(قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)
القائل كما يظهر من ثنايا القول هو اللَّه جل حلاله، (اخْسَئُوا) أي ابعدوا (وَلا تُكَلِّمُونِ)، ياء المتكلم محذوفة والمعنى " لا تكلموني "؛ وذلك لأن كلام اللَّه تعالى منزلة من الرضا لَا يصل إليها إلا الأبرار المتقون الذين يكلمهم اللَّه وينظر إليهم ويزكيهم، أما هؤلاء فهم مطرودون من رحمته محرومون من رضاه، وذلك رد عنيف لطلبهم أن يخرجوا كأنهم يخدعون ربهم، وحالهم في الدنيا كاشف، وقد كانوا يتضرعون في الشديدة فإذا عادوا كأن لم يتضرعوا من قبل.
وقد ذكر سبحانه أسوأ أحوالهم، وهي السخرية ممن يتضرعون إلى اللَّه تعالى، فقال:
стр. 7632
(إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩)
وإن الله تعالى ليذكرهم بأعمالهم مع المؤمنين الذين كانوا يضرعون إلى الله تعالى، ويرجون رحمته، ويخافون عذابه، فيقول: (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ منْ عِبَادِي) هذه الجملة في مقام التعليل لإبعاد المشركين وطردهم، ومنعهم من الكلام معه، أي أنه يعاملهم يوم القيامة بهذه المعاملة البعدة الطاردة جزاء وفاقا لما كانوا يعملونه مع المؤمنين، والفريق من عباده هم فريق المؤمنين الذين كانوا يؤمنون به وبرسله ويضرعون إليه، يقولون: (رَبَّنَا آمَنَّا)، أي صدقنا وأذعنَّا، وصرنا ممن اتبعوا رسولك، (فَاغْفِرْ لَنَا).
стр. 7633
وشأن المؤمن الضارع أن يحسب أن ذنوبه قبل حسناته، فيطلب الغفران قبل طلب الجزاء على الطاعة؛ لأنه يحس أنه لم يقم بحق اللَّه تعالى عليه، حتى يطالب بحق له، (وَارْحَمْنَا)، أي امنن علينا بدوام الهداية، وأدخلنا في رحمتك، دعوا اللَّه تعالى أن يرحمهم ولم يدعوه بأن يكافئهم، بل يحسبون كشأن الأبرار أن ما كان يجزيهم به من خير فهو فضل رحمته ورضوانه، ولا يحسبون أنهم عملوا ما يستحقون عليه جزاء، (وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ)، أي وأنت الذي ترحم رحمة ليس فوقها رحمة يا رب العالمين.
ماذا كان لقاء المشركين لهؤلاء المؤمنين؛
стр. 7634
(فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠)
الفاء للإفصاح عن شرط مقدر، أي إذا كانوا على هذه الضراعة، فلم يقتدوا بهم ويأتسوا، بل اتخذوهم سخريا. . قرئ بضم السين، وقرئ بكسرها (١)، وفرق بعض اللغويين بأن القراءة بالضم معناها التسخير، وبالكسر معناها الاستهزاء، ولا يعرف هذه التفرقة الخليل بن أحمد ولا سيبويه ولا الكسائي ولا الفراء بل هما لغتان بمعنى واحد، ولقد كان المشركون يسخرون من الذين آمنوا، وقوله تعالى: (حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي)، أي أن هذه السخرية جعلتهم لَا يلتفتون إلى معاني الذكر الحكيم، ولا يتدبرون آياته، ولا يعتبرون بعبره، وإنه بسبب هذا كله ينسون ذكر اللَّه تعالى فلا تمتلئ قلوبهم به، ولا يخشونه، (وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ)، أي كنتم أيها المشركون الساكنون في جهنم تضحكون منهم، والضحك يميت القلب، ولا تكون معه عبرة ولا استبصار.
اليوم الذي تعذبون فيه هذا العذاب الأليم بسبب صبرهم على سخريتكم، وعلى الإيذاء الذي تؤذونهم، وكان ذلك الجزاء اليوم، أي في الوقت الذي تكونون فيه في الجحيم يكون هؤلاء الذين كنتم تتخذونهم سخريا، وكنتم منهم تضحكون في نعيم مقيم، ورضوان من اللَّه تعالى ينظر إليهم، ويكلمهم، ويزكيهم.
وعلى قراءة كسر همزة " إنَّ " (١) تكون (إن) جملة في معنى تعليل الجزاء، أو بيانه، (إِنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزونَ) (٢) أي هم وحدهم الفائزون، ودل على القصر تعريف الطرفين، والتأكيد بضمير الفصل، والجملة فيها عدة تأكيدات، فهي مؤكدة بـ " أن "، وبالجملة الاسمية، وبـ " هُم "، واللَّه سبحانه رءوف رحيم.
* * *
مدة البقاء فى الأرض
قال تعالى:
(قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)
* * *
стр. 7637
إن هذه الدنيا مع أدوارهم فيها من أجنة في الأرحام إلى الخروج من بطون أمهاتهم أطفالا فشبابا فكهولا يكون الإحساس بها، كأنها يوم أو بعض يوم؛ ولذا يسألون يوم القيامة عن مدة مكثهم
стр. 7638
(قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ)، أيَّ مدة بقيتم في الأرض قد اتخذتموها مهادا وفراشا وأفسدتم بها مما أفسدتم، وعادين ذلك بالسنين (عَدَدَ سِنِينَ) هذا بيان لأصل الاستفهام بعد نوع إيهام، أي كم لبثتم من عدد السنين، فالسؤال عن عدد السنين، لَا عن عدد الشهور والأيام؛ لأنهم في ذلك الوقت يكونون قرب الخروج من أرحام الأمهات أطفالا، فالسؤال عن وقت وعيهم وهو يكون بالسنين.
