← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 7596–7635 · переход к 7601.

стр. 7596

(قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) الخطاب أيضا للنبي يأمره أن يسألهم (مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْع)، والربوبية تقتضي: أولا - الخلق والتكوين. وتقتضي ثانيا - الإمداد برحمته. وتقتضي ثالثا - الرقابة عليه والتنظيم له، والتسيير له، والقيام على شئونه، والسماوات وصفها بأنها سبع، ثم قال تعالى: (وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ)، أي صاحب السلطان العظيم المهيمن على الوجود كله. وإجابتهم لَا محالة

стр. 7597

(سيَقُولُونَ لِلَّهِ ... (٨٧) السين لتأكيد القول في المستقبل، وذلك لما ذكرنا من قبل من أنهم يعلمون أنه لَا سلطان في الخلق والتكوين والهيمنة على الوجود إلا للَّه، ولكنهم كما قلنا: لَا يرتبون النتائج على علمهم، بل يعبدون غير اللَّه بسيطرة أوهامهم على تفكيرهم، ونجد هنا افتراقا في الجواب عن السؤال، فالسؤال: مَن رب السماوات؟ والجواب: اللَّه، وظاهر الجواب أن يكون " اللَّه " من غير لام، ونقول في الجواب عن ذلك إن السؤال عن الربوبية يقتضي السؤال عن الملكية والسلطان، كأنه قيل لمن السلطان والملك فكان الجواب (للَّه). ويلاحظ أنه تكرر لفظ الرب في قوله تعالى: (مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْع وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم) ونقول: إن التكرار لتغاير معنى الربوبية، ففي الأولى السؤال عن الخالق، والمنمي، والقائم بالتدبير، والتسيير، والثاني معنى الربوبية السلطان والحكم، (قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ) الأمر موجه للنبي ﷺ ليقنعهم بخلق اللَّه مع استحقاقه وحده العبودية (أَفَلا تَتَّقُونَ) (الفاء) كما ذكرنا لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي أنه إذا كان يجب عليهم أن يتقوا اللَّه ويجعلوا وقاية بينهم وبين عذابه، ما دام هو رب هذا الوجود كله، ورب السلطان فيه وحده، وهو الذي يعذب من يشاء، ويغفر لمن يشاء.

стр. 7598

ولقد أمره سبحانه أن يسألهم سؤالا ثالثا:

стр. 7599

(قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) الملكوت صيغة مبالغة تفيد الملك الممكن الذي لا سلطان إلا له، فالواو والتاء للمبالغة، كجبروت، ورهبوت ورحموت، وزيادة المبني تدل على زيادة المعنى، و (مَنْ بِيَدِهِ)، أي من له السلطان والملك الكامل لأقصى أنواع الملك، وهو يقبضه كما يقبض صاحب الصولجان (١). وقد صور اللَّه اتساع سلطانه، وفرضه على كل إنسان وكل شيء بذي قوة يضم إلى جواره من يشاء، ويمنعه من أن تصل إليه يد معتدية، لا يمكن أن يكون لأحد جوار يمنعه سبحانه من أن ينزل من الهلاك ما شاء لمن شاء؛ لأنه فوق العالمين (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ): (إِن كنتُمْ تَعْلَمُونَ)، وأتى بـ (إِن)؛ لأن حالهم من الشرك تدل على أنهم لَا يعلمون،

стр. 7600

(سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ... (٨٩) التعدية باللام لتضمن السؤال معنى الملك والسلطان، أي أن الملكوت كله للَّه تعالى. أمر اللَّه تعالى نبيه بقوله: (قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) (الفاء) أيضا لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي يترتب على علمهم بأن اللَّه تعالى خالق الأرض، ومن فيها والسماوات السبع، وربوبيته للعرش ولها، وكونه صاحب السلطان الأعظم يترتب على كل هذا أن يسألوا كيف يُسحرون، أي ينخدعون ويميلون عن الحق الراكز في نفوسهم إلى الباطل الذي هو أوهام مخيلة، وليس حقائق ثابتة معلومة لكل ذي فكر وعقل وإدراك، و (أنى) هنا بمعنى كيف، كـ " أنى " في قوله تعالى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ. . .). فهذه الآيات تبين كيف تسيطر الأوهام على ذوي الأهواء الذين لَا يفكرون، وتقاوم الحقائق الثابتة لديهم، وتسيرهم مع مخالفتها لكل معقول، ولما كان عندهم من علم سابق، ولقد قال تعالى:

стр. 7601

(بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٩٠) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) هذا إضراب انتقالي، انتقل اللَّه بهم من المجاوبة التي تكون بينهم وبين النبي ﷺ إذ يوجه أنظارهم إلى ما ينبئ عن الحق وهو الوحدانية، يأخذها من نتائج ما يقولون، وإذا كان الأمر كما يقول المناطقة: النتائج متضمنة في مقدماتها، وما البرهان إلا كشف ما تطويه المقدمات من نتائج، فعلمهم بأن الكون كله مخلوق للَّه تعالى متضمن وحدانيته تعالى في العبادة. الإضراب الانتقالي هو الانتقال من المجاوبة إلى تقرير الحق مبينا بطلان ما يدعون بطريق إثبات بطلانه في ذاته، وبيان صحة نقيضه، قال تعالى:

стр. 7602

(بَلْ أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ)، أي بالأمر الثابت الذي لَا يتطرق إليه الريب، (وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) جعل وصفهم بالكذب المستمر مقابلا للحق الذي جاءهم اللَّه تعالى به؛ لأن الكذب إذا مردت عليه النفس فسدت، وصارت لَا تفرق بين باطل وحق، إذ تكون نفسه غير مؤمنة، لأن الإيمان تصديق دماذعان، فلابد من الصدق لكي يكون الإيمان، ولقد قال النبي ﷺ : " إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب حتى يكتب عند اللَّه كذابا " (١). ولقد ذكر النبي ﷺ أن الإيمان والكذب نقيضان لَا يجتمعان، فقد سئل أيكون المؤمن بخيلا؟ قال: يكون، أو يكون المؤمن جبانا؟، قال: نعم يكون، وسئل: أيكون المؤمن كذابا؟ قال: لَا يكون المؤمن كذابا " (٢). ولذا كان حقا أن يقابل الحق الذي يجيء به اللَّه تعالى ويتأكد كذبهم، وقد أكد اللَّه تعالى بـ " أن " المؤكدة، وباللام، وبالوصف، بأنهم من شأنهم الكذب، وبالجملة الاسمية.

стр. 7603

ولا يفتح القلب للأوهام، ووسوسة الشيطان إلا أن يمرد على الكذب؛ لأن الكذب يخفت صوت الحق والبرهان والعقل، ولقد نفى اللَّه تعالى من بعد ذلك أوهامهم، فقال:

стр. 7604

(مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ ... (٩١) نفى اللَّه تعالى أن يكون له ولد، وادعاءهم أن اللَّه اتخذ ولدا فالنصارى قالوا: اتخذ اللَّه عيسى ولدا له، وبعض المشركين قالوا: اتخذ اللَّه تعالى الملائكة بنات له، واليهود قالوا: اتخذ اللَّه عزيرا ولدا له، وتعبيرهم بـ (اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ) يشير إلى احتياج اللَّه تعالى للولد، كما يقول النصارى اتخذ اللَّه عيسى ولدا ليُقتل ويكفِّر عن خطيئة آدم، واللَّه غفار للذنوب قابل للتوب، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُم الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)، أي المحمود على كرمه وإفضاله دائما. والقسم الثاني من المشركين الذين اتخذوا الأوثان آلهة من دون اللَّه أو معه، وقد نفى اللَّه ذلك نفيا كاملا مستغرقا، و (مِن) في قوله: (مِن وَلَدٍ)، و (مِنْ إِلَهٍ)، لاستغراق النفي، والمعنى ما اتخذ اللَّه من ولد أيَّ ولد كان، فالكل خَلْق له، ولا تفاوت أمامه، وما كان معه من إله أي إله، ومن أي مادة. ولقد بَرْهن سبحانه، على بطلان الشرك فقال: (إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) أي إذا كان هناك آلهة غير اللَّه. فالتنوين في (إِذًا) ينبئ عن جملة أضيفت إليها (إذا)، وتكون في معنى الشرط، ولو كان هناك لترتب على ذلك أمران محالان، ولا وجود لهما، وإذا انتفيا انتفى ما أدى إليهما، فنفي اللازم يقتضي نفي الملزوم، والأمران هما: الأول - أن يذهب كل وأحد بما خلق، وبذلك لَا يتحقق التناسق في الوجود، وكله نسق واحد، لَا تفاوت فيه.

