. 7550

(وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) إنهم لخشيتهم من ربهم، وإشفاقهم، ومحبتهم لربهم تصفو نفوسهم، وتذهب الكدرة من أفهامهم، فإذا رأوا الآيات توجهوا إليها بقلب سليم مشرق، قذف به نور الإخلاص، والواو عاطفة تعطف صفة على صفة؛ ولذا قال تعالى: (وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنون) يصدقون موجب هذه الآيات، وما تدعو إليه؛ ذلك أن الإخلاص إذا دخل القلب ملأه بنور الحكمة، فأدرك به، ولم تقف حوائل دون الإدراك فيكون الإدراك سليمًا، ولا ينطق اللسان إلا بالحق، ولقد تأكد الحكم بما تأكد به الوصف الأول، والتعبير بالمضارع يفيد تجدد الإيمان بتجدد الآيات، فكلما كانت آية من آيات اللَّه وهي كثيرة زادت المؤمن إيمانا، فإيمانهم متجدد في نماء، ويزيد بزيادة الآيات، وقال سبحانه في الوصف الثالث:

стр. 7551

(وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) الشرك يجيء دائما من أوهام تسيطر على النفس الإنسانية، فتجعلها تعتقد قوة في حجر، أو في شخص، وقد تكون مسوغات موهمة، وقد يكون الوهم نفسيا من ذات النفس، ونفس المؤمن سليمة صافية فيها نور الحق، قد استضاءت به، وعمرت بذكر اللَّه تعالى وامتلأت به فلا تضل أبدا، ولذا قال تعالى: في الوصف الثالث من أوصاف المؤمنين (وَالَّذينَ هُم بِربِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ) إنهم يعترفون أن العبادة لَا تكون إلا للقادر على كل شيء الذى لَا مثيل له الواحد في ذاته وصفاته وخلقه، فهم كما عرفوا آياته وأذعنوا، فهم أيضا يذعنون لمعاني الوحدانية، فلا يشركون به شيئا، وفي الجملة السامية التوكيدات في الآيات السابقة وإن من أجل صفات المؤمنين كما أشرنا من قبل أنهم يستصغرون حسناتهم، ويستكثرون أخطاءهم، ولذا قال فيهم رب العالمين.

стр. 7552

(وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) ذلك هو الوصف الرابع، وهو أنهم في وجل من لقاء ربهم مع ما يعطون من حسنات. الوجل: الخوف مع الاضطراب الشديد، والإحساس بالقصور، وهذا هو الوصف الرابع لأهل الإيمان، والإيتاء: الإعطاء، والمعنى أن هؤلاء المؤمنين لفرط إحساسهم بخشية ربهم، وإشفاقه يعطون العطاء الكبير ويخشون مع ذلك ألا يقبل منهم لرياء أو نحوه مما يمحق الحسنات، أو لوجود داء يذهب بخير القربات، ولقد قال الحسن البصري سيد أهل البصرة: لقد أدركنا أقواما كانوا من حسناتهم أن ترد أشفق منكم على سيئاتكم أن تعذبوا عليها، ولا شك أن ذلك من تغليب خوفهم على رجائهم، وقوله تعالى: (وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) حال من فاعل يؤتون (١). ووجلهم من أنهم إلى ربهم راجعون، وهذا يدل على أمرين: أحدهما - أنهم ذاكرون دائما لليوم الآخر، ويغلبون خوفهم منه على رجائهم فيه، لفرط إحساسهم بالخشية من اللَّه تعالى. ويدل ثانيا - على أنهم يرهبون الوقوف أمام اللَّه استصغارا لحسناتهم، واستكثارا لسيئاتهم. وقد قال تعالى في جزائهم:

стр. 7553

(أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١) الإشارة إلى الحاملين لأوصاف السبق عند اللَّه تعالى، الذين هم من خشية ربهم مشفقون، والذين هم يذعنون لدلائل آيات ربهم، ولا يشركون شيئا في

