← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 7561–7600 · переход к 7566.

стр. 7561

(لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (٦٥) هذه الجملة السامية في مقام التعليل للجملة التي قبلها، أي لَا تضرعوا، لأنكم تأبيتم في وقت التكليف واستكبرتم علينا وكفرتم بِآياتنا، فلن ننصركم، وبقى عليكم أن تذوقوا مغبة أعمالكم، وذلك كقوله: (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢)، وكقوله تعالى: (كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣). * * * حالهم في غفلتهم وإعراضهم قال تعالى: (قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ

стр. 7562

وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤) * * * الآيات هي الآيات القرآنية بدليل التعبير بقوله:

стр. 7563

(تُتْلَى)، والتلاوة القراءة المرتلة التي تجيء الكلمة تلو الكلمة واضحة في نطقها متقنة في صرفها عند النطق مستوفية مدها وهي الترتيل، كما قال تعالى: (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرتِيلًا)، وكما قال تعالى: (وَرَتَّلْنَاهُ) أالفرقان،، وأن القرآن الكريم قد تواتر كتابة وقراءة وترتيلا، وهو في ترتيله قد تلقاه النبي ﷺ عن جبريل، علمه اللَّه تعالى إياه. وقد أكد جط ت وتعالى بـ (قَدْ) الدالة على التحقيق و (كَانَتْ) تدل على استمرار التلاوة، ولكنهم ما كانوا ليتبعونها، ويتدبرونها، ويتعرفون مراميها وغايتها، معتبرين بعبرها، متأولين مآلها، بل إنهم يستمعون بآذانهم، وقلوبهم لاهية، وعقولهم معرضة، ولذا قال تعالى: (فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ) " الفاء " عاطفة، " كنتم " معناها أن هذه كانت حالا دائمة مستمرة لَا يستمعون إلا بآذانهم، وقلوبهم معرضة، وقوله تعالى: (عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ)، هذا التعبير تصوير للإعراض يظهر حسيا، كيف كان إعراضهم عن الحق (تَنكِصُونَ)، أي ترجعون وراءكم، ووجوهكم كأنها مقبلة، فهم يرجعون القهقرى، بأدبارهم، ويسيرون إلى الوراء بأعقابهم، وقد جاء في قراءة شاذة منسوبة لعلي بن أبي طالب " فكنتم على أدباركم "، ولعلها تفسير له رضي الله تعالى عنه، وهذا تشبيه حال بحال، فشبهت حالهم في أنهم يسمعون بآذانهم دون أن تعيه قلوبهم بحال من يلقون بوجوههم وهم يسيرون القهقرى إلى الوراء. وبين سبحانه أن ذلك كان استكبارا، فقال:

стр. 7564

(مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧) (مُسْتَكْبِرِينَ) حال من " الواو " في (تَنكِصُونَ)، وهي تفرقة واضحة بين حالين، إحداهما تململهم عند سماع الحق حتى إنهم ينكصون على أعقابهم عند سماعهم، وحالهم وهم يجأرون ضارعين صاغرين عندما يؤخذون ببعض العذاب الذي يستحقون. وقوله تعالى: (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ) الضمير في (بِهِ) يعود إلى القرآن الذي تتلى آياته، مستكبرين استكبارا مصاحبا لسماعه، أي متعالين على القرآن نفسه، أو متعالين بسببه لأنهم لم يذعنوا لحقائقه، ويصح أن يكون متعلقا بـ (سَامِرًا) أي جاعلين القرآن موضع سمرهم حول الكعبة، (تهْجُرُونَ) (١)، أي يقولون الهجر من القول الفاحش، أي أنهم مع نكوصهم على أعقابهم عند سماع تلاوته يجعلون الطعن فيه وسب النبي ﷺ موضع سمرهم وقولهم الهَجْر من القول الفاحش، وقرئ يُهجرون، وبضم الياء وماضيها " أهجر " أي دخل في هجر القول. وخلاصة المعنى على هذا أنهم ينكصون معرضين عند سماع التلاوة مستكبرين سامرا به بهجر القول، أي لَا سمر لهم إلا السخرية به وبمحمد ﷺ ناطقين بالهجر الفاحش من القول، ومع ذلك يجأرون ضارعين عندما يأخذهم عذاب يفجأهم أو كارثة تكرثهم، وكان حقا عليهم أن يتدبروا القرآن بدل أن يعرضوا عنه ويتخذوه موضوعا لسمرهم وهجرهم.

стр. 7565

(أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، وهي مؤخرة عن تقديم؛ لأن الاستفهام له الصدارة، ومؤدى القول أنهم قد نكصوا على أعقابهم ثم جأروا عندما اشتدت بهم الشديدة، أفما كان أولى من هذا أن يتدبروا القول بأن يتدبروا ما تلى عليهم ويتعرفوا معانيه، أم أنه جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين، فـ (أَمْ) على هذا هي التي تكون للمعادلة بين أمرين، والاستفهام هنا لاستنكار المعادلة، والمعنى ألم

стр. 7566

يتدبروا ما سمعوا من آيات تتلى أم أنهم جعلوا هذه الآية في منزلة ما جاء به آباؤهم فما دامت لم يجئ بها آباؤهم فهي في موضع الإنكار، وفي هذا توبيخ لهم من ناحيتين: أولاهما - أنهم مقلدون لَا يفكرون بعقولهم تفكير موازنة بين حق وباطل. وثانيهما - أنهم مقلدون آباءهم، ولو كان آباؤهم لَا يعقلون شيئًا ولا يهتدون.