وقد أجابوا: بأنهم مكثوا يوما أو بعض يوم، لأنهم كانوا فيها يتمتعون ويرتعون في الحرام فكانت قصيرة في نظرهم، ولذا قالوا:
стр. 7639
(قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣)
(الفاء) للإفصاح، أي أنهم يجهلون عدد السنين فلا يستطيعون الإجابة، وأحسوا بأن الذي يسألهم عنده وسائل المعرفة، وعده عليهم من سنين حياتهم في الدنيا، كما أحصى أعمالهم، ووجدوها محضرة، فمن أحصى الأعمال لابد أن يعرف عدد السنين؛ ولذا (فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ)، أي الذين من شأنهم أن يعدوا ويحصوا.
وقد أكد سبحانه أنهم ما لبثوا إلا قليلا، والقلة بالنسبة للآخرة، ولذا قال عز من قائل:
стр. 7640
(قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤)
(إِن) نافية، أي ما لبثتم إلا زمنا قليلا؛ لأن الدنيا متاع قليل غير باق، والآخرة خير وأبقى، فمهما تطل الآجال في الدنيا فهي فانية، والفاني قليل إذا وزن بالباقي الذي لَا يفنى، وذلك ما لم يكونوا يعلمونه إذ كانوا يقولون ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا، وما نحن بمعوثين؛ ولذا قال تعالى: (لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)، أي لو ثبت وقَرَّ في نفوسكم أنكم كنتم تعلمون حقيقة هذه الدنيا، وأنها معبر طال
стр. 7641
زمنه أو قصر إلى حياة دائمة باقية، إما أن تكون عذابا مستقرا أو فانية أو نعيما باقيا، و (لو) - حرف امتناع لامتناع، أي امتنع علمكم في الآخرة لامتناع علمكم في الدنيا بأنها سنون قليلة بالنسبة للآخرة، وقد أكد نفي علمهم بـ (إن)، وبـ " كان "، وللَّه في خلقه شئون، وقد انتفى علمهم، لأنهم حسبوا أنه لَا حياة بعد الموت؛ ولذا قال عز من قائل:
стр. 7642
(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)
قلنا: إن الآية السابقة فيها إيماء إلى أن الحياة الدنيا أمدها قصير بالنسبة للآخرة، وإنها لجنة أبدا ولنار أبدا، وإن ذلك مع ما سبق يتبين أنه لابد من البعث، وأن حكمة الخلق والإيجاد للإنسان لَا تتحقق إلا به، ولذا قال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا) (الفاء) تفيد ترتيب السؤال على ما قبلها، وهي مؤخرة عن تقديم،؛ لأن أداة الاستفهام لها الصدارة، والاستفهام للاستنكار أي إنكار ما وقع، فهم حسبوا ذلك، وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين، و (أَنَّمَا) أداة حصر، أي ما خلقناكم إلا عبثا، أي من غير حكمة باهرة ظاهرة، والعبث أي من غير حكمة من الله تعالى، وعبثا منكم أي خلقناكم لتعبثوا من غير طلب مطلوب منكم، ولا غاية تتجهون إليها، لتلهو أو تلعبوا وتقولوا وما الحياة الدنيا إلا لهو ولعب، ولا محاسب يحاسبكم، (وَأَنَّكمْ إِلَيْنَا لَا ترْجَعونَ) الواو عاطفة أي وحسبتم أنكم إلينا لَا ترجعون لتحاسبوا على ما كان منكم من لهو عابث، وتقديم الجار والمجرور يدل على الاختصاص والتهديد بالرجوع إليه وحده بحيث لَا يكون معهم شفيع يشفع، ولا وَلي يناصر، ولا فدية تعطى، بل يؤاخذ كل على ما فعل، إن قليلا، وإن كثيرا، وإن خيرا، وإن شرا، وأكد رجوعهم إليه، بالجملة الاسمية، وبتصديرها بـ (إن) الدال على التحقيق، والله أعلم.
(فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)
стр. 7643
الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإنه يترتب على ما ذكر من خلق الإنسان والكون كله أن يكون في علو لَا يتسامى إليه أحد في الوجود، وقد وصفه سبحانه بصفات خمس هي لَا تكون إلا له سبحانه؛ إذ هو كامل الوجود، وتلك صفات كامل الوجود، وليست إلا له:
الأولى - أنه سبحانه له وحده الملك والسلطان، ولا سلطان فوق رب العالمين.
والصفة الثانية - أنه الحق الثابت الدائم، الذي لَا ثبات لغيره، وملكه قائم على الحق والعدل؛ لأنه قام على كونه خالق الوجود كله، وهو ربه، فهو الملك وهو الحق، وهو قائم على دعائم الحق، ويحكمه بالعدل.
والصفة الثالثة - أنه هو اللَّه وحده فلا إله غيره؛ ؛ لأنه إذا كان الخالق وحده، وله الملك وحده، فهو الإله وحده، وقد أشرنا من قبل إلى أن العرب كانوا يعترفون بأن اللَّه وحده خالق كل شيء، وأنه واحد في ذاته وصفاته، ولكن عند العبادة يعبدون الأوثان، فاللَّه سبحانه يبين أن الخلق ووحدة الذات توجبان وحدة الألوهية.