стр. 7554

العبادة، والذين يقطعون من أموالهم للفقراء، ويوجلون إذ يعلمون أنهم إلى ربهم راجعون، هؤلاء بهذه الصفات التي تسمو بهم يسارعون في الخيرات، لأنهم يتنقلون في وسط صفات سامية، فيتنقلون مسرعين في وسط خيرات، ويلاحظ هنا أن التعدية بـ " في " تفيد أنهم ينتقلون من مرتبة خير إلى أعلى منها مسارعين بهذه الصفات السامية، فهم وسط دائرة الخير دائما يتنقلون في درجاتها، أو الخير يمهِّد للخير، وكل خير يمهد إلى أعلى منه: (وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) الجملة حال من فاعل يسارعون، فهم بهذه المسارعة المتنقلة بهم من خير إلى خير يسابقون إليها وكأنما يسبقون إلى الجزاء الأوفى، والنعيم، فجزاء المسارعة في الخير، سبق إليه، والضمير يعود إلى الخيرات، والمعنى أن السبق إلى الخير هو نفسه خير، وينتهي إلى جزائه، فهؤلاء يبتدئ جزاؤهم من أعمالهم براحة ضمائرهم، واستمتاعهم برضا ربهم، وإحساسهم بإنسانيتهم الكريمة، فالخير جزاؤه يبتدئ من ذات فعله، وينتهي به إلى النعيم يوم القيامة. وبين سبحانه أن الله تعالى يريد اليسر من عباده، ولا يريد العسر، وأنه لا يكلف سبحانه إلا بما يكون في دائرة الطاقة في يسر ومن غير مشقة، فيقول تعالت حكمته:

стр. 7555

(وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٢) الواو للاستئناف، (وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) أي إلا ما في طاقتها، وتستطيع القيام به في سعة من غير إرهاق ولا إجهاد، فلفظ (وُسْعَهَا)، يشير إلى أنه تكون عند عمله في سعة من غير ضيق ولا إحراج، فلا حرج في الدين ولا ضيق، وكذلك كل تكليفات الإسلام ليس فيها شقة فوق الطاقة، وما يكون فيها شقة ربما تكون شديدة أحيانا لَا تكون على الكافة كالجهاد، بل يكون ابتداء فرض كفاية إلا أن يدخل العدو أرضنا، فيكون فرض عين على كل قادر على حمل السلاح؛ لأنه يكون شقة شديدة لدفع شقة أشد، وهي شقة الذل وضياع الدين، وهذه أشد الشُّقات.

стр. 7556

والصفات التي اتصف بها المؤمنون، والأعمال التي يقومون بها في الطاقة، والعمل عن سعة ويسر وسهولة إلا على الذين لَا يؤمنون باللَّه واليوم الآخر. وإن كل عمل خيرا أو شرا في إحصاء دقيق لَا يتخلف عنه شيء، ولذا قال تعالى: (وَلَدَيْنَا كتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ) قالوا: إنه كتاب الأعمال الذي يحصى فيه كل عمل خيرا كان أو شرا، ويصح أن نقول: إن ذلك تصوير لعلم اللَّه بما يفعله كل إنسان، ويوم القيامة يجده محضرا يخبر به ويحاسب عليه، لَا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، وصور اللَّه إحصاء أعماله كله كأنها تنطق به متلبسة بالحق مخالطة له غير بعيدة، وأكد سبحانه أنهم لَا يظلمون، فقال: (وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)، فلا ينقص من خير فعلوه، ولا يزاد على سيئاتهم سيئات، بل إن اللَّه يعفو عن السيئات إذا كثرت الحسنات: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ. . .). هذه صفات المؤمنين وعقباها جاء بها سبحانه وسط وصف الكافرين، واستكبارهم ليكون المؤمنون مجال اعتبارة وليمكن لهم، ثم أخذ سبحانه يتمم بيان ضلال الكافرين، فقال تعالى:

стр. 7557

(بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣) الإضراب هنا فيه بيان أنهم لَا ينتفعون بالعظات والعبر، ولا يستبصرون بهداية المهتدين، ولا يترفون مال الحق وأهله، ولا مآل الباطل وأهله (فِي غَمْرَةٍ منْ هَذَا) الغمرة أصلها ما يغمر الإنسان من الماء، وقد فسر بعضهم الغمرة بالغفلة التي غمرتهم، وهو تفسير حسن، وقد غفلوا أولا عن الكتاب الذي يكتب الحسنات والسيئات، أو علم اللَّه تعالى الذي لا يغادر صغيرة أو كبيرة إلا أحصاها، وغفلوا عن رقابة اللَّه تعالى لأعمالهم وغفلوا عن أعمال المؤمنين واستقامة قلوبهم، وهم أناس مثلهم، قد سبقوهم في الفضل وشرف الإيمان، والمسارعة في الخيرات والسبق فيها، وأنهم قد سارعوا في الكفر، كما سارع المؤمنون في الخيرات، وسبقوا إليها،