стр. 7567

(أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) (أَمْ) تتضمن معنى بل، والاستفهام الإنكاري، و " بل " معناها الإضراب، فالكلام فيه إضراب انتقالي، والمعنى نضرب عن هذا، ونسألهم ألم تعرفوا رسولكم فأنتم له منكرون، ومؤدى هذا التساؤل أنكم قد عرفتم رسولكم، فقد نشأ بينكم، وعرفتم صدقه وعدله واتزان فكره، وسلامة طبعه، وضئضئ نسبه، وأنه من أوسطكم، وأنه الأمين بينكم فكيف تنكرون رسالته، وتنكرون شخصه، وهو الأمين النسيب فيكم، وأرجح رجالكم عقلا.

стр. 7568

(أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠) (أَمْ) تدل على الإضراب والاستفهام معا، وهو إضراب انتقالي يضرب بها عن الكلام قبله، وينتقل إلى استفهام جديد، ولا شك أنهم يعرفون أمانته وصدقه، واستقامة نفسه وخلقه وعقله، وطبعه، ولا يتحول ذلك إلا إذا اضطرب كيانه العقلي والنفسي، وأصيب بجنون، والمعنى أيقولون به جنة؛ أي أتحول عن طبيعته، وأصابه جنون، وهو يقول القول الحكيم، ويتصرف التصرف الحكيم، فلم يكن به جنون، بل زاد بالبعث عقلا وعلما، وإنما هو الكراهية للحق، ولذا قال: (بَلْ جَاءَهُم بِالْحَقِّ وَأَكثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ)، (بَلْ) للإضراب عن كل ما سبق فهم يعرفون إعجاز القرآن وقد تحداهم أن يأتوا بمثله فعجزوا، وإذا لم يتدبروا القول، فهو يقرعهم بالحجة، وهم يعرفون الأمانة عنده، وهم لَا يقولون صادقين إنه مجنون، ليس هذا ولا شيء منه، ولكن الحق ثقل عليهم، وقد جاء به ليبطل عبادة الأوثان وتحريمهم

стр. 7569

ما أحل اللَّه، وأكثر أهل مكة كارهون للحق: (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ. . .)، وإن هو إلا الهوى سيطر عليهم واتخذوا إلههم هواهم؛ ولذا قال تعالى:

стр. 7570

(وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١) الهوى ينبعث من مصدرين: أولهما - الشهوة والسيطرة التي قد تجمح بصاحبها عن مناهج السداد، وموضع الاستقامة، والتي تضل معها الأفهام والعقول. وثانيهما - سيطرة الأهواء، فيتخيل ثم يخال، وإن هذين الأمرين لَا يقوم بهما أمر صالح للبقاء، فالشهوات نزعات ولا تكون معها إلا لذات وقتية لَا تدوم، بل تنتهي بانتهاء وقتها؛ فلذة الخمر تنتهي بانتهاء وقتها، وكذلك كل لذة جسمية تنفعل بها النفس لَا تدوم، وشهوات الناس مختلفة، فيكون التضاد بين الناس والتنازع المستمر، والتناحر القاتل، كما نرى الآن في أمم أوربا وخاصة أمريكا، ثم الأوهام من شأنها أن تصور ما ليس واقعا كأنه واقع، ويتخيل الشخص، ثم يخال. هذا هو الهوى، وأهواء العرب، كانت انحرافا فكريا أدى إلى استحسان الشر، وضعفا عقليا أدى إلى اتباع الآباء ولو كانوا لَا يعقلون شيئا، مما أدى إلى تحريم ما أحل اللَّه، وأدى إلى الطواف عرايا، للتخلص من نجاسة الثياب المعنوية، كما توهموا، وأدى إلى قتل أبنائهم ووأد بناتهم، وإلى استباحة أكل أموال الناس بالباطل. هذه هي الأهواء ما كان معروفا منها بعضه عند العرب، أما الحق فإن مصدره العقل، والعقل يقوم على ثلاثة أمور: أولها - الميزان بين الأشياء والأفعال فيتخير أنقاها وأثبتها وأصلحها، وأكثرها نفعا.