الصفة الرابعة - أنه رب العرش، أي صاحب السلطان وحده في الدنيا والآخرة فلا سلطان لشخص أو حجر، إنما السلطان له وحده في الدنيا والآخرة.
الصفة الخامسة - أنه الكريم الذي فاض بنعمه الظاهرة والباطنة على الوجود كله، ويغفر ويرحم، والذي يقبل التوبة عن عباده، كما قال عز من قائل: (اِنِّي لَغَفَّارٌ لمِن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالحَا ثُمَّ اهْتَدَى).
وإن المشركين لَا برهان عندهم على أن ما يعبدونه استحق العبادة؛ ولذا قال تعالى: (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)
стр. 7644
(وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ)، أي يعبد مع اللَّه إلها آخر بزعمه من بشر أو حجر " لا برهان له به " أي بعَدِّه إلها، أو باستحقاقه لصفة الألوهية، فالضمير في (بِهِ) يعود على (إِلَهًا آخَرَ)، ونفي البرهان يقتضي أولا أنه لَا برهان على وجوده بحيث يكون نافعا ضارا، وينفي ثانيا: استحقاقه للعبادة، لأن من يعبده أعلى تكوينا منه في كثير من الأحيان، فالإنسان يعبد حجرا، وهو يسمع ويبصر، والحجر لَا يسمع ولا يبصر ولا حياة فيه، بل هو جماد، وإذا كان لَا برهان يسوغ عبادته، فإنما الوهم لَا العقل هو الذي سهل هذه العبادة، وقال تعالى في جواب الشرط: (فَإِنَّمَا حِسَابُه عِندَ رَبِّهِ) (الفاء) واقعة في جواب الشرط، (إنما) للحصر، أي لَا يحاسبه إلا ربه، وفي ذلك إنذار شديد بالعقاب الأليم فحسابه عند ربه الذي خلقه، وقام عليه، وهو القاهر فوق عباده، ثم قال تعالى: (إِنَّه لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) وهذه الجملة في بيان نتيجة الحساب وهو أشد العقاب، والضمير في (إِنَّهُ) ضمير الشأن، أي أن الحال والشأن لا يفلح الكافرون لكفرهم، ولن يغني عنهم شيء.
стр. 7645
(وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)
الخطاب للنبي ﷺ يطالبه بأن يدعو ربه ضارعا إليه بالغفران والرحمة فهو (خَيْرُ الرَّاحِمِينَ) أي الرحمن الذي لَا يصل إلى رحمته أحد وقد طلب أن يغفر من غير ذكر المغفور له، وطلب أن يرحم من غير ذكر من يُرحم، وذلك لشمول من يطلب الغفران لهم، والرحمة لهم، فهو الغفور الرحيم الذي سبقت رحمته عذابه، وفى ذلك الطلب من النبي ﷺ تصفية لنفسه من شوائب الحقد، والحسد، ليدني من يدعوهم، ولا يجافيهم، فإن الجفوة تبعد، والرحمة تقرب، إن اللَّه غفور رحيم.
* * *
стр. 7646
(سُورَةُ النُّورِ)
تمهيد:
هذه سورة مدنية وعدد آياتها (٦٤) أربع وستون آية، وسميت النور لقوله تعالى فيها: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ. . .)، وإنها لو سميت سورة الأسرة لكانت جديرة بهذا الاسم.
وقد ابتدأ بما هو آفة الأسرة، وحمايتها منه، وهو الزنى، فكان أولها - عقوبة الزناة التي تحمى الأسرة والمجتمع من أشراره (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣).
وأراد الله تعالى أن يكون المجتمع الإسلامي مجتمعا نزيها لَا يترامى بالسوء والفاحشة صيانة للفضيلة، ونصاب الشهادة بالزنى أربعة، فمن رمى محصنة أو محصنا بالزنى يجلد ثمانين جلدة.، فقال: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)
قرر سبحانه عقوبة مادية بالجلد ثمانين جلدة، وعقوبة أدبية تبعية، وهي ألا تقبل لهم شهادة أبدا.
стр. 7647
ولكن قد يرمي الرجل زوجه، وليس معه شهود أربعة، فأوجب اللعان، بأن يتحالفا على البراءة، وقد قال تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)، وإن ذلك فضل من الله ورحمة لأنه حمى المجتمع والأسرة من تلك الآفة الخلقية المخربة، ولأنه منع قول الزور وأن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا.
وقد أشارت السورة إلى حديث الإفك على أم المؤمنين عائشة ﵂ وعن أبيها، فقال عز من قائل: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١)، وعلمنا الأدب عندما نستمع خبر سوء فلا يجوز لنا أن نذيعه بل نظن خيرا بالمؤمنين وخصوصا ما يتعلق ببيت الرسول: (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣).
وإن هذا كان جرما عظيما؛ لأن رمي المحصنات أمر عظيم، ورمى زوج النبي ﷺ جرم هو أعظم الحرام، ويقول سبحانه: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧)، وإن إشاعة قول السوء عن أم المؤمنين تؤدي إلى إشاعة الفاحشة في المؤمنين (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠)
ويبين لنا سبحانه أن الخوض في مثل هذا من تتبع خطوات الشيطان.
стр. 7648
وينهانا سبحانه عن ذلك، فيقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ. . .).
والأسر لابد فيها من التراحم، ولو كان بعض آحادها قد شذ، كما شذ بعض ذوي قرابة أبي بكر الذي كان يمده بفضل ماله، فخاض في حديث الإفك على عائشة، فمنعه أبو بكر من فضله، فقال الله تعالى ناهيا أبا بكر، ومن يكون في مثل حاله: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)، وقد بين سبحانه بعد ذلك إثم الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات، (. . . لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥).