стр. 7605

والثاني - أن يكون بينهما التعالي، فلا يكونان في قدرة واحدة، بل يكونان على أقدار مختلفة، وفرض التساوي في القدر ينتهي إلى أن يكونوا كشخص واحد أو كإله واحد، والواحد ضد التعدد، فلكي يستقيم فرض التعدد لابد أن يفرض أن بعضهم يعلو على بعض، وذلك يؤدي إلى التنازع، وهذا يؤدي إلى الفساد، كما قال تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢). وقال في هذه الآية، (سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ)، أي تقدس " ما " يصح أن تكون موصولا حرفيا، ويصح أن تكون موصولا اسميا، وعلى الأول يكون المعنى تقدس اللَّه تعالى وتنزه عن وصفهم له بأن له شريكا أو اتخذ ولدا، وعلى الثاني يكون المعنى تقدس اللَّه عن الذي يصفونه به وهو أن له شريكا، والمؤدى واحد. وقد بين سبحانه ما يؤدي إلى نزاهته نزاهة مطلقة، فقال عز من قائل:

стр. 7606

(عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢) وقدم الغيب على الشهادة؛ لأن العلم بالغيب أبلغ في الدلالة على وصف العلم من الشهادة، وقال تعالى: (عَالِمِ الْغَيْبِ) من غير التعدية بالباء، للإشارة إلى أنه يعلم الغيب كله لَا يغيب عنه شيء في الأرض ولا في السماء، لَا في الغيب ولا في الشهادة، ومن كان كذلك فهو كامل الوجود، ليس له شبيه، ولا مثيل، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فتعالى اللَّه عما يشركون، أي فتسامى سبحانه عن أن يشركوا به شيئا، و (ما) موصول حرفي، أي تعالى اللَّه عن إشراكهم به، ويصح أن تكون موصولا اسميا. * * *

стр. 7607

ما يوعدون من عذاب قال تعالى: (قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨) حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠) * * * في هذه الآيات الكريمة تهديد بما أعده اللَّه تعالى من عذاب للمشركين بعد أن بين لهم بالأدلة القاطعة أن الشرك باطل. وإن النفوس المنحرفة تخاطب بالدليل الهادي المرشد، فإن لم تجد الهداية المرشدة، والبراهين الساطعة كان الإنذار الشديد، وقد برهن فبقي الإنذار، ابتدأ سبحانه الإنذار الشديد، بأن أشار للنبي ﷺ إلى أنه إنذار لَا يقع في نظر النبي ﷺ مثله، وأنه يحسن أن يطلب رؤيته، فقال:

стр. 7608

(قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعدُونَ). ابتدأ القول بالنداء بـ (رَبِّ) لبيان أن ذلك الذي ينذر به من مقتضى الربوبية، لأن مقتضى الربوبية؛ أن يجزى المحسن إحسانا، والمسيء بما يستحق، فلا يستوي الأعمى والبصير، ولا الظلمات ولا النور. (إِمَّا تُرِيَنِّي) " إما " - هي " إنْ " مدغمة في " ما "، و (ما) جاءت لتوكيد فعل الشرط، ولذلك جاءت نون التوكيد الثقيلة رادفة

стр. 7609

لتوكيد " ما " والجواب محذوف لتذهب النفوس فيه كل مذهب، وفي ذلك إشارة إلى هوله وأنه لَا تكتنه العقول كنهه، و (ما) في قوله تعالى: (مَا يُوعَدُونَ) ما هنا موصولة بمعنى الذي، وإن اللَّه تعالى وعدهم بالعذاب في الدنيا والعذاب في الآخرة، أما في الدنيا فالنصر الذي وعد اللَّه تعالى به نبيه الأمين، والذي كان له فيه الغلب، وكان النصر حليفه دائما ولم يهزم ولا في أحُد، وأما عذاب الآخرة فهو الجحيم خالدين فيها، وبئس المصير.