стр. 7571

وثانيها - القسطاس المستقيم الذي يكون ميزان الأشياء، وحكم الموازنة فيها. وثالثها - أنه يقدر خير الأمور بأنه ما يكون باقيا، ولو كان في آجل. على هذا لَا يمكن أن يكون الحق متفقا مع الأهواء، وخصوصا أهواء العرب التي أشرنا إلى بعضها؛ ولذا قال تعالى: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَق أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ). أما فساد السماوات فلأنها قائمة على تماسك أجرأهما بأركان قوية منتظمة لَا تتخلف، ولو كانت خاضعة لأهواء أهل الشرك لتزايلت؛ لأن أهواء أهل الشرك تفرق المجتمع، كما كانت الحال بينهم، وأما الأرض فلأنها تعمر باستنباط خيرها، وتعرُّف إصلاحها والغرائز الإنسانية التي تمد النفوس بشهوة الغلب، وشهوة الجنس، وشهوة المال، وشهوة السلطان والتحكم، وإذا حكمت هذه وأشباهها، فإن الحاكم يعجل بفنائه، ولولا رحمة من ربك ببقاء سلطان الحق ولو في الأقوال دون الأفعال، لآذنت الدنيا بخراب، قال تعالى في بيان أن الرسل جميعا جاءوا بالحق وميزانه: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥). (بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكرِهِم مُعْرِضُونَ) بل للإضراب عن توهمهم أن الحق يساير أهواءهم، وأتيناهم بما بذكرهم الحق، ويبعدهم عن أهوائهم ويذكرهم بمعنى التذكير، وهو من إضافة المصدر إلى مفعوله، أي جئناهم بما يذكرهم، وينبههم إلى خلل تفكيرهم وبعدهم عن الحق وسيطرة أهوائهم (فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ) و " الفاء " لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فرتبوا النقيض على نقيضه، وبنوا إهمال التذكير على التذكير، وذلك من ضلال العقول، فرتبوا الإعراض على التذكير. اللهم اكفنا شر ضلال الأهواء، إن النبي ﷺ يدعوهم إلى الحق الخالص، لَا يسألهم أجرا، ولا جزاء ولا سلطانا؛ ولذا قال تعالى: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢)

стр. 7572

(أَمْ) تتضمن معنى بل، وهمزة الاستفهام، والإضراب إضراب انتقالي، فنقلهم سبحانه من الحكم بأنهم يتبعون أهواءهم، إلى مكانة النبي ﷺ ، وأنه لا يطلب منهم مالا، ولا سلطانا، والاستفهام هنا لإنكار الوقوع، أي لَا يسألكم خرجا والخرج المال الذي يأخذه السلطان من الرعية، والخراج العطاء الكثير، ما سألتهم خرجا حتى يدعوا أنك تريد سلطانا عليهم وجاها، فما أعطاه اللَّه تعالى خير، وهو كثير، وهو ربك وكافلك، ومديم العطاء عليك، وهو مغنيك دائما عن الناس، وهو خير الرازقين، فرزقه خير الأرزاق، وافر يتفضل على من وقف على بابه، والمعنى خراجه أي عطاؤه أغلى رزق وعطاء، وليس فوقه رزق لطالب رزق، ويصح أن نقول: إن المراد من خراج اللَّه تعالى نعمة على محمد ﷺ ، وهي نعم معنوية، فما كان محمد ﷺ معروفا بالمال، إنما كان معروفا بالسمو الإنساني الكامل الذي لم يناصبه أحد فيه؛ ولذا اجتباه رب العالمين خاتما للنبيين، وكان آخر لبنة في صرح الرسالات الإلهية. ولقد قال الزمخشري كلمة بليغة في معنى هذه الآية: قد ألزمهم الحجة في هذه الآيات، وقطع معاذيرهم، وعللهم، بأن الذي أرسل إليهم رجل معروف أمره وحاله، مخبور سره وعلنه، خليق بأن يجتبى مثله للرسالة من بين ظهرانيهم، وأنه لم يعرض له حتى يدعى بمثل هذه الدعوى العظيمة بباطل، ولم يجعل ذلك سلما للنيل من دنياهم واستعطاء أموالهم، ولم يدعهم إلا إلى الإسلام الذي هو الصراط المستقيم مع إبراز المكنون من أدوائهم، وهو إضلالهم بالتدبر والتأمل وتعللهم بانه مجنون بعد ظهور الحق وثبات التصديق من اللَّه بالمعجزات والآيات المنزلة، وكراهيتهم للحق وإعراضهم عما فيه حظهم من الذكر. اهـ ملخصا.

стр. 7573

(وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وبعد أن أشار سبحانه إلى أنهم يبتغون الهوى المنبعث من أوهامهم وشهواته وتقليدهم، وأن الحق لَا يتبع أهواءهم، بين اللَّه أن دعوة محمد ﷺ هي دعوة الحق، وأمارة الحق استقامة طريقه فهو لَا اعوجاج فيه؛ ولذا قال تعالى:

стр. 7574

(وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) الخط المستقيم هو أقرب خط بين نقطتين، فالوصول إليه قريب سهل، والصراط هو الطريق المستقيم، ولقد شبه اللَّه تعالى الحق من حيث إنه أقرب طريق للوصول إلى اللَّه تعالى، فإن اللَّه هو الحق، وطريقه الحق، ورسالته الحق، وأكد اللَّه تعالى أن رسوله يدعو إلى الحق، وأن صراطه هو المستقيم بمؤكدات: أولها - " إن " المؤكدة الدالة على التحقيق. والثانية - اللام في خبرها. والثالثة - الجملة الاسمية. وهنا نجد تفرقة واضحة بين الحق الذي يدعو إليه النبيون، والهوى الذي يدعو إليه المشركون، فاللَّه يدعو ورسوله إلى طريق مستقيم يتفق مع العقول ولا اعوجاج فيه، ولا أمت، يرتفعون فيه وينخفضون، بينما الأهواء متفرقة المخارق متفاوتة في طريق يتنازعون فيها أمرهم. وإن هؤلاء يتنكبون الصراط المستقيم؛ ولذا قال تعالى:

стр. 7575

(وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤) يقال: نكب عنه أي: مال عنه وانحرف إلى غيره، والصراط هو الصراط المستقيم، وقد مالوا عنه إلى مثارات الشيطان، فالصراط المستقيم هو صراط الله تعالى كما قال تعالت كلماته: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣). وقد وصف اللَّه سبحانه الذين لَا يؤمنون بالآخرة بالميل عن طريق الحق؛ وذلك لأن الذين لَا يؤمنون بالآخرة ماديون لَا يؤمنون إلا بالمادة، والإنسان روح كماله في أن يؤمن بالغيب، ولذلك كان من أوصاف المؤمنين: الإيمان بالغيب، وإن الذين لَا يؤمنون بالغيب يحسبون أن الحياة الدنيا هي كل شيء فتسلط عليهم أهواؤهم وشهواتهم، والشهوات مردية، والأهواء فاتنة النفوس، والذين لَا يؤمنون

стр. 7576

بالآخرة يحسبون أنهم خلقوا عبثا، وأنه لَا جزاء لمن أحسن، ولا عقاب على من يسيء، كما قال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ). * * * يذكرون الله في الشدة ولا يذكرونه في الرخاء قال الله تعالى: (وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥) وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٧٨) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٨٠) بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣) * * * إن من شأن من لَا يؤمن باللَّه واليوم الآخر، أن يكون إحساسه خاضعا للساعة التي يكون فيها لَا ينفذ ببصيرته إلى ما وراءها فيقول في كل شيء: ما هي إلا حياتنا الدنيا، ولا يفكر إلا في الحالة التي تظله.

стр. 7577

ومن شأنه أنه إذا نالته شدة أحس بسلطان اللَّه تعالى، وأنه كاشف الضر، فإذا زال عنه الضر عاد إلى كفره، وهذا المعنى بصوره قوله تعالى: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ). لقد تضرع المشركون لبلاء نزل بهم فرقَّ النبي ﷺ ، فقال اللَّه تعالى مبينا سنته فيهم وفي أمثالهم:

стр. 7578

(وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ). أي لو غمرناهم برحمتنا في وقت شدتهم، فأزلنا عنهم الغم، وكشفنا الضر من مرض أو بلاء لاستمروا لاجين في ظلمهم الطاغي يعمهون، الكشف كناية عن ذهاب الضر؛ لأن الضرر يكون كالغمة، وكشفها إزالة كربها، وما المراد من الرحمة وكشف الضرر أهو زواله بعد النزول، أم أنه يستمر في الرحمة بأن يتمتع بنعمة الصحة والعافية وعدم وجود الضرر؛ إن الآية تحتملهما، وإن الرحمة هي التمتع بمتع الحياة، وعدم نزول الضرر، بل هو مكشوف عنها كل ضرر يحتمل أن يوجد، ويكون المعنى أن النعمة تغرهم فيكفرونها، وعدم نزول ضرر بهم كذلك، فيستمرون في حالهم لاجِّين فيها و (فِي طُغْيَانِهِمْ) أي في ظلمهم الطاغي (يَعْمَهُونَ)، أي يترددون ويتحيرون، فإن الطاغي متردد متحير دائما، إذ إن للفطرة العادلة صوتا وإن لم يكن مجلجلا، والظلم لجلج دائما، وإذا رأيت الظالم يعنف دائما، فاعلم أن ذلك لإسكات الصوت الخفي الذي ينبعث خافتا ليسكته. وعلى الاحتمال الآخر، وهو أن هذا يكون بعد نزول ضرر وكشفه، فإنه واضح، ولكن نحن نرجح الأول لقوله تعالى: (لَلَجُّوا) - إلى آخره؛ لأن اللجاجة استمرار الحال قائمة، والشدة فيها، ويكون المعنى أن استمرار النعمة عليهم تطغيهم بالظلم، وتغريهم بالشر. (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)