وإن الله لَا يختار لنبيه إلا الطيب من النساء؛ لأن الطيبات للطيبين والخبيثات للخبيثين، والنبي وزوجه مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم، وقد بين حرمة البيوت، وتحريم التهجم على الأسرة بغير إذن (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨)، ويفصل سبحانه بدقة لأحوال الاستئذان، فيقول:
(لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٢٩).
بعد ذلك أقر الله تعالى بعض الطرف للرجال والنساء، (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠)
стр. 7649
وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)، ويحث على إنكاح الأيامى غير المتزوجات، والصالحين من العباد ولو كانوا فقراء، وإن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله، ونهى عن البغاء ووسائله، ونهى عن إكراه الإماء على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا، (. . . وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رحِيمٌ).
وتنتقل الآيات إلى تطهير المجتمع على نور من أحكام الله تعالى، وقد ابتدأ بذكر نوره سبحانه، فقال جل شأنه: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥).
وإن صلاح المجتمع يبتدئ من بيوت العبادة: بالصلاة، فهي طهارة القلوب، والمجتمع الصالح ما قام إلا على طهارة النفوس، فذكر المساجد ومكانتها عند الله فقال تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨).
وقد بين بعد ذلك أن أعمال الكفار في ضياع ما داموا لم يؤمنوا بالله واليوم الآخر، وقد شبهها بعدة تشبيهات، فشبهها
سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢).
ومن ضعفاء الإيمان من يقسمون بالله إنهم لمعهم، فيقول لهم الله تعالى: (. . . لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٥٣) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)، وبين من بعد ذلك (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥)، ويأمر سبحانه تعالى بعد ذلك بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة وطاعة الرسول رجاء رحمة الله، ويبين بعد ذلك أنه لا يعجزه المشركون في الأرض، ولكن يمهلهم، ومأواهم بعد الإمهال جهنم وبئس المصير.
بعد هذه الآيات المتعلقة بالإيمان، وأخلاق ضعفاء الإيمان ومن في قلوبهم مرض والمشركين، يعود إلى الأسرة وآداب الاستئذان، وقد تكلم في الاستئذان بالنسبة للداخلين في بيوت غير بيوتهم، ثم من بعد ذلك تكلم في استئذان الساكنين من الأسرة في دار واحدة في الاستئذان على الأسرة نفسها في الدخول إلى الحجرات المخصصة للرجل وزوجه فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨).
الأطفال البالغون الحلم علَّمهم الاستئذان ككل آحاد الأسرة، لَا في أوقات العورات فقط، ولا تترك الآيات أحكام القواعد من النساء اللاتي لَا يرجون نكاحا أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة، وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم.
(سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا)، وذكرها منكرة لإعلاء شأنها، وحسبها أنها منزلة من عند الله، واختصت بذكر أنها أنزلت من عند الله، وقوله: (وَفَرَضْنَاهَا)، أي فرضنا ما فيها من أحكام تتعلق بحماية الأسرة وعقاب المعتدين على النسل فيها، ولكيلا يتمرد على أحكامها أحد، فهي أحكام مفروضة من عند الله، وهي تطهير للعباد من إثمهم، وكما شرف الله تعالى السورة كلها بنسبة إنزالها إليه، شرف آيات الأحكام فيها بالإنزال؛ تأكيدا للإلزام بأحكامها، والتزام أحكامها، ولو كانت شديدة فهي شديدة على المعتدين، وحفظ للمؤمنين، وقوله تعالى: (وَفَرَضْنَاهَا)، أي فرضنا ما اشتملت عليه من أحكام، وأولها وأشد عقوبة: الزنى، وقوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، أي تذكرون أحكامها، وتعرفون شدتها، فتعرفون قبح الجريمة، وأثرها في المجتمع الإسلامي، وأنها لَا تكون في قوم إلا كتبت عليهم الذلة، والضعف والاستسلام، والخنوع.
стр. 7655
وقد ابتدأ من ذلك بحكم من يرتكبون هذه الجريمة المفرقة بين الجماعات، المضيعة للنسل، فقال تعالى:
стр. 7656
(الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) الزنى هو وضع النطفة في رحم غير حلال له، أو بشكل عام: وضع العضو في عضو ليس حلالا له، والزنى أقبح الجرائم التي تفتك بالجماعات الإنسانية، ولذا قرن النهي عنه بالقتل إذ يقول سبحانه: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١) وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢) وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣).
وترى النهي عن الزنى جاء بعد النهي عن
الوأد؛ لأنه من بابه، وإذا كان الوأد قتلا للولد، فالزاني كذلك؛ لأنه يرمي النطفة، ولذا لوحظ في الأمم التي تكثر فيها الفاحشة، أنها تفنى شيئا فشيئا، وأن شيوع الزنى في أمة يضعف قوتها ونخوتها ويجعلها جماعة لاهية لاعبة.
وهذه الجريمة لما فيها من فحش، وإضعاف لقوة الأمة، وإردائها في مهاوي الهلكة شدد الله تعالى عقوبتها، فقال: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) وهنا ثلاث إشارات بيانية: أولاها: في تقديم الزانية على الزاني، قالوا: لأن قوة الشهوة الدافعة إلى الزنى عند المرأة أقوى، وربما لَا نوافق على ذلك كثيرا؛ لأن الرجل يطلب في أكثر الأحيان، والمرأة لَا تطلب الرجل إلا قليلا، وإن حدثتها نفسها فإن الحياء يكفها إلا إذا خلعته، وقد نقول: إنها إن طلبها الرجل ولم تكن مؤمنة سارعت إليه، ونقول في تعليل ذلك إن العقوبة قاسية، وقد قدمت المرأة لكيلا يمتنع أحد عن إقامة الحد بدعوى ضعفها، والشفقة عليها والرفق بها؛ لأنها من القوارير.