стр. 7610

(رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) ضراعة من النبي ﷺ اتجه بها إلى ربه بأمر ربه، و (الفاء) تفصح عن شرط مقدر، وتقدير القول إذا كان ما يوعدون به من هذا الهول الذي لَا يُكتنه، ولا يقدر قدره من العذاب، فلا تجعلني فيهم، وأظهر في موضع الإضمار لإثبات ظلمهم، وأن ذلك العذاب هو بسبب ذلك الظلم، وهذا النص يتضمن براءة النبي ﷺ من أن يكون ظالما، وأن يكون من الأقوام الظالمين أو في صفوفهم، فإن الرضا عن الظلم كالظلم، وإن كان دونه جزاء.

стр. 7611

(وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥) يبين اللَّه تعالى أنه سيُرِي رسوله، ما وعد به الكفار من عذاب في الدنيا بالغلب والانتصار، وفي ذلك تبشير وإنذار، تبشير للنبي ﷺ بأن ما يعدهم من عذاب على أيدي المؤمنين، وأن اللَّه تعالى قادر على أن يُريه لنبيه في حياته قبل أن يمضي لربه، وقد أكد قدرته على أن يريه النبي ﷺ في هذه الدنيا أكدها اللَّه سبحانه بالجملة الاسمية و " إنَّ "، وإضافة الأمر إليه سبحانه بضمير المتكلم العظيم المعظم، وثانيا باللام، وبالوصف بقادر. . ولقد أمر الرسول إلى أن يريه عذابهم، ويحين حينه، ألا يكون غليظا فيهم، بل يدفع بالتي هي أحسن، حتى لَا يشمس نفوسهم، بل إن التبليغ يوجب عليه أن يدنيهم، ولو كانوا مناوئين، ولذا قال الحكيم العليم:

стр. 7612

ْ

стр. 7613

(ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وقد بين اللَّه تعالى لنبيه أنه في سبيل التبليغ لَا يدفع السيئة بسيئة مئلها، بل يأخذهم بالصفح، والتجاوز عن الإساءة في سبيل دعوة الحق والإيمان، فقال تعالى: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ) السيئة مفعول، (الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، أي الحال التي تكون أحسن الردود ردا مدنيا مقربا، وليس جافيا مبعدا، والتعبير بـ أفعل التفضيل معناه أن يتخير خير ما يدفع به سفه القول، وحمق الفعال من سخرية واستهزاء وتهكم بدعوته، وبالذين معه من ذكرهم بالسوء وإيذائهم وتعذيبهم، ورد الإساءة بالأمر الحسن فضيلة ذوي السلام من الرجال الصابرين، وقوله تعالى: (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفونَ)، أي نحن نعلم علما ليس فوقه علم بالأوصاف التي يصفونك بها أنت وأصحابك، فلا تأخذك هذه الأوصاف إلى أن تعاملهم بمثلها، إنك جئت هاديا داعيا إلى الحق ومرشدا، وما جئت مجافيا ولا معاديا، وبالرفق تدنيهم وبالجفوة والغلظة تقصيهم، فألفهم، ولا تخاصمهم، وأحمق الدعاة من يوجد خصومة بينه وبين من يدعوهم، فتثور أعصابهم لتقاوم دعوته، وقد بين سبحانه أن مغاضبة من يدعوهم من همزات الشياطين، فقال:

стр. 7614

(وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨) يأمر اللَّه تعالى نبيه بأن يلجأ إليه، ويعوذ به من همزات الشياطين، وأن يحضروه في معالجة الدعوة الخالصة للَّه تعالى، وتبليغ الرسالة الإلهية إلى خلقه، والهمزة: هي النخسة التي تكون من وراء، واللمزة هي النخسة التي تكون من الأمام، وهمزات الشيطان هي سورة الغضب وحدته، ونسبت إلى الشيطان؛ لأنها تكون من غير الحكمة، وأمر اللَّه تعالى نبيه بأن يستعيذ من همزات الشياطين هو أمر له بأن يدرع بالصبر وألا ينساق وراء الغضب من أفعال من يدعوهم، بل يسايرهم ويلاينهم ما لم يكن في ذلك ضياع حق أو علو بالباطل، فالأمر بالدعاء بالالتجاء إلى اللَّه من همزات الشياطين، أمر له ﵊ بأن يتئد، ويدعو

стр. 7615

بالحكمة، كما قال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. . .).