стр. 7579

الضمير في قوله: (أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ) يعود إلى مشركي مكة الذين كانوا يعاندون النبي ﷺ ، أو يعود إلى الكفار عامة من حيث إنه بيان لحال الكفار، في أنهم إذا نزلت بهم جائحة أو شديدة خنعوا في وقت نزولها، وما استكانوا لها وما تضرعوا لها وما تضرعوا بعدها وآمنوا. كان تفسير الزمخشري على أن موضوع القول، هم كفار مكة نزلت بهم مجاعة، كما جعل موضوع الآية السابقة والآية التالية أهل مكة، وذكر أن ثمامة بن أثال الحنفي منع الميرة عن أهل مكة، وقال: لا أعطيكم حبة حنطة إلا أن يأذن رسول اللَّه، فأخذهم الله تعالى بالسنين فجاء أبو سفيان إلى رسول الله في المدينة، وقال له: أنشدك اللَّه والرحم، ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين. فقال محمد ﷺ بلى، فقال: قتلت الآباء، وجوعت الأبناء فنزلت هذه الآيات الثلاث (١). وربما يكون هذا الكلام مستقيما لو كانت الآيات بعد غزوة بدر، وبعد الغزوات كلها إلى الحديبية، ولكن السورة كلها مكية ونسقها مكي، فكيف تجيء آية بمعان مدنية لم تتحقق إلا في المدينة، ولم يثبت أن هذه الآيات نزلت بالمدينة استثناء من السورة. ولذا نقول: إن الآيات الثلاث عامة في وصف غير الكفار في كفرهم من أنهم يخنعون عند الشدائد، ويعودون إلى الاستكبار، فيخنعون، ثم يتمردون، اقرأ قوله تعالى: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥). فاللَّه جل علاه كان ينزل الشدائد على الكافرين، فيذلون عند نزولها، ولكن إذا انكشفت الغمة عادوا إلى كفرهم وطغيانهم، كما رأينا في فرعون وملئه، وقد ذكر أن ذلك شأن كل الكافرين يكشف اللَّه تعالى عنهم الضر إذا أصيبوا به، فيخنعون في وقته، ثم يعودون إلى كفرهم بعد كشفه.

стр. 7580

وقوله تعالى: (فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ) " الفاء، للإفصاح، والاستكانة معناها كما أشار الراغب، وبين الزمخشري: الانتقال من كون إلى كون، وحال إلى حال، فهي افتعل من كان، أي فيما انتقلوا من الكَوْن الذي هم فيه وهو الكفر إلى الكون الذي يدعوهم رسولهم إليه، وهو الإيمان باللَّه ورسوله (وَمَا يَتَضَرَّعُونَ) أي لم ينتقلوا إلى كَوْن الإيمان، وما اتجهوا بالضراعة الدائمة المتجددة للَّه تعالى المستمرة شأن المؤمنين الضارعين لربهم، وكان نفي المضارع لنفي تجدد الضراعة ودوامها في كل أحوال الشخص، لَا في وقت الشدة فقط. وقوله: (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ)، معناها أخذناهم متلبسين بالعذاب، أي أنه سبحانه أخذهم، وهم في حال العذاب وأنقذهم، ومع ذلك استمروا على كفرهم، وأنهم يستمرون في غيهم حتى يجيئهم العذاب الذي لَا يزول؛ ولذا قال تعالى:

стр. 7581

(حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧) سار الزمخشري على المنهاج الذي ارتضاه في الآيات الثلاث، وهو أن موضوع الآيات أهل مكة، فذكر أن الباب الذي فتحه اللَّه تعالى هو الجوع، وذكر أنه أشد الأبواب. ونحن على رأينا، وهو أن الآيات وصف للمشركين في الشدائد تنزل بهم، والكفر المستمر الذي يلابسهم في كل أحوالهم، ويكون الباب الذي يفتح عليهم من العذاب ولا يغلق - يوم القيامة. (حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ. . .). (حَتَّى) هنا تفريعية لَا غائية أي يتفرع عن هذا اللهو الذي هم فيه سائرون، لا تنزع بهم الشدائد عن شرهم أن يُفاجَأوا إذا جاء باب من الشدة لَا يغلق، ولا يرجى أن يغلق، وهو يوم القيامة، وسماه سبحانه بابًا ذا عذاب شديد؛ لأنه كالباب الذي كان مسدودا، ثم فتحه اللَّه تعالى فلا يسد أبدا، فهو باب ابتدأ بالبعث والنشور، ثم ثنى سبحانه بالحساب وأعمالهم تنطق عليهم بآثامهم، وإنها لتنطق

стр. 7582

بالحق، ثم ختم بالإلقاء في الجحيم، وكل هذا تصوير لحالهم من حيث إنهم كانوا كلما نزلت بهم شديدة رجوا بعدها نجاة حتى جاءهم ما لَا ينتهي ولا يسد أبدا، وهو يوم القيامة، وسمي بابا؛ لأنه يفتح، وينتهي إلى الجحيم التي فيها يُسَجرون. ويقول سبحانه: (إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ) الضمير يعود إلى الباب، ويقصد ما وراءه مما يدخلون فيه (مُبْلِسُونَ) أي متحيرون، كما يقول الله تعالى: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ)، وقال تعالى: (لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ)، والإبلاس كما أشرنا هو الحيرة الشديدة مع اليأس الذي لا رجاء فيه. بعد ذلك بين سبحانه إنشاءه للإنسان، وإنه أنشأ له حواسه التي بها يحس، وعقله الذي به يدرك، ولكنه كفر بهذه النعم، فقال تعالى:

стр. 7583

(وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٧٨) بين الله أنه منحهم أسباب الإدراك، ولم يدركوا، ولم يشكروا اللَّه تعالى على ما أنعم، فهو أنشأ لكم السمع لتسمعوا الخير وتدركوه، ولتسمعوا آيات الله تعالى في الرعد، فترهبوه، ولتسمعوا النذر فتتقوا، ولتسمعوا المبشرات فترجوه. والأبصار: وهي جمع بصر، لتبصروا الكون وما فيه، فتبصروا الشمس والقمر، والنجوم في أبراجها، والماء ينزل فينبت الزرع، وتكون الأرض ذات منظر بهيج، وجمع الأبصار، ولم يأت بها مفردة كالسمع لتعدد المبصرات وتغايرها وتكاثرها، وفي كل مبصر منها آية تدل على وحدانية الله وقدرته، وكل مبصر له حيز وشكل وصور مختلفة، ولبيان أن في المبصرات مناظر مختلفة تسوغ تعدد البصر لأجلها. والأفئدة جمع فؤاد، وهو القلب، والعرب كانت تجعل موضع الإدراك والتفكير القلب، وأنه عند التحقيق أوسع إدراكا من العقل؛ لأن القلب يشعر ويحس ويتصور، وفي الشعور علم، والعقل يدرك ويتصور ويربط الأسباب بالنتائج، ويقيس بين الأشياء، وجمع الأفئدة؛ لتعدد المدركات، وسموها أو انحدارها.

стр. 7584

وإن هذه الحواس والمدارك هي التي بها علا الإنسان، وقال تعالى: (قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ) (مَا) دالة على تأكد ما قبلها أي قليلا أي قلة (مَا تَشْكُرُونَ) فلا تقومون بحق هذه النعم كما قال تعالى: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا)، وقال تعالى: (فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْء. . .)، إذ كانوا يجحدون بآيات الله تعالى، وإن أول شكر للنعمة الإقرار بفضل من أنعم، وألا يسوى بغيره مما لَا يضر ولا ينفع، وليس له سمع ولا بصر ولا فؤاد، بل هي أحجار لَا حياة فيها.

стр. 7585

(وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) الضمير يعود على ذي الجلال والإكرام، والواو عاطفة، ذرأ معناها أظهر ونشر فهو اللَّه ﷻ هو الذي أظهرنا في الأرض، ونشرنا في أقاليم شتى في الأرض، وجعلنا ألوانا وألسنة مختلفة، وتلك من آيات الله تعالى، كما قال جلت قدرته: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ. . .)، وذكر في قوله: (فِي الأَرْضِ) إشارة إلى أن الانتشار في عموم الأرض كلها، وإشارة إلى أننا منها وبثنا الله تعالى فيها، وإليها نعود، ثم قال تعالى مبينا المآل: (وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) تقديم الجار فيه معنى الاختصاص، أي إليه وحده تحشرون، لَا يكون معكم شيء مما تدعون من دونه، وقال سبحانه: (تُحْشَرُونَ)، أي تُجمعون محشورين غير مفرقين، بل يكونون جمعا لَا تفاوت

стр. 7586

(وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٨٠) الضمير يعود أيضا إلى الله ﷻ ؛ وذلك لتربية المهابة في النفس، والمعنى: هو اللَّه الخالق الذي يحيي الإنسان كل يوم وكل ساعة من زمان، فينشئ من يحييه، ويميت من ينتهي أجله، فإذا جاء أجله لَا يستأخر ساعة، ولا يتقدم ساعة، ولكل أجل كتاب.

стр. 7587

وكما ذكر اللَّه أنه يملك الحياة والموت، وأننا نعاين كل يوم من يموت، ومن يولد، ويستقبل الحياة فلله ما هو أعظم وأكبر، له الليل والنهار، وذكر الليل والنهار باللام على أن ذلك في سلطانه وقبضته سبحانه للإشارة إلى السماوات والأرض في قبضته؛ لأن الليل والنهار يجيئان من دوران الأرض حول الشمس أي من صلة الأرض بالسماء وطولهما وقصرهما يتبعان ذلك، فذكر الليل والنهار يومئ إلى سلطان اللَّه تعالى الكامل على السماء والأرض وما بينهما وعلى الوجود كله، وإذا كانت الحياة والموت تصور خلق الأحياء، وأنه في سلطان الحياة والموت، فإن ذكر اختلاف الليل والنهار يصور سلطانه على كل الوجود. ثم قال تعالى: (أَفَلا تَعْقِلُونَ) " الفاء " لترتيب ما بعدها على ما قبلها، والاستفهام للتحريض على التفكير بعقولهم، والموازنة بين الحقائق التي يرونها بأعينهم، والمعنى إذا رأيتم ذلك عينا ومحسوسا ألا تدركون بعقولكم أن اللَّه قادر على كل شيء، وعلى الإعادة بعد الموت، وأنتم ترون كل يوم حياة وموتا، والليل والنهار خلفة، ذلك هو اللَّه خالق كل شيء، ولكنهم مع ذلك ينكرون البعث ودلائله قائمة ثابتة تقرع حسهم. (بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢)

стр. 7588

بل للإضراب والانتقال، وهو الانتقال من ذكر أحوال الكافرين المتشابهة جيلا بعد جيل، إلى المشركين الذين يعاندون النبي ﷺ ، وبيان المشابهة بين قولهم وقول من سبقوهم، وأوضح هذه المشابهة في كفر الحاضرين بالبعث، كما كفر الماضون، وعقد سبحانه المشابهة في كفرهم بالبعث، فقال: (بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ) الذين غلب على تفكيرهم المادة المحسوسة دون الغيب المعقول، وفسر اللَّه تعالى قولهم الذي شابهوا به من سبقوهم، والتقوا مجهم على مائدة الإنكار لغير المادي المحسوس، (أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابَا وَعِظَامًا أَئِنَّا لمَبْعُوثونَ) الاستفهام للإنكار، في قوله