ثانيتها: أن كلمة الزاني والزانية وصف بالزنى، وذلك يكون في أكثر الأحوال من تعوّد هذه الجريمة، ولذلك لَا يكون إلا ممن أعلن هذه الجريمة الفاحشة ولذلك
стр. 7657
كان لابد من شروط لإقامة هذا الحد: أن يشهد أربعة بها، ولا يكون ذلك إلا إذا كانت الجريمة معلنة مجاهرا بها، وذلك لَا يكون إلا ممن تعودوا هذه الجريمة، وقد يكون الزنى في أول أمره، ولكن يندر أن يحضره أربعة من الرجال العدول، ومع ذلك يطبق الحكم سدا للذريعة.
ثالثتها: أن التعبير عن الضرب بالجَلْد للإشارة إلى أنه يؤلم الجِلْد، وذلك بأن يكون الضرب قريبا من الجلد، فلا يستره إلا ثوب عادي، ولا يضرب على حشوة من قطن أو نحوه.
والفاء في قوله تعالى: (فَاجْلِدُوا) هي الفاء الواقعة في جواب الشرط، والتعبير بـ (زانية وزان) يفيد أن من يرتكب هذه الجريمة فاجلدوهم مائة جلدة.
وهذه هي العقوبة الأولى، وقد تبعتها عقوبة أخرى، وهي أن تكون هذه العقوبة في العلن لَا في السر، ولذا قال تعالى: (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ منَ الْمُؤْمِنِينَ)، أي ليحضر العقوبة التي هي (عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ منَ الْمُؤْمِنِينَ)، وما حد الطائفة، قيل: اثنان. وقيل: أربعة، ونقول إنها الطائفة التي يكون بها الإعلام، بأن تكون العقوبة في مكان تكون فيه علنية لَا سرية، وسمى الله هذه العقوبة عذابا؛ لأنها عذاب الدنيا، ووراءها عذاب الآخرة، إن لم يتوبا توبة نصوحا؛ ولأنها قاسية غليظة، والرحمة بالجاني تشجيع على الجناية، والغلظة في عقابه رحمة بالجماعة الإنسانية.
ولغلظة العقوبة قال تعالى: (وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) الرأفة انفعال نفسي يدفع إلى الشفقة والألم والتقزز منها والاستنكار النفسي لها، فلا يصح أن تكون الرأفة هي المسيطرة، وعبر عن ذلك بقوله: (وَلا تَأخُذْكم بِهِمَا رَأْفَةٌ)، أي لا يصح أن تستولي عليكم حتى يقال: إنها أخذتكم، فالرأفة بالجاني استهانة بالحكم وتشجيع عليه كما ذكرنا.
وألفاظ الآية الكريمة عامة، وأجمعوا على أنها تطبق على البكر، أي غير المتزوج، أي غير المحصن الذي أحصن بالزواج ودخل في هذا الزواج.
стр. 7658
وإنه من المقررات الشرعية أنه لَا يخصص اللفظ إلا بمخصص في قوته، والحنفية يعدون العام قطعي الدلالة، وهو الذي عرضناه، فلا يخصصه إلا قطعي مثله قرآنا أو سنة مشهورة تبلغ مبلغ القرآن في قطعيته، والآية - بلا ريب - قطعية السند؛ لأن القرآن كله متواتر، ومن أنكر ذلك فقد كفر.
ولذا كان لابد أن يكون ما يخصصه من نصوص قطعي السند قطعي الدلالة، وقد ادعى الحنفية أن حديث رجم الزاني، وإن كان حديث آحاد فهو مشهور، والشهرة ادعاء له.
ومن أجل أن نبين مقام هذه الآيات من الآيات الواردة في عقوبة الزنى، نذكر أن قبلها ثلاث آيات في ترتيب المصحف، وننبه أننا لَا نرى في القرآن منسوخا قط؛ لأنه سجل الشريعة الذي سجلت الأحكام الدائمة الباقية في تكليفها إلى يوم الدين.
الآيتان الأوليان
(وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦).
دلت هاتان الآيتان على ثلاثة أمور باقية: أولها: أن الشهادة على الزنى تكون: بأربعة، ولذا قرر قبل هذا المنع الحاجز الصائن الاستشهاد بأربعة، والإمساك في البيوت لحماية الضعفاء من العبث حتى الموت أو الزواج، وهو السبيل الذي جعله الله تعالى لصيانتهن، وليس الحد سبيلا، ثانيها: العقوبة للزاني والزانية، ولكنه ذكر العقوبة مجملة، بينتها آية سورة النور التي نتكلم في معانيها، فالإيذاء في سورة النساء مجمل بينته سورة النور، ثالثها: أن التوبة إذا كانت وجب الإعراض عن العقوبة، ولذا قال عز من قائل: (فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا) وتكون العقوبة شرعا محكما إذا لم يتوبا، وتكون العقوبة في سورة
стр. 7659
النساء شرطها عدم التوبة في وقتها، وبذلك قال الحنابلة والظاهرية ورواية عن الشافعي ﵁.