стр. 7558

فكان لهم في الكفر أعمال كثيرة منها: أنهم حرموا على أنفسهم ما لم يحرم اللَّه تعالى، كما حرموا السائبة والوصيلة والبحيرة. . .، ومنها: أنهم جعلوا للأوثان نصيبا من الحرث، ومنها: أنهم صدوا عن سبيل اللَّه، ومنها: أنهم فتنوا المؤمنين في دينهم، ومنها: أنهم آذوهم وأخرجوهم، ومنها: أن رءوسهم صارت عشا للخرافات والأوهام؛ ولذا قال تعالى: (وَلَهُمْ أَعْمَالٌ من دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ) وقد أشرنا إلى بعض هذه الأعمال. ومنها: طوافهم بالبيت عراة، وادعاؤهم أن اللَّه تعالى أمر بها (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا. . .)، وقوله تعالى: (مِّن دُونِ ذَلِكَ) الإشارة إلى الشرك والكفر بآيات اللَّه تعالى، وإنكار التوحيد، و (مِّن) بيانية، (دُونِ) أي غيرها وأدنى منها درجة في التكليف، وأنهم مستمرون، وهذا معنى قوله تعالى: (هُمْ لَهَا عَامِلُونَ) فالجملة حالية من ضمير " لها "، أي والحال أنهم مستمرون على هذه الأعمال غير منقطعين عنها فهم في ضلال مستمر. (حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (٦٥) حتى للغاية، والمعنى: فهم في غفلتهم المستمرة الغامرة الحق بالباطل لا يستبصرون ولا يتيقظون، ولا ينبههم إلا قارعة تقرعهم؛ ولذا قال:

стр. 7559

(حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ) فتقرعهم القارعة، أي أنهم غافلون، حتى تنبههم من الغفلة قارعة تمس المترفين، وخص المترفين بالذكر، مع أن القارعة تعمهم وغيرهم إذ المهلكات تعم، ولا تخص المترفين منهم. خص المترفين؛ لأنهم أصل الإنكار الذين تلهيهم الغفلة عن الحق، أو يلهبهم ما هم فيه من ترف عن أن يدركوا الحق؛ لأنهم لا شدائد تنبههم، فالشدائد ترهف المدارك، وتوقظ الأفهام، ولأنهم لَا يصبرون على الابتلاء، بل يخرون صاغرين أمام أي شدة، أو كارثة تكرثهم؛ ولذا قال: (حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ) (إِذَا) للمفاجأة، والمفاجأة تحوُّل حالهم من استكبار واعتزاز وغفلة إلى صغار وتنبه، وضراعة، فالجؤار مصدر جأر وهو رفع الصوت بالضراعة والاستغاثة.

стр. 7560

والعذاب قيل: هو عذاب الدنيا بكارثة دنيوية أو حرب هازمة لهم، والتعبير (أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ) معناها أنزلنا بهم العذاب جزاء ما أجرموا. وكنى عن ذنوبهم بالعذاب الذي استحقوه بها، وقال أخذناهم، كناية عن أنه أخذهم حتى لا يفلتوا منه، وشبه إنزاله بهم بأخذهم إليه أخذا مصحوبا بالعذاب الشديد. وإنهم إذ يضرعون ويجأرون يفعلون ذلك في وقت غير مناسب؛ لأنه قد فات وقت الضراعة والاستعانة باللَّه، إذ إن تلك الضراعة كانت وهم في وقت التكليف؛ ولذا قال تعالى:

стр. 7561

(لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (٦٥) هذه الجملة السامية في مقام التعليل للجملة التي قبلها، أي لَا تضرعوا، لأنكم تأبيتم في وقت التكليف واستكبرتم علينا وكفرتم بِآياتنا، فلن ننصركم، وبقى عليكم أن تذوقوا مغبة أعمالكم، وذلك كقوله: (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢)، وكقوله تعالى: (كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣). * * * حالهم في غفلتهم وإعراضهم قال تعالى: (قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ

стр. 7562

وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤) * * * الآيات هي الآيات القرآنية بدليل التعبير بقوله:

стр. 7563

(تُتْلَى)، والتلاوة القراءة المرتلة التي تجيء الكلمة تلو الكلمة واضحة في نطقها متقنة في صرفها عند النطق مستوفية مدها وهي الترتيل، كما قال تعالى: (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرتِيلًا)، وكما قال تعالى: (وَرَتَّلْنَاهُ) أالفرقان،، وأن القرآن الكريم قد تواتر كتابة وقراءة وترتيلا، وهو في ترتيله قد تلقاه النبي ﷺ عن جبريل، علمه اللَّه تعالى إياه. وقد أكد جط ت وتعالى بـ (قَدْ) الدالة على التحقيق و (كَانَتْ) تدل على استمرار التلاوة، ولكنهم ما كانوا ليتبعونها، ويتدبرونها، ويتعرفون مراميها وغايتها، معتبرين بعبرها، متأولين مآلها، بل إنهم يستمعون بآذانهم، وقلوبهم لاهية، وعقولهم معرضة، ولذا قال تعالى: (فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ) " الفاء " عاطفة، " كنتم " معناها أن هذه كانت حالا دائمة مستمرة لَا يستمعون إلا بآذانهم، وقلوبهم معرضة، وقوله تعالى: (عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ)، هذا التعبير تصوير للإعراض يظهر حسيا، كيف كان إعراضهم عن الحق (تَنكِصُونَ)، أي ترجعون وراءكم، ووجوهكم كأنها مقبلة، فهم يرجعون القهقرى، بأدبارهم، ويسيرون إلى الوراء بأعقابهم، وقد جاء في قراءة شاذة منسوبة لعلي بن أبي طالب " فكنتم على أدباركم "، ولعلها تفسير له رضي الله تعالى عنه، وهذا تشبيه حال بحال، فشبهت حالهم في أنهم يسمعون بآذانهم دون أن تعيه قلوبهم بحال من يلقون بوجوههم وهم يسيرون القهقرى إلى الوراء. وبين سبحانه أن ذلك كان استكبارا، فقال:

стр. 7564

(مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧) (مُسْتَكْبِرِينَ) حال من " الواو " في (تَنكِصُونَ)، وهي تفرقة واضحة بين حالين، إحداهما تململهم عند سماع الحق حتى إنهم ينكصون على أعقابهم عند سماعهم، وحالهم وهم يجأرون ضارعين صاغرين عندما يؤخذون ببعض العذاب الذي يستحقون. وقوله تعالى: (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ) الضمير في (بِهِ) يعود إلى القرآن الذي تتلى آياته، مستكبرين استكبارا مصاحبا لسماعه، أي متعالين على القرآن نفسه، أو متعالين بسببه لأنهم لم يذعنوا لحقائقه، ويصح أن يكون متعلقا بـ (سَامِرًا) أي جاعلين القرآن موضع سمرهم حول الكعبة، (تهْجُرُونَ) (١)، أي يقولون الهجر من القول الفاحش، أي أنهم مع نكوصهم على أعقابهم عند سماع تلاوته يجعلون الطعن فيه وسب النبي ﷺ موضع سمرهم وقولهم الهَجْر من القول الفاحش، وقرئ يُهجرون، وبضم الياء وماضيها " أهجر " أي دخل في هجر القول. وخلاصة المعنى على هذا أنهم ينكصون معرضين عند سماع التلاوة مستكبرين سامرا به بهجر القول، أي لَا سمر لهم إلا السخرية به وبمحمد ﷺ ناطقين بالهجر الفاحش من القول، ومع ذلك يجأرون ضارعين عندما يأخذهم عذاب يفجأهم أو كارثة تكرثهم، وكان حقا عليهم أن يتدبروا القرآن بدل أن يعرضوا عنه ويتخذوه موضوعا لسمرهم وهجرهم.

стр. 7565

(أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، وهي مؤخرة عن تقديم؛ لأن الاستفهام له الصدارة، ومؤدى القول أنهم قد نكصوا على أعقابهم ثم جأروا عندما اشتدت بهم الشديدة، أفما كان أولى من هذا أن يتدبروا القول بأن يتدبروا ما تلى عليهم ويتعرفوا معانيه، أم أنه جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين، فـ (أَمْ) على هذا هي التي تكون للمعادلة بين أمرين، والاستفهام هنا لاستنكار المعادلة، والمعنى ألم
следующие страницы →