стр. 7589

تعالى عنهم:

стр. 7590

(أَئِذَا مِتْنَا)، وقوله: (أَئِنَّا لمَبْعُوثُونَ)، في هذا الاستفهام إشارة إلى موضع استنكارهم، فموضع استنكارهم البعث بعد أن يموتوا ويصيروا ترابا وعظاما، كقولهم: (مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ. . .)، وكرر سبحانه الاستفهام للنص على موضع إنكارهم أو استنكارهم، وذلك جهل منهم باللَّه وهو الخالق، وهو شديد المحال. وقد أفرط المشركون في إنكارهم فقالوا:

стр. 7591

(لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣) إن النبي ﷺ وعدهم بالبعث والنشور في أول دعوته لهم، فقد قال عندما أمره ربه أن يصدع بأمر ربه، وقال له: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكينَ)، وعندما قال له : (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)، قال ﷺ : " واللَّه لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون " (١) واستمر يكرر هذه الدعوة لهم غير وانٍ ولا مقصر، وبمقدار استمراره كان جحود المشركين؛ ولذا أخبر اللَّه تعالى عنهم: (لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْن وَآبَاؤُنَا هَذَا مِن قَبْلُ) أكدوا أنهم وعدوا وآباؤهم الذين أدركوا النبي ﷺ من قبل هذا الزمان، وقد أكدوا أنه وعدهم بقد، وباللام، ولكن مع توكيد وعدهم أكدوا إنكارهم له، فقد قالوا: (إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) (إِنْ) نافية أي ما هذا الوعد المكرر إلا أكاذيب الأولين التي تقال في موضع السمر والتفكه بفارغ القول، جاء في مفردات الراغب في الأساطير: " قال المبرد هي جمع أسطورة، نحو أرجوحة وأراجيح، وأِفية وأثافى وأحدوثة وأحاديث "، أي أنها أخبار غير صادقة يتفكه بها، ويقطع الوقت بالسمر عليها، فليست حقا تتبع، ولا جَدًّا من القول يتعظ به.

стр. 7592

الكون يخبر بواحدانية الله قال اللَّه تعالى: (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٩٠) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢) * * * هذه الآيات كلها توجيه للعقول إلى اللَّه تعالى خالق الكون والقوام عليه، وهي استفهامات يتعين الجواب فيها وليس لديهم سبيل لإنكار الجواب، بل الجواب متعين، لَا مناص منه، ولا سبيل لغيره؛ لأن العرب كانوا يعلمون أن اللَّه خالق السماوات والأرض (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ. . .)، فهم ما كانوا يجهلون الله تعالى، بل كانوا يعلمون أنه خالق السماوات والأرض، وأنه الذي يلجأ إليه في الشدائد، ويعلمون أنه واحد في ذاته وصفاته، ولكنهم في العبادة يشركون به غيره، وكأنهم يحسبون أنهم لَا يصلون إلى مقام الذات العلية، فيتخذون بأوهامهم الأوثان ذرائع، ويقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اللَّه زلفى.

стр. 7593

قال اللَّه تعالى مخاطبا نبيه آمرا له:

стр. 7594

(قُل لمِنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كنتُمْ تَعْلَمُونَ) الأمر للنبي ﷺ بأن يواجههم بالحقائق وما يترتب على العلم بها، ولمن الأرض؛ أي من يملك الأرض ومن عليها من العقلاء ملكية كاملة بالخلق والإنشاء والتكوين؛ أمره أن يسألهم عن ذات الأرض، وعن العقلاء فيها، ولكن لم يسأل عن غير العقلاء من الدواب، وما في باطنها من معادن وفلزات، وما في بحارها من جواهر كريمة، ونقول: إن كلمة الأرض شملت بعمومها كل ما على ظاهرها من نبات وحيوان وجماد، وما في جوفها من فلزات سائلة وغير سائلة ومعادن أكثرها في باطنها. ولأن الملكية وإن وقعت على العقلاء باعترافهم فهي على غيرهم تثبت بالأولى؛ لأن غير العقلاء أشياء تشترى وتباع، فهي أولى بالملكية، ويعلق النبي - بأمر اللَّه - الإجابة على علمهم، والتعليق يومئ إلى علمهم وأنه حقيقة، ولكن ذكر بـ " إنْ " التي تفيد الشك في وقوع الشرط، للإشارة إلى أن علمهم كلا علم؛ لأنهم يعملون بنقيضه. ولقد بين اللَّه تعالى إجابتهم، فقال:

стр. 7595

(سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) السين لتأكيد القول، أي سيكون جوابهم حتما: للَّه، لما ذكرنا من أنهم يعلمون أن خالق الكون كله بما فيه ومن فيه هو اللَّه تعالى لَا ريب عندهم في ذلك، ولكنهم يفصلون النتيجة عن مقدماتها، فعلمهم بالخالق كان يوجب عليهم ألا يعبدوا غيره؛ لأن العبادة نتيجة الخلق والتكوين، ولذا قال تعالى: (قُلْ) والخطاب للنبي ﷺ : (أَفَلا تَذَكَرونَ) (الفاء) لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي لترتيب التذكر على إيمانهم بأن اللَّه تعالى خالق الأرض ومن فيها، أي إذا كنتم تعلمون هذا وتؤمنون فألا تذكرون، والاستفهام إنكاري لإنكار الواقع، أي أنهم في الواقع لَا يتذكرون، ولا يربطون المقدمات بنتائجها، والذكر هو إدراك موجبات العقل، والحقائق التي تؤمن بها القلوب. وقد أمر اللَّه تعالى نبيه أن يسألهم في أمر كوني آخر.