ومن أخطاء بعض المفسرين الواضحة تفسيرهم " اللاتي يأتين الفاحشة " بأنها السحاق، فإن البقاء في البيوت تمكين لها، ولا الفاحشة في الآية الثانية باللواط، فإن ذلك ينفر منه الذوق السليم، والفاحشة تكاد تكون محصورة في الزنى، وقد قيل: إن ثمة آية تقول (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة) ونسخت تلاوة، ولم تنسخ حكما، وهذه رواية بطريق الآحاد، وإن ادعيت شهرة الخبر (١).
وقد يقول قائل: إن الرجم أقسى عقوبة في الأرض فكيف يثبت ما دونها بالقرآن القطعي بدلالته وسنده، ولا تثبت تلك العقوبة الغليظة إلا بحديث آحاد، وإن ادعيت شهرته، والاعتراض وارد، ولا سبيل لدفع إيراده.
ولقد سأل بعض التابعين الصحابة أكان رجم النبي ﷺ لماعز والغامدية قبل نزول آية النور أم بعدها؛ فقال: لَا أدري لعله قبلها، ونحن لَا نتهجم بالنسخ، ولو كان نسخ السنة، فلسنا ندَّعي نسخها بالآية الكريمة، ولم يبين أنها نسخته ولا نسمح بنسخ السنة بمجرد الاحتمال، ولا بمجرد التعارض، ولكن يبقى بين أيدينا أن العقوبات كلها مذكورة في القرآن إلا هذه مع أنها أقسى عقوبة، وإذا كان ثمة احتمال النسخ، فهو احتمال ناشئ من دليل وليس احتمالا مجردا أقسى من أشد عقوبات إلا الآية التي فيها محاربة الله ورسوله، وهو القتل والصلب، فإن الرجم: الرمي بالحجارة حتى يموت فهو عذاب حتى الموت، والصلب أهون لأنه بعد الموت حيث لَا يكون إحساس، ولا يضر الشاة سلخها بعد موتها، كما قالت ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر ﵂ وعن أبيها، ولعن الله من آذاها في نفسها وفي أبيها وآذي الكعبة معها.
стр. 7660
هذه عقوبة الزنى، ونعتقد أن حكم الآية عام، والظاهر من الألفاظ أنها تعم المحصن وغير المحصن، وقالوا: ثبت بالسنة تغريب عام، بعد الجلد على ملأ من الناس لكي يذهب عنه عار الجلد. وروي عن مالك أن المرأة لَا تعذب حتى لَا تكون عرضة للسقوط مرة أخرى، وفائدة التعذيب بالنسبة للرجل لكي يذهب عنه خزي الجريمة، لأن الخزي يجعله يهون في ذات نفسه، فيهون عليه ارتكاب الجريمة، إذ الجريمة في ذاتها هوان.
وقد يقول قائل في هذه المناسبة: إن الدعوة إلى أن يشهد العقوبة طائفة من المؤمنين يناقض الستر الذي دعا إليه النبي ﷺ في مثل قوله ﷺ : " كل أمتي معافى إلا المجاهرين " (١) والجواب عن ذلك أن إعلان العقوبة خير، لأنه ردع عام، أما إعلان الجريمة من غير عقوبة فدعوة إلى الجريمة، وفرق بين دعوة الردع ودعوة الفجور.
لم نذكر الآية الرابعة، وهي إحدى الثلاث غير المذكورة في سورة النور، وهي قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥).
إن ظاهر الآية من غير تأويل، ولا تحميل الألفاظ غير ما يحتمل أن الظاهر من قوله تعالى: (فَإِذَا أُحْصِنَّ)، أي فإذا تزوجن فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب، وإن الرجم لَا ينصف، وإذن يكون ما على المحصنات المتزوجات جلدا قابلا للتنصيف، وإن هذا يدل بدلالة الإشارة أو الاقتضاء على أنه لَا رجم، ولذا
стр. 7661
قلنا: إن احتمال نسخ الرجم بآية من سورة النور احتمال ناشئ عن دليل، وما كان النسخ نسخ قرآن، إنما هو نسخ سنة، إذ الرجم لم يثبت إلا بالسنة.
هذه آية سورة النور، وما يرتبط بها، وما يتعلق بأحكام الزنى، قال تعالى بعد ذلك:
стр. 7662
(الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)
إن الرجل النظيف لَا يلقي بمائه في موضع دنس، وأي دنس أخبث من دنس الزنى، أي فهو لَا يتزوج زانية، والنكاح هنا بمعنى العقد، لَا بمعنى الوطء كما روي عن ابن عباس برواية ضعيفة لم تصح، ويقول الزجاج: إن النكاح لم يذكر في القرآن إلا بمعنى العقد، فلا ينكح مؤمن زانية قط، ما دامت لم تتب توبة نصوحا، ولم تنخلع من هذه الموبقة، وتطهرها بالتوبة بعد الحد، وإن المؤمنة التقية لَا ترضى أن يكون زوجا لها زان عرف بالزنى، بل إن الزاني إذا تزوج مؤمنة كان الزواج فاسدا بحكم الكفاءة في الزواج، وقد أجمع الفقهاء على عد الكفاءة في التدين وقال فيه مالك ﵁: إنه زوج.
وكما أن الزاني لَا يجد من يقبله زوجا إلا زانية أو مشركة، كذلك الزانية لا تجد زوجا يقبلها إلا إذا كان زانيا أو مشركا، وإن ذلك حكم الطبع السليم الذي تكون فيه النفس غير مهينة، ولا مبتذلة، ولا مدنسة بالرجس والآثام؛ وذلك لأن الزوج عشير يخالط زوجه بالحس، ويخالطه بالنفس، وعدوى النفوس كعدوى الآثام تتلاقح بالأمراض، كما تنتقل الأمراض بين الناس.