стр. 7616

(وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨) أي ألجأ إليك عائذا لائذا أن يحضر الشياطين دعوتي إلى الحق، حتى لَا أخرج عن جادة الدعوة بالتي هي أحسن، وإن هذا وما سبقه تحريض للنبي ﷺ بألطف عبارة، وأبلغ إشارة بأن يأخذ قومه بالرفق، والأناة، والمواتاة حتى لَا ينفروا، وكذلك الشأن في كل داع لأمر، أو لجديد من الحق لم يألفه الناس لَا يغاضبهم ولا ينافرهم، بل يتألفهم، ويقرب منهم، ولا يباعدهم. وقد أنذر سبحانه المشركين بأنهم سيندمون حيث لَا ينفع الندم، وأنهم يحاولون أن يصلحوا من أنفسهم حيث فاتهم الأجل وسبقهم الزمن، وما سبقهم لا يعود.

стр. 7617

(حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠) الضمير في (أَحَدَهُمُ)، يعود إلى المشركين الذين كانوا يرددون: (أَئذَا مِتْنَا وَكنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِئا لمَبْعوثونَ)، والذين كانوا يرددون (إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ)، هؤلاء إذا حضر أحدهم الموت، ورأى رهبته وأدرك معاني الآيات الكونية والقرآنية، والدعوة المحمدية، علم أنه كان في ضلال، وذكر أحدهم مع أن الأمر يعمهم؛ للإشارة إلى أن الضلال كان من اجتماعهم وتألفهم على الباطل، وتعاونهم على إثمه - (قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ) الخطاب للجماعة التي تقبض الأرواح من الملائكة، أو هو عندما يكون قاب قوسين من الموت، ينادي من حوله أو في نفسه يقول: ارجعون، كما يقول المستغيث عندما يدلهم عليه الأمر، أو تحدثه نفسه بذلك، كما قال تعالى: (وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ. . .). وقوله تعالى:

стр. 7618

(لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ... (١٠٠) أي رجاء أن أعمل صالحا فيما تركت من مال وقوة، وسلطان، وكان الرجاء والتردد لأنه لَا يضمن توفيق اللَّه، أو

стр. 7619

لأن الرجاء هو ما تقتضيه الكياسة، فهو يطلبه راجيا، وقد رد اللَّه تعالى رجاءه مكذبا له في عزمته على تدارك ما فاته، وإنما هي أمنية يتمناها ويخالفها كما كان يعد في الدنيا أنه إذا ذهب الكرب عاد إلى ربه مؤمنا، فإذا كشف اللَّه عنه الضر عاد كافرا. رد اللَّه تعالى كلامه بقوله: (كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا)، أي أن هذا الرجاء كلمة نطق بها، ولا تصادف عقيدة في قلبه، وأكد هذا بقوله تعالى: (هُوَ قَائِلُهَا) أي أنه لا يتجاوز النطق بها، ولا معنى لها في القلب، كما قال تعالى: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ. . .)، (وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثونَ) الوراء تدل على ما يستقبل أي ما يجيئهم بعد قولهم، وهذا كقوله: (وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كل سَفِينَةٍ غَصْبًا). والضمير في (وَرَائِهِم) يعود إلى جماعة المشركين، وما قاله أحدهم هو المتردد على ألسنتهم جميعا، فعاد الضمير إليهم جميعا، والبرزخ هو الحاجز المانع، قال الجوهري: البرزخ الحاجز بين الشيئين، والبرزخ ما بين الدنيا والآخرة من وقت الموت إلى البعث، وقد قالوا: إنه القبر، ونقول: هو القبر لمن يقبر، والله أعلم. * * * يوم القيامة وما فيه من حساب وعقاب قال تعالى: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤)

стр. 7620

أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١) * * * جاء في المفردات في تفسير كلمة الصور في قوله:

стр. 7621

(فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ) الصور مثل قرن ينفخ فيه فيجعل الله سبحانه ذلك سببا لعودة الصور والأرواح إلى أجسادها، أي أن البعث يكون على اللَّه يسيرا، إذ ليس إلا كنفخ القائد في البوق، فيجيء الناس بصورهم وأجسامهم، وأرواحهم تلتقي بأجسامهم بعد جمع متفرق من أماكنها التي كانت فيها متفرقة، والفاء في قوله تعالى: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ) فاء الإفصاح لأنها تفصح عن محذوف، والفاء الثانية: (فَلا أَنسَابَ بيْنهُم) الواقعة في جواب الشرط، ومعنى فلا أنساب بينهم، أي أنهم يكونون أمام اللَّه تعالى على سواء، فلا أنساب بينهم يتفاخرون بها، ويعلو بعضهم على بعض بشرفهم ولا تفاوت بينهم بسببها، إنما الأعمال هي التي تكون مناط الفخر، وسر الاستكبار: (وَلا يَتَسَاءَلونَ)، أي يكون كل في شغل بنفسه من هول اليوم العظيم، فلا يسأل المرء عن زوجه ولا عن أبيه وأخيه، وابنه، بل ترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب اللَّه شديد، وفي هذا الوقت يكون الحكم الذي ترتضَى حكومته هو العمل، وميزان الأعمال، لذا قال تعالى:

стр. 7622

(فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤) الفاء للإفصاح أيضا، وقد صور اللَّه الأعمال بأنها كالمحسوسات توزن فإن كانت جيدة يقبلها الله تعالى فإنها تكون في الميزان وتنخفض كفتها لثقلها، وإن ذلك تصوير للأعمال الراجحة المقبولة التي كانت مع الحق، ونفعت الناس، وكانت صالحة، وهذا تأويل حسن للميزان، بأنه تصوير دقيق للعدالة الربانية التي لَا تبخس الناس أشياءهم، ولا تنقص الناس أعمالهم، والسلفيون الذين لَا يؤولون، ولا يفسرون ويقولون: إنه يكون يوم القيامة ميزان حقيقي توزن به الأعمال. وقد قال تعالى في جزاء الذين يقبل اللَّه أعمالهم، ويكافئهم عليها (فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الإشارة إلى ذوي الأعمال الطيبة التي عرفت بالميزان أو كان ذكر الميزان تصوير للعدالة ودقة الحساب، أي أولئك بسبب هذه الأعمال، والإشارة إليهم موصوفين بعملهم هم المفلحون أي الفائزون بالجنة ونعيمها، ورضوان اللَّه تعالى، وهو أكبر، وفي الكلام قصر، أي هم الفائزون وحدهم، ولو كانوا في الدنيا ضعفاء، وأرقاء ومساكين، وغيرهم عتاة مستكبرون، وقد دل على القصر تعريف الطرفين فإنه يفيد القصر، على ما هو معروف في علم البيان، وقد تأكد القصر بضمير الفصل، و (هُمُ). هذا جزاء من ثقلت موازينه، أما من خفت موازينه، فقد قال سبحانه فيه:

стр. 7623

(وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) وإن ذلك تصوير لعدل اللَّه تعالى الذي لَا يظلم أحدا، فهو كالميزان الذي توضع فيه الأعمال، فلا يظلم أحد شيئا، أو يكون ثمة ميزان حقيقي، كما يقول السلفيون الذين يقولون: إن السلف لَا يؤول، ولكن يفوض، ويقول ثمة ميزان يناسب اليوم الآخر، وقد ذكر اللَّه تعالى لهم عقابهم، وهو مكون من ثلاثة:

стр. 7624

أولها - أنهم خسروا أنفسهم، فقد خسرا المعاني الروحية التي كانت ترفعهم من دركة الحيوانية إلى مرتبة الإنسانية، وخسروا العزاء النفسي الذي كان يكشف عنهم ضراء الحياة ويجعلهم يحتملونها، وخسروا الإيمان الصادق باللَّه فهو نعمة لا يحس بها إلا المؤمنون. ثانيها - العذاب الشديد الذي ينزل بهم، وهو الدخول في جهنم، ولهذا قال اللَّه تعالى فيه: (فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ) وقدم الجار والمجرور؛ لبيان اختصاص جهنم بخلودهم فيها، أي خالدون في جهنم لَا في غير، فليس عندهم في هذا الخلود قسمة من نعيم. والعنصر الثالث - من الجزاء ذكره بقوله تعالى:

стр. 7625

(تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤) هذه أوصاف جهنم أو ما يصيب الذين ينزلون فيها ويخلدون، ولفح: معناها أصابتهم بحَرّها وسمومها، فأجسامهم حطبها، ووجوههم تصاب بحرها وسمومها، ويقال: لفحته بالسيف إذا ضربته به، فهم في عذاب دائم مستمر لَا يسلم منه جزء من أجسامهم (وَهُمْ فِيهَا كالحُونَ) وعن ابن عباس في تفسير (وَهُمْ فِيهَا كالحُونَ) يريد كالذي كلح، وتقلصت شفتاه، وسالَ صديده، والمعنى الجملي، تشوي وجوههم النار، وتتقلص شفاههم وتعبس، ويقال: إن الكالح هو الذي تقلصت شفتاه، وبدت أسنانه، وفي الجملة شاهت منهم الوجوه وتحرقت الأجسام ويقول لهم ربهم وهم في هذه الحال.

стр. 7626

(أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥) الاستفهام داخل على حرف نفي، وهو للإنكار بمعنى عدم الوقوع، ونفي النفي إثبات، والاستفهام مع دلالته على النفي فيه توبيخ وتذكير بجرائمهم، وجحودهم بالحق، وهو أبلج، والمعنى قد كانت آياتي تتلى عليكم، والواضح أنها آيات القرآن، لأنها هي التي تتلى مرتلة، كما أنزلها اللَّه تعالى على نبيه محمد ﷺ ،

стр. 7627

وأضاف الآيات إلى ذاته العلية؛ لأنها آياته إذ هو كلام اللَّه تعالى، وهو تشريف لها، وبيان عظم جرمهم في تكذيبهم، إذ يكذبون اللَّه ، وقوله تعالى: (فَكُنتُم) و (الفاء) للترتيب والتعقيب، أي فكنتم فور تلاوتها تسارعون بالتكذيب من غير تأمل وتدبر، وإنهم يكذبونها ويكذبون النبي ﷺ مع إقامته الحجة، وعجزهم عن أن يأتوا بمثله، ويكذبون اللَّه تعالى منزل الخلق، والذي خاطب خلقه، وعدَّى التكذيب بالباء للإشارة إلى أن موضوع التكذيب آيات اللَّه، أي أنهم كذبوا النبي، وكان موضوع تكذيبهم آيات اللَّه تعالى خالق كل شيء. وقد أجاب المشركون يوم القيامة:

стр. 7628

(قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) قالوا يوم القيامة عارفين ربهم مخاطبين له بلفظة: (رَبَّنَا) إذعانا لمعنى الربوبية الذي كانت أعمالهم منكرة له، والشِّقوة بكسر الشين كرِدة، معناها الشقاوة والشقاء وهو ضد السعادة، ولعل المراد بالملاذ والأهواء والشهوات الجامحة فهي التي غلبت عليهم وأنستهم أنفسهم والحق، ويكونون قد عبروا عن المسبب وأرادوا السبب على سبيل المجاز المرسل، وكأن المعنى سيطرت علينا ملاذنا التي أدت بنا إلى هذا الشقاء، وقد صرحوا بذلك وبانها أدت بهم الشهوات إلى الضلال فقالوا: (وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ)، أي استمررنا ضالين؛ لأن " كان " تدل على الاستمرار، أي عشنا حياتنا كلها ضالين الحق مجانبين الصواب، وذكر (قَوْمًا) للدلالة على أنهم تعاونوا على الإثم والعدوان، وقاوموا الحق، وضلوا مجتمعين. أقروا بضلالهم، ولكنهم حسبوا أنهم إن عادوا أصلحوا من أمرهم، قالوا:

стр. 7629

(رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) ابتدءوا متضرعين متقدمين في ندائهم بالربوبية الكالئة معترفين (أخرجنا منها) الضمير يعود إلى الجحيم، على ألا يعودوا إلى ما كانوا عليه من كفر وفساد في الأرض، وخروج عن كل جادة مستقيمة (فَإِنْ عُدْنَا)، أي إلى ما كنا عليه من شرك

стр. 7630

وعصيان، (فَإِنَّا ظَالمُونَ) الفاء واقعة في جواب الشرط، حكموا على أنفسهم بأنهم يكونون ظالمين، أي يكون الظلم وصفا مستمرا لهم، وكأنَّهم يومئون إلى أنهم لم يكونوا ظالمين من قبل، أو كأنهم لم يعدوا الإعلام السابق عن طريق النبيين ليس معدودًا في الإعلام، وكأنَّه لَا إعلام إلا بالعذاب، وقال تعالى: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ. . .). أجابهم اللَّه في ذلك بقوله:

стр. 7631

(قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) القائل كما يظهر من ثنايا القول هو اللَّه جل حلاله، (اخْسَئُوا) أي ابعدوا (وَلا تُكَلِّمُونِ)، ياء المتكلم محذوفة والمعنى " لا تكلموني "؛ وذلك لأن كلام اللَّه تعالى منزلة من الرضا لَا يصل إليها إلا الأبرار المتقون الذين يكلمهم اللَّه وينظر إليهم ويزكيهم، أما هؤلاء فهم مطرودون من رحمته محرومون من رضاه، وذلك رد عنيف لطلبهم أن يخرجوا كأنهم يخدعون ربهم، وحالهم في الدنيا كاشف، وقد كانوا يتضرعون في الشديدة فإذا عادوا كأن لم يتضرعوا من قبل. وقد ذكر سبحانه أسوأ أحوالهم، وهي السخرية ممن يتضرعون إلى اللَّه تعالى، فقال:

стр. 7632

(إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) وإن الله تعالى ليذكرهم بأعمالهم مع المؤمنين الذين كانوا يضرعون إلى الله تعالى، ويرجون رحمته، ويخافون عذابه، فيقول: (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ منْ عِبَادِي) هذه الجملة في مقام التعليل لإبعاد المشركين وطردهم، ومنعهم من الكلام معه، أي أنه يعاملهم يوم القيامة بهذه المعاملة البعدة الطاردة جزاء وفاقا لما كانوا يعملونه مع المؤمنين، والفريق من عباده هم فريق المؤمنين الذين كانوا يؤمنون به وبرسله ويضرعون إليه، يقولون: (رَبَّنَا آمَنَّا)، أي صدقنا وأذعنَّا، وصرنا ممن اتبعوا رسولك، (فَاغْفِرْ لَنَا).

стр. 7633

وشأن المؤمن الضارع أن يحسب أن ذنوبه قبل حسناته، فيطلب الغفران قبل طلب الجزاء على الطاعة؛ لأنه يحس أنه لم يقم بحق اللَّه تعالى عليه، حتى يطالب بحق له، (وَارْحَمْنَا)، أي امنن علينا بدوام الهداية، وأدخلنا في رحمتك، دعوا اللَّه تعالى أن يرحمهم ولم يدعوه بأن يكافئهم، بل يحسبون كشأن الأبرار أن ما كان يجزيهم به من خير فهو فضل رحمته ورضوانه، ولا يحسبون أنهم عملوا ما يستحقون عليه جزاء، (وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ)، أي وأنت الذي ترحم رحمة ليس فوقها رحمة يا رب العالمين. ماذا كان لقاء المشركين لهؤلاء المؤمنين؛

стр. 7634

(فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) الفاء للإفصاح عن شرط مقدر، أي إذا كانوا على هذه الضراعة، فلم يقتدوا بهم ويأتسوا، بل اتخذوهم سخريا. . قرئ بضم السين، وقرئ بكسرها (١)، وفرق بعض اللغويين بأن القراءة بالضم معناها التسخير، وبالكسر معناها الاستهزاء، ولا يعرف هذه التفرقة الخليل بن أحمد ولا سيبويه ولا الكسائي ولا الفراء بل هما لغتان بمعنى واحد، ولقد كان المشركون يسخرون من الذين آمنوا، وقوله تعالى: (حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي)، أي أن هذه السخرية جعلتهم لَا يلتفتون إلى معاني الذكر الحكيم، ولا يتدبرون آياته، ولا يعتبرون بعبره، وإنه بسبب هذا كله ينسون ذكر اللَّه تعالى فلا تمتلئ قلوبهم به، ولا يخشونه، (وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ)، أي كنتم أيها المشركون الساكنون في جهنم تضحكون منهم، والضحك يميت القلب، ولا تكون معه عبرة ولا استبصار.

стр. 7635

(إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١) قرئ بفتح همزة (أن) (١) وتكون مجرورة بلام محذوفة، والمعنى إني جزيتهم
следующие страницы →