стр. 7596

(قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) الخطاب أيضا للنبي يأمره أن يسألهم (مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْع)، والربوبية تقتضي: أولا - الخلق والتكوين. وتقتضي ثانيا - الإمداد برحمته. وتقتضي ثالثا - الرقابة عليه والتنظيم له، والتسيير له، والقيام على شئونه، والسماوات وصفها بأنها سبع، ثم قال تعالى: (وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ)، أي صاحب السلطان العظيم المهيمن على الوجود كله. وإجابتهم لَا محالة

стр. 7597

(سيَقُولُونَ لِلَّهِ ... (٨٧) السين لتأكيد القول في المستقبل، وذلك لما ذكرنا من قبل من أنهم يعلمون أنه لَا سلطان في الخلق والتكوين والهيمنة على الوجود إلا للَّه، ولكنهم كما قلنا: لَا يرتبون النتائج على علمهم، بل يعبدون غير اللَّه بسيطرة أوهامهم على تفكيرهم، ونجد هنا افتراقا في الجواب عن السؤال، فالسؤال: مَن رب السماوات؟ والجواب: اللَّه، وظاهر الجواب أن يكون " اللَّه " من غير لام، ونقول في الجواب عن ذلك إن السؤال عن الربوبية يقتضي السؤال عن الملكية والسلطان، كأنه قيل لمن السلطان والملك فكان الجواب (للَّه). ويلاحظ أنه تكرر لفظ الرب في قوله تعالى: (مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْع وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم) ونقول: إن التكرار لتغاير معنى الربوبية، ففي الأولى السؤال عن الخالق، والمنمي، والقائم بالتدبير، والتسيير، والثاني معنى الربوبية السلطان والحكم، (قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ) الأمر موجه للنبي ﷺ ليقنعهم بخلق اللَّه مع استحقاقه وحده العبودية (أَفَلا تَتَّقُونَ) (الفاء) كما ذكرنا لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي أنه إذا كان يجب عليهم أن يتقوا اللَّه ويجعلوا وقاية بينهم وبين عذابه، ما دام هو رب هذا الوجود كله، ورب السلطان فيه وحده، وهو الذي يعذب من يشاء، ويغفر لمن يشاء.

стр. 7598

ولقد أمره سبحانه أن يسألهم سؤالا ثالثا:

стр. 7599

(قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) الملكوت صيغة مبالغة تفيد الملك الممكن الذي لا سلطان إلا له، فالواو والتاء للمبالغة، كجبروت، ورهبوت ورحموت، وزيادة المبني تدل على زيادة المعنى، و (مَنْ بِيَدِهِ)، أي من له السلطان والملك الكامل لأقصى أنواع الملك، وهو يقبضه كما يقبض صاحب الصولجان (١). وقد صور اللَّه اتساع سلطانه، وفرضه على كل إنسان وكل شيء بذي قوة يضم إلى جواره من يشاء، ويمنعه من أن تصل إليه يد معتدية، لا يمكن أن يكون لأحد جوار يمنعه سبحانه من أن ينزل من الهلاك ما شاء لمن شاء؛ لأنه فوق العالمين (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ): (إِن كنتُمْ تَعْلَمُونَ)، وأتى بـ (إِن)؛ لأن حالهم من الشرك تدل على أنهم لَا يعلمون،

стр. 7600

(سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ... (٨٩) التعدية باللام لتضمن السؤال معنى الملك والسلطان، أي أن الملكوت كله للَّه تعالى. أمر اللَّه تعالى نبيه بقوله: (قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) (الفاء) أيضا لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي يترتب على علمهم بأن اللَّه تعالى خالق الأرض، ومن فيها والسماوات السبع، وربوبيته للعرش ولها، وكونه صاحب السلطان الأعظم يترتب على كل هذا أن يسألوا كيف يُسحرون، أي ينخدعون ويميلون عن الحق الراكز في نفوسهم إلى الباطل الذي هو أوهام مخيلة، وليس حقائق ثابتة معلومة لكل ذي فكر وعقل وإدراك، و (أنى) هنا بمعنى كيف، كـ " أنى " في قوله تعالى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ. . .). فهذه الآيات تبين كيف تسيطر الأوهام على ذوي الأهواء الذين لَا يفكرون، وتقاوم الحقائق الثابتة لديهم، وتسيرهم مع مخالفتها لكل معقول، ولما كان عندهم من علم سابق، ولقد قال تعالى:
следующие страницы →