جانيك من يجنى عليك وقد ... تعدى الصحاح مبارك الجرب
وإن ذلك وإن كانت الفطرة تمنعه، فالشرع لَا يرضاه، وقد قال: (وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) الإشارة إلى النكاح، أي نكاح الزاني بغير الزانية، والزانية بغير الزاني، أي لَا يكون دأب النفوس إلا متفاعلا بعضه ببعض، وبظاهر الآية أخذ
стр. 7663
بعض الفقهاء، ومنهما الظاهرية والحنابلة أو بعضهم، وبعض قليل من الشافعية والمالكية والحنابلة وأكثر الشافعية على أن نكاح الزناة ليس بفاسد.
ويجب أن نقول: إن الزانية التي وصف الزنى قائم بها، وإذا تابت فإنها تنخلع منه؛ لأن التوبة النصوح تجبُّ ما قبلها، وكذلك الزاني، فإن التوبة تطهر النفس، والإخلاص في التوبة يوجب الندم، وإن الله هو قابل التوبة، وغفار الذنوب، وكذلك نقرر أنه بالإجماع يجوز الزواج ممن تاب وآمن وعمل صالحا.
وإن الشريعة كما تطهر الأسرة من الزناة تحميها من الذين يريدون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، فيعاقب الذين يرمون الطاهرات العفيفات بالزنى ووضعت لهم عقابا رادعا ثمانين جلدة، فقال تعالت كلماته:
* * *
حد القذف
стр. 7664
(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)
هذه جريمة القذف، وهو في الشريعة رمي المحصن بالزنى، والمذكور في الآية رمي المحصنات، وقد ثبت بقانون المساواة أن هذا حكم رامي الرجال؛ ذلك لأن قانون المساواة الشرعية يجعل حكم الرجل كحكم المرأة، فإننا نرى التكليف كان في أكثر الأحوال يجيء بمخاطبة الرجال، ثم يدخل النساء بحكم قانون المساواة في التكليف.
стр. 7665
وذكر النساء وحدهن، وإن دخل الرجال بحكم قانون المساواة؛ لأن المحصنات يصيبهن ضرر الرمي بالزنا أكثر من الرجل بحكم العرف في الدنيا؛ ولأنها موضع الأمانة الربانية، فصيانتها أوجب، ورميها يكون أشد، ولأن أول رمي كان لأطهر نساء قريش - بعد فاطمة - زوج محمد رسول الله ﷺ وبنت أبي بكر الصديق، فكان ذكر النساء أولا.
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) لم يقل بالزنى، بل لم يذكر المرمى به تحصنا وإبعادًا لألفاظ الشين عن المحصنات الطاهرات العفيفات، وقوله تعالى: (فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً)، الفاء هنا كفاء الشرط لتضمن الموصول معنى الشرط، وفيه مع ذلك إشارة واضحة إلى أن رمي المحصنات هو سبب هذا الحكم القاسي، والإحصان يتضمن معاني ثلاثة: أولها: الإسلام، فلا إحصان لغير مسلم ولا مسلمة، وثانيها: الحرية فلا إحصان لعبد، ولا لأمة، وثالثها: ألا يقع في زنى من قبل، أو يكون قد دخل في عقد فاسد بشبهة تسقط الحد، ولا تمنع بقاء وصف الزنى كالعقد على المحارم ونحوه مما هو مفصل في كتاب " الزواج "، فليرجع إليه (١).
والعقوبات ثلاث كما أشرنا:
الأولى: الجلد ثمانين جلدة، ووضحنا المعنى في التعبير بقوله (فَاجْلِدُوهُمْ) من حيث إن المراد ضرب يؤلم الجِلْد، فلا يكون ثمة حاجز يمنع إيلام الجلد كحشية أو نحو ذلك، وهذه عقوبة بدنية تصيب البدن وتؤلمه، وإذا كانت هذه عقوبة ومن قبل عقوبة الزانية فيها قسوة، فإنها رحمة بالجماعة المؤمنة من أن يفشو فيها الزنى، ويشيع، وفي ذلك فتنة وخراب وفساد كبير، وضياع للأمم، وللنسل، وخيانة للأمانة التي أودعها الله أصلاب الرجال، وأرحام النساء.
الثانية: إهدار أقوال القاذفين بألا تقبل لهم شهادة في قضاء، وهذا قوله تعالى: (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا) والأبدية توجب ألا تقبل لهم شهادة مطلقا: تابوا أو لم يتوبوا، وهذا ما قرره الحنفية وأكثر الفقهاء، وقرر الشافعية أن التوبة
стр. 7666
النصوح تنهي هذه العقوبة؛ لأدن التوبة المقبولة تجبُّ ما قبلها من المعاصي؛ ولأن استثناء التوبة في الآية:
стр. 7667
(إِلَّا الَّذِين تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا) جاء بعد (لا تَقْبَلُوا)، والحكم بالفسق، فيشمل الاستثناء منهما لَا من أحدهما، ونحن نميل إلى ما فهمه الحنفية، أولا لأن النص على الأبدية يمنع الاستثناء؛ ولأن (وَأُوْلَئِكَ هُم الْفَاسِقُونَ) جملة مستقلة، والجملة " ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا " قد انتهت، فلا يتعلق الاستثناء بها، ولأن هذا هو الذي يلائم أنها عقوبة، ولأن إشاعة الفاحشة أعظم جرائم اللسان، فيجب أن تتعلق العقوبة به.
العقوبة الثالثة: الوصف بالفسق في قوله تعالى: (وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)، وهذه هي التي دخلها الاستثناء؛ لأنها في جملته والحكم بالفسق اقترن به الاستثناء، فخرج المستثنى من حكم المستثنى منه.
وشرط تحقق حد القذف، ألا يأتي من يرمي بالزنى بأربعة شهود هو منهم، وبعبارة أدق بثلاثة معه يقرون قوله، ولذا قال تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) وكان التعبير في العطف بـ (ثم) الدالة على التراخي فيه إشارة إلى بعد الحصول على ثلاثة يشهدون معه، فإن إثبات الزنى بأربعة عسير، إلا أن يكون فعلا علنيا، ولا يحدث ذلك إلا في أفحش الأمم فجورا كأهل أوروبا وأمريكا.
والرمي - لكي يقام حد القذف - يجب أن يكون رميا صريحا بالزنى حتى يقول الفقهاء إنه رآه يضع إحليله في فرجها كما تضع الميل في المكحلة، أو نحو هذا التعبير.
ولو عَرَّضَ لَا يكون رميا بالزنى، ولو كان التعريض كالتصريح وضوحا، وقد رُمي المغيرة بن شعبة الذي صار نصيرا لمعاوية، فشهد ثلاثة من الأربعة بالرمي الصريح، وعرض زياد ابن أبيه الذي ألحقه معاوية بنسبه لم يصرح، فَعَدَّهُم عمر بن الخطاب الذي كان يقضي في الأمر بنفسه، قاذفين، وعاقبهم عقوبة الجلد.
стр. 7668
وما كان ذلك إلا ليحمل الناس الذين يرون تلك الجريمة البشعة ألا ينطقوا بها، حتى لَا تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ويشيع الترامي بالزنى، فيستهين الناس به.
ثم قال الله تعالى في وصف القاذفين (. . . وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)
الإشارة إلى الذين يرمون المحصنات، والإشارة إلى الموصوف بصفة أو القائم بعمل، بين أن ذلك العمل هو سبب الحكم، فالقذف سبب الحكم بالفسق؛ لأنه في ذاته فسق في القول، وقد أكد الحكم بفسقهم أولا: بالجملة الاسمية، وثانيا: تضمير الفصل " هم "، وثالثا: بجعل الفسق وصفا لهم، ورابعا: بقصرهم على الفسق، أي أنهم لا يخرجون من الفسق، فهم في دائرته لَا يخرجون عنها، فهم في شر مستمر دائم لا يخرجون عن دائرته قط إلا إذا تابوا، ولذا قال تعالى:
(إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)
الاستثناء من الحكم باستغراق الفسق؛ لأن رحمة الله تتسع للعصاة الذين أذنبوا، ولذلك ترفع عن القاذفين عقوبة عدم قبول شهادة، وإن ذلك هو الذي يتفق مع المتبادر من السياق البياني للقرآن الكريم؛ إذ إن الأمر بعدم قبول الشهادة في آية منفردة عن هذه الآية، وهي أمر بهذا العقاب معطوف على أمر بالعقاب البدني، وهما في جملتين إنشائيتين، والحكم بالفسق في جملة خبر.
والرأي الذي في المذهب الشافعي الذي يجيز قبول الشهادة إن تابوا، قال: إن الاستثناء من الآيتين معا، وقد قلنا: إننا نميل إلى رأي الجمهور في الاستثناء من الحكم بالفسق فقط، لذكر كلمة (أَبَدًا) وما كان قول الله لغوا، ولأنه المتبادر.
ولأن منع قبول الشهادة لحق الناس ولصيانة مجلس القضاء.
والاستثناء هو قوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا) فالتوبة هي الإقلاع عن هذا والعزم على ألا يعود إليه، والندم على ما وقع، وذلك بالشعور بالحسرة لوقوعه، ولابد من الإصلاح بدل الإفساد والتخريب، فالذي تغير الفسق،
стр. 7669
وذلك بأن يكون صالحا، وخصوصا أن الله ﷻ سجل عليهم وصف الفسق، فلا يزيله إلا وصف الإصلاح.
وبين قبول توبتهم عن الفسق، فيقول عز من قائل: (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رحِيمٌ) وقوله تعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ غفُورٌ رحِيم) دليل على قبول التوبة؛ لأن الفاء كالواقعة في جواب الشرط، لتضمن التوبة والإصلاح معنى الشرط، والمعنى فإن الله يقبل توبة هؤلاء الفاسقين لأن الله غفور رحيم يغفر الذنوب لمن يتوب من عباده، ويعفو عن السيئات، وذلك رحمة بعباده.
ونقرر أخيرا أن العقوبة بعدم قبول الشهادة أمر دنيوي نظم الله تعالى أهلية الشهادة، والحكم بها، وأما الغفران فأمره إلى الله تعالى، وهو الغفور الرحيم.
* * *
اللعان
(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)
* * *
روى أن رجلا قال للنبي ﷺ : " إن الرجل يجد الرجل مع أهله وإن قتله قتلتموه، وإن تكلم ضربتموه، وإن سكت سكت على غيظ اللهم بين " (١)؛ فكانت
стр. 7670
هذه الآيات علاجا لذلك وشفاء لغيظه، ورحمة بالناس، وخاصة بالأسرة الإسلامية: لتقوم على الاطمئنان النفسي، والثقة التي تكون بين ركنيها، وهما الزوجان، ولصيانتها عن القالة.